1. أن الله لا يصطفي إنساناً للنبوة للاعتبارات الأخلاقية وحدها وإنّما لكمال شخصيته كلها بما فيها من قلب (الجانب الأخلاقي-الروحي) وعقل (الجانب الإرادي-الفكري) وجوارح (الجانب السلوكي-الإبداعي) ولهذا أشاد القرآن بالأنبياء باعتبارهم أولي الأيدي (الجوارح) والأبصار (القلوب والعقول).- [ص: 45]
2. بيّنت السيرة النبوية أن الرسول ينطلق في أي عمل دعوي بإيعاز من الله تعالى فيجتهد في إتقان ذلك العمل حتى يِؤتي نتائجه كاملة طيبة ويتولى الوحي عملية التصحيح عند الحاجة (كما حدث مع أسرى بدر وقضية الأعمى الواردة في سورة عبس مثلا).
إن الغفلة عن الجهد البشري الفعال في تبليغ الرسول لدين الله أورثنا حالات من العجز المؤسف تسوّغها التفسيرات الذرائعية وحالات من الغبش الفكري المنعكس على الواقع.
وهذه النقلة المرجوّة لا يكفي لتجليتها مقال ولا بدّ لها من منظومة فكريّة منقحة من التراكمات الخاطئة تستند إلى الفهم الأصولي المقاصدي للقرآن والسنّة والسيرة ويكون محورها الرسول القدوة بعيداً عن الغلو النصراني والجحود الاستشراقي.
كان لشخصية النبي محمد تأثير كبير في التاريخ ولذلك فإن حياته وأعماله وأفكاره قد نُوقشت على نطاق واسع من جانب أنصاره وخصومه على مر القرون. كما اهتم المسلمون قديمًا وحديثًا بسيرته باعتبارها المنهج العملي للإسلام فألف علماء الإسلام مؤلفات عديدة وجامعة في سيرته ودونوا كل ما يتعلق بذلك.[8]
يُعد القرآن مصدرًا أساسيًا لمعرفة سيرة النبي محمد[9] كونه أقدم وأوثق مصادر السيرة النبوية لأنه يرجع إلى عصر النبي محمد نفسه. كما يتفق المسلمون كافة على مدى العصور على نسخة واحدة منه رغم اختلاف الفرق الإسلامية.[10] وإن كان القرآن لم يتناول كل سيرة النبي محمد باستفاضة إلا أنّه ذكر فيه إشارات كثيرة إلى سيرته إما بصريح العبارة أو بالإشارة أو بالتضمين[11] فذُكر فيه بعض شمائله ودلائل نبوته وأخلاقه وخصائصه وحالته النّفسية وذُكر فيه أيضًا شيء عن غزواته فقد ورد في القرآن قرابة 280 آية في الغزوات (وهي تساوي نسبة 4,65% من القرآن)[11] جاء بعضها بالإشارة وبعضها تصريحًا كغزوات بدر وأُحُد والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة.[12] فمثلاً اشتملت سورة الأحزاب على تفاصيل من سيرة محمد مع أزواجه وأصحابه كما تضمنت تفاصيل كثيرة عن غزوة الأحزاب.[13]
شغلت السيرة النبوية حيزًا كبيرًا من كتب الحديث وكلّ من ألّف في الحديث كان يُخصص أقسامًا وأبوابًا وكتبًا خاصة بما يتعلق بحياة النبي محمد ودعوته ومغازيه وصحابته[14] غير أن تلك الأقسام لم تكن مرتبة ترتيبًا زمنيًا.[15] ثم إن مقصد مؤلفي هذه الكتب كان منصَبًّا على جمع أقوال النبي محمد وأفعاله وتقريراته وأحكامه[15] وكانت مشاهد السيرة تأتي في ثناياها ليستدلوا بها على الحكم الشرعي[16] لذا جاءت بغير تفصيل بل كانت تقتصر على بعض تلك الأخبار وفق منهج أهل الحديث في الرواية.[11]
اتفق علماء المسلمين على أن أشهر وأقدم كتب الحديث التي زخرت بأخبار السيرة النبوية هو موطأ مالك إذ أورد جملة من الأحاديث تتعلق بسيرة النبي محمد وأوصافه وذكر ما يتعلق بالجهاد.[14] وكذلك فعل البخاري في صحيحه إذ ذكر جوانب من حياة النبي محمد قبل البعثة وبعدها وخصص كتابًا في المغازي وآخر في الجهاد[17] كما ذكر كثيرًا من خصائصه ودلائل معجزاته بما يوازي عُشْر صحيحه.[14] وهكذا فعل مسلم بن الحجاج في صحيحه إذ اشتمل على جزء كبير من سيرته وفضائله وجهاده.[14] وكان كلّ من جاء بعدهم اتبع النهج نفسه مع اختلاف في التبويب والترتيب كأصحاب السنن أبي داود والترمذي ومحمد بن ماجه والدارمي وأحمد بن حنبل.[15]
أما كتب الدلائل فهي الكتب التي حوت بحسب ما يراه المسلمون الحجج والبراهين الدّالّة على صدق وصحّة نبوة محمد وعلى شمول وعموم رسالته بدلالات واضحة لا جدل فيها وفيها الأدلة على معجزاته وظهور آياته والردّ على من أنكرها.[22] وفي كتب السنة النبوية أبواب خُصصت لعلامات النبوة كما فعل البخاري ومسلم وغيرهما. أما الكتب المخصصة لهذا الشأن فهي كثيرة جدًا أشهرها دلائل النبوة للبيهقي.[23]
للسيرة مصادر أخرى مثل كتب تفسير القرآن وأسباب النزول ذلك أن علماء المسلمين يعتمدون في شرح القرآن بشكل أساسي على تفسيرات القرون الإسلامية الأولى بما في ذلك الآيات التي تتناول حياة محمد. ومن أمثلتها تفسير ابن كثير وتفسير الطبري وتفسير القرطبي.[وب 1] إضافة إلى كتب التاريخ التي تتناول التاريخ عمومًا وتتطرق إلى السيرة النبوية كتاريخ الطبري وتاريخ ابن خلدون وغيرها.[وب 1] كذلك هناك مصادر غير عربية منها اليونانية ومن أقدمهم الكاتب ثيوفانس في القرن التاسع الميلادي. وهناك السريانية ومن أقدمهم كاتب القرن السابع جون بار بينكاي[إنج 3] مع وجود خمسة كتبة آخرين لا تزيد فترة ذكرهم للنبي عن ثلاثين عامًا من وفاته.
كانت شبه الجزيرة العربية مفككة لا توحدها دولة ولا تديرها حكومة[24] وكانت الدول القديمة التي قامت في اليمن ونجد وأطراف العراق والشام قد اندثرت وطغت البداوة على المدن في تهامة والحجاز[وب 2] فكانت القبيلة هي الوحدة السياسية والاجتماعية. فكانت مكة تُدار من قبل الملأ في دار الندوة.[25] والمدينة المنورة في حالة نزاع دائم بين الأوس والخزرج. أما دولة المناذرة في الحيرة ودولة الغساسنة في الشام فقد سمح الفرس والروم للدولتين بالنشوء لتكونا حاجزتين تصدان عنهما غزو القبائل العربية وتتوليان حماية القوافل التجارية. وقد أسقط الفرس دولة المناذرة سنة 602م قبل البعثة المحمدية بثمان سنوات.[وب 2]
وكان بدو العرب يعتمدون على الرعي والتنقل لأماكن الماء مما يجعلها في حروب مع بعضها للحصول على الموارد.[وب 2] أما في المدن فكان فيها نشاط تجاري وزراعي وصناعي فمكة كان يغلب عليها النشاط التجاري وتتحكم بطرق التجارة بين اليمن والشام وقد استفادت مكة من مكانة الكعبة الدينية عند العرب في حماية قوافلها التجارية.[25] أما المدينة فكان يغلب عليها الزراعة حيث بساتين النخيل والأعناب والفواكه. واستعمل العرب الدينار البيزنطي والدرهم الفارسي في التبادل التجاري.[وب 2] أما الصناعة فقد عُرفت المدينة بصياغة الحلي الذهبية والفضية وصناعة السيوف والرماح والنبال والدروع كما قامت في المدن العربية حرف الحدادة والصياغة والدباغة والغزل والنسيج. وكان العرب يعرفون أنواعًا من المعاملات المالية كالقراض والمضاربة والرهن.[وب 2]
سادت الوثنية في جزيرة العرب[26] إذ كانوا يعبدون آلهة يمثلونها في أصنام مصنوعة من الحجر والخشب بلغ عددها 360 صنمًا حول الكعبة تعبدها القبائل التي تؤم البيت للحج وتقدم لها القرابين والنذر.[وب 3] كان من أقدمها وأكبرها هُبَل (لكنانة وقريش) ومَناة (لهُذَيل وخزاعة) والّلات (لثقيف) والعُزَّى (لقريش وكنانة).[27] ومع ذلك بقي لديهم شعائر من بقايا دين إبراهيم مثل تعظيم الكعبة والطواف بها والحج والعمرة.[26] وكان هناك أفراد من الموحدين على ملة إبراهيم وإسماعيل كانوا موجودين في مكة عرفوا بالأحناف.[وب 3] وجدت أيضًا ديانات بشكل محدود مثل اليهودية في اليمن والمدينة والنصرانية في نجران والحيرة ودومة الجندل وأطراف الشام. كذلك وُجد انتشار محدود للمجوسية قادمًا من بلاد الفرس.[وب 3]
03c5feb9e7