قبل أن تغرب شمس ذلك المساء بقليل،انزلقت تودا بين سيقان الثلج،معلنة عن
أولى صرخاتها في الحياة،بين أرجل الثلج في الأطلس،وقبل لحظات من انسدال
ظلمة ليل ايت عبدي،وبوجه ملائكي،تكسوه شعيرات سوداء،وعينين سوداويتين
كبيرتين كفج واسع يخترق جغرافيا وجه الجبال المكسوة بالجليد،ويخط بنظراته
ابتسامة على محيا البياض،وعلى دفاتر تودا الطاهرة،تودا اختارت اسمها من
زمن بعيد،قبل أن تطل من شرفة الحياة،من قمم جبال الأطلس،هناك في البياض
اللامنتهي،ويمكن أن تكون قد اختارت قدرها منذ تاريخ بعيد،لكن اختارته في
مكان هناك على سطح الجبل الملامس للسماء،بين الأودية والفجاج المنتشرة
على أرض الأطلس،وعلى وجوه الناس،التقت القدر في ليلة تكسر حلكتها سيقان
الثلج الناصعة البياض،لتختار قدرها أو يختارها هو،في اليوم السابع من
ليالي القرية الهادئة على نار البرودة.
تقفز تودا على آهات تتردد صداها على معاناة أمومة الدوار،بين جدران
تكسوها طبقات التحدي،ومكابدة الحياة،في أولى الزفرات،تودا لاكت شفتاه
الناعمتين ثديان ينزفان حليبا فاقع البياض،وتداعب بيديها العذريتين جسدا
فارقته الحياة منذ هبوب العاصفة الأولى من فصل البياض هناك في أيت
عبدي،لم يستطيع الرحيل بعد،حتى هاتين اليدين الجامدتين،وهاته الشفاه
الشاحبة،وهذا القلب المتوقف النبضات،امتنعت هذا الجسم على أن يغادر
القرية،أبى إلا أن يعانق تودا،و يكسر البرودة الجاثمة على أحاسيس
الأمومة،والراسمة على جبين القرية قبلة باردة،بلا إحساس،تزيد سكونا على
سكون،و موتا على موت،إنها قبلة بنكهة التربة المبللة بدماء المعاناة.
تودا بنت الجبل،تودا بني الثلج،تودا بنت أيت عبدي،بنت حلكة البياض،تقبل
شفاها أحرقتها برودة الضنك والمعاناة،وتغازل الموت والموتى،ترسم بأصابعها
الذابلة حركات النصر كالتي يشيرون بها في مؤتمراتهم و وخطاباتهم
الجوفاء،تنزل تودا على جسم منهك،مرتدية خرقة بالية،ومتأبطة تاريخا مرقعا
بمقص حاف،وعند خياط الحي المتطفل على المهنة،تنزل تودا وترسم في مخيلتها
أنها أميرة صغيرة يغدق الشعب عليها بالقبلات،تودا تقبل أيادي الثلج،وتلوح
بيديها،ترد التحايا،تشير بأصابعها الصغيرة بإشارات النصر لرجال من الجليد
يشبهون الرجال في وطنها، تلوح بيديها ترد تحيات رجال الثلج،ونساء
الثلج،ولا غير الثلج هناك في أيت عبدي.تصنع الجماهير لتودا قربانا،حصانا
تكسر حوافره صمت التاريخ،ويخترق صهيله الصمت والسكون القابعين هناك عاليا
في سماء الأطلس