العقيدة بين الإيمان والدراية

2 views
Skip to first unread message

talalkdr

unread,
Apr 5, 2013, 5:39:35 AM4/5/13
to
العقيدة بين الإيمان والدراية

لم تكن مشكلة العقيدة يوماً في مسألة الخلاف الدائر بين أهل الحديث والأشاعرة والماتردية وغيرهم من الملل، فهذا إشكال هامشي إذا ما قورن بالأزمة العقائدية الحقيقية التي نعاني منها من حيث لا نشعر.
منذ بدأ الفقهاء بتأصيل علم العقيدة والتوسع بتعريفها والتفرع بتقسيماتها وتحديد أُطِرها ومحاولة تمييزها عن غيرها من العقائد خوفاً من اختلاطها بغيرها، أقول منذ بدأ ذلك صارت العقيدة تنتقل تدريجياً من إيمان وسلوك إلى علم ودراية، وحين صارت العقيدة علماً لا تربية، أصبحت تُدَرّس لا تُغْرَس.
تأتي الخطورة هنا حين نكون على دراية بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، في الحين الذي لا نكون مؤمنين بها قلباً ولا سلوكاً.
إن الخطاب القرآني حين تناول العقيدة كان خطاباً تربوياً بحتاً لا تعليمياً، ولو كانت الآيات التي تربي على العقيدة بالمئات لسقتها ولكنها بالآلاف.
لاحظ حين يذكر لك الله سبحانه قصة موسى وفرعون الإشارة الواضحة على توحيد الله واستحقاقه وحده للعبادة، وكأنه ينبهك أن الخضوع للطغاة نقص في التوحيد. لاحظ حين يتطرق إلى أحكام جامدة كالطلاق والإرضاع ثم يربطها جميعاً بالعقيدة، إقرأ جميع آيات الطلاق في البقرة وسورة الطلاق، لا تخلو آية واحدة منها من إشارة إلى التقوى والتذكير بالله. وكأن يربيك للتعامل مع الأحكام الإلهية تعاملاً قلبياً لا قانونياً. لم يمتدح القرآن المؤمنين بأنهم عرفوا العقيدة الصحيحة, بل امتدحهم لما غُرست هذه العقيدة في قلوبهم, إذ أن الكفار والمنافقين كانوا على علم بالعقيدة الصحيحة أيضاً "ولإن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله" وذكر الله في غير موضع أنهم على دراية أن أصنامهم لا تنفع ولاتضر, وقد أقام عليهم الأنبياء الحجة البالغة كما فعل إبراهيم "فرجعوا إلى أنفسهم" أي عرفوا حقيقة أصنامهم الباطلة وعلموا أن الله وحده المستحق للعبادة, فهم موحدون مثلنا إذاً لو كانت العقيدة مجرد دراية, ولكنها إيمان يسلتزم استحضارها في كل وقت. لم يذكر الله عبثاً تلك الأمم التي عرفت الحق وصدت عنه "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلواً" إذ أن في ذلك تحذيرللمسلمين أهل العقيدة الصحيحة من أن تكون عقيدتهم كعقائد هؤلاء.
وحين تقرأ سيرة المربي محمد صلى الله عليه وسلم تجده مربياً لا مُعلماً للعقيدة، حتى ملأ قلوب الصحابة إيماناً ويقيناً انعكس ذلك على سلوكهم، وربما كان بعضهم أعراباً لا يحفظون آية واحدة من كتاب الله, لم يكن مهماً إغراقهم بالتعاريف بقدر غرس المفهوم في القلوب, ولا عجب حين يقول صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه" وهذا كلام موجه لأهل المدينة من المؤمنين لا لكفار قريش.
وفرّق الله سبحانه بين أهل الدراية وأهل الإيمان حين: قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم. 
هؤلاء الأعراب علموا أن الله هو الإله الحق، وأنه الرازق الخالق، وعلموا فيما علموا له من صفات حسنى، مع ذلك لم يدخلهم الله في دائرة الإيمان، إذ أن مجرد المعرفة بهذا لا يجعل منك مؤمناً.
وما أقسى الأمر حين تنظر في حالك فتجد أن ما كنت تظنه من إيمانك هو مجرد معلومة مركونة في أحدى زوايا خلايا عقلك، تدعي أنك موحد لله المستحق وحده للعبادة والتعظيم، إذاً ماذا تسمى طاعتك العمياء وتعظيمك لملك أو حاكم؟ تدعي أنك مؤمن بأن الله هو المعز المذل, إذاً ماذا تسمي تزلفك لفلان وفلان من أهل المناصب؟ تدعي أنك مؤمن أن الله سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير، فأين إيمانك حين تخلو بمحارم الله؟ تدعي أنك مؤمن باسم الله الوكيل الرزاق، أين إيمانك حين يفوح منك الغرور وتكل الأمور لنفسك ويفوتك الاتكال على الله، تدعي أنك تؤمن باسم الله العدل الشديد العقاب، أين هذا الإيمان حين تظلم وتبطش بخادمك؟ تدعي أنك مؤمن بما أعده الله من نعيم في الجنة، أين إيمانك حين تنشغل عنها بدنيا زائلة؟
لست مؤمناً ولا صحيح الاعتقاد حين تقوم بذلك, وربما لا تكون مؤمناً إطلاقاً ولا من أهل الملة إذا كان هذا حالك باستمرار. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؟ إن العبد في حالة شروعه بالمعصية لا يكون في لحظتها مؤمناً إطلاقاً ولا يكون جلال الله حينها حاضراً في قلبه، إذ لو مؤمناً لكان إيمانه يستدعي استحضاره السريع لرؤية الله له أثناء معصيته، ولو افترضنا أنه استحضر رؤية الله له وتجاهل ذلك وشرع بالمعصية بكل وقاحة، فإنه وإن كان حينها مستحضراً رؤية الله فإنه بلا شك لم يكن مستحضراً هيبته ولا شديد عقابه فإيمانه حينها ناقص، والحالة الثانية أقبح من الأولى.
إذاً فالعقيدة عندنا معلولة،والسبب هو تناولها في التعليم ذهنياً دون ربطها قلبياً، وهذه هي الطامة الكبرى، ليست مشكلتنا ما نراه من بدع بعض أهل البدع ومنازعة الآخرين على مسائل خلافية صغيرة، أصلح عقيدتك أولاً وثبتها في قلبك قبل عقلك، واجعلها حاكمة على سلوكك، حتى إذا استقر يقينك بالله وأردت الاستزاده، قم بعدها وابحث في دقائق مسائل الخلاف بين أهل الملل التي تندرج جميعها في دائرة الإسلام إن لم تكن في دائرة أهل السنة الواسعة.
ولما رأيت أن الطريق إلى اليقين هو طريق ممتد من المهد إلى اللحد، يُقضى العمر قبل أن تصل إليه، لذلك اخترت إيماناً فطرياً كإيمان العجائز, فقلوبهم مُلأت إيماناً حقيقياً صافياً من الأسلاك المُعقدة من التعريفات والجدليات, حسبي بأن الله سبحانه حين يحاسبني على عقيدتي لن يسألني عن تعريف توحيد الربوبية, إنما عن مدى يقيني بهذا التوحيد.
 
كان الفخر الرازي حين ينصرف من إلقاء دروسه في المسجد يشيّعه المئات من طلابه إلى بيته، يحملون الألواح ويسجلون جميع كلامه وحركاته، حتى قيل أنه إذا عطس كتبوا عطس الرازي! فمر ذات يوم وهو في موكب من التلاميذ على امرأة عجوز فقالت متعجبة: من هذا الذي يمشي في موكب من المئات؟ فالتفت إليها أحد تلاميذه فقال: هذا الإمام الرازي الذي يملك ألف دليل ودليل على وجود الله، فقالت العجوز: والله لو لم يكن له ألف شك وشك لما كان لديه ألف دليل ودليل! فسمعها الرازي وقال: اللهم أسألك إيماناً كإيمان العجائز!
 
وفي براءة إيمان العجائز ما
لم يستطع للفتى شرحاً تفلسفه
طلال

___
أرجو إبلاغي حال عدم رغبتك في استقبال رسائلي


Talal Alkhedher
طلال الخضر

@talkhedher
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages