واجب تفسير سوره الكوثر

24 views
Skip to first unread message

ساره العجلان

unread,
Oct 2, 2012, 5:21:07 PM10/2/12
to mofs...@googlegroups.com
بسم الله الرحمن الرحيم 

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (3) 

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه مبتسما، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه أنـزلت عليَّ آنفا سورة". فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) حتى ختمها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هو نهر أعطانيه ربي، عز وجل، في الجنة، عليه خير كثير، تردُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلَج العبد منهم فأقول: يا رب، إنه من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". 

هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق. 

وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يَشْخَب فيه ميزابان من السماء عن نهر الكوثر، وأن عليه آنية عددَ نجوم السماء. وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي، من طريق محمد بن فضيل، وعلي بن مُسْهِر، كلاهما عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس. ولفظ مسلم قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنـزلت علي آنفا سورة"، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه نهر وَعَدنيه ربي، عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم فَيختلجُ العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي. فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك". 

فأما قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى، عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، < 8-499 > عن أنس أنه قرأ هذه الآية (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيتُ الكوثر، فإذا هو نهر يجري، ولم يُشق شقًا، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ، فضربت بيدي في تربته، فإذا مسكه ذَفَرة، وإذا حصاه اللؤلؤ" 

وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، عز وجل". 
وقال ابن جرير: حدثنا الربيع، أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن هلال، عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، مضى به جبريل في السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يُشمَ تُرَابه، فإذا هو مسك. قال: "يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خَبَأ لك ربك". 

وقال سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مُجَوف، فقال الملك الذي معه: أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي أعطاك الله. وضرب بيده إلى أرضه، فأخرج من طينه المسك" وكذا رواه سليمان بن طِرْخان، ومعمر وهَمَام وغيرهم، عن قتادة، به. 

وقال أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكوثر؟ قال: "نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر". قال عمر: يا رسول الله، إنها لناعمة؟ قال: "أكلها أنعم منها يا عمر". 



وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا وَكِيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة، شاطئاه در مُجَوف. وقال إسرائيل: نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء

قال السهيلي: ورواه الدارقطني مرفوعا، من طريق مالك بن مِغْوَل عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يَزْعُمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله

وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا، فقال ابن جرير: 

حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا عمر بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل. 

حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال... وقال عطاء [بن السائب] عن محارب بن دِثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل". 

وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، به مرفوعا وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقال ابن جرير: حدثني ابن البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حَرَام بن عثمان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أسامة بن زيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوما فلم يجده، فسأل امرأته عنه -وكانت من بني النجار-فقالت: خرج يا نبي الله آنفا عامدًا نحوك، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أولا تدخلُ يا رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حيسا، فأكل منه، فقالت: يا رسول الله، هنيئا لك ومريئا، لقد جئتَ وأنا أريد أن آتيك فأهْنيك وأمْريك؛ أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر. فقال: "أجل، وعرضه -يعني أرضه-ياقوت ومرجان، وزبرجد ولؤلؤ". 

وقوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك < 8-503 > النهرُ الذي تقدم صفته -فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونَحْرَك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162 ، 163] قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البُدْن ونحوها. وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والربيع، وعطاء الخراساني، والحكم، وإسماعيل بن أبي خالد، وغير واحد من السلف. وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ الآية [الأنعام:121]. 

وقيل: المراد بقوله: (وَانْحَرْ ) وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح. وعن الشعبي مثله. 

وعن أبي جعفر الباقر: (وَانْحَرْ ) يعني: ارفع اليدين عند افتتاح الصلاة. 

وقيل: (وَانْحَرْ ) أي: استقبل بنحرك القبلة. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير. 

وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا منكرا جدا فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم الفامي -سنة خمس وخمسين ومائتين-حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب قال: لما نـزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال رسول الله: "يا جبريل، ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ " فقال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة. 

وهكذا رواه الحاكم في المستدرك، من حديث إسرائيل بن حاتم، به. 

وقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) أي: إن مبغضك -يا محمد-ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكْرُه. 

قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نـزلت في العاص بن وائل. 

وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنـزل الله هذه السورة. 

وقال شَمِر بن عطية: نـزلت في عقبة بن أبي مُعَيط. 

وقال ابن عباس أيضا، وعكرمة: نـزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش. 

وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحَسَّاني، حدثنا بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا المُصَنْبر المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنـزلت: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) 

هكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح. 

وعن عطاء: نـزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب أبو لهب إلى المشركين وقال: بُتِرَ محمد الليلة. فأنـزل الله في ذلك: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) 

وعن ابن عباس: نـزلت في أبي جهل. وعنه: (إِنَّ شَانِئَكَ ) يعني: عدوك. وهذا يَعُمُّ جميعَ من اتصفَ بذلك ممن ذكر، وغيرهم.

وقال عكرمة: الأبتر: الفرد. وقال السُّدِّي: كانوا إذا مات ذكورُ الرجل قالوا: بُتر. فلما مات أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: بتر محمد. فأنـزل الله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) لبن كثير                                                                      {إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ} قراءة العامة: {إِنَّا أَعْطَيْناكَ} بالعين. وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف: {أنطيناك} بالنون، وروته أم سلمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي لغة في العطاء، أنطيته: أعطيته. والْكَوْثَرَ: فوعل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. والعرب تسمى كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا. قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت بكوثر، أي بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير. قال الكميت:
وأنت كثير يا بن مروان طيب *** وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع. والكوثر من الغبار: الكثير. وقد تكوثر إذا كثر، قال الشاعر:
وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا ***
الثانية: واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ستة عشر قولا: الأول: أنه نهر في الجنة، رواه البخاري عن أنس والترمذي أيضا وقد ذكرناه في كتاب التذكرة.
وروى الترمذي أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج». هذا حديث حسن صحيح.
الثاني- أنه حوض النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الموقف، قاله عطاء.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: بينما نحن عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت على آنفا سورة- فقرأ- بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ- ثم قال- أتدرون ما الكوثر؟. قلنا الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة إنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك». والاخبار في حوضه في الموقف كثيرة، ذكرناها في كتاب التذكرة. وأن على أركانه الاربعة خلفاء الاربعة، رضوان الله عليهم. وأن من أبغض واحدا منهم لم يسقه الآخر، وذكرنا هناك من يطرد عنه. فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك. ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثرا، لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد عليه السلام هناك. ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير.
الثالث: أن الكوثر النبوة والكتاب، قاله عكرمة.
الرابع: القرآن، قاله الحسن.
الخامس: الإسلام، حكاه المغيرة.
السادس: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع، قاله الحسين بن الفضل.
السابع- هو كثرة الأصحاب والامة والأشياع، قاله أبو بكر بن عياش ويمان ابن رئاب.
الثامن- أنه الإيثار، قاله ابن كيسان.
التاسع- أنه رفعة الذكر. حكاه الماوردي.
العاشر: أنه نور في قلبك دلك علي، وقطعك عما سواي. وعنه: هو الشفاعة، وهو الحادي عشر.
وقيل: معجزات الرب هدي بها أهل الإجابة لدعوتك، حكاه الثعلبي، وهو الثاني عشر.
الثالث عشر: قال هلال بن يساف: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل: الفقه في الدين.
وقيل: الصلوات الخمس، وهما الرابع عشر والخامس عشر.
وقال ابن إسحاق: هو العظيم من الامر، وذكر بيت لبيد:
وصاحب ملحوب فجعنا بفقده *** وعند الوداع بيت آخر كوثر
أي عظيم. قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني، لأنه ثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نص في الكوثر. وسمع أنس قوما يتذاكرون الحوض فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي حوضه يقول الشاعر:
يا صاحب الحوض من يدانيكا *** وأنت حقا حبيب باريكا
وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيادة على حوضه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسليما كثيرا.

{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)}
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {فَصَلِّ} أي أقم الصلاة المفروضة عليك، كذا رواه الضحاك عن ابن عباس.
وقال قتادة وعطاء وعكرمة: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} صلاة العيد ويوم النحر. {وَانْحَرْ} نسكك.
وقال أنس: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينحر ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر.
وقال سعيد بن جبير أيضا: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع، وانحر البدن بمنى، وقال سعيد بن جبير أيضا: نزلت في الحديبية حين حصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن البيت، فأمره الله تعالى أن يصلي وينحر البدن وينصرف، ففعل ذلك. قال ابن العربي: أما من قال: إن المراد بقوله تعالى: {فَصَلِّ} الصلوات الخمس، فإنها ركن العبادات، وقاعدة الإسلام، وأعظم دعائم الدين. وأما من قال: إنها صلاة الصبح بالمزدلفة، فلأنها مقرونة بالنحر، وهو في ذلك اليوم، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها، فخصها بالذكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنحر. قلت: وأما من قال إنها صلاه العيد، فذلك بغير مكة، إذ ليس بمكة صلاة عيد بإجماع، فيما حكاه ابن عمر. قال ابن العربي: فأما مالك فقال: ما سمعت فيه شيئا، والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة يوم النحر، والنحر بعدها.
وقال علي رضي الله عنه ومحمد ابن كعب: المعنى ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة. وروي عن ابن عباس أيضا. وروي عن علي أيضا: أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره. وكذا قال جعفر بن علي: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: يرفع يديه أول ما يكبر للإحرام إلى النحر. وعن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجبريل: «ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها؟ قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيره». وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: استقبل القبلة بنحرك، وقاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص. ومنه قول الشاعر:
أبا حكم ما أنت عم مجالد *** وسيد أهل الأبطح المتناحر
أي المتقابل. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر، أي نتقابل، نحر هذا بنحر هذا، أي قبالته.
وقال ابن الاعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب، من قولهم: منازلهم تتناحر، أي تتقابل. وروي عن عطاء قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره.
وقال سليمان التيمي: يعني وارفع يدك بالدعاء إلى نحرك.
وقيل: فَصَلِّ معناه: واعبد.
وقال محمد بن كعب القرظي: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ يقول: إن ناسا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، وقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله. قال ابن العربي: والذي عندي أنه أراد: أعبد ربك، وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر، وبالحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصوصية من الكوثر، وهو الخير الكثير، الذي أعطاكه الله، أو النهر الذي طينه مسك، وعدد آنيته نجوم السماء، أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر، وذبح كبش أو بقرة أو بدنة، فذلك يبعد في التقدير والتدبير، وموازنة الثواب للعبادة. والله أعلم.
الثانية: قد مضى القول في سورة الصافات في الأضحية وفضلها، ووقت ذبحها، فلا معنى لاعادة ذلك. وذكرنا أيضا في سورة الحج جملة من أحكامها. قال ابن العربي: ومن عجيب الامر: أن الشافعي قال: إن من ضحى قبل الصلاة أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، فبدأ بالصلاة قبل النحر، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البخاري وغيره، عن البراء بن عازب، قال: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا: نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل فقد أصاب نسكنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء». وأصحابه ينكرونه، وحبذا الموافقة.
الثالثة: وأما ما روي عن علي عليه السلام فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة خرجه الدارقطني، فقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: لا توضع فريضة ولا نافلة، لان ذلك من باب الاعتماد. ولا يجوز في الفرض، ولا يستحب في النفل.
الثاني- لا يفعلها في الفريضة، ويفعلها في النافلة استعانة، لأنه موضع ترخص.
الثالث- يفعلها في الفريضة والنافلة. وهو الصحيح، لأنه ثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل ابن حجر وغيره. قال ابن المنذر: وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وحكي ذلك عن الشافعي. واستحب ذلك أصحاب الرأي. ورأت جماعة إرسال اليد. وممن روينا ذلك عنه ابن المنذر والحسن البصري وإبراهيم النخعي. قلت: وهو مروي أيضا عن مالك. قال ابن عبد البر: إرسال اليدين، ووضع اليمنى على الشمال، كل ذلك من سنة الصلاة.
الرابعة: واختلفوا في الموضع الذي توضع عليه اليد، فروى عن علي بن أبي طالب: أنه وضعهما على صدره.
وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق السرة. وقال: لا بأس إن كانت تحت السرة. وقالت طائفة: توضع تحت السرة. وروي ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز. وبه قال سفيان الثوري وإسحاق.
الخامسة: وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع والسجود، فاختلف في ذلك، فروى الدارقطني من حديث حميد عن أنس قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد. لم يروه عن حميد مرفوعا إلا عبد الوهاب الثقفي. والصواب: من فعل أنس.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول سمع الله لمن حمده. ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود. قال ابن المنذر: وهذا قول الليث بن سعد، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول. وبه أقوال، لأنه الثابت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما سوى ذلك. هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.
قلت: وهو المشهور من مذهب مالك، لحديث ابن مسعود، خرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: «صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلم يرفعوا أيديهم إلا أولا عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة». قال إسحاق: به نأخذ في الصلاة كلها. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفا عن حماد عن إبراهيم. وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله، من فعله، غير مرفوع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الصواب. وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أفتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، ثم لم يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من الصلاة. قال الدارقطني: وإنما لقن يزيد في آخر عمره ثم لم يعد، فتلقنه وكان قد اختلط.
وفي مختصر ما ليس في المختصر عن مالك: لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة. قال ابن القاسم: ولم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام، قال: وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام.

{إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)}
أي مبغضك، وهو العاص بن وائل. وكانت العرب تسمى من كان له بنون وبنات، ثم مات البنون وبقي البنات: أبتر. فيقال: إن العاص وقف مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت واقفا؟ فقال: مع ذلك الأبتر. وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان من خديجة، فأنزل الله جل شأنه: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل قالوا: بتر فلان. فلما مات إبراهيم ابن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج أبو جهل إلى أصحابه، فقال: بتر محمد، فأنزل الله جل ثناؤه:
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني بذلك أبا جهل.
وقال شمر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط.
وقيل: إن قريشا كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده: قد بتر فلان. فلما مات لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبنه القاسم: بمكة، وإبراهيم بالمدينة، قالوا: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده، فنزلت هذه الآية، قاله السدي وابن زيد.
وقيل: إنه جواب لقريش حين قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم مكة: نحن أصحاب السقاية والسدانة والحجابة واللواء، وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا الصنيبر الابيتر من قومه؟ قال كعب: بل أنتم خير، فنزلت في كعب: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] الآية. ونزلت في قريش: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، قاله ابن عباس أيضا وعكرمة.
وقيل: إن الله عز وجل لما أوحى إلى رسوله، ودعا قريشا إلى الايمان، قالوا: انبتر منا محمد، أي خالفنا وانقطع عنا. فأخبر الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم هم المبتورون، قاله أيضا عكرمة وشهر بن حوشب. قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له. وكل أمر انقطع من الخير أثره، فهو أبتر. والبتر: القطع. بترت الشيء بترا: قطعته قبل الإتمام. والانبتار: الانقطاع. والباتر: السيف القاطع. والأبتر: المقطوع الذنب. تقول منه: بتر بالكسر يبتر بترا.
وفي الحديث: «ما هذه البتيراء». وخطب زياد خطبته البتراء، لأنه لم يجمد الله فيها، ولم يصل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ابن السكيت: الابتران: العير والعبد، قال سميا أبترين لقلة خيرهما. وقد أبتره الله: أي صيره أبتر. ويقال: رجل أباتر بضم الهمزة: الذي يقطع رحمه. قال الشاعر:
لئيم نزت في أنفه خنزوانة *** على قطع ذي القربى أحذ أباتر
والبترية: فرقة من الزيدية، نسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر. وأما الصنبور فلفظ مشترك. قيل: هو النخلة تبقى منفردة، ويدق أسفلها ويتقشر، يقال: صنبر أسفل النخلة.
وقيل: هو الرجل الفرد الذي لا ولد له ولا أخ.
وقيل: هو مثعب الحوض خاصة، حكاه أبو عبيد. وأنشد:
ما بين صنبور إلى الازاء ***
والصنبور: قصبة تكون في الإداوة من حديد أو رصاص يشرب منها. حكى جميعه الجوهري رحمه الله. والله سبحانه وتعالى أعلم.  للقرطبي                                                                                                                      تفسير سورة الكوثر من تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

]إنا أعطيناك الكوثر *فصل لربك وانحر *إن شانئك هو الأبتر[
تفسير :

يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ]إنا أعطيناك الكوثر[أي :الخير الكثير ,والفضل الغزير ,
الذي من جملته , ما يعطيه الله لنبيه صلى الله علية وسلم يوم القيامة ,من النهر الذي يقال له (الكوثر) , ومن الحوض .

طوله شهر وعرضه شهر , ماؤه أشد بياضا من اللبن , وأحلى من العسل،آنيته كنجوم السماء كثرتها واستنارتها , من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً.
ولما ذكر ممتنا عليه , أمر بشكرها فقال : ]فصل لربك وانحر[ خص هاتين العبادتين بالذكر , لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات .
لأن الصلاة تتضمن الخضوع في القلب والجوارح لله , وتنقلها في أنواع العبودية،

وفي النحرتقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر , إخراج المال الذي جبلت النفوس علي محبته و الشح به.

]إن شانئك[ أي : مبغضك وذامك و منتقصك ]هو الأبتر[ أي : مقطوع من كل خير , مقطوع من العمل, مقطوع من الذِّكْر.
أما محمد صلي الله عليه وسلم , فهو كامل حقاً , الذي له الكمال الحق في حق المخلوق , من رفع الذكر , وكثرة الأنصار و الأتباع صلى الله عليه وسلم.

تم النقلمن (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان )
تأليف العلامة الشيخ
عبد الرحمن بن ناصر السعدي                                                                                                                                                                                                                                    وقرأ الجمهور: {أعطيناك} بالعين؛ والحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني: أنطيناك بالنون، وهي قراءة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال التبريزي: هي لغة للعرب العاربة من أولي قريش. ومن كلامه صلى الله عليه وسلم: «اليد العلياء المنطية واليد السفلى المنطاة» ومن كلامه أيضاً، عليه الصلاة والسلام: «وأنطوا النيحة» وقال الأعشى:
جيادك خير جياد الملوك *** تصان الحلال وتنطى السعيرا
قال أبو الفضل الرازي وأبو زكريا التبرزي: أبدل من العين نوناً؛ فإن عنيا النون في هذه اللغة مكان العين في غيرها فحسن، وإن عنيا البدل الصناعي فليس كذلك، بل كل واحد من اللغتين أصل بنفسها لوجود تمام التصرّف من كل واحدة، فلا يقول الأصل العين، ثم أبدلت النون منها.
وذكر في التحرير: في الكوثر ستة وعشرين قولاً، والصحيح هو ما فسره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هو نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم، واقتطعنا منه، قال: «أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم» انتهى. قال ذلك عليه الصلاة والسلام عندما نزلت هذه السورة وقرأها.
وقال ابن عباس: الكوثر: الخير الكثير. وقيل لابن جبير: إن ناساً يقولون: هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير. وقال الحسن: الكوثر: القرآن. وقال أبو بكر بن عباس ويمان بن وثاب: كثرة الأصحاب والأتباع. وقال هلال بن يساف: هو التوحيد. وقال جعفر الصادق: نور قلبه دله على الله تعالى وقطعه عما سواه. وقال عكرمة: النبوّة. وقال الحسن بن الفضل: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع. وقال ابن كيسان: الإيثار. وينبغي حمل هذه الأقوال على التمثيل، لا أن الكوثر منحصر في واحد منها. والكوثر فوعل من الكثرة، وهو المفرط الكثرة. قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر. وقال الشاعر:
وأنت كثير يا ابن مروان طيب *** وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
{فصل لربك وانحر}: الظاهر أن فصل أمر بالصلاة يدخل فيها المكتوبات والنوافل. والنحر: نحر الهدى والنسك والضحايا، قاله الجمهور؛ ولم يكن في ذلك الوقت جهاد فأمر بهذين. قال أنس: كان ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي وينحر، وقاله قتادة. وقال ابن جبير: نزلت وقت صلح الحديبية. قيل له: صل وانحر الهدى، فعلى هذا الآية من المدني. وفي قوله: {لربك}، تنذير بالكفار حيث كانت صلاتهم مكاء وتصدية، ونحرهم للأصنام.
وعن علي، رضي الله تعالىعنه: صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة. وقيل: ارفع يديك في استفتاح صلاتك عند نحرك. وعن عطية وعكرمة: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى. وقال الضحاك: استو بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحرك. وقال أبو الأحوص: استقبل القبلة بنحرك.
{إن شانئك}: أي مبغضك، تقدم أنه العاصي بن وائل. وقيل: أبو جهل. وقال ابن عباس: لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بتر محمد، فأنزل الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر}. وقال شمر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط. وقال قتادة: الأبتر هنا يراد به الحقير الذليل. وقرأ الجمهور: {شانئك} بالألف؛ وابن عباس: شينك بغير ألف. فقيل: مقصور من شاني، كما قالوا: برر وبر في بارر وبار. ويجوز أن يكون بناء على فعل، وهو مضاف للمفعول إن كان بمعنى الحال أو الاستقبال؛ وإن كان بمعنى الماضي فتكون إضافته لا من نصب على مذهب البصريين. وقد قالوا: حذر أموراً ومزقون عرضي، فلا يستوحش من كونه مضافاً للمفعول، وهو مبتدأ، والأحسن الأعرف في المعنى أن يكون فصلاً، أي هو المنفرد بالبتر المخصوص به، لا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجميع المؤمنين أولاده، وذكره مرفوع على المنائر والمنابر، ومسرود على لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر. يبدأ بذكر الله تعالى ويثني بذكره صلى الله عليه وسلم، وله في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف صلى الله عليه وسلم وعلى آله وشرف وكرم. لبن حيان
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages