جريمة الإجهاض جريمة اجتماعية من الطراز الرفيع ...وهي غالبا ما ترتكب في الخفاء حينما ينصب شخص ما نفسه قاضيا ويقرر إنهاء حياة جنين والقضاء عليه تماما او إنهاء حالة الحمل الموجودة لدى زوجــــته او إحدى محارمه لأي سبــــب من الأسباب فيقوم بإجهاض حملها او يدفعها او يحرضها على ارتكاب الجريمة بنفسها . وغالبا مــــا لايترك الجاني أي اثر لهذه الجريمة لصعوبة اكتشافه في وقت مبكر ورغم كونها من الحــــــــالات الطبية التي أجاز القانون في حالات محدودة كان تكون لإنقاذ الأم عندما تكون حالتــــها حرجة تســــتدعي ذلك او ان استمرار الحمل يكون هناك مخاطر ولادة طفل مصاب بشـذوذ عقليا او عوق ذهني او جسمي ولكنها في الجانب الآخر يعدها القانون جريمة يعاقب عليها كونها اعتداءا صارخــــــا على الحياة الإنسانية تستوجب العقاب فقد دلت الدراسات الطبية الحديثة ان الجنين في غضون الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل جميع المواصفات الخلقية للإنسان . وجريمة القتل الطبيعيــة لا تكتمل الابوجود ضحية ..وهي جثة القتيل المنظورة للعيان .أما جريمة الإجهاض فإنها تتعلق بحالة الجنين الموجود في بطن أمه والاعتداء على حقه في الحياة وكذلك على حق المجتمع في التكاثر والنسل .. .وتكون جريمة الاجهاض في حالتين الاولى هي قتل الجنين وهو في بطن أمه والثانية إخراجه من رحم أمه بوسيلة غير طبيعية وقد تكون بواسطة الأم نفسها او بواسطة شخص مساعـد لها ومن هنا يتبين لنا ان الاجهاض كجريمة يتوجب ان يتوافر فيها أركان ثلاثة وهي 1-ركــــن مفترض وهو وجود الحمل 2-الركن المادي 3-الركن المعنوي .
لابد ان يكون محل الجريمة وهو المفترض امراءة حامل في أي فتــــــرة من فترات الحمل ويطولها الفعل الإجرامي المكون للجريمة .فحق الجنين في الحياة مصـــون والاعتداء عليه يكون جريمة كما ذكرت سابقا ..فالمجني عليه في جريمة الاجهاض ليس المرأة وإنما هو الكائن فيها حقيقة والذي يكون له حياة ونموا طبيعيا خاصا به وبدلــــيل ان له حركة وقلبا نابضا يظهران ولو بعد نشأته ببعض الوقت وهذا الكيان الجديد يبدأ منــــــذ تلقيح البويضة ويستمر الى حين الولادة وهو الذي أراد القانون حمايته وان كان هذا الكيان لا يعد شخصا بنظر القانون إلا انه يصح ان يكتسب حقوقا يجيز القانون المدني ان تؤول اليه .كما يجوز ان يعين له قبل ان يخرج الى حيز الوجود قيما ليدير أعماله ويحافظ على حقوقه والأموال التي تؤول اليه عن طريق الإرث او الوصية واذا لم تكن المراءة حاملا فلا وجود للجريمة ولو كان الفاعل يعتقد بأنها حامل فان الحالة تكون طبقا للقواعد العامة شروعا بالإجهاض وهذا ما اخذ به المشرع الفرنسي في المادة 317 من قانون العقوبات الفرنسي حيث قرر العقوبة عليه وهذا ما لم يفعله المشرعان المصري والعراقي وتركا ذلك لتطبيق القواعد العامة عليه .
أما الركن المادي فيتمثل بفعل الاسقاط ويكون على عدة صور ومنها يكون جناية كالضرب والجرح ..او أي شكل من أشكال الإيذاء للمرأة الحامل بغير رضاها ومنها يكون جنحة كإعطاء المراءة للأدوية او الوسائل المؤدية للإجهاض ومنها يكون صادرا من المراءة ذاتها عندما ترضى بتعاطي تلك الأدوية مع علمها بآثارها القاتلة للحمل كما يلزم لتحقق الركن المادي ان تكون هناك نتيجة إجرامية متمثلة بإخراج الجنين او الحمل الى الخارج قبل موعده الطبيعي والرابطة السببية بينهما ..ولم يحدد القانون ماهية الأداة المستخدمة في فعل الاسقاط وعلى كل حال فلا بد من حركة اونشاط اوعمل يؤدي الى إنهاء حالة الحمل قبل موعدها الطبيعي او إخراجه من مكانه ...أما النتيجة الإجرامية فتتمثل بقتل الجنين وهو في رحم أمه او إخراجه بالوسائل الغير طبيعية . حيث يجب ان يحدث الفاعل موت الحمل سواءا حصل ذلك في داخل الحمل او في خارجه او أثناء انفصاله عن الرحم . فاذا تصادف خروج الحمل حيا وقابلا للحياة ,واستخدم الفاعل الوسيلة المجهضة للقضاء عليه بعد ولادته عد فعله قتلا عمدا لا جريمة إجهاض ....
أما الرابطة السببية بين الفعل والنتيجة فيجب توافرها لتحقق الجريمة فبدونها لا يمكن ان تكون هناك جريمة فتعرض الحامل الى حادث سقوط عرضي على الأرض بعد فعل الاسقاط ويؤدي ذلك الى إجهاضها فان الجريمة لا تتحقق والفاعل لا يساءل عن الإجهاض ...وإنما يمكن مساءلته طبقا للقواعد العامة عن الشروع في الاجهاض ..
الركن المعنوي
في البدء يجب التأكيد على ان جريمة الاجهاض جريمة عمدية ويجب توافر القصد الجنائي الخاص فيها لكي تكتمل شروطها وأركانها .... حيث يجب توافر العلم والارادة لارتكاب الجريمة .فلا يمكن ان يقال ان الجريمة مرتكبة اذا كان فاعلها لا يعلم ابتداءا ان المراءة حامل ..وكذلك يجب ان يكون العلم معاصرا لفعل الاسقاط الذي قام به الجاني كان يعتقد ان الدواء الذي قام بإعطائه للحامل لا يضر بها او بالجنين بل يؤدي الى تنشيطه مؤقتا وبعد ذلك ظهر انه سام ويؤدي الى إماتة الجنين في مكانه ..وكذلك فان النية او إرادة فعل الإجهاض يجب ان تكون متوافرة فاذا لم تكن كذلك يتحول التكييف القانوني للفعل كأن يكون ايذاءا او غير ذلك من الأفعال المعاقب عليها في قانون العقوبات وعلى العموم ان مسألة معرفة النية مسألة موضوعية تستنبطها المحكمة من ظروف كل قضية وتستنتجها من طبيعة الفعل ذاته ...
عقوبة جريمة الاجهاض
افرد المشرع العراقي ثلاث مواد في قانون العقوبات لجريمة الاجهاض كما حدد عقوبات صارمة لمرتكبها حيث نص في المادة 417 عقوبة الحبس لمدة لاتزيد على سنة واحدة وبغرامة لا تزيد على مئة دينار كل امرأة أجهضت نفسها عمدا بأية وسيلة كانت او مكنت غيرها من ذلك برضاها .. وكذلك تفرض العقوبة نفسها على كل من أجهض امرأة عمدا برضاها ...وترتفع العقوبة الى السجن لمدة لا تزيد على سبع سنوات اذا أدى الاجهاض او الوسيلة التي أدت الى حدوثه الى موت المجني عليها وحدد الظروف المشددة في الحالة السابقة وهي حالة المراءة التي تجهض نفسها بنفسها او بواسطة غيرها . فيكون الظرف المشدد الصفة الفنية او الخبرة الفنية او العملية التي تلحق بالفاعل كأن يكون طبيبا او معاونا له او جراحا او صيدلانيا او قابلة مأذونة لما لهم منصفات تؤهلهم للقيام بمثل هكذا أعمال بصورة سهلة وسريعة كما إنهم يمتلكون الخبرة والوسائل والدراية الكاملة للقيام بهذا العمل . وحدد عقوبة أعلى اذا كان الاجهاض بدون رضا المراة وهي السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات المادة 418 وارتفع بالعقوبة الى السجن مدة لا تزيد على خمسة عشر سنة اذا أفضى الاجهاض الى موت المجني عليها كما أضاف الى ذلك عقوبة تبعية بمنع المذكورين آنفا عن مزاولة أعمالهم مدة لا تزيد على ثلاثة سنوات كما اعتبر إجهاض الأم لنفسها او إجهاض احد أقربائها لها من الدرجة الثانية ((الأم او الأب او الأخ او الأخت او الابن ))اذا كان سبب الاسقاط اتقاءا للعار اعتبره ظرفا قضائيا مخففا .. كما نصت على ذلك المادة 417 الفقرة 4....
وكل هذه العقوبات المارة الذكر خفيفة ولا تتناسب مع جسامة الجريمة المرتكبة مما يقتضي تعديلها في قادم الزمن وقد اغفل القانون عقوبة الشروع في هذه الجريمة وجعل للقاضي عند النظر في القضية مهمة الرجوع الى القواعد العامة في القسم العام في القانون ... هذا والحمد لله رب العالمين ...
القانوني / نسيم عمران موسى