خطبتي الجمعة: من مكة المكرمة والمسجد النبوي

2 views
Skip to first unread message

masajed iraq

unread,
May 1, 2011, 5:33:09 AM5/1/11
to masaj...@googlegroups.com

http://www.masajediraq.com/upload/files/masajed%20iraq%20haedar.JPG

               أخبار المساجد ... للمتعلقة قلوبهم بالمساجد

انظم إلى مجموعتنا البريدية لتصلك خطبة الجمعة مكتوبة ... من ( مكة المكرمة ) و ( المسجد النبوي )

انقر على الصورة أدناه للاشتراك في المجموعة

خطبة الجمعة من المسجد الحرام: إرشاد القوم لآداب النوم

مكة المكرمة : فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب

ملخص الخطبة:
 

1- دلالة النبي أمته لكل خير. 2- النوم سلطان. 3- سنن النوم وآدابه الفعلية. 4- سنن النوم وآدابه القولية. 5- سنن الاستيقاظ من النوم وآدابه.

الخطبــــــة الأولــــــى:

أمّا بعد: فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، التي لا يقبَلُ غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها؛ فإنَّ الواعِظين بها كَثير، والعاملِين بها قليل، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: 197]، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى، واعلموا أنكم غدًا مُحاسَبون، وبأعمالكم مَجزيُّون، وأنَّ أجسادكم لا تصبر على حرِّ النار ولا تقوَى.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }[الحشر: 18].

أيُّها المسلمون، لم يترُكِ النبيُّ خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا بابًا للجنَّةِ إلا عرَّفنا طَريقَه، ولا سببًا للسّعادة والهناء إلا أرشدَنا له وحثَّنا عليه. وفي ذاتِ الوقت ربَّانا على لزوم السُّنن، وعلَّمَنا الآدابَ، وأرادَنا أن نكونَ على مُراد الله في كلِّ الأحوال؛ في منامنا ويقَظَتنا، في مِحرابِ التعبُّد أو في ميدانِ السَّعي للدّنيا، أن يكونَ حالُنا ومُنقلَبُنا لله،{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الأنعام: 162]، وهذه غايةُ العبودية، والعبوديَّة هي الغايةُ.

أيّها المسلمون، لا يخلو الإنسانُ أن يكونَ في حالِ يقظةٍ أو حالِ نومٍ، يتقلَّبُ بينَهما كما يتقلَّبُ الليل والنهارُ، والنومُ حالٌ عجيبٌ من أحوالِ الإنسان، وآيةٌ من آياتِ الله العِظام،{ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }[الروم: 23].

ويُشكِّلُ النَّومُ جزءًا كبيرًا من اهتِمام الناس، فيتَّخِذون له الفُرشَ والأثاث، ويتهيَّؤون له بالوسائل والأحوال، ويتحكَّم في أوقاتهم ومعاشِهم. وإذا اختلفَ بزيادةٍ أو نَقصٍ أثَّر على صحّة الإنسان بدنيًّا ونفسيًّا، وبذَلَ للعلاج الكثيرَ من الأموال، والإنسانُ يُمضِي ثُلُثَ حياته في النوم.

ومِن هنا جاءَت الآدابُ النبويَّة والسنَن المحمديّة بالإرشادِ والتوجيه، حتى يكون منامُنا طاعَةً ونومُنا عبادة، والتزامُ هذه السّنَن سببٌ للأجر، ومُعينٌ على القيامِ لصَلاة الفَجر، والنشاطِ في سائر اليوم، والبُعد عن الوساوس والأحلام المُزعِجة والأمراض النفسيّة.

وهذه السننُ والآداب على أهمّيَّتها وعظيم أجرِ فاعلها قد أعرض كثيرٌ من المسلِمين عنها جهلاً أو تكاسُلاً، أو زُهدًا فيما عند الله من ثوابٍ.

وإليكم -أيّها المسلمون- طائفةً مما صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من سُنن النومِ وآدابه، فيها الخير والسعادةُ في الدنيا والآخرة:

فأوّل ذلك: ما ورد عنِ النبيّ من التبكير في النّوم؛ فعن أبي بَرزةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يكرَه النومَ قبل العشاء والحديثَ بعدها. أخرجه البخاري ومسلم.

ثمّ الوِتر قبل النوم لمن خشِيَ أن لا يقومَ آخر الليل؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي بثلاث: بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهر، وركعتَيْ الضُّحَى، وأن أُوتِر قبل أن أرقُد. أخرجه مسلم.

ومن الآداب: إطفاءُ النار وتخميرُ الإناءِ وإغلاقُ الأبواب؛ عن جابر أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أطفِئوا المصابيحَ إذا رَقدتُم، وغلِّقوا الأبوابَ، وأوكُوا الأسقِيةَ، وخمِّروا الطعامَ والشرابَ))، وأحسِبُه قال: ((ولو بعودٍ تعرضُه عليه)) أخرجه البخاريّ ومسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تترُكوا النار في بيوتِكم حينَ تنامون)) أخرجه البخاري ومسلم، وعن أبي موسَى قال: احترَق بيتٌ بالمدينَةِ على أهله من الليل، فحُدِّث بشأنهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((إنَّ هذه النارَ إنما هي عَدوٌّ لكم، فإذا نِمتُم فأَطفِئوها عَنكم)) أخرجه البخاري ومسلم.

ومن الآدابِ: عَدمُ النومِ على مكانٍ مُرتَفعٍ بلا حَواجز؛ عن عليِّ بن شيبانَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: ((من باتَ على ظَهر بيتٍ ليس له حِجارٌ فقد برِئَت منه الذِّمَّة)) أخرجه أبو داود وله عدةُ شواهد.

ومِن الآداب: غسلُ اليَد والفَم من أثرِ الأكل والدَّسَم ونحوه؛ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نامَ وفي يَده غَمَرٌ ولم يَغسِله فأصابَه شيءٌ فلا يلومنَّ إلا نفسَه)) أخرجه أبو داود.

ومنَ السنَن: الوضوءُ قبلَ النّوم؛ عن البراءِ بن عازبٍ قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((إذا أتيتَ مضجعَك فتوضَّأ وضوءَك للصلاة)) أخرجه البخاري ومسلم.

ويُسنُّ الوضوءُ أيضًا حتى ولو كان الإنسان جُنُبًا؛ عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّ عمر بنَ الخطاب رضي الله عنه سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : أيرقُد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: ((نعم، إذا توضَّأ أحدُكم فليرقُد وهو جُنُب)) أخرجه البخاري ومسلم.

ومِن آدابِ النَّوم: نفضُ الفراشِ والتَّسمية؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا أوَى أحدُكم إلى فراشِه فليأخُذ داخِلةَ إزاره، فلينفُض بها فِراشَه وليُسمِّ الله؛ فإنه لا يعلمُ ما خلَفَه بعده على فِراشه)) أخرجه البخاري ومسلم.

ويحرِصُ المسلمُ على التَّستُّر حتى لا تَنكشِفَ عورتُه وهو نائمٌ؛ عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يستلقِيَنَّ أحدُكم ثم يضعُ إحدى رجلَيْه على الأخرى)) أخرجه مسلم.

ومِن الآدابِ: تباعُد النائمين عن بَعضهم؛ فعن عمرو بِن شُعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مُروا أولادَكم بالصلاة وهم أبناءُ سبعِ سنين، واضرِبوهم عليها وهم أبناءُ عشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضَاجِع)) أخرجه أحمد وأبو داود.

ومن السننِ: كتابةُ الوصيَّة؛ فعن عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يُوصِي فيه يبيتُ ليلتَين إلا ووصيَّتُه مكتوبةٌ عنده)) أخرجه البخاري ومسلم.

وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن النومِ على البَطن، وقال: ((إنها ضَجعةُ أهلِ النار))، وقال: ((إنها ضَجعَةٌ يُبغِضُها الله عز وجل)) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. وعن أبي هريرةَ قال: رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَجلاً مُضطجِعًا على بطنه، فقال: ((إنَّ هذه ضَجعةٌ يُبغِضُها الله ورسولُه)) أخرجه الترمذيّ.

أيها المسلمون، ومن السنة: النومُ على الشِّقِّ الأيمن؛ فعن البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتيتَ مضجِعك فتوضَّأ وضوءَك للصلاة، ثم اضطجِع على شِقِّك الأيمن)) أخرجه البخاري ومسلم.

ومن السنّة: وضعُ اليدِ تحت الخدِّ؛ فعن حذيفةَ قال: كانَ إذا أخَذ مَضجِعَه من الليلِ وضع يدَه تحت خدِّه. أخرجه البخاري.

عبادَ الله، هذه بعضُ السنن العمليّة، وإليكم طائفةً أخرى من الأدعية والأذكارِ التي صحَّت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحرِيٌّ بكلِّ مسلمٍ أن يحفَظَها ويتلُوَها ويجعلها وِردَه وطمأنينَةَ قلبِه، وذِكرُ الله مَطلوبٌ عند النوم؛ فعن أبي هريرةَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((من اضطَجَع مضجِعًا لا يذكرُ اللهَ فيه كانت عليه من الله تِرة)) أخرجه أبو داود.

ومن هذِه الأذكار: قراءةُ آيةِ الكرسيّ؛ ففي حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه الطويل، قال: إذا أويتَ إلى فِراشِك فاقرأ آيةَ الكرسي؛ فإنه لن يزالَ عليك من الله حافظٌ ولا يقربُك شيطانٌ حتى تُصبِح، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((صدَقَك وهو كذوبٌ، ذاك شيطان)) أخرجه البخاري ومسلم.

ومن الذِّكر قبل النوم: التسبيحُ ثلاثًا وثلاثين، والحمدُ ثلاثًا وثلاثين، والتّكبيرُ أربعًا وثلاثين، وفيه حديثُ عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وشكوى فاطمَة رضي الله عنها ما تلقى من الرَّحَى مما تطحَن، وطلبَت خادمًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أدلُّكما على خيرٍ مما سألتُماه؟ إذا أخذتُما مضاجِعكما فكبِّرا اللهَ أربعًا وثلاثين، واحمدَا ثلاثًا وثلاثين، وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين؛ فإنَّ ذلك خيرٌ لكما مما سألتُماه)) أخرجه البخاري ومسلم.

عبادَ الله، ومنَ الدعاءِ الذي كان يقوله ما رواه حذيفةُ بنُ اليمان رضي الله عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فِراشه قال: ((باسمك اللّهمّ أموتُ وأحيا))، وإذا قام قال: ((الحمدُ لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور)) أخرجه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : ((إذا أوى أحدُكم إلى فِراشه فلينفُض فِراشَه بداخِلَة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلَفَه عَليه، ثم يقول: باسمك ربّي وضعتُ جنبي وبك أرفعُه، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتَها فاحفَظها بما تحفَظ به عبادَك الصالحين)) أخرجه البخاري ومسلم.

وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أخَذَ مضجِعَه: ((الحمدُ لله الذي كفاني وآواني، وأطعمني وسقاني، والذي منَّ عليَّ فأفضَلَ، والذي أعطاني فأجزَل، الحمدُ لله على كلِّ حال، اللّهمّ ربَّ كل شيءٍ ومليكَه وإلهَ كلِّ شيءٍ، أعوذ بك من النار)) أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن حبان والنوويّ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مُرني بكلماتٍ أقولهنَّ إذا أصبحتُ وإذا أمسَيتُ، قال: ((قل: اللّهمّ فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيبِ والشهادة، ربَّ كلِّ شيءٍ ومليكَه، أشهد أن لا إلهَ إلا أنتَ، أعوذ بك من شرِّ نفسي وشرِّ الشيطان وشِرْكِه))، قال: ((قُلها إذا أصبحتَ، وإذا أمسيتَ، وإذا أخذتَ مضجِعَك)) أخرجه أبو داود.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتَت فاطمةُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تسألُه خادمًا، فقال لها: ((قولي: اللّهمّ ربَّ السماوات وربَّ الأرض، وربَّ العرشِ العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، فالقَ الحبِّ والنوَى، ومُنزِل التوراةِ والإنجيلِ والفُرقان، أعوذ بك مِن شرِّ كلِّ شيءٍ أنت آخِذٌ بناصيته، اللّهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فَوقَك شيء، وأنت الباطنُ فليس دونَك شيء، اقضِ عنّا الدَّيْن، وأغنِنا من الفقر)) أخرجه مسلم.

وعن البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ أن ينامَ توسَّد يمينَه ويقولُ: ((اللّهمّ قِني عذابَك يومَ تجمعُ عبادَك)) أخرجه أحمد والترمذي وعندهما عن حفصة أيضًا.

وعن أنسٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فِراشِه قال: ((الحمدُ لله الذي أطعمَنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكَم ممّن لا كافِيَ له ولا مُؤوِي)) أخرجه مسلم.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّه كان يقول عند مضجعه: ((اللّهمّ إني أعوذ بوجهِك الكريم، وكلماتك التامّة من شرِّ ما أنت آخِذٌ بناصيته، اللّهمّ أنت تكشِفُ المغرَمَ والمأثَمَ، اللّهمّ لا يُهزَمُ جندُك، ولا يُخلَفُ وعدُك، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجَدُّ، سبحانك وبحمدك)) أخرجه أبو داود.

وعنِ البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتيتَ مَضجِعك فتوضَّأ وضوءَك للصلاة، ثم اضطجِع على شقِّك الأيمن، ثم قل: اللّهمّ أسلَمتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهرِي إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجَأ ولا منجَى منك إلا إليك، اللّهمّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ))، قال: ((فإن متَّ من ليلتك فأنت على الفِطرة، واجعلهنَّ آخرَ ما تتكلَّم به)) أخرجه البخاري ومسلم.

أيّها المسلِمون، وقد يعرِضُ للمسلِم ما يُخيفُه ويُفزِعُه، فإذا وجدَ ذلك فليَستعِذ بالله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا فزِعَ أحدُكم من النوم فليقُل: أعوذ بكلماتِ الله التاماتِ من غضبِه وعِقابه وشرِّ عِباده، ومن هَمَزات الشياطين، وأن يحضُرون؛ فإنها لن تضُرَّه)) أخرجه أبو داود وحسَّنه الترمذي وابن حجر.

وللرؤيا والأحلام آدابٌ وسُنن؛ عن أبي قتادةَ قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الرُّؤيا منَ الله، والحُلمُ من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم شيئًا يكرهه فلينفُث عن يساره ثلاثَ مرات، ثم ليتعوَّذ من شرها، فإنها لا تضرُّه)) أخرجه البخاري ومسلم، وعن جابرٍ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((إذا رأى أحدُكم الرؤيا يَكرهُها فليبصُق عن يساره ثلاثًا، وليستعِذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه)) أخرجه مسلم.

اللهم بارِك لنا في القرآن والسنة، وانفعنا بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستَغفر الله تعالى لي ولكم.

 

الخطبـــــــة الثانيــــــة:

الحمد لله وليِّ المؤمنين، والعاقبةُ للمتَّقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له الملكُ الحقّ المبين، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله الصادقُ الأمين، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيّها المسلِمون، وإذا انتبَه المسلِم من الليل فيُسنُّ له أن يذكُر اللهَ تعالى ويَدعُوَه، فإنه حرِيٌّ بالإجابة؛ عن عبادةَ بنِ الصامت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من تعارَّ من اللّيلِ فقال: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، الحمدُ لله وسبحان الله ولا إلهَ إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللّهمّ اغفِر لي أو دعا استُجيبَ له، فإن توضَّأ وصلَّى قُبِلَت صلاتُه)) أخرجه البخاري، وعن مُعاذ بن جبل عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ما مِن مسلمٍ يَبيتُ على ذِكرٍ طَاهرًا فيتَعارُّ من الليل، فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه)) أخرجه أحمدُ وأبو داود وابن ماجه.

ومِنَ السنّة: قراءةُ آخر سورةِ آل عمران إذا قام ليلاً؛ عن عبدِ الله بن عباس رضي الله عنهما قال في حديثه: فنام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصَفَ الليل أو قبلَه بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظَ رسول الله فجلسَ، فمسحَ النومَ عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر آياتٍ خواتيمَ سورة آل عمران. أخرجه البخاري ومسلم.

ومن السنة: السواكُ بعد النوم؛ عن حذيفةَ رضي الله عنه قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشُوصُ فاهُ بالسِّواك؛ أخرجه البخاري ومسلم، وعن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُوضَع له وَضوؤه وسِواكُه، فإذا قام من الليل تخلَّى ثم استاكَ. أخرجه أبو داود. وعن ابن عمر أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينامُ إلا والسواك عنده، فإذا استيقظَ بدأ بالسِّواك. أخرجه أحمد.

ومنَ السنّة: الذِّكرُ بعد الاستيقاظ؛ عن حذيفةَ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجِعه من الليل وضع يدَه تحت خدِّه ثم يقول: ((اللّهمّ باسمك أموت وأحيا))، وإذا استيقظَ قال: ((الحمدُ لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)) أخرجه البخاري.

ومن السنة أيضًا: غسلُ اليَد ثلاثًا قبل استعمالها؛ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا استيقظَ أحدُكم من نومه فليغسِل يدَه قبل أن يُدخِلَها في وضوئه؛ فإن أحدَكم لا يدري أين باتَت يدُه)) أخرجه البخاري.

عبادَ الله، ومَن أراد النشاطَ وانشراحَ الصدر وطِيبَ النفس بعد الاستيقاظ من النومِ فليُبادِر إلى ذكر الله، ثم إلى الوضوء والصلاة؛ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يَعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَد، يضربُ مكانَ كلِّ عُقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُد، فإن استيقَظ فذكرَ الله انحلَّت عُقدَة، فإن توضَّأ انحلَّت عُقدَة، فإن صلَّى انحلَّت عُقَدُه فأصبح نشيطًا طيِّبَ النفس، وإلا أصبح خبيثَ النفس كسلان)) أخرجه البخاري ومسلم.

أيُّها المسلِمون، هذه أربعون حَديثًا مما ثبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيحِ كثيرٌ غيرُها، أسأل الله تعالى أن ينفع بها قائلَها وسامِعَها، وأن يُعينَنا على تطبيقها والتزامها.

اللّهمّ وفِّقنا لهُداك، واجعَلنَا نخشاك كأنّا نراك، واجعلنا مُتَّبعين لسنة نبيِّك محمَّد ، اللّهمّ أورِدنا حوضَه، وارزُقنا شفاعتَه، واحشُرنا تحت لوائه.

اللّهمّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين...

 

خطبة الجمعة من المدينة المنورة : ذلكم الله ربكم

خطيب الجمعة: فضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم

ملخص الخطبة:

1- نعم الله تعالى على خلقه. 2- أهمية معرفة الله تعالى. 3- كمال الله المطلق. 4- عظمة الله جل جلاله وصفات كماله. 5- غنى الله تعالى وجوده وكرمه. 6- أثر معرفة الله تعالى في العمل والتقرب إليه.

 

الخطبـــــــــة الأولـــــــــى:

أمّا بعد: فاتَّقوا الله -عباد الله- حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.

أيّها المسلمون، أوجَد اللهُ العِبادَ منَ العدَم وأمدَّهم بالنِّعَم، وكشفَ عنهم الكروبَ والخُطوبَ، والفِطَرُ السلِيمةُ تحبُّ من أَنعمَ وأحسنَ إليها، وحاجةُ النّفوس إلى معرفةِ ربِّها أعظم من حاجِتِهم إلى الطعام والشراب والنَّفَس، ولا سَعادَةَ في الدنيا والآخِرَة إلا بمعرفةِ الله ومحبَّتِه وعبادته، وأعرفُ النّاس به أشدُّهم له تعظيمًا وإيمانًا، وعُبودِيةُ القلبِ أعظمُ من عبودِية الجوارح وأكثرُ وأدوَم، فهِي واجِبَةٌ في كلِّ وقت، وأعمالُ الجوارحِ لإصلاح القلب وتعظيم الله. قال ابن القيم رحمه الله: "واللهُ يُنزِل العبدَ من نفسِه حيثُ يُنزِلُه العَبدُ من نفسِه".

وإذا عرفَ المخلُوقُ ربَّه اطمأنَّت إليه نفسُه وسكنَ إليه قلبُه، ومن كان بالله وصفاتِه أعلمَ كان تَوكُّله أصحَّ وأقوى، وكان منه أخوَف. وأكملُ الناس عبوديةً المُعظِّمُ لله المُتعبِّدُ له بجميع أسمائه وصفاته، واللهُ سبحانه له منَ الأسماء أحسنُها، وأسماؤُه مَدحٌ وتمجيد، وله من الصِّفاتِ أكملُها وأعلاها، وصفاتُه صفاتُ كمال. كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول في رُكوعه: ((سبحان ذي الجبروتِ والملَكوتِ والكبرياء والعَظَمة)) رواه النسائيّ.

له الكمالُ المُطلقُ في كلِّ شيء؛ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك)) رواه مسلم.

وجميعُ من في السماوات ومن في الأرض يُنزِّهون الله عن كلِّ عيبٍ ونقصٍ، قال سبحانه:{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ }[الحشر: 1]، وكلُّهم يسجُد له؛ قال عزّ وجلّ:{ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا }[آل عمران: 83].

له عزّ وجلّ الخلقُ والأمرُ وحدَه، أتقنَ ما صنَعَ وأبدَعَ ما خَلَق، وقدَّر مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السماوات والأرض بخمسين ألف سَنَة، والحكمُ حكمُه ولا يَشرَكه في ذلك أحَد، لا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّب لحكمه، حيٌّ لا يموت، جميعُ الخلقِ تحتَ قهرِه وقبضته، يُميتُهم ويُحييهم، ويُضحِكُهم ويُبكِيهم، ويُغنيهم ويُفقِرُهم، ويُصوِّرُهم في الأرحامِ كيف يشاء،{ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا }[هود: 56]، يُدبِّرُها كيف شاء، وقلوبُ العباد بين أُصبعَيْه يُقلِّبُها كيفَ شاء، ونواصيهِم بيدِه، وأزِمَّةُ الأمورِ معقودةٌ بقضائهِ وقدَره، لا يُنازِعُه مُنازِع، ولا يغلبُه غالبٌ.

لو أنَّ الأمَّةَ اجتَمَعت لتضرَّ أحدًا والله لم يكتب ذلك لم يضُرَّه أحَد، ولو اجتمعوا على نَفعِه والله لم يُرِد ذلك لم ينفعه أحد. لا رادَّ لعذابه إن نزل، ولا رافعَ له إن حَلَّ سِواه، يخلق ما يشاءُ ويفعل ما يُريد، لا يُسأل عما يفعل والخلقُ يُسأَلون، قائمٌ بنفسِه، مُستَغنٍ عن خلقه، ومُهيمنٌ عليهم جميعًا، مفاتيحُ الغيب عنده لا يَعلَمُها إلا هو، وأخفَى عِلمَها حتى عن الملائكةِ، فلا يعلمون مَن سَيموت غدًا أو ما سيحدث في الكون قبل أن يكونَ.

ملِكٌ يُدبِّر أمرَ عباده، يأمرُ وينهَى، ويُعطِي ويمنع، ويخفِضُ ويرفع، أوامرُه مُتعاقبةٌ على تعاقُب الأوقات، نافذةٌ بحسَبِ إرادتِه ومشيئَتِه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن،{ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }[الرحمن: 29].

ومن جملةِ شؤونه أن يُفرِّج كربًا، ويجبر كسيرًا، ويُغنِي فقيرًا، ويُجيبَ دعوةً، قال عن نفسه: { وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ }[المؤمنون: 17].

علمُه وسِعَ كل شيء، يعلمُ ما كان وما يكون وما لم يكن، لا تتحرَّك ذرَّةٌ فما فوقَها إلا بإذنه، ولا تسقُط ورقةٌ إلا بعِلمِه، لا تخفى عليه خافية، استوى عنده السرُّ والعلانية، قال سبحانه: { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } [الرعد: 10].

يسمعُ أصواتَ المخلوقين وهو على عَرشِه، قالت عائشةُ رضي الله عنها: الحمدُ لله الذي وَسِعَ سمعُه الأصوات، قالت: لقد جاءَت المُجادِلةُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُكلِّمُه وأنَا في ناحيَةِ البيتِ ما أسمعُ ما تقولُ، فأنزلَ اللهُ:{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا }[المجادلة: 1].

وأفعالُ العبادِ في ظُلمةِ الليل البَهيمِ لا تخفى عَليه، قال جل شأنه:{ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ }[الشعراء: 218، 219]. يرى وهو فوق سماواته دبيبَ النملة السوداء، على الصخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء.

خزائنُه مَلأى في السّماوات والأرضِ، ويَداه مبسوطتان بالسَّخاءِ، سحَّاءُ الليل والنهار، يُنفِقُ كيف يشاء، كثيرُ العطاء واسعُ الجُودِ، يُعطِي قبلَ السؤالِ وبعدَه، وينزل إلى السماءِ الدنيا كلَّ ليلةٍ في الثُّلثِ الأخير من الليل ويقول: من يسألني فأُعطيَه. ومن لم يسأله يغضَب عليه.

وأبوابُ عطائه فتحَها لخلقه، فسخَّر بحارًا وأجرى أنهارًا وأدرَّ أرزاقًا، ساق للخَلقِ أرزاقهم؛ فرزَقَ النملَ في قرار الأرض، والطيرَ في الهواء، والحيتان في الماء،{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا }[هود: 6]، ورزقُه وسِع الجميعَ؛ فساق إلى الجنين رزقَه وهو في رَحِمِ أمِّه، وإلى الجَلْد القويِّ في مُلكه، كريمٌ يحبُّ العطاء والكرم، إذا سُئِل أعطى، وإذا رُفِعَت إلى غيره حاجةٌ لا يرضى، وكلُّ خيرٍ فهو منه،{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ }[النحل: 53].

رِزقُه لا ينفَد، قال عليه الصلاة والسلام: ((أرأيتُم ما أنفق مُنذ خلَق السماواتِ والأرض، فإنه لم يغِض ما في يمينه)) رواه مسلم. ولو سأله العبادُ جميعًا فأعطاهم ما سألوه لم ينقُص ذلك من مُلكه شيئًا، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((قال الله عزّ وجلَّ: يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألتَه، ما نقصَ ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخيَط إذا أُدخِل البحر)) رواه مسلم.

والثوابُ على العمَل يُضاعِفُه، الحَسنةُ عندَه بعشرِ أمثالها، إلى سبعمائة ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة، والقليلُ من زمَنِ الطاعة يُكثِّره؛ فلَيلةُ القدر خيرٌ من ألفِ شهر، وصيامُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ كصِيام الدهر، وإذا أنفق العبدُ مالاً ابتغاءَ وجهه ردَّه له أضعافًا مُضاعفة.

ويزيدُ في السخاء فوق المُنَى، فأعطى أهل الجنة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطَرَ على قلب بشَر. وإذا ترك العبدُ شيئًا من أجله عوَّضه خيرًا منه.

غنيٌّ عن جميع خَلقِه، وكلُّ شيءٍ مُفتقِرٌ إليه،{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }[فاطر: 15]. لا يبلغُ العبادُ نفعَه فينفَعوه، ولا ضُرَّه فيضرُّوه، عليٌّ كبير، الكُرسيُّ موضع قدمَيْه سبحانه، وقد وسِعَ الكرسيُّ السماوات والأرض، والسماوات السبع في الكرسيّ كدراهمَ سبعةٍ أُلقِيَت في تُرسٍ، والكرسيُّ في العرشِ كحلقةٍ من حَديدٍ أُلقِيت بين ظهرَيْ فلاةٍ من الأرضِ، وعَرشُه أعظم مخلوقاته، وتحت العرشِ بحرٌ، ويحملُ العرشَ ملائكةٌ ما بين شحمة أُذن أحدِهم إلى عاتقِه مسيرةُ سبعمائة عامٍ.

وربُّنا مُستوٍ على عرشِه كما يليق بجلالهِ وعظمَته، وهو مُستغنٍ عن العرشِ وما دونَه، مُحيطٌ بكلِّ شيء، ولا يُحيطُ به شيءٌ، ويُدرِكُ الأبصارَ والأبصارُ لا تُدرِكُه، وقُدرتُه شملَت جميعَ مخلوقاته، وهي ضَعيفةٌ عندَه وإن كبُرت في أعيُن المخلوقين؛ فالسّماوات يطويها سبحانه يومَ القيامة، ((ثم يأخذُهن بيده اليُمنى ثم يقول: أنا الملكُ، أين الجبارون؟ أين المُتكبِّرون؟ ثم يطوي الأرَضين بشمالِه ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المُتكبِّرون؟)) رواه مسلم.

و((يجعل السماوات يومَ القيامة على أُصبع، والأرضين على أُصبع، والجبالَ والشجرَ على أُصبع، والماءَ والثَّرى على أُصبع، والخلائق على أُصبع، ثم يهزُّهنَّ ثم يقول: أنا الملكُ، أنا الملكُ)) متفق عليه.

وإذا تكلَّم بالوحيِ أخذَت السّماواتِ منه رجفةٌ، وصعِق أهلُ السماء، وأول من يفيقُ جبريل، والسماوات تخشاه، قال عزّ وجلّ: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [الشورى: 5]. قال الضحّاك رحمه الله: "أي: تكاد السّماوات يتشقَّقن فرَقًا مِن عظمةِ الله"؛ أي: خوفًا منه.

قيُّومٌ، ((لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القسطَ ويرفعُه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبلَ عملِ الليل، حِجابُه النورُ، لو كشفَه لأحرَقَت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه)) رواه مسلم.

الأمرُ يُدبِّره من السّماء إلى الأرضِ ثم يعرُجُ إليه، وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ أي: يُكتَبُ بها وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ بمدادٍ، وسبعةُ أبحرٍ تمُدُّه أيضًا مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: 27].

قويٌّ لا يُعجِزُه شيءٌ، إذا أراد شيئًا قال له: كن؛ فيكون، وأمرُه كلمحِ البصر بل هو أقرَب. وله جنودٌ لا يعلَمها أحدٌ سواه، قلَبَ قُرى قوم لوطٍ وجعل عاليَها سافلَها، ولما امتنع بنو إسرائيل عن قبول ما في التوراةِ رفع جبلاً فوق رؤوسِهم كأنّه ظُلَّةٌ وظنُّوا أنّه واقعٌ بهم، وتجلَّى سبحانَه لجبلٍ فجَعَلَه دكًّا، ولمّا رأى موسى ذلك خرَّ صعِقًا.

والأرضُ إذا انقضى الدهرُ يرُجُّها رجًّا، ويدُكُّها دكًّا، ويَنسِفُ الجبالَ نَسفًا، وبنَفخةٍ واحدةٍ في الصّور ينفُخ فيه إسرافيل يفزعُ الخَلق، وبنفخةٍ أخرى يصعَقون، وبثالثةٍ يقومون للحشر.

وإذا نزل سبحانه لفصلِ القضاءِ تشقَّقَت السّماءُ لنزولِه تعظيمًا له وخَشيَة.

والله سبحانه فوقَ ما يصِفُه الواصِفون ويمدحُه المادِحون، لا نِدَّ له ولا نظير، ولا شبيهَ له ولا مَثيل، عرفَ الرسلُ ربَّهم فأكثَروا له التّذلُّل والتعبُّد والخضوع، فكان داود عليه السلام يَصوم يومًا ويُفطِر يومًا، ونبيُّنا محمّد يقوم الليلَ حتى تتفطَّر قدَماه، وإبراهيمُ أوَّاهٌ لربِّه مُنيب، ومَن سلك غيرَ نهجِ الأنبياءِ فقد ضلَّ سواءَ السبيل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم,{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }[الزمر: 67].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول ما تَسمَعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميعِ المسلمين من كلّ ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبـــــــــة الثانيـــــــــة:

الحمدُ لله على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيّها المسلِمون، لا أحدَ أحبُّ إليه المدح منَ الله، ولذلك أثنى على نفسه، وأصلُ التفاضُل بين الناس إنما هو بمعرفةِ الله ومحبَّته والثناءِ عليه، ومَن عرفَ اللهَ وقلبُه سَليمٌ أحبَّه وعظَّمه، وكلَّما ازداد له مَعرفةً ازداد له طاعة، والذّنوب تُضعِفُ تَعظيمَ الله ووقاره، ولو تمكَّن وقارُ اللهِ وعظمتُه في قلبِ العبدِ ما تجرَّأ أحدٌ علَى معاصِيه، وكلّ معصيةٍ فمِنَ الجهلِ بالله، وإجلالُ الله يَعظُم بالطاعات.

وأعظمُ عبادَة يتقرَّبُ بها العبدُ من ربِّه هي إفراده بالعبادَةِ، فلا يسأل إلا هو، ولا يستغيثُ إلا به، ولا تُصرفُ أيُّ عبادةٍ إلا له وحدَه، ومن عبدَ مع الله غيرَه فما قدَرَ اللهَ حقَّ قَدرِه، وظَلمَ نفسَه بالوقوعِ في الشركِ، ومن هداه الله لتعظيم الربِّ وإفرادِه بالعبادةِ وجبَ عليه أن يدعوَ غيرَه إلى توحيدِ الله وتعظيمه.

ثم اعلموا أنَّ الله أمركم بالصلاةِ والسلام على نبيِّه صلى الله عليه وسلم...

الدعاء

 

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages