كتاب الحيوان هو أول كتاب جامع كُتب باللغة العربية في علم الحيوان.[1][2][3] تحدث فيه كاتبه الجاحظ[4][5] عن العرب وأحوالهم وعاداتهم ومزاعمهم وعلومهم وبعض مسائل الفقه والدين وصفوة مختارة من الشعر العربي والأمثال والبيان ونقد الكلام. جميع مَن كتبوا قبل الجاحظ في هذا المجال أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وابن الكلبي وابن الأعرابي والسجستاني كانوا يتناولون حيوانًا واحدًا وكان اهتمامهم لغويًا وليس علميًا ولكن الجاحظ اهتم إلى جانب اللغة والشعر بالبحث في طبائع الحيوان وغرائزه وأحواله وعاداته ويعد كتاب الحيوان للجاحظ من أضخم كتبه على الإطلاق ودائرة معارفه واسعة الأفق ويعد الكتاب صورة بارزة لثقافة العصر العباسي المتشعبة الأطراف حيث احتوى على المعارف الطبيعية والمسائل الفقهية وتحدث في سياسة الأقوام كما تكلم عن سائر الطوائف الدينية والمسائل الجغرافية وخصائص البلدان وتأثير البيئة في الحيوان والإنسان والشجر وتناول الطب وأمراض الحيوان والإنسان إضافة إلى عدد من المفردات الطبية النباتية والحيوانية والمعدنية وأبيات مختارة من الشعر العربي النادر والأمثال السائرة والنوادر الطريفة.
عمرو بن بحر الجاحظ أبو عثمان البصري المعتزلي واليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة صنف الكثير في الفنون كان بحرًا من بحور العلم رأسا في الكلام والاعتزال وعاش تسعين سنة وقيل بقي إلى سنة خمس وخمسين. أخذ عن القاضي أبي يوسف وثمامة بن أشرس وأبى اسحق النظام .وسُمّيَّ جاحظاً لجحوظ عينيه أي نتوءهما وكان موته بسقوط مجلدات العلم عليه.[6]
ولا يكاد يوجد حيوان في عصر الجاحظ وبيئته إلا ذكره غير أنه لم يول السمك اهتمامه الكبير لأن العرب لم تحفل به كثيراً ولأنه كان بعيدا عن بيئة الجاحظ.
اعتمد الجاحظ في كتابه على مصادر عديدة منها القرآن والحديث والشعر العربي بالإضافة إلى كتاب الحيوان لأرسطو الذي نقله إلى العربية ابن البطريق في عصر الجاحظ بالإضافة إلى خبرة الجاحظ الطويلة في الحياة وممارسته لظروفها وأحوالها ومما اكتسبه بنفسه أو سمعه من الأعراب.
يوهم العنوان الذي وسم به الكتاب أنه مقصور على الحيوان إلا أن الكتاب يتضمن علوما ومعارف أكبر من العنوان فقد أطنب المؤلف في ذكر آيات القرآن وأحاديث النبي محمدﷺ وفيه صورة للعصر العباسي وما انطوى عليه من ثقافة متشعبة الأطراف وعادات كانت سائدة حينذاك كما تحدث فيه عن الأمراض التي تعترض الإنسان والحيوان وطرق علاجها وتطرق إلى المسائل الكلامية التي عرف بها المعتزلة وتحدث عن خصائص كثيرة من البلدان وعرض لبعض قضايا التاريخ.[7] ذلك لأن الجاحظ كان يستطرد داخل الموضوع نفسه لإمتاع القارئ لذا قلما كان يتقيد بموضوعه ويستقر على حال حتى أصبح هذا الاستطراد سنة غير حميدة.
قسَّم الجاحظ كتاب الحيوان إلى سبعة فصول يتناول الجزآن الأول والثاني المناظرة بين الديك والكلب مدعمًا رأي كل منهما بالآيات القرآنية أو الأحاديث النّبَوية أو الحكايات والحكم ويتناول في الفصلين الثالث والرابع الحمام وأنواعه وطبائعه والذباب والغربان والجعلان والخنافس والخفاش والنمل والقرود والخنازير والثيران وفي الخامس والسادس يواصل البحث عن الثيران ثم ينتقل إلى أجناس البهائم والطير الأليف ويعقد مقارنة بين الإنسان والحيوان ثم يتكلم عن الضب والهدهد والتمساح والأرنب وفي الفصل السابع يتحدث عن الزرافة والفيل وذوات الأظلاف.[8]
يعتبر كتاب الحيوان للجاحظ عالمًا زاخرًا يضطرب بمختلف صور الحياة وهو يعرض فيه نزعات المجتمع الإسلامي في العصر الذي عاش فيه الجاحظ ويظهر فيه عقل الجاحظ الدقيق النافذ وبينه الأدبي الرفيع وذوقه الفني المرهف وذكر فيه مؤلفه أكثر من ثلاثمائة نوع من الكائنات الحية[9] وورد فيه الكثير من القصص والأمثال التي وردت على لسان الحيوانات منها مثل في فمي ماء.
سمّى الجاحظ كتابه بالحيوان لأنّه يبحث في مسائل الحيوان من حيث ما بلغَه عنها من علم ومن حيث اعتقادات العرب فيهم مستدًلّا على كلامه بالشعر العربيّ ونثره وما سبقه من كتب بحثت هذا الكتاب وبما رآه هو واستنبطه منها وبما سمعه من الحكماء والفلاسفة وأصحاب الحيوانات.[٥]
يُعدّ كتاب الجاحظ كتابًا أدبيًّا بالدرجة الأولى فهو يشتمل على مقالات أدبيّة تبحث في الحيوان وأجناسه وطباعه وأحواله وكان يستدلّ على كلامه بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة وأبيات الشعر والحكم والنوادر والقصص وغيرها ويمكن القول إنّه كتاب نثر علميّ بأسلوب أدبيّ يكتبه قلم الجاحظ واسع الثقافة[٩] والكتاب في سبعة أجزاء أبرز مواضيعه:
لم يتّفق النقاد في نظرتهم إلى كتاب الحيوان خاصّة وإلى أسلوب الجاحظ في كتاباته عامّة فمنهم من أثنى على الكتاب وعدّه من المفاخر العربيّة ومنهم من كان على خلاف ذلك بأن جعل أسلوب الجاحظ مظهرًا لاضطرابه لا لتفوّقه ومن الآراء النقديّة التي قيلت عنه ما يلي:[٢٤]
يمتلئ كتاب الحيوان للجاحظ بالأخبار والأشعار والحكم والنوادر والمسائل العلمية والفلسفيّة والأدبيّة ومن أبرز ما يمكن اقتباسه من كتابه ما يلي:
في صبيحة أحد الأيام خرج الصبي البَصْري الحاذق عمرو بن بحر من منزله باكيًا بعدما حاولت أمه إثناءه عن الاهتمام المُفرط بالكتب لصالح نشاط آخر يوفّر لهما قدرًا أوفر من مال حُرما منه منذ ولادته فقدّمت له بدلاً من الطعام كراريس ولمّا ذهب إلى الجامع حزينًا حكى لصديقه الثري مويس بن عمران فأعطاه 50 دينارًا اشترى بها أجوال دقيق أوصلها الحمّالون لداره مؤكدًا لأمه أنه أتى بهذا الطعام بفضل الكراريس وهنا علم ابن بحر أن الكتب طريقته المثلى ليضمن لنفسه مكانة مرموقة في دياره.
مكّن الموقع الجغرافي للبصرة بين البحر من جهة والبادية من ناحية أخرى من أن تأوي بين جناحيها شتّى الجنسيات من ملاَّحين وصيادين أفارقة وآسيويين وأعراب أفنوا أعمارهم في الصحراء قصدها الفصحاء والخطباء وتكاملت على يد نوابغها علوم النحو والصرف واللغة ونُقلت إليها حركات الترجمة بقية علوم وآداب الأمم الأخرى فأصبحت مدرسة للمتكلمين من شيوخ المعتزلة وروّاد الفلسفة واستضاف جامعها الكبير حلقات درس ومناظرات ساخنة بين المعتزلة والمتكلمين وأصحاب الملل والنحل حوّلتها لجامعات مفتوحة يتبارى إليها طلاب العلم ووسط هذه الأجواء ترعرع الجاحظ وأغرم بمدينته فاكتفى بها وقال عنها: الدنيا البصرة وعاش فيها حتى مات[1].
لمع نجم عمرو بن بحر المُكنَّى بأبي عثمان وتتالت روائعه الأدبية التي ذاعت شهرتها بالأوساط الثقافية وزاد عددها عن 200 مؤلف في شتّى المجالات إلا أنه بنهاية حياته كان يدّخر في جعبته عمله الأيقوني الذي سيُخلِّد اسمه دنيا الأدب كتاب الحيوان والذي خرج للنور في 7 أجزاء مُكونًا من 89 بابًا جمعت أنواعًا متعددة حفلت بمعظم معارف عصره فلم تترك الطب ولا التاريخ ولا الأدب ولا الفلسفة.
03c5feb9e7