يعتبر الخطاب الملكي مهيكلا و موجها للسياسة الدينية بالمغرب نظرا لأهمية الخطب الملكية كآلية حافظة و موجهة للسياسة الدينية و كآلية ضبطية تهدف إلى وضع خارطة حفظ الدين من التطرف وإضفاء طابع القدسية على المجال الديني و بالتالي حفظه من أي مزايدات سواء عرقية أو طائفية أو عقائدية.
و تعتبر فترة الملك محمد الخامس كمرحلة تمهيدية و معبدة لسياسة دينية معتمدة على الضبط وساعد على ذلك عدم امتناع السلطات الاستعمارية عن توفر السلطان على سلطة زمنية و دينية . أما بالنسبة لعهد الملك الحسن الثاني الذي يعتبر عهد تأسيس لسياسة دينية ضبطية باعتباره أمير المؤمنين وحامي الملة والدين والحارس الأمني للدين الإسلامي المجدد والساهر على فرائضه . أما في عهد الملك محمد السادس فيمكن التحدث لأول مرة في الخطب الدينية عن استراتيجية تأهيل الحقل الديني وعن سياسة دينية واضحة المعالم والأهداف معتمدة على مجموعة من المقاربات الدينية والمؤسساتية والهيكلية والأمنية و الاجتماعية والسوسيوثقافية لسد الطريق على جميع المتطرفين .
وعلى الرغم من هاجس التحكم و الضبط الذي ظل يسيطر على تدبير الدولة للحقل الديني مند الإستقلال فان هذا الهاجس كان في كل مرة تقوم له أسبابه المختلفة و تتهيأ له ظروفه المرحلية التي تجعل منه عاملا مؤثرا بأشكال متجددة في أسلوب تدبير الحقل الديني
فقراءة متأنية للعديد من الخطب الدينية في عهد محمد الخامس[2] تظهر ان جل هذه الخطب الدينية ترتكز على اصلاح التعليم الديني و التحسين في المنظومة التربوية من خلال تصحيح بعض من الاختلالات المذهبية حيث اقتصرت على امور العبادة فقط دون امور الحكم . ولهذا تم الاعتناء بمؤسسات التعليم الديني حتى تؤدي وظيفتها على احسن وجه . و الملاحظ ان المنهجية العامة في تدبير الحقل الديني في هده الفترة اعتمدت على الية الضبط الديني التربوي نظرا لتغيب المرجعية الدينية في انتظار حل اشكالية تنزيل الدستور.
الملاحظ هو الحضور المكثف للمرجعية الدينية في هدا الخطاب حيث يؤكد انه لم يصل الى الحكم عن طريق الانتخابات الرئاسية وانما هو وارث شرعي للملك عن طريق البيعة حيث اختارته العناية الالهية لتحمل هذه الامانة[5] . لان هذه الخصوصية تجعل ما هو ديني سام على كل ما هو مدني قانوني او دستوري وهو ما يضع حدا لكل التأويلات و التراتبيات . فالمرجعية الدينية للملكية المتمثلة في الخلافة تعبر فعلا عن البعد المقدس للمشروعية الدينية للملكية[6].
لتفادي ولادة حركات اسلامية في المشهد السياسي المغربي بداية 1969 و لسد الطريق على كل المتعصبين الذين يدعون على ان النظام السياسي المغربي غير مبني على مبادئ الحكم الاسلامي تم تأسيس الحقل الديني عن طريق تكريس اليات الضبط الديني على جميع المستويات. حيث استعمل الملك الراحل الحسن الثاني آلية الشورى اذ تعتبر ضمن المبادئ الضابطة لممارسة السلطة. وقد استطاع تأويل كل ما يتعلق بالديموقراطية و ما تمنحه آلية الاستفتاءات وما يمنحه الدستور من صلاحيات وما يفصله من سلط هو تعبير عن ممارسة دستورية حديثة[7] . بل انه كان يؤكد على ان الشورى تحكم العلاقات بين الملك و الشعب رغم النص في الدستور[8] و ان النظام الديموقراطي يعمل على الخضوع لإرادة الامة المستمدة من العناية الالهية والقائمة على الشورى والاجماع اللذان لا يزيح عنهما الا ضال[9] بالإضافة الى الاعتماد على بعض المؤسسات العمومية كمجلس النواب و المجالس المحلية فليست الا مجالس شورية تؤدي النصح لأمير المؤمنين المشرع الاعظم بالإضافة الى مجموعة من المجالس التي تعمل على تقوية مبدأ الشورى و تصريفه عبرها كالمجلس الوطني لحقوق الانسان و المجلس الوطني للشباب و المستقبل.
و قد اعتمدت الملكية في عهد الحسن الثاني الية الاجماع كآلية ضبطية حيث يرى الحسن الثاني ان الاجماع يجب ان يكون الية لحماية المجتمع ضد منزلقات العنف و اعتبر ان الشورى ليست شورى استشارية و العمل بالجماعة ليس عملا اختياريا بل الشورى تلزم ومن خرج عن الجماعة خرج عن الجادة[10].
و قد استعمل الملك الراحل الحسن الثاني مجموعة من الاليات الضبطية لحفظ الحقل الديني من التيارات الداخلية و الخارجية ومن التطرف الشيعي الايراني كمحاربة الانغلاق الديني محاربة الامية بكل اشكالها تقوية الامن الديني الحفاظ على الثوابت هيكلة الاسلام الرسمي ثم تفعيل المراقبة الدينية.
هذه الشرعية الدينية المتمثلة في عقد البيعة و امارة المؤمنين هي التي ستعمل جاهدة على محاربة جميع اشكال الاقصاء الاجتماعي مؤسسة كل ذلك على قيم الدين الاسلامي الحنيف المتمثلة في سلطته و اعتداله و في سماحته و انفتاحه, و هكذا استمرت هذه البيعة حاضرة في عهد أمير المؤمنين و حامي حمى الملة و الدين جلالة الملك محمد السادس الذي رحب بتجديد البيعة و قوى بالقول و العمل هذه الروابط التاريخية و الدينية[18].
اما المرحلة الثانية فتميزت بتفعيل الهيكلة ضمن اعادة و اصلاح الحقل الديني لخطاب 30 ابريل 2004 من اجل ضبط اكثر للحقل الديني و قطع الطريق عن الخلايا الارهابية التي تنشط باسم الدين و تنشر افكارا متطرفة من شأنها ان تهدد الامن . و شكلت هده المرحلة انطلاقة حقيقية من اجل تجاوز أعطاب الحقل الديني و تأسيس سياسة دينية عمومية ينتج عنها و ضع استراتيجية الحقل الديني بالمغرب المتضمنة حسب الخطاب الملكي لثلاثة اركان لتأهيل الحقل الديني و تجديده .
بالإضافة الى المراجعة الاخرى في تدبير الحقل الديني خصوصا بعد العمليات الانتحارية سنة 2007 حيث عرفت السياسة الدينية توجها آخر معتمدا على المراقبة الدينية الاجتماعية و توجت بخطاب جلالة الملك 27/09/2008 حيث يهدف الى:
ان هذه التحولات لم تكن وليدة الصدفة بل كانت وليدة مجموعة من الاكراهات و الاحداث و الوقائع فرضت على الحقل الديني نهج و سن حركة جديدة[21]. حيث اعتمدت السياسة و الدين مجموعة من الميكانزمات في اطار الحكامة الدينية الجيدة[22] .
و المرحلة الثالثة يعد خطاب 20 غشت 2016 مرحلة جديدة تؤمن للحكامة الدينية الديبلوماسية والتعريف بالإسلام المغربي و فضح جميع منزلقات اصحاب المرجعية الدينية.
حيث فضح الملك ممارسات بعض الجماعات و الهيئات الاسلامية التي تعتبر نفسها ذات مرجعية في الدين و أنها الوحيدة التي تمثل الاسلام الصحيح و الاخرين ليسوا كذلك اذ أكد الخطاب الموجه الى الامة بمناسبة الذكرى الثالثة و الستين لثورة الملك و الشعب أنها بعيدة عنه و عن قيمه السمحة و أن خطابها يشجع على انتشار فكر التطرف و التكفير و الارهاب بدريعة أنه السبيل الى الاسلام الصحيح و قد حذر من مغبة التطاول على امارة المؤمنين موضحا أن الدعوة الى الجهاد من اختصاص امارة المؤمنين ولا يمكن ان تصدر من اي فرد او جماعة[23].
fc059e003f