يحظى كتاب (علم الأحياء) منذ طبعته الأولى عام 1982 بنجاحٍ منقطع النظير بين المختصين والأكاديميين ليصبح اليوم في طبعته الثامنة المرجع الأول في العالم لهذا الاختصاص تلك الطبعة التي جاءت بتطور هائل من حيث الوسائل التوضيحية والرسوم البيانية والجداول والملحقات التفصيلية بل شهد زيادة في طاقم العلماء المؤلفين ليكون اليوم أحد أهم الكتب العلمية بين يدي طلابنا وأساتذتنا. وتركز الطبعة الثامنة بشكل أكبر على دور الصور والرسوم التوضيحية وفاعليتها وجدوى المعلومات المقدمة فيها فعملت على التعاقد مع فنانين مختصين بالرسومات الطبية والعلمية لتشكل وسائل الإيضاح نقلة نوعية جديدة في الكتب العلمية والتعلم البصري. يتكون الكتاب من ثمانية أجزاء: الأول عن الأساس الجزيئي للحياة والثاني علم حياة الخلية بينما يفصل الباب الثالث الوراثة وعلم الحياة الجزيئي والجزء الرابع التطور ويأتي تنوع الحياة على الأرض في الباب الخامس بينما ينفرد السادس بأشكال النباتات ووظائفها أما الباب السابع فيتناول أشكال الحيوانات ووظائفها ويختتم الكتاب أبوابه مع علم البيئة والسلوك. والجدير ذكره أنه قد أضيفت فضولٌ جديدة على الطبعات السابقة.
ينقسم إلى أربعة أرباع يضم كل منها عشرة كتب. يتناول الربع الأول العبادات والواجبات مع التركيز على أركان الإسلام الخمسة. ويعالج الربع الثاني مجموعة كبيرة من المسائل الأخلاقية والاجتماعية مثل الزواج وأخلاقيات العمل وآداب المائدة وغير ذلك. أما الربع الثالث فهو يعالج موضوعات تتعلق بمناطق ضعف النفس البشرية مثل الشهوة والغضب والشُح. ويشمل الربع الأخير الفضائل المُنجِية من النار مثل الصبر والندم والخوف من الله. فهو كتاب جامع في الأخلاق والسلوك والمواعظ الإسلامية مما جعله متميزًا على ما سواه. كتبه كموسوعة شاملة لكل ما يهم الفرد المسلم في أمور دينه من العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق ويشمل مصالح الفرد والجماعة وكتبه بطرقة عملية يهدف إلى الارتقاء من التعليمية إلى مستوى السلوكية الذي يدفع إلى جمع بين العمل والعلم.[2]
كتب الغزالي الإملاء على مشكل الإحياء ردًا على انتقادات معاصريه لكتابه الإحياء. وقد لاقى هذا الكتاب منذ تأليفه إعجاب العلماء ولأهميته فقد اختصره البعض العلماء كمرتضى الزبيدي كما خرَّجوا أحاديثه كالحافظ العراقي.
يعتبر الغزالي من أعلام الفكر الإسلامي فقد بلغ في حياته وبعد وفاته مكانة مميزة جعلت المستشرقين قبل العلماء المسلمين ينهلون من كتاباته ويدرسون مصنفاته وتاريخها التي اقتربت من الخمسمائة دراسة وتحليلًا. فقد حاول لويس ماسينيون في كتابه مجموع نصوص غير منشورة خاصة بتاريخ التصوف في بلاد الإسلام بترتيب مؤلفات الغزالي وقسم تآليفه إلى فترات واعتبر إحياء علوم الدين في الفترة الثالثة:[4]
وجد الغزالي انحرافًا كبيرًا في العلم والفقه الإسلامي في عصره حتى ذكر في مقدمته ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة وعلماً وضياء ونوراً وهداية ورشداً فقد أصبح من بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسياً.. [5] فرأى من واجبه أن يبين وجه الصواب في هذه القضية وقد أوضح ذلك بقوله رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهماً إحياءً لعلوم الدين وكشفاً عن مناهج الأئمة المتقدمين وإيضاحاً لمباهي العلوم النافعة عند التبيين والسلف الصالحين [5] فاستخدم تعبير إحياء علوم الدين بما يحمله المفهوم من محاولة لوضع الأسس المنهجية والعلمية للمعرفة الإسلامية. والغاية المطلوبة التي يسعى إليها هي الحث على قرن العلم بالعمل وتخليص العمل من الشوائب ليتحقق فيه الإخلاص الذي هو الغاية المطلوبة.[6]
يعتبر الإحياء من أهم كتب الغزالي فهو من أشهر مصنفاته يحتوى على علوم كثيرة من الفقه والعقيدة والتصوف والحكمة. ورأى أن يحصر الفرق الطالبة للمعرفة وانحصرت هذه الفرق عنده في أربع وهم: المتكلمون والباطنية والفلاسفة والصوفية. فبدأ بدراسة علم الكلام والمجادلة ثم درس الفلسفة اليونانية والإسلامية وانصرف عنهما لأن العقل كما قال ليس مستقلًا بالإحاطة بجميع المطالب ولا كاشفًا للغطاء عن جميع المعضلات.[7]
بدأ كتابه بالشام بعد أن تزهد واعتزل وقرأ وتفكر. وقد أسسته على أربعة أرباع وقال في مقدمته ..لقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبًا ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور:
إن كتاب الإحياء يتميز بخمسة أمور حمل ما عقدوه وكشف ما أجملوه ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه إيجاز ما طولوه وضبط ما قرروه حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه. بسبب ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه ونتيجة لهذه الميزة التي التزم بها المؤلف أن جمعت بعض الموضوعات من جانب ولكنها فرقت ووزعت من جانب آخر.[8]
اتسع الغزالي في تنظيم الإحياء على طريقة فريدة لم يسبق إليها فقد قسم كله إلى أربعة أرباع. الربع الأول: العبادات الربع الثاني:العادات الربع الثالث:المهلكات الربع الرابع: المنجيات. ثم قسم كل ربع من هذه الأرباع إلى عشرة كتب وكل كتاب مقسم إلى أبواب تكبر وتصغر حسب الموضوع والأبواب محتوية على فصول تطول وتقصر أيضًا.[9]
نهج الغزالي في تصنيف الإحياء على طريقة واحدة فسلك في عرض الموضوعات التي تناولها في كتاب الإحياء طريقة واحدة تدل على منهجه الفكري الذي التزم به وهو المنهج الذي التزمه أهل السنة والجماعة في مختلف العصور.[6] فبعد أن قسمه إلى أربعة كتب وقسم كل كتاب إلى عشرة أبواب جعل كل باب محتويًا على مسائل. وبدأ كل كتاب بمقدمة تأتي دائمًا على نمط واحد هو أن يحمد الله ويصلي ويسلم على رسول الله ويذكر الله ذكرًا حسنًا بأسلوب مشوق وطريقة جذابة. ويثنى عليه تعالى بما هو أهل له. ويشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فيما يشبه مقدمات خطب الجمعة وهي تتميز بوضوح أثر الصنعة في أساليبها ففيها كثير من السجع والمحسنات البديعطة ولا ريب أن هذه المقدمات كانت بكثرتها وتنوعها مددًا غزيرًا للوعاظ والخطباء في سائر العصور.[10]
أما في عرض مسائل فإنه يأتي بالآيات القرآنية المتصلة بالموضوع متسلسلة حسب ترتيب المعاني الجزئية وليس بترتيبها في المصحف ويتبع الآيات بالأحاديث بنفس المنهج. ويذكر بعد ذلك مأثورات بعض العلماء وقصص التابعين وحكايات الأولياء والصلحاء مستعينًا ببعض الأمثال والحكم العربية متمثلًا بأبيات من شعره أو من الشعر العربي وهي غالبًا غير منسوبة لقائليها. وفي أثناء ذلك يكون قد قرر اتجاهه في معالجة المسألة في ضوء مجموع النصوص والآثار التي أوردها فهو يدل على رأيه باختياره لهذه الآثار النقلية كما يدل عليه بتصريحه بهذا الرأي في نهاية المطاف.[10] كما تمثل الغزالي في بعض كتابه الإحياء بأبيات لشعراء من العصر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي. وهناك أيضًا مواضع من كتبه الأربعين في الأحياء لم يتمثل فيها بشعر لا من قوله ولا من قول شعراء آخرين.[11] إلا أن تمثله بأشعار الشافعي ورواياته كثير ويغلب على الظن أن ذلك كان لأنه شافعي المذهب.[12] احتوى كتاب الإحياء على كثير من الشِّعر الَّذي استشهد به في موضوعات الكتاب وقد جمع هذا الشعر صالح الشاعر في كتاب المختارات الشعرية لأبي حامد الغزالي من كتاب إحياء علوم الدين. وقد عبر الغزالي عن قيمة هذا الشعر في قوله القلوب وإن كانت محترقةً في حبِّ الله فإنَّ البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن وذلك لوزن الشِّعر ومشاكلته للطِّباع ولكونه مشاكلاً للطَّبع اقتدر البَشَر على نظم الشِّعر وأمَّا القرآن فنظمه خارجٌ عن أساليب الكلام ومنهاجه وهو لذلك معجزٌ لا يدخل في قوَّة البشر لعدم مشاكلته لطبعه.[13]
03c5feb9e7