You do not have permission to delete messages in this group
Copy link
Report message
Show original message
Either email addresses are anonymous for this group or you need the view member email addresses permission to view the original message
to med...@googlegroups.com
عنوان المحاضرة : رجال عرفتهم المحاضر : فضيلة الشيخ د. سلمان بن فهد العودة ضمن فعاليات مهرجان الربيع 1430 هـ بعريق الطرفية - بريدة
مقدمة :
إن الحديث عن الرجال، وعن النساء الذين عرفهم الإنسان وعايشهم، وأفاد منهم، هو من باب الوفاء، وكان الشافعي رحمه الله يقول: "الحُرُّ مَنْ راعَى وِدَادَ لحظة، أوِ انْتَمَى إلى من أفادَهُ لَفْظَة "!
إن الوفاء خُلُقٌ إسلامِيٌّ رائِعٌ جميل، ومعنًى إنسانيٌّ كريم، وإنما يَحْمَدُ الفضل لأهل الفضل مَنْ رزَقَهُ الله تعالى الإنصاف، وأن لا ينسى جميل من أحسنوا إليه، وألا يتحول هذا الإحسان إلى جحود، أو نكران، أو كفران، على حَدِّ قول القائل :
لا تَغْتَرِرِ بِبَنِي الزَّمَانِ، ولا تقل عند المصائب: لي أَخٌ وحَمِيمُ
جَرَّبْتُهُمْ، فإذا المعاقر عاقِرٌ والآلُ آلٌ، والحميمُ حميمُ!
وخِلْتُهُمو سهامًا صائباتٍ.. فكانوها، ولكن.. في فؤادي!
وقالوا: قد صفتْ منا قُلُوبٌ لقد صدقوا.. ولكن من ودادي!
فطالما تَوَجَّع الأدباء والشعراء والعلماء من مبدأ الجحود والنسيان، فلذلك كان ذِكْرُهُم، والثناءُ عليهم والتُّرَحُّم، هو مبدأَ الوفاءِ الجميل لرجال الجيل، ولمن خَطُّوا بأناملهم وسطروا بعلومهم، وجهودهم وسهرهم، مِدادًا من نور لا يُنْسَى، ولا يجوز أن يُنْسَى، فكم في الأمة من رجال أقوياء عظماء، ربما يدفع الله سبحانه وتعالى البلاء عن الأمة كلها، بفضل سجودهم ودعائهم، وتَضَرُّعِهم، وإصلاحِهم، وإخلاصِهِمْ. ينبغي أن نُعَوِّد أنفسنا الوفاء لهذه المعاني، والوفاء لأولئك الرجال. والحديث عن رجال عرفتهم يُذَكِّرُنا بالتجربة الحياتية، فإننا لا نصنع الحياة اليوم، ولا نبدأ من الصفر، وإنما نبني على تراكُمٍ من الأجيال والرجال والعلماء الأفذاذ الذين سبقونا وخَطُّوا لنا طريقًا، ورسموا لنا منهجًا، وأعطونا عددًا كبيرًا من الخبرات والتجارب الحياتية، وما الحِكَمُ والأمثال التي نُرَدِّدُها، إلا نموذجٌ لهذه التجارب الحياتية، التي ينبغي أن نستفيدها. إن الحديث عن الرجال الذين عرفناهم، يشير إلى عدة معان:
1- تلقّي العلم:
فالعلم لا يُؤْخَذُ من الكتب فقط، وحتى الكُتُب نفسها لا تنطق؛ حتى يستنطِقَهَا هؤلاء الرجال، الذين دلُّونا على الكتب، وأرشدونا إليها، وحلوا غوامِضَهَا، وبَيَّنُوا مفرداتها، فكانوا مصابيح هادية، فقد يقرأ الإنسان الكتاب، ويستفيد منه، لكن أنْ يسمع من شيخ، وهو يراه بعينه، ويعايشه، فإنه يستفيد منه الأدب والخُلُقَ والسلوك، فضلًا عن المعرفة.
2- القدوة :
(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، فالقدوة بهؤلاء الرجال؛ بأخلاقهم وعبادتهم، ودأبهم، وصبرهم..وهي من المعاني التي تتوارثها الأجيال.
3- المتعة:
فإن فيها نوعًا من التنفيس، وقد كان السلف رضي الله عنهم إذا مَلُّوا من كتب العلم، انتقلوا بعد ذلك إلى كتب الأدب، والشعر، والأنساب، والرجال؛ لما فيها من الطَّرَافة، والقصة والتجريب.
4- الواقعية:
فنحن لا نتحدث عن ملائكة في الأرض، يَخْلُفُون، ولا نتكلم عن مثاليات وسير خيالية، وإنما نتكلم عن أناس يأكلون الطعام, ويمشون في الأسواق، ويقع منهم ما يقع من غيرهم، ويقع عليهم مثلُ ذلك أيضا.
ولهذا، قد نَقْرَأُ أحيانًا في كتب التاريخ، كما نقرأ في سير أعلام النبلاء للذهبي، أو كما نقرأ في تاريخ الطبري، أو ابن الجوزي، أو غيرهم من الأئمة والعلماء، نقرأ سِيَرًا لا تُبْرِزُ إلا الجانب المشرق العظيم.
ولقد طالعت كتابًا أعده أحد الشباب، عن البرنامج اليومي للعلماء، مُوَضِّحًا أنَّ سِيَرَ بعض أهل العلم تُخَيِّلُ إليك أنك في وادٍ وهم في وادٍ آخر، وبينك وبينهم بُعْدُ الْمَشْرِقَيْن.. لكن حينما تُعَايِشُ بعض العلماء، وتجد أنهم أكلوا معك وشربوا ورَكِبُوا السيارة، وتعاملوا مع المستجدات، وسمعوا الجيد والطَّيِّبَ من الكلام، وسمعوا ضده، ووقعت لهم مواقف.. فهنا أنت تتعامل مع روح واقعية، ليس فيها مبالغات ولا مِثَالِيَّات.
5- التنوع :
فستجد من هؤلاء الرجال مَنْ عايشك في بلدك، ولْيَكُنْ في "بريدة"، ولكن هناك من عايشك أيضا في مِنْطَقَتِك، وكان له عليك فضل، كأن يكون في عُنَيْزَة أو أي مدينة أخرى.. وستجد من الرياض أو الحجاز، بل مَنْ هم من خارج المملكة، مِنْ رجال العلم في مصر أو في الشام، أو في غيرها من البلاد، الذين نفع الله تعالى بهم.كما أن التنوع يأخذ أيضا منحًى آخر؛ فهذا فقيه، وهذا عالِمٌ، وهذا أديبٌ، وهذا شاعِرٌ، وكُلُّ هذه الأشياء، ينْضَمُّ بعضها إلى بعض.
6- الثناء:
فالحديث عن رجال عرفناهم، سيكون ثناءً عليهم، ولابد أنْ نُعَوِّدَ أَنْفُسَنا أن نثني على الناس بخير.. وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أجيالٍ وشعوب وأُمَم ومُدُنٍ وقبائل ورجال، فتعودنا على هذا الثناء، خُلُقٌ نبيل.
وعلى العكس من ذلك مَنْ يُبْتَلَى بالوقيعة في الناس والذَّمِّ والعيب فيهم، والتشنيع عليهم، ولا يجد متعته إلا في ذلك، فإذا ذُكِرَ أحد بخير، ربما انزعج، وتضايق من هذا!
ولا شك أن هذا من العيب والنقص وسوء التربية، فلا بد أنْ نُعَوِّدَ أنفسنا الثناء على الناس، ولنا في رسول الله أسوة حسنة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم، لَمَّا ذُكِرَ عنده النجاشي، أَثْنَى عليه، وقال : "مَلِكٌ لا يُظْلَمُ عنده أحد"، مع أنه كان كافِرًا، ولَمَّا ذكِرَ الروم عند عمرو بن العاص، أثنى عليهم بخصالٍ معروفة.
ولذا فإنه ينبغي علينا أنْ نُعَوِّدَ أنفسنا ألا نبحث عن عيوب الناس، وإنما عن فضائلهم، والإمام الشافعي رضي الله عنه، كان يقول:
لسانك لا تَذْكُرْ به عورةَ امرئٍ فكُلُّكَ عوراتٌ، وللناس أَلْسُنُ
وعينُكَ إن أبدتْ إليك معايبًا فَصُنْهَا، وقل: يا عين للناس أَعْيُنُ!
أحبتي : إنه ما من أحدٍ منا، إلا وفي حياته- لا أقول مئات، بل آلاف الناس- من الرجال والنساء، الذين رسموا بصمتهم عليه، وأَثَّرُوا على سلوكه، أو على علمه، أو على شخصيته، فهو مَدِينٌ لهم بَعْدَ الله تعالى، وهو يُشْرِكُهم معه، في الدعاء كلما دعا لنفسه، ودعا لوالديه، ولمن له حَقٌّ أو فَضْلٌ عليه. لهذا وجدتُ أنّ كمًّا هائلًا من الأسماء يتزاحم في عقلي، حتى إني هممت أن أجعل هذه الأسماء، في مَسْرَدٍ هجائي، ألف باء تاء، ثم وجدت أن الأمر يصعب؛ فاقتصرت على مجموعة من الرموز، والأسماء التي لها وَهَجٌ وتأثير، وفيها نوع من الجِدَّة والطرافة.
عبد العزيز البليهي.. أستاذ فريد
1- الأستاذ :
أوضح الشيخ سلمان أن الأستاذ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم البليهي "رحمه الله" يأتي على رأس هذه الشخصيات؛ فهو أستاذٌ عزيز، كان مُدَرِّسًا في المعاهد العلمية، تَعَرَّفَ علينا ونحن طُلَّاب في المرحلة المتوسطة، وسافَرَ بنا إلى الحج، واحتوانا، وقَدَّم لنا الكثير من المعلومات.. قدَّمَ لنا روحه، وفكره، وخُلُقَه، ومالَهُ، ووَقْتَهُ.
وأشار فضيلتُه إلى أن من طرائف الأشياء أن هذا الأستاذ الذي صافَحْنَاه لأول مرة، في حياتنا مُرَبِّيًا، وأستاذًا ومُعَلِّمًا، ومُؤَثِّرًا، انتقل إلى مكة المكرمة، في وزارة الأوقاف، وأرسلت له رسالةً وأنا طالِبٌ في المعهد العلمي، وكتب الله تعالى له أن يمرض، ويعاني مع المرض طويلًا، ثم يغادر، ويرحل عن هذه الدنيا إلى الدار الآخرة..
وبعد أن تخرجتُ من المعهد، والتحقتُ بكلية الشريعة، وعدتُ مُدَرِّسًا في المعهد ذاتِه، أتاني ساعي البريد يومًا من الأيام، ومعه رسالةٌ لي..فأفتحها، ثم أجد بداخلها ظرفًا مكتوبًا عليه: الأستاذ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم البليهي..! هذا الخط ليس غريبًا عليّ، إنه خَطٌّ أعرفه، أتأمل.. فأجده خطي أنا!!..
كُتِبَ له رحمة الله عليه ألّا يفتح هذه الرسالة، وألَّا يَقْرَأَهَا، ووُجِدَتْ في مكتبه بعد وفاته، فأرسلها بعضُ أصدقائه إلى المعهد العلمي، من حيث صدرتْ، يومَ كنت طالبًا في المرحلة المتوسطة، واستلمتها، وقرأتها، ودمعتْ عيني، وابتسمتُ في الوقت ذاته حين قرأتها وأنا أستاذ مُدَرِّسٌ في ذلك المعهد.
وذكر فضيلته أن هذا الأستاذ كان نموذجًا فريدًا لا يُنْسَى، في تواضعه، وأخلاقه، وظَرْفِه، فالنكتة حاضِرَةٌ على لسانه.. وكان واسع الصدر، يستوعب طلابه، مع أن الأستاذ عادة ما يَمَلُّ من الطلاب في الفصل، ولكنّ الأستاذ عبد العزيز البليهي، كان يخرج بنا إلى الرحلات وإلى الحج.. وإلى العمرة..ويجتمع معنا، ويعيش معنا وقتًا طويلًا، ويتحَمَّلُ كل ما عندنا من نَزَقٍ أو شقاوة الأطفال، أو جدلٍ أو غير ذلك، وكان لهذا الأستاذ أَثَرٌ كَبِيرٌ، لا يستطيع الإنسان أن ينساه.
الدوسري....نمط مختلف
2- الشيخ عبد الرحمن الدوسري "رحمه الله " :
ثم تحدث فضيلته عن "الشيخ عبد الرحمن الدوسري، رحمه الله "، "صاحبِ ذلك الصوت المبحوح، الأجشّ القوي، الذي كان يغشانا في مكتبة ابن القيم في بريدة، وفي المعهد العلمي ببريدة..
كانت المرة الأولى التي سمعته فيها في الجامع الكبير، يَهْدِرُ كالسيل، ويتكلم عن نكسة يونيو 1967، وعنده قصائد يسميها "فلسطينيات"، وقد لا تكون قويةً من الناحية الأدبية، والبناء الشعري، ولكنها قويةٌ في مضامينها، وفي أحاسيسها، فهو يتكلم بها بحرقة، ويكاد يبكي وهو يتكلم":
لقد خانهم أسيادُهم قَوْمُ ماركسٍ كما نكص الشيطان عن مشركي بَدْرِ وأوضح الدكتور العودة أن الشيخ عبد الرحمن كان نمطًا مختلفًا، فلم يكن يتكلم عن الأحكام الفقهية، أو عن الحلال والحرام، ولا حتى يُفِيض كثيرًا في النصوص، وإنما كان يتكلم عن الجانب الواقعي، عن المعاناة السياسية؛ حيث كان يبحث كثيرًا عن أولئك القادمين من بلاد أخرى؛ من مصر، من الشام، من العراق، ويفرح بهم، ويقول: أنا لا أريد أصحاب الغتر.. أريد أولئك الصلع!! كما يسميهم أحيانا، أي الذين لا يلبسون على رءوسهم شيئا؛ لأنه يشعر أنهم يتفهمون ويحتاجون إلى بضاعته، أكثر مما يحتاج إليها غيرهم.
وذكر فضيلته أن الشيخ رحمه الله، كان كثيرًا ما يتحدث عن كتابٍ له في التفسير، اسمه "صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم "، مشيرًا إلى أنه في مرة من المرات ، قام إليه مجموعة من الشباب في المسجد ووجهوا إليه أسئلة، فكان من الأسئلة التي وجهوها إليه عن "تفسير ابن كثير"، فأثنى عليه، ولكنه قال: هناك تفسير أفضل منه، وهو تفسير "في ظلال القرآن" للأستاذ سيد قطب..الذي يعيش الواقع المعاصر، ولا يفوقه، إلا تفسيري "صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم" !
وأكد الدكتور العودة أن "تفسير ابن كثير"، فيه خيرٌ كثير، ولم يمضِ وَقْتُهُ، بل الحياة كلها وقته، و"تفسير سيد قطب"، أيضا فيه خيرٌ كثير، و"تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي"، فيه خيرٌ كثير، والبصير هو من يقتبس من هذه العلوم كلها، ويأخذ جيدها، ويترك ما ليس كذلك، مما يكون روايةً إسرائيلية، أو رأيًا مرجوحا، أو قولًا ضعيفا، أو ما أشبه ذلك.
صالح البليهي.... الحليم الصبور
3- الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي
ثم تذكر فضيلته "الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي "، وقال عنه: "هو شيخٌ اختُصِصْتُ به، منذ طفولتنا في المعهد العلمي كان يُدَرِّسُنا مادة الفقه.. لا تستطيع أن تنسى بساطة الشيخ، وسعة صدره مع الطلاب، فلعلهم يعبثون أو يلعبون في الفصل، والشيخ يسعهم بحلمه وصبره".
وأوضح الشيخ سلمان: أن الشيخ البليهي كان كثيرًا ما يضرب الأمثلة لطلابه، وفي إحدى المرات كان يُدَرِّسُ كتاب النكاح، للطلاب في أولى ثانوي، أو ثانية ثانوي، فيضرب لهم بعض الأمثلة، فبدلًا من أن يقول مثلا للطالب: يا فلان.. يأتي الشيخ، ويقول: أنكحتك.. بدلا من أن يقول: أنكحتك ابنتي، والطالب يريد أن يقول هذا على سبيل الدعابة! فيصرف الشيخ الأمر ويقول: أنكحتك هذا الباب، أو هذا الجدار!! والطلبة كلهم ينخرطون في ضحك، والشيخ يشاركهم ذلك، مشيرًا إلى أن ابتسامة الشيخ كانت ابتسامةً ساحِرةً وصادقة، ونُكْتَتُهُ حاضرة، وخُلُقُه عظيم، ولم يكن رحمة الله تعالى عليه، يحتقر أحدًا.
ومن مآثر الشيخ معه، قال الدكتور العودة: " فوجئتُ يومًا من الأيام، وكان عند الشيخ ندوة في الجامع الكبير، أنه يدعوني إلى المشاركة في الندوة، وأنا طالبه الصغير، ثم يُقَدِّمُني، وبعد ذلك يقول : تَكَلَّمَ فضيلة الشيخ عن كذا وكذا، وتحدَّثَ فضيلة الشيخ، وأنا وقتها لم أكن فضيلةً ولا شيخًا! ولكنه التشجيع من هذا الرجل العظيم!
لافِتًا إلى أن الشيخ كان دائماً لا يسمح لأحد من الحاضرين، إلا بأن يكون مشاركًا، فهذا يقرأ قرآنا، وهذا يقرأ حديثا، وهذا يقرأ شِعْرًا، حتى إنه في بعض الأحيان يكون معهم أناس من العوام، فيطلب منهم أن يقولوا قصائد شعبية، أو يقولوا بعض الطرائف والقصص..فهو يريد من الجميع أن يشارك، وألا يكون مجرد مستمع.
السلسبيل في معرفة الدليل
وأردف الشيخ سلمان: الشيخ صالح البليهي، رحمه الله، تعرفه في كتاب "السلسبيل في معرفة الدليل"، الذي يعتبر من أفضل كتب الحنابلة المتأخرين، لِمَا فيه من العناية بالأدلة الشرعية؛ القرآن والسنة، والاستدلال بالنصوص على الأقوال الفقهية..وطبع هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات، ويُعْتَبَرُ متزامنًا مع كتاب "زاد المستقنع والروض المقنع"، الذي كان يُدَرَّسُ في المعهد العلمي. وكان الشيخ رحمه الله، يحاول دائما أنْ يُقَرِّبَ المعلومات للطلبة، فكان يأتي بالأشعار الجميلة، أو الكلمات المعبرة، مثلا، حينما كان يتكلم عن الإفطار؛ أن يفطر الإنسان على رُطَبٍ أو تمر، أو ماء، كان يُرَدِّدُ :
فطور التمر سنة.. رسول الله سَنَّه
ينال الأجر عبدٌ يُحَلِّي بالمسنة!
الصغار لا ينسون هذا الكلام أبدا..
حينما يأتي إلى المواقيت، تحديد المواقيت، وما هي، كان يُلَقِّنُنَا ويُحَفِّظُنَا :
عرق العراق ينمنم اليمن من ذي الحليفة يحرم المدني
بالشام جحفة إن مررت بها ولأهل نجد قرن فاستبنِ
فكان الشيخ رحمه الله، بخلقه وسلوكه، وطيبة قلبه، لا يَحْمِلُ على أحدٍ شيئًا، وكان نموذجًا في سلامة الصدر، والصفاء.
الشيخ الشيبان...صديق العمر
4- الشيخ : صالح بن إبراهيم الشيبان "رحمه الله":
ثم تحدث الشيخ سلمان عن صديق عمره الشيخ : صالح بن إبراهيم الشيبان "رحمه الله"، مُوَضِّحًا أنه تَبَعًا لقاعدة "دائما السِّلْمُ، يبدأ بالحرب"! فإن أول علاقة بالشيخ الشيبان كانت معركةً في الحارة بعد صلاة المغرب، بين طفلين في السادسة الابتدائية، تشاجرنا وتضاربنا، وتماسكنا بالأيدي، وتدخل الناس، وفصلوا بيننا، بعدما ارتفعت الأصوات! كانت هذه الحرب بداية علاقة وصداقة، استمرت بحيث أستطيع أن أقول: إنه هو أقرب صديق لي، حتى قضى رحمه الله في حادث سيارة.
وفي حديثه عن الشيخ الشيبان، قال الدكتور العودة: هذا الرجل كان يتحَرَّقُ على الإسلام، وعلى الدعوة، وعلى الشباب، وعلى الجيل، حتى في نومه، كان يَقْلَقُ، وفي يقظته، كانت الدموع تسبق كلماته، فكان نموذجًا لذلك الإنسان الذي يعيش لقضية، وقد وهبها كُلَّ ما يملك، وهبها عقلَهُ ووجدانه وفكره، ونَوْمَهُ وصحوه، وعلاقته، حتى إنه يعتِبُ ويعجب ويؤاخذ حينما يرى أناسا يضحكون أو يبتسمون، أو يتعاطون نوعًا من الطُّرَف، أو يسترخون.. إنه لم يعرف من الحياة إلا معناها الجاد، رحمة الله تعالى عليه.
محمد الشيبان...وحب الشعر
5- الأستاذ "محمد الشيبان :
وأردف فضيلته: إذا كنت ذكرتُ صديقي الشيخ صالح بن إبراهيم الشيبان، فإنني لا أذهب بعيدا، حينما أذكر الأستاذ "محمد الشيبان".. وهو أخوه الأكبر، وكان يُدَرِّسُ في كلية اللغة في الرياض، ونحن في المرحلة المتوسطة في المعهد العلمي.. كان طفلًا يحب الشعر، وعندما كنت أبحث عن دواوين الشعر، يزودني بها الأستاذ محمد الشيبان.. قصائد، ودواوين، للشاعر وليد الأعظمي، ولشعراء إسلاميين معاصرين، فأحفظ معظم هذه الدواوين، وهذه القصائد..
رسالة.. ورد
وعندما كان يراني أحاول أن أكتب أبياتًا من الشِّعْرِ، فيستثير قريحتي، ويبعث إلَيَّ من الكلية في الرياض، برسالةٍ لا زالت محفوظةً في مخيلتي، وربما في أرشيفي أيضا:
يقول :
يا بُلْبُلَ الروض غَرِّد في مرابعنا وهاتي من لحنك الصافي نردده
على مسامع دنيانا لنعلمها بأنّ للحق أبطالًا تُؤَيِّدُه
نشدو مع الطير في شوقٍ وفي أملٍ ونرقب الفجر عبر الأفق موعده
فالليل مهما عتا في أرضننا زَمَنًا النور من بعده يأتي فيطرده
والغَيُّ مهما علتْ في الأرض رايته الحق يكسر طَغْوَاهُ ويُخْمِدُه
هذي المشاعر أحكيها بها وَجَلٌ وكيف يخشى الورى من رب يَسْنُدُه
فَغَنِّ للجيل واهتف في مسامعهم وأودع الشعر للأيام تنشده
فأقرأ هذه القصيدة بحماس شديد، وأحفظها كما ترونني، أقرؤها عليكم الآن، وقد حفظتها منذ ذلك الوقت، وأتحمس فأكتب أبياتًا من الشعر، تُعَارِضُ هذه الأبيات، بنفس الوزن والقافية، وأبعث بها إليه في غاية السرور والحبور :
أقول :
البلبل النكد قد أَوْهَتْهُ ما اجترحت يد القضاء، فلا الأيام تَحْسُدُه
فانهد مما يُمِضُّ القلبَ من ألم يشي به الجسم، والأوصالُ تشهده
فلم يعد يعشق التغريدَ من كمدٍ كفاه هم الحنايا إذْ يكابِدُه
وكيف يعزف لحن الجيل مبتكرًا معذبٌ ذاك مَحْضُ الوهم مَوْرِدُه
يا صاح أبكيتَ قلبي فاعتراه ضَنًى لكنَّ لحنَك قد أضحى يُهَدِّدُه
وأشار فضيلته إلى أن المراسلات والاتصالات بينه وبين الأستاذ محمد الشيبان تواصلت، وأنه مَدِينٌ لهذا الأستاذ الكبير في كثير من القصائد التي حفظها، والمحاولات الشعرية التي سَطَّرَها.
الزيدان... الرجل المحبب في قومه
6- الأستاذ حمد بن محمد الزيدان
ثم ذكر فضيلته الأستاذ حمد بن محمد الزيدان، قائلًا: لا أنسى أبدا رجلًا آخر كان من نفس الجيل، وهو الأستاذ حمد بن محمد الزيدان.
وهو طالِبٌ في المعهد العلمي، ثم تخرج في كلية الشريعة، ثم صار مسئولًا عن الدعوة في المنطقة الشرقية..وقد قدم إِلَيَّ رحمه الله تعالى قبل سنتين، وكان رجلًا محببًا في قومه، وصاحِبَ خُلُقٍ كريم، وعاطفة صافية، ونبل، وقد كان أيضًا مدرسةً في الأخلاق الكريمة.
وقد وصلني بالعديد من القصائد والأشعار والمحاولات، وكان بيني وبينه علاقات ومراسلات.
الخزيم... رجل مُبْدِعٌ ومتفوق
7- الأستاذ صالح بن ناصر الخزيم
وأشار الشيخ سلمان إلى أن من الشخصيات التي لها أثر في قلبه: الأستاذ صالح بن ناصر الخزيم، مُضِيفًا: "تَعَرَّفْتُ عليه في المركز الصيفي، فوجَدْتُ رجلًا، يعاملني كأحد أبنائه، حفاوةً وحُبًّا وإشادة..ويُشْعِرُني بأني مُبْدِعٌ ومتفَوِّقٌ وحافِظٌ..ويُشَجِّعُني، ويدفَعُنِي إلى الأمام.. تشعر برغبة صادقة في هذا المعنى، وما أَعْظَمَ هذا الأَثَرَ على الأجيال!
ومن ذكرياته مع الشيخ الخزيم، قال الشيخ سلمان: في يومٍ من الأيام كان عند الشيخ محاضرة في مدرسة الأيتام، وكانوا أطفالًا صغارًا، فقال لي الشيخ: أريد أن تلقي المحاضرة بالنيابة عني. قلت له : كيف لطالب في أولى ثانوي أن يلقي محاضرةً؟! قال: لا عليك.. فتحمستُ وذهبتُ، وأنا لا أدري مَنْ هؤلاء الطلاب، ولا أعرف مستواهم، لكنني اخترت عنوانًا غريبًا: "الإنسان بين طغيان المادة.. وإفلاس الروح"! ثم بحثتُ في المجلات والكتب، وفتشت عن الأرقام والإحصائيات، وأخبار أوروبا، والفساد الأخلاقي، من شذوذ، وإباحية، وانتحار، وغير ذلك من الأشياء..
ثم ذهبتُ وقد أعددتُ عدتي لهذه المحاضرة، وبدأتُ أتكلم للطلاب، بعد أن قَدَّمَنِي أحد الأساتذة، وبدأت أقرأ هذه الإحصائيات، وأنا مهمومٌ مُنْشَغِلٌ بالأوراقِ، والأشياءِ التي بين يديّ.. لم ألتفت لهؤلاء الطلاب، وحتى لو كنت التفتُّ، فلم يكن مُمْكِنًا تدارُكُ الموقف، فقد كانوا طُلَّابًا في المرحلة الابتدائية.
وبعدما انتهت هذه المحاضرة، قام الأستاذ الذي قدمني، وشكرني، ولكنه قال بعد ذلك: أنت تتكلم في وادٍ، والطلاب في وادٍ آخر! ولا تستغرب حينما ترى هؤلاء الطلاب قد ناموا، وتسمع شخيرهم؛ لأنك حلَّقْتَ بهم بعيدا عما يمكن أن يفهموه ويستوعبوه!!
مِمَّا أشعرني بقدر من التحقير!
ولم يتقبل الشيخ صالح الخزيم، رحمه الله، هذا أبدًا..فحمَلَتْهُ غيرته على أن يقوم، ويأخذ الميكروفون بقوة وحرارة، ويقول : إن هذا الكلام الذي قاله المحاضر الشيخ، كلامٌ عظيمٌ قَوِيٌّ، وجَهْدٌ كبيرٌ يخاطب به الأساتذة، والحضور...وبدأ يشجعني ويحفزني، ونَقَضَ كلام ذلك الأستاذ نقضًا قويًّا..ثم انفضَّت المحاضرة، وبدأنا ننصرف، وقد صَفَّ الأساتذة كلهم طابورا يصافحونني، ويقولون: لا فُضَّ فوك، لا فُضَّ فوك..بعضهم من أجلي، وبعضهم من أجل الشيخ صالح الخزيم، رحمة الله تبارك وتعالى عليه.
الشيخ صالح المنصور... الورع التقي
8- الشيخ صالح المنصور :
كان الشيخ صالح المنصور عميدَ الكلية، رحمه الله، عندما كان الشيخ صالح الخزيم وكيلَها، وعندهم تخرجنا ودرسنا..وكانوا رحمهم الله ينهضوننا، ويَحُضُّونَنَا بأخلاقهم، وعِلْمِهم، وصبرهم، وبالقدوة الحسنة التي يقدمونها.
وأضاف فضيلته: لا زلتُ أذكر مواقف كثيرةً عن هذا الأيام، أكتفي منها بموقف واحد: حينما مَرِضَ الشيخ صالح المنصور، وزُرْتُه رحمه الله في مستشفى بريدة، وكان من كتبه التي درسناها في الكلية: كتابٌ في أصول الفقه، أشبهُ بما يكون بتلخيص، أو منتقى، من روضة الناظر لابن قدامة، فجلستُ إلى الشيخ، فقال لي: يُوجَدُ في كتابي هامشٌ، أو حاشية، أخاف منها، وأخشى أنْ يؤاخذني الله عليها، ولا بُدَّ من حذفها في الطبعات القادمة.
فقلت له: ما هذه الحاشية؟ قال : إنني تكلمت عن أحد الفقهاء، الحنابلة- وذكر "نجم الدين الطوفي"، وهو حنبليٌّ أصوليٌّ مشهور-، ونقلتُ مُقَلِّدًا كلامَ بعض العلماء وبعض المترجمين الذي قد يكون فيه تجاوزٌ أو ظُلْمٌ - وأردف الدكتور العودة، قائلًا: انظر إلى هذا الورع، وهذه التقوى!- فقال : لا بد من حذف هذا الكلام، ولا ينبغي أن أُثْبِتَ عن الشيخ إلا ما يليق به ويليق بي.
العلامة ابن باز....وحيد دهره وفريد عصره
9- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، من الرموز الكبيرة التي لا بد من الإشارة إليها، رحمه الله تعالى..
عَرَفْتُه صغيرا، عندما زار بريدة، وجاءنا في المركز الصيفي، واجتمع به الناس، ثم امتدت صلتي به بعد ذلك في الرياض، وكان عندنا لقاءٌ شهريٌّ مع مجموعة من الدعاة، وكثيرًا ما نتناول طعام الغداء عنده يوم الجمعة، وفي المناسبات.
وقال الشيخ سلمان: رأيت الشيخ عبد العزيز رحمه الله، ويَصِحُّ أن يقال عنه: إنه نسيج وحده، أو وحيد دهره، وفريد عصره، فهو وعاءٌ مُلِئَ عِلْمًا..حفظ القرآن وفَهِمَ معانيه، وحفظ السنة النبوية، لاسيما الصحيحين، فقد كان يحفظهما ويستدل بهما كأنهما بين عينيه..وتجد لديه معرفةً بالعلوم كُلِّهَا، مع انحيازه للنص والدليل، ولو خالف أقوال الفقهاء.
كما كان الشيخ مستوعبًا للناس كُلِّهِم، مهما كانت ألوانهم، وجنسياتهم، ومذاهبهم، واتجاهاتهم، كما امتاز الشيخ بالصَّبْرِ والحلم، وطُول النَّفَسِ، وسَعَةِ البال، وكريمِ الخُلُق، مع الرؤساء، والأمراء، والعلماء، والتجار، والأطفال الصغار.
مدرسة أخلاقية
وأضاف فضيلته أنّ مجلس الشيخ كان مجلسا نموذجيًّا، من المجالس التي يتساوى الناس فيها جميعًا، ولا فَضْلَ لأحدٍ على أحدٍ فيها قط.
والشيخ يستوعب الناسَ بِقَلْبِهِ، قبل أن يستوعبهم بمجلسه رحمة الله تعالى عليه..فإذا أتيته إلى الغداء مثلا تجد عنده الرئيس، وإلى جواره شابٌّ صغير قَدِمَ لتوه من الكويت، وإلى جواره رجلٌ من أفريقيا، وحولهم رجلٌ من البادية، ورابع وخامس....
وكما كان الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله، مدرسةً فريدةً في عِلْمِهِ وفي خُلُقِهِ، كان مدرسةً فريدةً أيضا في نَفْسِيَّتِهِ، فهو من القلائل الذين يمتلكون نفسيةً سليمةً، فلا يوجد عنده أيُّ تعقيد، أو حساسية، أو مشكلة أو اكتئاب، حتى في الحالات الصعبة، والمواقف المحرجة!
فيأتيه الخبر، مثلًا، بمقتل الملك فيصل رحمه الله، أو بنازلةٍ نزلتْ بالمسلمين، فيتوجع ويتأسى: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم تجده بعد ذلك يتناول شرابه وطعامه، ويُقْبِلُ على جلسائه، بسكينةِ المؤمن ورضاه.. فكان مدرسًة أخلاقيةً، ومَدْرَسَةً عِلْمِيَّةً، قَلَّ نظيرها، رحمة الله عليه.
ابن عثيمين..العلامة المتواضع الصابر
10- الشيخ محمد بن صالح العثيمين
ثم تحدث الشيخ سلمان عن الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمة الله تبارك وتعالى عليه، قائلًا: " زُرْنَاه أيضًا ونحن طُلَّابٌ في المعهد العلمي، وأكلنا عنده الفاكهةَ بعد صلاة العصر، مع وفدٍ من معهد الطائف، وكنت أذكر كلامه وتعليقه في ذلك المجلس، وكان ذكر أن بعض السلف نقل عن بعضهم أن الواحد منهم كان إذا أكل لقمةً ليستْ من حلالٍ، أو فيها شبهة، يقع في قلبه منها شيء، فيلفظها ولا يبتلعها.. فَعَلَّق الشيخ العثيمين على هذا المعنى، وبَيَّن أنّ له وجهًا من الإمكان، ووجهًا من الجواز".
تواضع وصبر
وأشار الدكتور العودة إلى أنه تتلمذ على يد الشيخ في المرحلة الجامعية، قائلًا: "ثم دَرَّس لنا الشيخ في الكلية في ذلك الوقت، ولم يكن أيمها بشهرته التي وصل إليها، ومع ذلك كان يعطي كُلَّ ما عنده.
وكان الشيخ يقول : إنه دَرَّس يوما من الأيام درسًا لم يكن فيه إلا طالِبٌ واحد، ومع ذلك واصَلَ الدَّرس.
وكان الشيخ رحمه الله يشرح كتاب الكافي، وعنده مجموعة قليلة، يُعَدُّون على أصابع اليد الواحدة، أو أصابع اليدين، والشيخ يَبْذُلُ كل جهده بعد وفاة شيخه الشيخ عبد الرحمن السعدي.. رحمه الله؛ حيث تصدّى للتدريس.
وأردف فضيلته: ثم كثر الطلاب حول الشيخ، وأصبح يلقي الدروس والمحاضرات في كل مكان، وعبر الهاتف يُحَدِّثُ الطلبة في أمريكا، أو في باكستان، أو في هولندا، أو في ألمانيا، ويستمع إليه عشرات الآلاف من الطلاب، وهو في تواضعه وفي صبره، وفي عِلْمِهِ، ودَأَبِهِ، وفي تحصيله، رحمة الله تبارك وتعالى عليه.
محمد بن صالح المنصور... الشيخ المشتاق إلى لقاء ربه
11- الشيخ محمد بن صالح المنصور
ثم ذكر الدكتور العودة الشيخ محمد بن صالح المنصور، قائلًا: "من الرجال الذين عايشتهم وعاشرتهم واستفدت منهم، الشيخ محمد بن صالح المنصور، وبين قوسين( المنسلح)، فهذا هو الاسم الذي كان يعرف به، وقد درست عنده الفقه الحنبلي، وقرأت حاشية ابن قاسم، ووجدت للشيخ اختياراتٍ وآراء جميلة، أذكر منها على سبيل المثال :
أنه لما تكلم عن التسمية عند الوضوء: هل يُسَمِّي الإنسان إذا كان في دورة المياه؟ قال : إن دورات المياه الآن لا ينطبق عليها الكلام الفقهي الذي ينطبق على أماكن الخلاء عند السابقين؛ لأن دورة المياه الآن نظيفة، ولا يوجد فيها شيء. فهو يرى أنْ يُسَمِّيَ الإنسان إذا توضأ داخل دورة المياه، فيما يُسَمَّى بالمغاسل. وله آراءُ فقهيةٌ جميلةٌ وكثيرةٌ، رحمه الله.
وأضاف الدكتور العودة: لقد صحبت الشيخ، حتى آخر عمره، وهو من الناس القلائل الذين وجدتهم يقولون، كما كان يقول لبيد :
ولقد سَئِمْتُ من الحياة وطُولِهَا وسُؤَالِ هذا الناس: كيف لَبِيدُ! فقد كان الشيخ في آخر عمره يَشْعُرُ بالملل من الحياة، ويشتاق للقاء الله عز وجل، وحتى بعدما مرض، لم تكن تسمعه يدعو بالشفاء أو العافية، وإنما يسأل الله تعالى الخيرَ والفرَجَ والمغفرة والرحمة..وبعدما تُوُفِّيَ رحمه الله، تبين أنّ هناك الكثير من الناس كان الشيخ يكفلهم، وظهرت الجهود والبرامج التي كان يقوم بها.
العَلَّامة ابن جبرين.... شَيْخٌ لا يعرف الغَضَب
12- الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
ثم تحدث الشيخ سلمان عن الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، قائلًا: "رجل تجاوز الثمانين من عمره، يتماثل الآن للشفاء من مرضٍ بعد عمليةٍ في القلب، وهو أعجوبةٌ بحق، فأنت ترى دروسه تفترس وقته كُلَّه! فكل وقته دروس وبرامج..فدورة في لينا، بعدها تجده في المنطقة الشرقية، ثم تجده في أملج، ثم تسمع أن الشيخ ذهب إلى خميس مشيط..وهكذا يتنَقَّلُ بين البلاد والمدن في دورات، وبرامج، ولا يكاد يعتذر الشيخ من أحد يدعوه، حتى لو دعاه إلى هجرةٍ قليلةٍ أو قرية، أو حفنةٍ قليلة من الطلاب!
وأضاف فضيلته: والشيء الغريب في هذا الشيخ الجليل، أنه مع كثرة أسفاره، وواسع معرفته، لم يكن مقصورًا على الفقه، بل تجد عنده إذا ذاكرته في الأنساب معرفةً غريبةً وبصرًا نافذًا، وإذا ذاكرته في الأدب والشعر تجده كذلك، حتى إنه يحفظ الكثير من مقامات الحريري وغيرها، ويستشهد بالشعر.
هدوء وسماحة
كما أن الشيخ يتسم بنبل الأخلاق، والتواضع الجم، ولا يرى لنفسه قَدْرًا.. وأظن أن الشيخ لو لم يكن قرأ عن الغضب، لم يكن يعرف ما هو الغضب، إلا أن تُنْتَهَكَ حرمات الله سبحانه وتعالى، فيغضب لله لا لنفسه.
وطوال صحبتي للشيخ لم أرهُ مُغْضَبًا قط، بل كان سمته الهدوءَ والسماحةَ والصبر، حتى لو ظلمه أحدٌ أو آذاه أو اعتدى عليه- وطالَمَا يحدث شيء من ذلك- أو إذا جَهِلَهُ شَخْصٌ لا يعرفه، فأساء إليه، أو تعامَلَ معه معاملةً بغير الأدب- وقد حصل ذلك في مكة وفي أماكن عديد- فلا يصدر من الشيخ غَضَبٌ قط، ولا ينتصر لنفسه أبدًا، ولا يقول: أنا فلان..بل هو نموذجٌ حيٌّ للعلم والتعليم، وبَذْلِ النفس في ذلك، مع ما له من الشمائل والأخلاق الفاضلة، حفظه الله تعالى.
الشيخ سليمان العلوان...مكتبة متنقلة
13- الشيخ سليمان بن ناصر العلوان:
وأردف الشيخ سلمان: من الرجال الذين عايشتهم أيضا، صديقي وزميلي الشيخ سليمان بن ناصر العلوان، فَكَّ الله أسْرَهُ.. وقد تعرفت إلى الشيخ بزيارة قام بها إلي، وأكْبَرْتُ هذه الروح، ثم توطدت العلاقة والصداقة والحب بيني وبينه، فكنت آتيه في بيته ضحى أو لَيْلًا، ونتسامر إلى نصف الليل، أو بعد ذلك، أو يأتيني هو كذلك.. ومهما طال الحديث نشعر بالمتعة والأنس؛ فالشيخ مَكْتَبَةٌ مُتَنَقِّلَة.. وكنت كلما جئته وجدته يتمَثَّلُ بقول القائل :
وجدتُ الحبيب لا يُمَلُّ حديثه ولا ينفع المشنوء أن يترددا! وأوضح فضيلته: أكاد أقول: إن الشيخ العلوان ليس عنده كتاب في مكتبته، إلا وقد قرأه..فهو يقرأ سريعًا، ويحفظ سريعًا؛ الأسانيد، والمتون، مع معرفة للرجال، وللحديث صحيحه من ضعيفه، وعنده مَعْرِفَةٌ بالأقوال الفقهية، وأقوال العلماء، وله اختياراتٌ، فهو شجاعٌ جدا وجريء في الاختيار الفقهي، وعدم التعصب للمذهب، وعدم الوقوف عند المألوف.
وكذلك لديه تقديرٌ لأحوال الناس، وظروفهم، وقد كان الناس يتصلون به من كل مكان، ويلقي الدروس عبر التليفون، لأكثر من بلد، وأكثر من مَصْرٍ، يشرح لهؤلاء في الحديث، وهؤلاء في المصطلح، ولهؤلاء في الفقه، وهؤلاء في العقيدة!
فالشيخ حفظه الله، نموذجٌ في سعة العلم، ومدرسةٌ في الصبر والمواصلةِ والتحصيل والقراءة، وسَعَةِ الاطلاع.
العطّار... رمزٌ من رموز الدعوة في بلاد الشام
14- الأستاذ عصام العطار
ثم أشار فضيلته إلى الأستاذ عصام العطار، وهو أحد رموز الدعوة في بلاد الشام، ويقيم الآن في ألمانيا، قائلًا: "في طفولتي، وأثناء صحبتني لأولئك النفر، الذين أشرتُ إلى بعضهم، وجدتُ قصائد جميلة، حفظتها عن ظهر قلب، حِفْظَ الطفولة الذي لا يَنْسَى، خاصةً وأنها قصائد ممتلئة بالمشاعر والأحاسيس" :
طال اغترابي وما بيني بمقتضبِ والدَّهْرُ قد جدّ في حربي وفي طلبي
والشوق في أضلعي نارٌ تذوبني ما أفتك الشوق في أضلاع مغتربِ!
كم ذا أَحِنُّ إلى أهلي إلى بلدي إلى صِحَابِي وعهد الجد واللعبِ
إلى المناهل من دينٍ ومن خُلُقٍ إلى المناهل من علمٍ ومن أدبِ
إلى المساجد قد هام الفؤاد بها إلى الأذان كلحنِ الخلدِ في صَبَبِ
الله أكبر، هل أحيا لأسمعها إن كان ذلك يا فَوْزِي ويا طربي!
لقد هدني شوق إليكaم مُبَرِّحٌ وقَرَّحَ جفني دافِقٌ بَعْدَ دِافِقِ
وأَرَّقَنِي في المظلمات عليكمُ تكالُبُ أعداءٍ سَعَوْا بالبَوَائِقِ
فمنهم عدُوٌّ كاشِرٌ عن عَدَائِه ومنهم عَدُوٌّ في ثياب الأصادِقِ
ومنهم قريبٌ، أعظم الخطب قُرْبُهُ! له فيكمُ فِعْلُ العدوِّ الْمُفَارِقِ!
فكنت أجد هذه الأبيات، وأنا طفل في المرحلة المتوسطة، ممهورةً باسم عصام العطار، فأتعرف عليه، فأجد صورته، وأجد كتابًا قد كتبه بعنوان : "أزمة روحية"، عبارة عن رسالة صغيرة، لم يكن في بالي قط أن ألقاه، لأنني كنت أتخيَّلُ، كما كان يقول أبو عبيد: " ما نحن فيمن مضى، إلا كَبَقْلٍ، في أصول نَخْلٍ طِوَالٍ".
مجاهد في سبيل الله
وأضاف فضيلته : "قبل سنتين كنت في تركيا في مؤتمر، وإذا بي أُفَاجَأُ أن الرجل الذي يسكن الغرفة التي تجاورني في الفندق، اسمه عصام العطار.. ياللعجب!!
وقد يَجْمَعُ الله الشتيتَيْنِ بعدما يَظُنَّانِ كُلَّ الظن: أنْ لا تَلَاقِيَا! ونهجم عليه هجمة المحب، نسامره، ونُسَاهِرُه، فنجد النفس الطيبة..والرجل صار الآن يتحرك..ونتعجب : يا أستاذ، لم تكن تذهب يمينًا ولا شِمَالًا! فقد كانت معظم إقامته في ألمانيا، في وسط جَوٍّ غير آمن..و أما اليوم، فهو يقول: أصبحتُ أسافر حيثُ أُدْعَى، إلى أي برنامج أو مؤتمر إسلامي..
فنسأله: لماذا؟ فيقول: أُحِسُّ دُنُوَّ أجلي، فلا أريد أن أموت وأنا قاعد، أريد أن أموت واقفًا، فالأشجار لا تموت إلا واقفةً!
فهو رجل يريد أنْ تُقْبَضَ روحه وهو مجاهِدٌ في سبيل الله؛ في كلمةٍ يقولها، أو علمٍ يَبُثُّه، أو تجربةٍ، أو خبرةٍ، أو دعوةٍ، أو مشورةٍ.
وتابع الدكتور العودة: وعندما استمعت إليه في تلك الليلة، وجدتُ قارئًا، بل حافظًا لديوان المتنبي، يستطرف من جميل شعره، ويقرأُه علينا، نستذكر معه أشعاره القديمة، ما نعرف، وما لا نعرف، بل أَجِدُ رجلًا أصبح يتكلم اللغة الألمانية، ويقرأ الثقافة الألمانية، ويحيط بذلك الفكر، ويستفيد منه بعقل مفتوحٍ.
على الطنطاوي... الشيخ المناضل
15- الشيخ علي الطنطاوي
ثم ذكر الشيخ سلمان الشيخ علي الطنطاوي، قائلًا: "إنه من الأسماء التي لا بُدَّ من الوقوف عندها أيضا، ففي مرحلة المتوسطة والثانوية، كُتِبَ لي أن أقرأ كُلَّ ما كتب الشيخ علي الطنطاوي؛ حيث اشتريت كُتُبَهُ كلها، وكنت أذهب بها إلى الدكان مع والدي، فأقرأها واحدًا بعد الآخر، ومن أجمل ما قرأتُ، وأُوصِي به: كتاب :"رجال من التاريخ". وكتاب : "قصص من التاريخ"، الذي حاولتُ أن أحفظه، أو أحفظَ كلماتِه آنذاك؛ لأنه كان دُرَرًا في جاذبيته وعُمْقِهِ وإثارته، ومعرفته؛ فالشيخ أستاذٌ تَلَقَّيْنَا عنه الكثير.
وأضاف فضيلته: ربما لا يعرف الكثيرون أن الشيخ علي الطنطاوي كان شاعرًا، وهو لم يكن شاعرًا بذلك المعنى ، لكني جمعت كُلَّ ما كتب، فوجدته ألقى قصيدةً على الملك سعود، رحمه الله، حينما زار باكستان، ويقول فيها :
أسعودُ! باكستانُ أكبر دولة ولَأَنْتَ أكبرُ سيدٍ وعميدِ! ويتكَلَّمُ عن القدس وفلسطين وغيرها من القضايا.
هجوم مرفوض
وأردف الدكتور العودة: كم شعرتُ بالحزن والحرقة، حينما مرت بي فترةٌ من الفترات، فوجدتُ هجومًا شديدًا على الشيخ، وكُتُبًا تُؤَلَّفُ ضده، وتُهَمًا تُحَاك، مُشِيرًا إلى أن الشيخ لم يكن كذلك، بل كان رجلًا مناضلًا في سبيل الله، وفي سبيل العلم والدين والأخلاق، في بلده، في الشام، في مصر.
فخاله محب الدين الخطيب، وشيوخه الذين تتلمذ عليهم في الأدب والشعر، وكتاباته منذ القديم في الصحف المصرية، وتاريخه الطويل، وبرامجه التليفزيونية التي أصبح يلقيها بعد في السعودية، ثم المذكرات التي كتبها.. كلها رسمت قامةً لهذا الرجل الكبير العبقري العظيم.
وأشار فضيلته إلى أنه قام بزيارة إلى بيته بمكة، "فوجدته يستقبلنا ويعاملنا، كما لو كنا نحن الكبار، وهو الصغير، فيعاملنا باحترام وتقدير وتوقير، وكان يقول لنا: مضى وقتنا وجاء وقتكم! والرجل كان بروحه الاجتماعية يحب من الناس أن يزوروه، ويتحدثَ إليهم ويُبَاسِطَهم، ويستعيدَ معهم الذكريات".
يوسف القرضاوي... الشيخ العلامة 16- الشيخ يوسف القرضاوي، حفظه الله
ثم تحدث فضيلته عن العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، قائلا: " إنه من الأسماء الجميلة أيضًا، التي تستحق الذكر والإشادة، فقد رأيته منذ أكثر من عشرين سنةً في إندونيسيا على سبيل المصادفة؛ حيث جمعتني وإياه دعوة غداء، وكان في ذلك الوقت لا يزال في عنفوان الشباب، ولم يكن له تلك الشهرة ".
وقال فضيلته: " كنت أقرأ في مجلة الشهاب اللبنانية التي تصدر آنذاك، حديثًا عن الحل الإسلامي، بقلم الشيخ يوسف القرضاوي، ثم توطدت العلاقة بيني وبينه، حتى أصبحنا في اتحاد علماء المسلمين، وكذلك شاركتهم بَعْضَ المشاركة في مجلس الإفتاء الأوروبي، وشارَكْنَا الشيخ في منظمة النصرة العالمية، وتوطدتِ العلاقة بيني وبينه، فرأيتُ عَجَبًا من رجل جاوز الثمانين ".
ذاكرة من حديد
وأضاف الدكتور العودة: أتعجب أن الشيخ مع هذا السن، وثِقَلِ جسمه، والأمراض التي تعتريه، إلا أنه حينما يبدأ في الحديث، تظن أنه لا يستطيع أن يقول إلا كلمةً أو كلمتين، فإذا تحدث بدأ يتحَدَّرُ، وبدأت نبرته ترتفع، وصوته يعلو "، مُوَضِّحًا: قبل أسابيع، كنا في تركيا، أيام أحداث غزة، في زيارة للحُكَّام، وقادة العالم الإسلامي..فجلسنا في جلسة خاصة، وبدأنا نتذاكر الماضي، فقلت له: إنني أحفظ في طفولتي قصيدةً كانت تُوَزَّعُ في كتابٍ أيام مشكلة الناصرية، والكل يعرفها ويتذكرها، وكان هذا الكتاب يوزع مَجَّانًا واسمه: نافذة على الجحيم، يتكلم عن المعاناة والتعذيب، لكنّ هناك قصيدةً طويلةً نونيةً، جميلة :
ثار القريض بخاطري، فدعوني أفضي لكم بفجائعي وشجوني
فالشعر دمعي حين يعصرني الأسى والشعر عودي يوم عزف لحوني
في ليلةٍ ليلاءَ من نوفمبرٍ فُزِّعْتُ من نومٍ لصوت رنيني
وإذا كلاب الصيد تهجم بغتة وتحوطني عن شملة ويمينِ
فتخطفوني من بَنِيَّ وأقبلوا فَرَحًا بصيدٍ للطغاة سمينِ
الخطب ليس بخطب مصرٍ وحدها بل خَطْبُ هذا المشرقِ المسكينِ
والقصيدة طويلة، وربما لا أرتب أبياتها، وبلغني فيما بعد أن هذه القصيدة للشيخ، فطلبنا منه أنْ يُعِيدَها وهو يتَعَذَّرُ ويتعلل بالتعب..ولكنه ما أن بدأ يذكر أوَّلَ بيتٍ من هذه القصيدة، حتى تَحَدَّرَ وأتى بها عن آخرها! ثم جاءنا بالمزيد من القصائد، والذكريات التي عاشها..
وهكذا تجد أن الروح إذا أشرقتْ وانتعشتْ، وتحمَّسَتْ، فإنها تتغلبُ على الجسم، وضَعْفِهِ.
سفر الحوالي... شيخٌ حُرُّ الضميرِ والعَقْلِ
17- الشيخ سفر الحوالي:
وردًّا على سؤال حول علاقة الشيخ سلمان بالشيخ "سفر الحوالي"، قال الدكتور العودة: بيننا وبين الشيخ سفر، والشيخ ناصر العمر، ومجموعة من الزملاء، علاقةٌ قوِيَّةٌ طويلةٌ.
وأولُ ما تعرفت على الشيخ سفر أيامَ كنتُ في الكلية، وقد سبقني هو إليها؛ لأنه أكبر مني قليلًا.
ومن الطرائف، أن هناك مجلة اسمها "الشهاب، كنت أقرأ أعدادَها واحدًا واحِدًا، ومن الأسماء التي عرفتها عن طريق هذه المجلة، مُفْتٍ كان اسمه الشيخ فيصل مولوي، وكنت أقرأ فتاويه، وتعرفت عليه بعد ذلك، فوجدته نموذجًا في الحلم، والتواضع، والصبر، والخلق..فهو قاضٍ ومحامٍ، وعقليةٌ إسلاميةٌ فَذَّةٌ.
وكنا قبل أسبوع نزوره في بيروت؛ حيث كان يعاني من داء عضال، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب له الشفاء والعافية، ويختم له بخير.
وأضاف فضيلته : ويوما ما عندما كنت أتصفح بعض أعداد هذه المجلة التي أُهْدِيَتْ إليّ، وإذا بي أجد اسم الشيخ سفر بن عبد الرحمن بن أحمد الحوالي؛ شاعر من الجامعة الإسلامية، يرسل قصائده إلى هذه المجلة، فينشرونها، واحدةً بعد الأخرى..!
ومن هنا توطّدت العلاقة بيني وبين الشيخ سفر بعد ذلك، وأصبحنا نلتقي بشكل دوري، ونتبادل الكتب.
وأردف الشيخ سلمان: استفدت كثيرًا من الشيخ؛ لأني وجدت منه الإقبال على القراءة، فالشيخ بحَّاثة من الدرجة الأولى، ومُطَّلِعٌ على التاريخ، والفكر العالمي والغربي.. وهو رجلٌ حُرُّ الضمير، حُرُّ العقل، مُتَجَدِّدٌ، ولديه مواهب كثيرة.
وهو شاعِرٌ لا يُشَقُّ له غبار، وقد نشرنا في "الإسلام اليوم" مجموعةً كبيرةً وعديدةً من قصائد الشيخ، حتى من القضايا المتجددة والنازلة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يُمِدَّ في عمره، وأن يقويه، ويُتَمِّمَ عليه الشفاء والعافية.
ناصر العمر... رفيق الدرب
18- الشيخ : ناصر العمر
ثم تحدث الشيخ سلمان عن الشيخ ناصر العمر، قائلًا: "هو شَيْخٌ، وأستاذ فاضل، وداعيةٌ كبيرٌ، وصديقٌ، ورفيقُ دربٍ، وبيني وبينه علاقةٌ كبيرةٌ خاصةٌ، فنحن من منطقة واحدة، وما زالت العلاقة بيني وبين الشيخ طويلة..وآخرها عندما كنا في قطر قبل أسبوعين، في ندوة بعنوان: "غزة بعد المحنة"، وقد جمعت هذه الندوة الشيخ ناصر العمر، والدكتور العشماوي، والشيخ يوسف القرضاوي، إلى جوار مُحَدِّثِكُم..وكانت ندوةً عامِرَةً، مليئةً بالتَّنَوُّعِ والفِكْرِ والأَدَبِ والشِّعْرِ وغير ذلك، ولا تزال علاقتي وصداقتي مع الشيخ ناصر العمر وطيدةً قويةً.
الأسماء كثيرة
ثم ختم الشيخ سلمان حديثه قائلًا: هناك الكثير والكثير من الأسماء، وأنا أؤكد لكم أن ما تركته أكثر بكثير مما تحدثتُ عنه، فالإنسان يمكن أن يتحدث عن أساتذته الذين لَقَّنُوه العلم والدراسة، ولَقَّنُوه حفظ القرآن وحِفْظَ السُّنَّة، والذين تلقى عنهم ودرس عليهم، وهناك زملاء عمل، وزملاء دعوة، وزملاء طريق، لافتًا إلى أنه تحدث قبل سنتين أو ثلاثٍ في محاضرةٍ أو حلقة (أول اثنين)، تحت عنوان "علماء عرفتهم"، وكانت هذه الحلقة في بريدة، وتحدثتُ فيها عن بعض مَنْ ذكرتُ، وعن علماء آخرين، مثل الشيخ علي الضالع، رحمه الله، الشيخ صالح السكيتي، رحمه الله، الشيخ محمد الراشد، شيوخ كثير، وزملاء كثير، وإنما كما يقال : "يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق".