مناظرة الإمام الكاظم عليه السلام مع هارون
العباسي
دخل
هارون العباسي على الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وقد عمد على القبض عليه
، لأشياء كذبت عليه عنده ، فأعطاه طوماراً طويلاً فيه مذاهب شنعة نسبها
إلى شيعته ، فقرأه ( عليه السلام ) ، ثمّ قال له : ( يا أمير المؤمنين نحن
أهل بيت منينا بالتقوّل علينا ، وربّنا غفور ستور ، أبى أن يكشف أسرار
عباده إلاّ في وقت محاسبته : ( يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) .
ثمّ
قال : ( حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن علي ، عن النبي ( عليهم السلام ) :
الرحم إذا مسّت اضطربت ثمّ سكنت ، فإن رأى أمير المؤمنين أن تمس رحمي رحمه
ويصافحني فعل ) ، فتحوّل عند ذلك عن سريره ومد يمينه إلى الإمام الكاظم (
عليه السلام ) ، فأخذ بيمينه ثمّ ضمّه إلى صدره ، فاعتنقه وأقعده عن يمينه .
وقال
: أشهد أنّك صادق وجدّك صادق ، ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) صادق ،
ولقد دخلت وأنا أشد الناس حنقاً وغيظاً لما رقي إليّ فيك ، فلمّا تكلّمت
بما تكلّمت ، وصافحتني سري عنّي ، وتحوّل غضبي عليك رضى .
وسكت ساعة ،
ثمّ قال له : أريد أن أسألك عن العباس وعلي ، بما صار علي أولى بميراث
رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) من العباس ، والعباس عم رسول الله (
صلّى الله عليه وآله ) وصنو أبيه ؟
فقال له الإمام ( عليه السلام ) : ( أعفني ) ، قال : والله لا أعفيتك ، فأجبني .
قال
( عليه السلام ) : ( فإن لم تعفني فآمنّي ) ، قال : آمنتك ، قال ( عليه
السلام ) : ( إنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) لم يورّث من قدر على
الهجرة فلم يهاجر ، إنّ أباك العباس آمن ولم يهاجر ، وإنّ علياً آمن وهاجر ،
وقال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ) ) ، فتغيّر لون هارون .
ثمّ
تابع الرشيد فقال : ما لكم لا تنسبون إلى علي وهو أبوكم ، وتنسبون إلى
رسول الله وهو جدّكم ؟ فقال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( إنّ الله
نسب المسيح عيسى بن مريم ( عليه السلام ) إلى خليله إبراهيم ( عليه السلام )
بأمّه مريم البكر البتول ، التي لم يمسّها بشر ، في قوله تعالى : (
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى
وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) ، ( وَزَكَرِيَّا
وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) ، فنسبه لأمّه وحدها إلى خليله إبراهيم ( عليه السلام ) .
كما
نسب داود وسليمان وأيوب وموسى وهارون ( عليه السلام ) بآبائهم وأمّهاتهم ،
فضيلة لعيسى ( عليه السلام ) ، ومنزلة رفيعة بأمّه وحدها ، وذلك قوله في
قصّة مريم ( عليها السلام ) : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) ، بالمسيح من غير بشر .
وكذلك اصطفى ربّنا فاطمة ( عليها السلام ) وطهّرها وفضّلها على نساء العالمين بالحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة ) .
فقال
له هارون ـ وقد اضطرب وساءه ما سمع ـ : من أين قلتم الإنسان يدخل الفساد
من قبل النساء ومن قبل الآباء ، لحال الخمس الذي لم يدفع إلى أهله ، فقال
الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( هذه مسألة ما سئل عنها أحد من السلاطين
غيرك ، ولا تيم ولا عدي ولا بنو أميّة ، ولا سئل عنها أحد من آبائي فلا
تكشفني عنها ) .
قال الرشيد : فإن بلغني عنك كشف هذا رجعت عمّا
آمنتك ، فقال ( عليه السلام ) : ( لك ذلك ) ، ثمّ قال ( عليه السلام ) : (
فإنّ الزندقة قد كثرت في الإسلام ، وهؤلاء الزنادقة الذين يرفعون إلينا في
الأخبار ، هم المنسوبون إليكم ) ، فقال هارون : فما الزنديق عندكم أهل
البيت ؟
فقال ( عليه السلام ) : ( الزنديق هو الراد على الله وعلى رسوله ، وهم الذين يحادّون الله ورسوله ، قال تعالى : (
لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ
يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ
أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) ، وهم الملحدون ، عدلوا عن التوحيد إلى الإلحاد ) .
فقال
هارون : أخبرني عن أوّل من ألحد وتزندق ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( أوّل
من ألحد وتزندق في السماء إبليس اللعين ، فاستكبر وافتخر على صفي الله
ونجيبه آدم ( عليه السلام ) ، فقال اللعين : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) ، فعتا عن أمر ربّه
وألحد ، فتوارث الإلحاد ذرّيته إلى أن تقوم الساعة ) ، فقال هارون :
ولإبليس ذرّية ؟
فقال ( عليه السلام ) : ( نعم ، ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجل : (
إِلاَ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ
عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً * مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ
السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ
الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) ) ، فهل عرف الرشيد من أي فريق هو ؟!
ثمّ قال له الرشيد : بحق آبائك لما اختصرت كلمات جامعة لما تجاريناه ، فقال ( عليه السلام ) : ( نعم ) ، وأوتي بدواة
وقرطاس ، فكتب
بسم الله الرحمن الرحيم
جميع أمور الأديان أربعة
1ـ
أمر لا اختلاف فيه ، وهو إجماع الأمّة على الضرورة التي يضطرّون إليها ،
الأخبار المجمع عليها ، وهي الغاية المعروض عليها كل شبهة ، والمستنبط منها
كل حادثة ، وهو إجماع الأمّة .
2ـ وأمر يحتمل الشك والإنكار ،
فسبيله استيضاح أهله لمنتحليه بحجّة من كتاب الله مجمع على تأويلها ، وسنّة
مجمع عليها لا اختلاف فيها ، أو قياس تعرف العقول عدله ولا يسع خاصّة
الأمّة وعامّتها الشك فيه والإنكار له .
وهذان الأمران من أمر
التوحيد فما دونه ، وأرش الخدش فما فوقه ، فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر
الدين ، فما ثبت لك برهانه اصطفيته ، وما غمض عليك صوابه نفيته ، فمن أورد
واحدة من هذه الثلاث فهي الحجّة البالغة التي بيّنها الله في قوله لنبيه (
صلّى الله عليه وآله ) : ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) .
يبلغ
الحجّة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله ، كما يعلمها العالم بعلمه ، لأنّ
الله عدل لا يجور ، يحتج على خلقه بما يعملون ، ويدعوهم إلى ما يعرفون لا
إلى ما يجهلون وينكرون ) .
فأجازه الرشيد وأحسن لقاءه ، وانصرف
الإمام ( عليه السلام ) وقد دلّ خصمه ـ المسمى بأمير المؤمنين وخليفة
المسلمين ـ على أمور الدين ، كما أوضح له منزلة أهل البيت ( عليهم السلام )
، وصحّة أقوالهم ، ودعم ما ذهب إليه بأوثق الأدلّة والبراهين ، ولا غرو
فهذا الغصن الطيّب هو من تلك الشجرة الطيّبة التي غرسها الرسول ( صلّى الله
عليه وآله ) ، وتعهّد سقايتها ورعايتها .