تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.
"صدى" نشرة إلكترونية تندرج في صلب برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تسعى إلى تحفيز وإغناء النقاش عن أبرز الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي وتقدّم فسحة للمفكرين والكتّاب الجدد كما المعروفين في مجالاتهم يتسنّى لهم من خلالها الإضاءة على هذه المواضيع من وجهة نظر تحليلية.
صدرت مؤخرا للروائية العمانية جوخة الحارثي الفائزة بجائزة مان بوكر الدولية 2019 رواية حرير الغزالة وستصدر العام المقبل روايتها نارنجة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية. في هذا الملف الأدبي الخاص تنشر "صدى" مقابلة لجوخة الحارثي أجرتها معها رئيسة تحرير "صدى" رفيعة الطالعي ومقالا يقدم قراءة لأعمالها الأدبية كتبه كيفن بلانكينشيب أستاذ الأدب العربي بجامعة بريغهام يونغ الأميركية. وفي هذا الملف الخاص تنشر مقاطع من أحدث إصدارين روائيين للحارثي حرير الغزالة باللغة العربية ونارنجة باللغتين العربية والإنجليزية. كما يقدم هذا الملف سيرة مختصرة لجوخة الحارثي: أعمالها الأدبية والبحثية والجوائز العربية والدولية التي حصلت عليها.
- أظن أنني مشغولة بالتحولات لأني مهتمة بفكرة العلاقات تعقد العلاقات الإنسانية وتشابكها سواء داخل الأسرة الواحدة أو داخل المجتمع. تأمل المجتمع من خلال عدة أجيال يتيح لي هذه الفرصة للتعمق في دراسة تشابك العلاقات وتعقدها. وعندما أفكر في مجتمع مثل المجتمع العُماني في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين أجد أن الحياة في هذه القرون كانت إلى حد كبير متشابهة تحدث تغيرات بطبيعة الحال ولكنها في غاية البطء. أجد أجيالا بعد أجيال تعيش الحياة نفسها والتقاليد نفسها والعادات نفسها. شكل الملابس وشكل التعبير عن النفس تكاد تكون متناسخة عبر أجيال متعددة. فجأة يُكتشف النفط في عُمان وتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ يواجه العمانيون أنفسهم بتغييرات هائلة حدثت مع شعوب أخرى تدريجيا على مدى قرون وتحدث في عُمان على مدى سنوات قليلة جدا. الآن أصبحت فكرة الجيل نفسها متغيرة. مثلا جيلي أنا مختلف عن جيل أختي التي تصغرني بثماني سنوات فقط. على سبيل المثال القيم التي وجدت في محيطي وأنا طالبة هي غير القيم التي وجدت في محيط أختي وهي في الجامعة. التأمل في هذه المستجدات وفي كيفية عيش الناس وتكيفهم مع تغيرات هائلة يشدني للكتابة. يثير انتباهي ككاتبة مثلا أن يحدث في أسرة واحدة في عُمان أن البنت الكبرى لا يُسمح لها بدخول الجامعة لأن فكرة الجامعة المختلطة كانت وقتها جديدة تماما على المجتمع بينما نجد البنت الصغرى في نفس العائلة بعد عشر سنوات فقط تدرس في بعثة في الخارج. هذه التغيرات الهائلة في العالم عامة وفي عمان خاصة هي التي تدفعني إلى تأمل فكرة الأجيال والعائلات الممتدة وتشابك العلاقات داخلها ولعبة تبادل الأدوار.
- ربما ذكرت مرة أنني لا أريد الانتماء إلى تصنيفات نسوية كان ذلك في سياق معين والسبب على ما أظن هو رغبتي في عدم التصنيف وهروبي من الأرشفة وبالنسبة إلي يهمني ألا أصنَّف وألا يوضع عليَّ ملصق يحددني ضمن محددات قد لا أكون قادرة على الوفاء بها كلها في المستقبل. لا أفضّل أن تكون رواياتي داخل أي تصنيف أيا كان. ليس بسبب جوهر النسوية. بل ربما كان هذا الموقف قد تشكل لدي بعد قراءة أعمال بعض الكاتبات العربيات خاصة في الشام والخليج. وهي أعمال لم تستسغها ذائقتي الشخصية لاتجاهها من وجهة نظري نحو الصراخ وحس المظلومية. لم أحب الصوت العالي في تلك الأعمال وأقصد بالصوت العالي هو أن هناك منطقة في هذه الكتابة أحادية النظر إلى العالم وفيها الأشياء والعلاقات إما باللون الأبيض أو الأسود هذا الخطاب يقول إن النساء بالمجمل مظلومات مقهورات بالضرورة والرجال متوحشون قاهرون سلطويون بالضرورة. قراءاتي لهذا الروايات منذ سن مبكرة أوجد لدي رفضا لهذا التسطيح للعالم الذي يُمارس باسم النسوية والدفاع عن المرأة ولا أرى في هذا دفاعا عندما تصوّر المرأة مقهورة باستمرار وضعيفة لا تملك من أمرها شيئا. هذا يخالف طريقة نشأتي وتفكيري ونظرتي للعالم. ولذلك لم أحب هذا النوع من الكتابة. أما بالنسبة للوقوف مع المرأة وحقوقها التي هُضمت وماتزال تُهضم فلا يستطيع أي مثقف - فضلا عن المثقفة- إلا أن يكون مع الحرية ومع الإنسان المظلوم ذكرا كان أو أنثى وأنا أعطيت لابنتي المراهقة كتاب النيجيرية تشمامامندا أديتشي We Should All Be Feminist لتقرأه ونناقشه. بالنسبة لي من المهم للبنت منذ سن مبكرة أن تعي حقوقها وكل القضايا المتعلقة بها وموقعها في هذا العالم. النسوية مرَّت بتحولات كبيرة جدا في رأيي لا يحق لنا أن نضع فيرجينيا وولف في سلة واحدة مع سيمون دي بوفوار ومع فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي لأنهن لا يمثلن نفس الأفكار والتوجهات النسوية. ذكرت اسم تشماماندا لأنه يعجبني إنها قالت إنها تحب الأحذية العالية والمكياج وتحب الرجال وكل هذا لا يتعارض مع كونها نسوية.
- هيمنغواي يقول إن هناك صعوبة كافية في كتابة الرواية ناهيك عن شرحها. ولكن نحن أحيانا للأسف مضطرون للحديث عنها. رواية حرير الغزالة أرادت أن تقدم ثلاث فتيات معاصرات ينشأن في ظروف مختلفة ويواجهن اختيارات مختلفة كيف يمكنهن أن يعشن ويقدمن أنفسهن في مجتمع مثل عُمان. في حرير الغزالة أردت أن أفكر داخل هذه الشخصيات: كيف ترى حرير العالم وكيف تراه غزالة كيف تفهم هؤلاء الفتيات الحياة والبشر من حولهن. وكيف نفهم الحب والصداقة والحاجة للأمان وكيف نتعامل مع تأويل الماضي الماضي منفتح على الاحتمالات مثلما هو المستقبل فكيف نصنع إزاء احتمالات انفتحت لم نكن نعرفها عندما كنا نعيش الماضي ألا يفتح هذا التأويلات المختلفة تجاه الحادثة نفسها كذلك سردت في سيدات القمر ملامح للمجتمع البطريركي أو الأبوي ولا أغفل أن العلاقات فيه ليست أحادية وليست نعيما لطرف وجحيما لآخر بالضرورة فكثير من الناس ينتفعون من إحساسهم بالرعاية ويتوقون للشعور بالأمان في حين يعاني آخرون من المزايا التي وجدوا أنفسهم فيها دون أن يطلبوها. في الجامعة أرى كثيرا من الشباب يعانون بسبب هذا النظام الأبوي وليست الفتيات فقط. أحيانا أجد الشاب أكثر خوفاً في تحدي السلطة الواقعة عليه من الأب أو الجد من الفتاة التي هي في نفس عمره ونتيجة لذلك تحدث أشياء كثيرة مؤسفة. الإنسان يُعاني حتى عندما يبدو ظاهريا أنه متمتع بالسلطة مثل شخصية عبدالله في سيدات القمر الذي لديه أسرة ومكانة اجتماعية فهو يبدو ظاهريا أنه رجل مكتمل لكن في الحقيقة يعاني من أبيه المتسلط ومن المسؤولية الملقاة على عاتقه كرجل له أدوار محددة. قد تبدو الشخصيات النسائية غالبة على رواياتي ولكني مع الإنسان كيفما كان.