وصيتي لنفسي:
يا نفس استـقيمي على شرع الله، وحافظي على مراقبة الله، ولازمي على ذكر الله، واستديمي على مجالسة أولياء الله، واشتغلي دائما بالله; حبا به، وشوقا إليه، وعشقا له، وهياما بوصاله، وتولها بوحدانيته.يا أيتها النفس: إنك إن سعدت بمجالسته، واطمأننت بذكره، وأنست بالحضور معه، فتلك نعمة منه إليك، وجذبة من جنابه لك ، فاشكري مولاك على ما أولاك من نعم وحبور وعطاء وفضل. يا نفس وإياك أن تشغلي عنه بغيره، فالكل فناء وهو البقاء، إياك أن تلتـفتي عنه إلى السوى فكل مخلوق سواه سوى، فالوجود من عرشه إلى فرشه حجاب عنه، فإن التـفت إليه أو شغلت به حجبت عن مولاك وابتعدت عنه. وإياك أن تـتعلقي بلذة أو نعيم فكل لذة وكل نعيم ترينه هو لك حجاب عنه إلا إذا رأيته منه وبذلته إليه، ولو تمتعت برؤية الجنان وكشف لك الغطاء فشاهدت ما وراء الحجاب; فإياك أن تميلي إليه طرفة عين، فما هذا الوجود إلا ابتلاء لك ليظهر حقيقة معرفتك وتوجهك إليه، فإن كنت مستأنسة به مشاهدة لأنواره فوجهه مأمولك ورضاه مطلوبك، فافني به عن هذا الوجود فناء سرمديا تتـقربي إلى ذاك الفنا تقربا معنويا. ويا نفس: إياك وعدم الرضا عن كل قضاء وقدر، وإياك أن تـشهدي لأحد تصرفا إلا بإذنه، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، سبحانه له الأمر وإليه المرجع، والأسباب كلها ظل من تقديره، وإياك والغضب والسخط على أحد من عباد الله، فما المخلوقات في الحقيقة إلا مرآة تظهر حقيقتك مع الله وتـنطبع فيها أحوالك معه، فإن كنت معه مستـقيمة استـقام معك الوجود، وإن كنت عنه منحرفة انحرف عنك الكون بما فيه. وإياك والضعف عن الأخذ بعزائم الشريعة، فالعزائم لأهل العزائم لذة وطرب، وكفى بالغوص في معارف القرآن عزيمة، فمن غاص في أعماق أسراره وجد لآلئ حكمه وجواهر علمه، فهو بحر لغوص العارفين، وفيه تسير جواري الواصلين بهبوب نسيم أنس المقربين، لترسو على شاطئ الآداب، ممتـثلة تـنفيذ المحبوبات، فارة بجهدها من المكروهات. وإياك والتهاون في تطبيق السنة المحمدية في الظاهر والباطن مع مشاهدة روح من سنها على كل عمل، ليكمل الاقتداء به صلى الله عليه وسلم وتيقني أنه إن لم تسر روح السنة فيك سريان الدم في الخلايا فلست بصادقة في محبته صلى الله عليه وسلم. وتحقـقي أن كمالك في الدنيا ونجاتك في الآخرة بملازمتك الاتباع الصادق للحبيب، فهو حياتك وهداية وجودك، وسر وصولك، وشريان اتصالك، واعلمي أن لك من الذوق للأسرار بمقدار ما يتم ارتباطك به بالإسرار. ويا نفس اتـقي الله في السر والعلن والمنشط والمكره، وراقبي الله في الظاهر والباطن وخافي من الله عند وجود صالح الأعمال خشية الرياء. واستعيني وثـقي به على كل حال، واعتمدي وتوكلي عليه في الحال والمآل فهو نعم المولى ونعم النصير.
وصية لكل مسلم ومسلمة
الحمد لله الذي تـقدست عن الأشباه ذاته، وتـنزهت عن سمات الحدوث صفاته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا ضد فالكل خلـقه وإليه يرجع الأمر كله. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله من بهرت العقول معجزاته، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ما دامت آلاء الله وأرضه وسماواته. الحمد لله الواجب وجوده وبقاؤه، الممتـنع تغيره وفناؤه، العظيم قدرته واستعلاؤه، العميم نعماؤه وآلاؤه، الدال على وحدانيته أرضه وسماؤه، المتعالي عن شوائب التـشبيه والتعطيل صفاته وأسماؤه، فاستواؤه قهره واستيلاؤه، ونزوله بره وعطاؤه، ومجيئه حكمه وقضاؤه، ووجهه وجوده أو جوده وحباؤه، وعينه حفظه وعونه واجتباؤه، وضحكه عفوه أو إذنه وارتضاؤه، ويده إنعامه وإكرامه واصطفاؤه، ولا يجري في الدارين من أفعاله إلا ما يريده ويشاؤه، العظمة إزاره والكبرياء رداؤه، واحد أحد منزه عن الصاحبة والولد، فرد لا مثيل له، صمد لا ضد له، منفرد لا ند له، مالك لا شريك له، ملك لا وزير له، موجد للوجود من غير افتـقار إلى موجد يوجده، بل كل الوجود وما فيه مفتـقر إليه في وجوده. وأنه تعالى إله قديم، أزلي لا أول ولا بداية لوجوده، باق حي لا نهاية لبقائه، أبدي لا نهاية له، قيوم دائم لا زوال له، سبحانه هو الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بنعوت العظمة والجلال. وما تكن الصدور، وما توسوس به النفوس، وهو أقرب وكيف لا يعلم ما تكنه سرائر خلقه سبحانه يسمع دبيب النمل على الرمل، لا تخفى عليه من عباده ومخلوقاته خافية، فهو معهم أينما كانوا، لا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات، مدبر للكائنات، في الأرض والسموات، ولا راد لأمره، يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويهدي من يشاء ويضل، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا قوة للعبد على طاعته إلا بتوفيقه ومشيئته وإرادته، ولا مهرب للعبد عن معصيته إلا بعنايته ورحمته، فهو المبدي المعيد الفعال لما يريد، سميع بصير متكلم، كما يليق بجلال صفاته العليا، وأسمائه المقدسة، فله تسع وتسعون اسما هي صفات الكمال، ودلائل العزة والجلال، نؤمن بها على ما أراد تعالى من صفاته من غير تـشبيه، جلت قدرته وتعالت عظمته، هو إله حي قادر ذو الملك والملكوت، والعزة والسلطان والجبروت، له الخلق والأمر، ولا يعتريه ضعف ولا عجز، ولا يلحقه فناء ولا موت، ، خلق الخلق وقدر أرزاقهم، وحتم آجالهم، وإليه مآلهم ومرجعهم، وعنده حسابهم وجزاؤهم وثوابهم. وإني أشهد وأشهدكم وأشهد ملائكة ربي وحملة عرشه وجميع خلقه من الروحانيين، أني جازم بيقيني معتـقد بقلبي وإحساسي أنه تعالى إله واحد أحد لا شريك له، منزه عن الصاحبة والولد والشريك والنظير والمثيل في ذاته وأفعاله وصفاته. فسبحانه الأحدي الذات، العلي الصفات، المنزه عن الآلات، المقدس عن الكيفيات، المتعالي عن مشابهة المخلوقات. وأكرر ما شهدت به من الوحدانية لله بالشهادة على نفسي بالإيمان بسيد الوجود، وخير الخلق ووسيلة كل موجود، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، صاحب اللواء المعقود والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والمقام الأسمى، حبيب قلوبنا وروح أرواحنا، الذي أرسله الله بشيرا ونذيرا ، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، فذكر وأنذر، ورغب ورهب، وخوف وحذر، ووعد وأوعد وبلغ القرآن على نحو ما أنزل إليه وقال:" اللهم هل بلغت اللهم فاشهد". وإني لأعتـقد وأشهد بذلك وأنه صلى الله عليه وسلم دل الخلق على الله وهداهم، وبين لهم الحلال والحرام، وعلى المحجة البيضاء أقامهم، فإني مؤمن به وبما جاء به عن ربه مما علمت منه اطلاعا علميا وكشفا روحيا مما فيه سعادة الدنيا والآخرة، ومما لا أعلم منه من الأمور الغيبية التي أخبرنا عنها، وقررها لنا مما غاب عن إحساسنا; فأومن بالموت وأنه حق لا ريب فيه، بأجل مسمى عند الله لا يتـقدم ولا يتأخر، وأومن بسؤال القبر وأنه لا ينجو منه أحد، ولكني أرجو الله أن يخفف عني ضغطة القبر ويثبتـني على إجابة سؤاله، وأومن بالحشر والنشر والعرض على الله أنه حق، وأن الحساب والميزان حق، وأن نشر الصحف وتطايرها حق، والحوض المورود حق، والصراط حق، والجنة والنار حق، وفريق في الجنة وفريق في السعير حق، وأومن أن شفاعة الملائكة والنبيين والعلماء والصديقين والشهداء والصالحين حق، وشفاعة أرحم الراحمين حق، وأومن أن المؤمنين وخلودهم في الجنة حق. على ذلك أحيا وعليه أموت، وعليه أبعث إن شاء الله آملا من الله تعالى أن يقيل عثرتي، ويقبل توبتي ويمحو حوبتي. وهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كل من بلغته أن يؤديها إذا سئل عنها . والله ولي التوفيق. أخي المسلم: التقوى هي: أخذ الوقاية من كل مؤذ وضار دينا ودنيا، ومنه أن كل خطيئة ومعصية وزلة نهى عنها دين الإسلام يسمى اجتـنابها تـقوى، فالتـقوى هي الحصن والحفظ عن كل ما يسخط الله عليك، وهي كل باب يقربك من ربك ويرضيه عنك، والتـقوى امتـثال أمر الله في الطاعات، واجتـناب محارم الله في السيئات. فعليك بها فإنك لن تـشقى بعدها، ولتكن تـقواك مقرونة بحب الله أو خشية منه، فإن كانت على حب فان المحب يستحي أن يراه المحبوب على أمر لا يحبه ولا يريده، وإن كانت على خشية فصاحب الخشية يخشى أن يراه السميع العليم البصير على أمر فيه مخالفة له، واسمع وصية حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: "أوصيك بتـقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحدا شيئا، ولا تـقبض أمانة، ولا تـقض بين اثـنين ". "أوصيك بتـقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض ". وأوصيك بالحياء من الله، فإن الحياء قرين الإيمان، والحياء منه أن تـتيقن وتشعر أن الله معك يراك، ويشهد عملك، ويسمع كلامك، ويعلم نيـتك، ولا تخفى عليه منك خافية، فاحترس أن يطلع عليك بعلمه فيراك على معصية، فتسبب لنفسك القطيعة عن وصاله، والحجاب عن خشيته، والبعد عن مراقبته، فعندها تـتمادى نفسك بالشر، ويموت في نفسك واعظ الخير، فلا تشعر بندم، ولا تحس بتأثر، وهذا هو موت القلب عن الله والعياذ بالله، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء فإن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم".ح ـ "استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك". ح ـ "إذا أبغض الله عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا بغيضا مبغضا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأمانة نزع منه الرحمة، فإذا نزع منه الرحمة نزع منه ربقة الإسلام، فإذا نزع منه ربقة الإسلام لم تلقه إلا شيطانا مريدا ". وأوصيك بحسن الخلق مع الخلق، فإن حسن الخلق يذيب الخطايا، ويزيد في الحسنات، ويجعل لك بين الناس منزلة التكريم والتبجيل. وحسن الخلق أفضل صفة يتصف بها العبد، فقد فطرت الأنبياء عليها، وبعثوا صلوات الله عليهم لتـتميم خلق الناس ليبلغوا درجة الفضيلة والكمال النسبي، "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". "الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل". و"أوحى الله إلى إبراهيم: يا خليلي حسن خلـقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله في عرشي، وأن أسكنه حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري". وعليك بالإحسان إلى والديك وإن ظلماك، فإنهما وصية الله عندك، قال تعالى: وخاصة والدتك التي أسهرت ليلها، وأظمأت نهارها، وحملتك بين أحشائها تسعة أشهر وهنا على وهن، فأدها حقها من التكريم والطاعة وبذل الجهد في خدمتها، واجتهد أن لا ترفع صوتك على والديك، ولا تعبس بوجهيهما، ولا تعرض عنهما إذا حدثاك، ولا تغضب منهما إذا أدباك وعلماك، فإنهما عندك ضيفان يزيدان في كنز سعادتك بدعائهما، ويرفعان لك درجة كرامتك برضائهما، ويظللانك بظل التوفيق بفرحهما، ويدفعان عنك الشقاء والتعاسة بسرورهما، فابذل جهدك في ما تـفعله، واصبر وتحمل منهما، (فلا تقل لهمآ أف) أبدا فإنها كلمة شقاء الحياة. واعلم يقينا أن ما تـفعله بوالديك اليوم سوف يعاد إليك كيله غدا من أولادك، "فكما تدين تدان وبالكيل الذي تكيل به تكتال". أولادي: إني أوصيكم بتـقوى الله ولزوم أمره ومواصلة طاعته والعمل بشريعته والإقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم وعمارة قلوبكم بذكره وكثرة التسبيح والاستغفار والدأب بالصلاة على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم والاعتكاف الدائم على تلاوة القرآن الكريم مع الفهم وسعة الاضطلاع العميم والتخلق بأخلاقه والاعتصام بحبله والسعي الحثيث في دراسة السنة الشريفة والحديث والعمل بهما في جميع شؤون الحياة. أحيوا القلب منكم بالموعظة وقوة اليقين، ونوروه بالحكمة وذللوه بذكر الموت، وأيقظوه بالخشية، وحذروه بالورع، وقوموه بالمراقبة، ورغبوه بالفضل والأجر، ورهبوه بالخوف وموقف العسر، وأدوا صلاتكم بأوقاتها، وصوموا شهركم بحدوده، وأدوا زكاة أموالكم بشروطها، واتـقوا ربكم فيما بينكم ولا تـقطعوا أرحامكم، وأكرموا أيتامكم، وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتـقاطع، واعلموا أن أفضل المؤمنين أوسعهم بذلا من نفسه وأهله وماله، وتمسكوا بحبل الله القرآن، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، واعملوا بأحكامه وتخلقوا بأخلاقه، وعظموا اسم الله تعالى ولا تحلفوا به، أحبوا لغيركم ما تحبونه لأنفسكم واكرهوا لهم ما تكرهونه لأنفسكم، ولا تـتخذوا عدو صديقكم صديقا فتعادوا صديقكم، وامحضوا أخاكم النصيحة لأفعال حسنة كانت أو قبيحة، وتجرعوا الغيظ فلم أر جرعة أحلى ولا ألذ عاقبة منها، وليـنوا لمن غاظكم فإنه يوشك أن يلين لكم، وإن أردتم قطيعة أخيكم فاستبقوا له من نفوسكم بقية يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما. واحذروا صحبة من ضعف رأيه وأنكر عليه عمله، فإن الصاحب معتبر بالصاحب، واحذروا صحبة أهل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان على طاعة الله، وأكثروا النظر إلى من هو دونكم ممن فضلكم الله عليه فإن ذلك من أبواب الشكر. يا بني: من ظن بكم خيرا فصدقوا ظنه ولا تضيعوا حق أخيكم اتكالا على ما بينكم وبينه، فإنه ليس لكم بأخ من أضعتم حقه، ولا تكن أهلكم أشقى الناس بكم، ولا تكونن على الإساءة أقوى منكم على الإحسان، وليس جزاء من سرك أن تسيء إليه. يا بني: أكرم إخوتك وأخواتك وأصهارك وأرحامك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول، ولسانك الذي به تـقول، فمن أكرم أخاه وصهره فهذا الذي أقر عيني وأدخل السرور على روحي وخاصة إكرام أخيكم الأكبر فهو أعلم منكم بالشرع وأدرى منكم بالوضع لملازمته لي ودوام مطالعته وعلمه. وأخص خاصة إخوتكم البنات من أكرمهم فقد أكرمني في قبري ومن ضيعهم أو أهملهم أو تركهم فقد قطع حبل وصالي و أهان كرامتي وأضاع حرمتي وأساء بري، ومن وصلهم وبرهم فقد وصل حبي وارتبط بقربي ونال في الآخرة مودتي. أوصيكم أن لا تزوجوا بناتكم ولا أبناءكم إلا للمصلين، ولا تزوجوا أبناءكم من بعضكم فإنه أدوم لمودتكم. يا ولدي: أوصيكم بوصايا إن أنتم حفظتموها وحافظتم عليها رجوت لكم السعادة في دينكم ودنياكم. عشر خصال: - اتقوا الله بحفظ جوارحكم من المعاصي حياء من الله وقياما بأمر الله وعبوديته الحقة، فإن العبد لا يعصي مولاه وهو يعلم أنه يراه. - ولا تجزعوا من المصيبة مهما عظمت فإنها وجدت للأجر والثواب فلا تذهبوهما بجزعكم. - وأنصفوا الناس من نفوسكم بأداء حقوقهم ولا تـنتصفوا لنفوسكم إلا بالحق البين شرعا. - وإياكم أن تعادوا مسلما وإن عاداكم، فإن عصى الله فيكم فأطيعوا الله فيه. - واقنعوا من الله بما رزقكم من مال وجاه من طريق الحلال الطيب واجتـنبوا الحرام الخبيث. - ولا تستهينوا بمنن الناس ومعروفهم عليكم، فمن أسدى إليكم معروفا كان له الفضل ووجب شكره. - وأحسنوا التدبير فيما في أيديكم بالنظر لعواقب الأمور، فالأحمق من رأى الحال ونسي المآل. - وأحذركم من طاعة النفس فيما تهوى فإنها لا تميل للخير أبدا. - وابدؤوا الناس بالسلام وبشاشة الوجه وحسن الكلام والتواضع لهم ومساعدتهم وصدق الوعد معهم مع التحبب لأهل الخير ومداراة أهل الشر.- وإياكم أن رضوا بجهلكم بل فتـشوا دائما على مورد الإيمان والعلم وما ينفعكم في دينكم ودنياكم. يا بني: أديت حقكم في الـتأديب فأدوا إلي حقي في امتـثال الأمر والطاعة. وإياكم يا ولدي أن يستبد أحد منكم برأيه فإنه الهوى المهلك، وإياكم ومعاداة الرجال فإنكم لا تعدموا مكر حليم أو معاداة لئيم. يا أولادي: أوصيكم أن تأتموا بالعلماء، وتؤاخوا الفضلاء، وتـقتدوا بأصحاب المروءة المقتدين بالسنة، وابتعدوا عن أهل الدنيا المضيعين للسنة، واجتهدوا بظهور الكمال على هيئتكم، وأن تكون التـقوى ملء فؤادكم، وعليكم بائتلاف الناس ومواساتهم، وصلة من يستحق الصلة منكم. يا بني: حاسبوا أنفسكم كل ليلة متى أويتم إلى فراشكم، وفكروا بما اكتسبتم في يومكم من حسنة فتـشكروا الله عليها، أو سيئة فتستغفروا الله منها وتـقلعوا عنها. وإياكم أن تسعوا في نفع نفوسكم بضرر غيركم فيغضب عليكم الخالق والخلق، لأن ذلك معصية تخالف أمر الدين والإسلام، و" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". يا أولادي: إن من نظر في عيب غيره استعظم نفسه، ومن سل سيف البغض قتل به، ومن حفر حفرة لغيره وقع فيها، ومن تعرض لهتك مسلم هتك الله عورته، ومن أعجب برأيه ضل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن شاور لم يندم، ومن جالس العلماء وقر، ومن جالس السفهاء حـقر، ومن طاوع نفسه في شهواتها فضحته، ومن لم يعرف مقادير الرجال ألحق بالبهائم. يا بني: إذا جاورك قوم فغض نظرك عن محارمهم، ومن أساء إليك فأحسن إليه، وازرع الجميل تحصد الجزيل، واصحب الأشراف واجتـنب الأطراف، فمن صاحب الأشراف رفعوه; وإن ظلم نصروه وإن تكلم سمعوه. يا بني: اغتـنموا أيام الصحة قبل السقم، والشبيبة قبل الهرم، وبادروا بالتوبة قبل الندم، واستعينوا على بعد المسافة بطول المخافة، وأحذركم من الدنيا والاغترار بزخارفها، وأوصيكم بالاتباع والاقتداء فإن من كان قبلكم خلفوا الأنبياء باتباع آثارهم، فإن تمسكتم بهديهم، واقتديتم بسنتهم لن تضلوا، وإن الرسول الأعظم قد خلف فينا كتاب الله وسنته وأهل بيته; أهل العلم ، فبهم اقتدوا، ولهم جالسوا، ولا تزولوا عنهم فتـفرقوا، ولا تـنحرفوا عنهم فتمزقوا، والزموهم تهتدوا وترشدوا. أولادي وأهلي وأقاربي: إذا نعيت إليكم وبلغكم خبر وفاتي فاجتمعوا لتـشييعي وقوموا بواجب توديعي. واحذروا أن تسمحوا لنادبة أو تسمعوا لصاخبة أو ترضوا بأية لاطمة. واعلموا أن الحزن في القلوب لا بلطم الخدود ولا بشق الجيوب. فإني أنهاكم وأشهد الله على نهيكم أن تأتوا شيئا من هذه المعايب لئلا تحملوا أوزاركم على ظهوركم بهذه المثالب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فجع بولده وفلذة كبده قال: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون وإنا لله وإنا إليه راجعون" لذلك أوصي أن لا يخرج وراء نعشي قريبة ولا جارة ولا نسيبة ولا أن يخرجن إلى القبر عند الدفن ولا مانع في غير هذا الوقت. وأما أنتم; فالزموا الشرع وحدوده في التـشييع ولا تـقربوا شيئا من تلك المظاهر; فإني بريء ممن صدح أو ردح أو مدح أو جهر بالصوت أو اتخذ التـشييع مجالا للمظهر أو الثـناء. واعملوا بالسنة في ذلك بأن يخرج المشيعون على وضوء، تعلوهم الهـيبة والجلال، ويغشاهم الخوف والوقار، وكلهم يقرؤون القرآن سرا، أو يذكرون ويسبحون همسا، ومن خالف فإثمه عند ربه. وجاهدوا بإزالة تلك السيئات بجميع قوتكم لتطهروا بيت العلم من مثل هذا الخزي والإثم، لأنه إذا كانت بيوت العلماء ميدانا لهذا البلاء فكيف يرجى لنا الصلاح والفلاح؟! فإذا خرجتم بي من الدار فليمش أمام نعشي من وجد من العلماء، علهم أن يكونوا لي شفعاء، وليمش بقية الناس خلف نعشي فلعل الله أن يشفعني فيمن شيعني. فإذا بلغتم المسجد للصلاة علي فليصل علي ولدي وله الحق أن يوكل من رأى من الصالحين، ثم بعد الصلاة إياكم والخطب والمدح والثـناء فإني والله لأرجو أن ألقى ربي لا لي ولا علي، ولا مانع من قراءة وصيتي إن شاء ولدي. ثم اخرجوا إلى مثواي الأخير بمثل ما خرجتم بي من بيتي فإذا بلغتم القبر فلا يجلس أحد قبل أن آوي لقبري. وإياكم والجلوس على القبور، فإذا دليتموني في قبري فاقرؤوا أحد عشر مرة سورة الإخلاص، ثم ليقم بتـلقيني أحد العلماء الصالحين، وبعدها ليجتمع الأحباب على قبري فيقرؤوا بصوت واحد سورة يـس والواقعة وتبارك وقصار السور ولا تـنسوني من التهليلة المباركة. فإني لأرجو الله أن يغفر لمن شارك وقرأ وسمع. ثم بعد ذلك إن أردتم زيارة المقابر فلتكن للعظة والتذكرة بأنكم بعد الحياة لميتون، وبعد الموت ستـنشرون، وبين يدي الله ستـقفون، وعلى أعمالكم محاسبون. واجتـنبوا السرف في النفقات ولا تبسطوا أيديكم بالصدقات المخالفة للشريعة، فمن سلك سبيل الطاعات يحمد منه السرى، ومن ضل عن الصراط السوي ولم يتبين له الرشد من الغي فبشره بالعذاب الأليم، ومن عمل بالأمر واجتـنب النهي فأرجو الله أن يكون من الفائزين، ويا ولدي: اعلموا أن هذه الحياة الدنيا ليست بدار بقاء، وإن أنا لم أرحل عنها الآن فسأرحل عنها قريبا، فلا تحزنوا فالحزن ليس من شأن الرجال. وأنا أموت اليوم مرتاح البال هادئ الضمير لأني ربيتكم وهذبت أخلاقكم وأنا واثـق بهمتكم وإيمانكم ومحبتكم أن تعيشوا شرفاء مكرمين نشيطين في محبة بعضكم وتساعد أيديكم وتآلف قلوبكم وجمع كلمتكم، وأن يبقى رباطكم كما هو في حياتي، وزوروني في قبري أستأنس بكم وتستأنسوا بي وتكتبوا عند الله أبرارا. وأستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم عملكم. وأستودعكم عند من لا تخيب ودائعه، ولـقائي بمن استـقام منكم على حوض المصطفى صلى الله عليه وسلم إن شاء الله بمعية الصديقين والشهداء والصالحين.
وصية لكل امرأة:
أختي المرأة، سواء كنت أما أو أختا أو بنتا أو زوجة: اعلمي يقينا أن الإسلام اعتـنى بك عناية فائـقة لم يول الرجل مثلها أبدا. لقد قدسك الإسلام في القرآن العظيم حيث جعل لك بين سوره سورة من طوال السور باسمك خاصة، ولحقوقك سماها سورة النساء الكبرى وذكر في أواسط السور سورة خاصة بحقوق المرأة وضمان كرامتها، وحفظ مكانتها سماها سورة النساء الصغرى، وهي سورة الطلاق. وأنزل الله سورة سماها باسم المرأة المجادلة عن حقوق المرأة التي يتجاهلها بعض الرجال، في حين أن القرآن لم يذكر للرجال أي سورة ولو صغيرة. وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة بقوله وفعله فلقد كانت آخر وصاياه يوصي بالصلاة وبالنساء: "أوصيكم بالنساء خيرا". لذلك نالت المرأة تكريم الإسلام في القرآن والسنة، وها أنا أدلي بدلوي في تكريم المرأة المسلمة بوصية لعل الله أن ينفعها بها، وأفتـتح وصيتي بالأم الحنون. 1- أيتها الأم الحنون: أوصيك بعد أداء طاعة الله والقيام بها، وبعد تـقوى الله ومحبته ومخافته، أوصيك بأولادك وبناتك، كوني لهم خير معين من غير عنف ولا سيطرة، ولا تحقيق رغبة لك، انظري لأولادك أنهم آنية فارغة نقية املئيها بحنانك وعطفك وإحسانك، تلطفي بهم صغارا، وآخيهم شبابا، وقدريهم شيبا ليعودوا عليك بعطفهم الذي استمدوه منك، وحنانك الذي تغذوه منك، وإحسانك الذي تربوا عليه، فيكافئوك وهم يشعرون بالتـقصير، ويبذلوا لك وهم يعترفون بما قدموه من يسير، ويخدموك هم وأولادهم، وهم يتيقنون أنهم ما قاموا بحقك، ولا بواجب يسير. أيتها الأم الرؤوم: إن أولادك عندك أمانة تربيتهم وأخلاقهم ودينهم، فاغرسي فيهم من الطفولة كمال الوقار للمحسن، وتمام الأداء للمعطي والشكر المتواصل للمنعم. اغرسي فيهم الصدق في القول والعمل، ازرعي فيهم توقير الكبير، ورحمة الصغير، والتفضل على المسيء، وجهي أولادك وبناتك إلى المعاملة الحسنة مع أخواتهم وأولاد جيرانهم ومع الضيوف كبارا وصغارا، أدبي أولادك على الطاعات، ورغبيهم في العبادات، وعلميهم الصلوات، ودربيهم على الصيام، وحببيهم بالعلماء والصلحاء، واختاري لهم الرفقاء والجلساء، فإن الأولاد نسخة عن جلسائهم. أيتها الأم الصالحة: أصلحي بينك وبين أولادك بأن ترفعي الهيبة والسيطرة عنهم، وتـفتحي لهم صدرك، وتعامليهم معاملة يطمئنون بها إليك، فعندها يبوحون لك بأسرارهم، ويكشفون لك عن أحوالهم، ويفصحون لك عن رغباتهم، فلا تضيقي بهم ذرعا، ولا تظهري لهم جزعا ولا تأثرا ولا تردي لهم جحودا وإنكارا فتخسري معرفة أسرارهم ويغيب عنك كثير من أحوالهم، ويكتموا عنك ميولهم، فيفسدوا وأنت لا تعلمين، ويخطئوا وأنت لا تدرين، ويسيئوا وأنت لا تشعرين، يظهرون الاحترام والأدب عندك فإذا خرجوا ظهر منهم ما ليس بالحسبان من الخطايا والنقائص والعصيان. تـفاهمي معهم بالحكمة، وصححي أخطاءهم بالموعظة، ونوري أفكارهم بالهداية، واعرضي لهم الأمثال ممن أساءوا ماذا حل بهم، والذين استـقاموا كيف نجحوا وسعدوا. واحرصي كل الحرص على الأولاد، وخاصة البنات، كوني راعية لهم متـفقدة لأمورهم، مهتمة بهم كما تهتمين بشتلة الفل والورد والزنبق، لاحظي ابنتك في تصرفها، وفي خروجها وعودتها، حذريها من السوء وصحبة أهله، وما ينتج عنه من فساد وخسران وأعلميها أن لا تميل إلى أحد من الشباب، فإنهم عنصر اللهو والعبث. ذكريها بالله، وخوفيها من لقاء الله، وأنذريها بطش الله، ورغبيها بمغفرة الله، وطمعيها بجنة الله للطائع المستـقيم، فإن بلغ الأولاد مبلغ الزواج فاختاري لهم الدين أولا قبل الجمال والحسب والمال. اسألي عن أم الفتاة ودينها وحياتها مع زوجها وأخلاقها، فإن كانت صالحة فاسألي عن الفتاة فإن كان فيها صفة الخلق والدين والقناعة فهي كنز مخبوء فيه السعادة الكاملة، وإن فقدت واحدة منهن كانت بلاء وشقاء، وإن كانت أجمل النساء وأغناهن، وتيقني أن جمالها ومالها لن يعوض عنها ما خسرت. وإن كانت ابنتك بلغت مبلغ الزواج، فاختاري لها الشاب الدين الصالح، الذي إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يهنها، الشاب المجد العامل بنشاط في كسب رزقه من الحلال. وإياك أن تسألي عن ماله وأملاكه ووظائفه، فإن الزواج اقتران مكافئ، وليس بيع أو شراء، فإن اخترت المال فقد رضيت بيع ابنتك، وإن وجد المال والصلاح فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء، واسمعي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ح ـ "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتـنة في الأرض وفساد عريض". وعلى كل حال، اصبري على تربية أولادك وكوني لهم أم الحنان، أم العطف واللطف، أم السكينة والأمان، أم الفضل والإحسان، لتعطي المجتمع أعظم هدية، وأرفع عطية، أبناء الاستـقامة والصلاح، أبناء العلم والإيمان، أبناء الكرامة والمجد والنشاط والجد، وليكونوا لك عونا ومعونة في كبرك وذخرا لك بعد الموت بهم تثـقل حسناتك، وبهم ترتـفع درجاتك وينتـشر صيتك فتستحقين الرحمة بكل نظرة لهم. 2- وأثـني وصيتي بالأخت الحبيبة، الجليسة الأنيسة، الواعية اللطيفة، المساعدة العفيفة، يا من نظرت إليك أمـك أنك عون الحياة، ورفيدة الآلاء، ونظر إليك أبوك أنك محط الآمال العطوف على إخوتك الرجال، وأنك منتهى بلوغ الآمال، ونظر إليك أخوك أنك بيت أسراره، وحاملة همومه، وواسطة مراده. أيتها الأخت، إن لك الدور الأعظم في بناء الأسرة وتكوينها، وحزنها وسرورها، إنك همزة الوصل بين الوالدين، وهاتف الاتصال بين الأخوين، والمعبر للوالدين عن حاجات الأخوة. فكوني واعية لدورك، واجعلي صدرك إناء مقفلا على كل حديث، فلا تـنطقي بكل ما تسمعين، ولا تبلغي كل ما تبلغينه، بل انتـقي الكلام انتقاء ، وقولي ما فيه منفعة ووفاء وقاربي بين وجهات النظر، وحقـقي الأمل بما تريدين بعد كثير الفكر. وإياك ثم إياك أن تـقطعي علاقتك بأخيك فإنه بحاجة إليك، ولا تعرضي عن أختك فهي بأمس الحاجة لنصيحتك، فأنت في البيت كالأميرة، وبالنسبة إلى والدتك كالوزيرة، فعلى عاتـقك يقع تـنظيم أمور الأسرة، وعلى علمك وحلمك يخيم الهدوء والسكينة في كل حجرة، فاسعي بحكمة العاقل، وادرسي الأمور بعقل الحكيم، ونظمي مسيرة البيت بوعي العليم تـنالي من الجميع التـقدير وتدركي من كل أهل البيت التبجيل مع ما لك عند الله من الأجر الجزيل. 3- وأثلث وصيتي للبنت الطالبة أو القعيدة: اعلمي يا ابنتي أنك أمل والديك وسكن قلبيهما، وهدوء نفسيهما، وقرة عينيهما، ينظران إليك وأنت طفلة بعين الحنان، فإذا بلغت نظرا إليك بعين التـقدير والاحترام يرون فيك بناءة الجيل، وأم المستقبل لذلك يبذلون إليك الغالي والرخيص، يحلونك من صغرك، ويزيـنونك في كبرك ويتجملون بك في الزيارات ويكرمونك أعظم الكرامات، فاحرصي يا ابنتي على كرامتك، وأدي الهمة لدراستك، وجدي واجتهدي، ولا تفكري إلا بمستـقبلك الذي إليه تـتطلعين و به تـفكرين، وإليه تسعين. فابنيه من بداية حياتك على أساس متين، ورصي بنيانه بالأخلاق، والحشمة والدين، وارتـفعي ببناء سعادتك بلبنات العفة والحياء والاستـقامة، ليرتـقي شاهقا من غير ملامة، ويصبح موئلا لكل كرامة. وتيقني يا ابنتي أن لكل نعمة حاسدا، ولكل صلاح فاسدا، ولكل كمال ناقصا، والخفافيش يضرهم نور الشمس، والصراصير يخشون في الظلام الحس. وكذلك يا ابنتي هناك من يترصد فسادك ليذهب كرامتك، ويضيع عفتك، وهناك من يختبئ وراء صحبته ليفسد حياءك، وإن منهم من ينحرف بكلامه ونطقه، ويلين بعباراته ولفظه لينحرف بك عن الاستـقامة ويوقعك بالهوان والندامة، يسمعك العبارات المنمـقة العاطفية التي يستميل بها كل فتاة بريئة، وقد اتخذها مصيدة لشرف الطاهرات، وفخا ليوقع به العفيفات، وهو ذئب يلبس جلود النعاج ويدور ساعيا في الفجاج ليرى النحلة النائية فيفترسها غير راحم لكرامتها ثم يتخلى ويحملها إثم إساءتها. واعلمي يا ابنتي، لو كان طاهرا عفيفا لما تعرض لك، بل لذهب إلى دارك ولقابل والدك وطلب يدك على الشرع المصون، ولكنه اتخذ الفتيات ألعوبة يعبث بها حتى إذا خلا بها وبث سمه رماها، وأعرض عنها والتـفت إلى غيرها، وهو ينظر إليها نظر الاحتـقار والازدراء متهما لها بأنها ساقطة وفاسدة، وأنه تركها لفسادها فتكونين ضحية لسلامة قلبك وصفاء روحك، ولسترك لحالك عن أمك ولعدم وجود من يحذرك ولو وجد من يحذرك لغلبت عاطفة حبك كل نصيحة. فيا ابنتي خذي مني نصيحة لا تـنسينها، لا تثـقي بشاب مهما كان لطيفا، ولو رأيت عليه إشارات تدل أنه عفيف، ولو رأيت أثر السجود بين عينيه وأثر البكاء على خديه، ولا تميلي لشاب مهما كان جميلا وإن رأيت النور بين عينيه، فكم من شاب كان تـقيا أفسده الشيطان بخلوة، وكم من صالح نقي فسد صلاحه بنظرة. يا ابنتي، تـفهمي من أنت، أنت أيتها الفتاة جوهرة ثمينة وياقوتة نفيسة، ولؤلؤة فريدة، وزبرجدة وحيدة، ما دامت في لجام الجواهر عند أهل الجوهر، فإذا وصلت إلى أيدي الأولاد العابثين أضاعوا ثمنها، وأرخصوا قيمتها، ولطخوها وكسروها فصارت أرخص من قارورة مكسورة، وإن بقيت في لجامها عند أهلها أتى إليها أهل الكمال فطلبوها بثمنها، وقدروها وأعزوها على الرؤوس، فاعتزت واعتزوا بها. ابنتي أيتها الفتاة، حافظي على كرامتك، وصوني عفتك، وطهري سمعتك، وكرمي أهلك وانشغلي بدراستك، وأدي لله طاعتك، واتـقي ربك وزيدي في إيمانك وراقبي مولاك، واخشعي بين يدي خالقك، واستـقيمي على تعاليم دينك، واخطبي الكمال بأخلاقك لتكوني بحق أما لتربية المجتمع، ومصدرا راقيا لبناء الجيل. 4- ووصيتي لك أيتها الزوجة المخلصة والشريكة الوفية، والأنيسة الصفية، يا مودة الوفاء ورحمة الصفاء، يا سكن القلب والفؤاد وطمأنينة النفس، وهدوء البال، يا مخففة الهموم وملطفة الأحزان، يا سر أسرار القلب، وأنس أنس الحب، وود ود الود، يا من جعلك الله باب سعادة الحياة، ومفتاح نجاح الرجال والدافعة لتحقيق نصر الأبطال، يا خزينة الأموال وحافظة سر الأحوال ومربية الأطفال، يا من يعجز قلمي عن وصف ما أعطاك الإسلام من التـقدير والتبجيل والاحترام، أنت التي من أجلك يتحمل الرجال المخاطر، ويسعون لتحقيق أملك بكل خاطر، أنت التي تحضنين الفتى بعد مفارقة أهله وتحيطين به بودك لتسعديه بأهله، أنت التي إن أتـقنت الأمر الذي وكل إليك فتحت أبواب السعادة التي تسعى لديك، وإن أهملت ما طلب منك أمسيت على وهم وسراب يضيع فيه كل أمل عندك.
وصية للمريد الوصول إلى الله:
أيها المريد: أوصيك بصدق الطلب والإخلاص للمطلوب، وذلك يحتاج منك إلى التـشمير عن ساعد الجد، وبذل الجهد، وارتـقاء العزيمة وشحذ الهمة. فإذا أردت أن تكون من الأشداء عزما، الأوفياء عهدا ، الصادقين وعدا، فسبيل ذلك: أن يكون ظاهرك موافقا للكتاب والسنة وما أجمع عليه المسلمون، مع كمال الاستـقامة على العبادات، وأداء الطاعات، ودوام الأوراد، وكثرة الأذكار، وأن تكون على طهارة ما استطعت، وأن تحفظ للخلق حقوقهم، وأن تحب الخير لهم. وأن يكون باطنك مؤمنا بالله وما أنزل على رسوله إيمانا تـتعهده في كل لحظة، وأن تـتحقق بمراقبة الله لك على كل نفس، وشهوده لك على كل عمل، وحضوره معك على كل حال. وإياك وحب الظهور والغرور، وعليك أن تحب الله حبا يأخذ عليك مجامع قلبك، ويقيد جميع جوارحك، وعلامة الحب التزام الطاعة، ومن انتسب إلى الحب وهو في المعصية غارق فهو مدع. وأوصيك أن تكون عفيف النفس خائفا لمقام مولاك، مطمئنا قلبك بذكره، فإن الذكر صيقل النفوس، وجلاء القلوب، وعليك بمحاسبة نفسك وإدانتها والعمل لما بعد الموت. أيها المريد: إياك أن تعتمد على الأحوال والأنوار -وإن كانت على الطاعات منشطات- ولو فتح عليك فيض من الأسرار؛ فان الكمل من الأبرار وأهل الارتـقاء من العارفين الكبار من يكون اعتمادهم في ظاهرهم وباطنهم على الشرع المطهر. واعلم يقينا أن كل حال أو نور أورث في النفس فتورا عن الطاعة، أو ضعفا في العبادة، أو إهمالا في الخشية، أو شغلا عن المراقبة، فإنما هو حال ونور شيطاني يجب على المريد أن يفر منه كما يفر من المعصية والكبيرة. والحال الحقيقي والنور الكامل ما أورث تواضعا في الخلق وذلا للنفس بين يدي الله تعالى، واستصغارا للهوى، ورؤية القلة في العبادات وإن كثرت، وارتـقاء الهمم في الأذكار والعبادات مع لذة القيام بالأسحار ووجود الطرب والهيام بالأوراد. أيها المريد: إن أردت الوصول إلى مقامات الشهود فالزم الأصول التي منها فهم القرآن الكريم، وذكر الرحمن الرحيم، ومجالسة أهل العرفان، والتأدب مع روحانية سيد الأكوان في السر والإعلان. أيها المريد: إن الحجاب الأوحد والباب الموصد دون قربك وصفاء قلبك هو النفس التي تزين البطالة بالراحة، والذكر بتوهم الحضور، والضعف عن العبادات بمقام الشهود، والشهوات بأنها لك مخلوقات، والغفلات على أنها مرفهات، والرياء بحضور المجالس على أنه إخلاص، وفتور الحب على أنه امتحان. فأدبها بإذلالها فالذل باب عزتها، وعلمها كثرة التواضع فالتواضع باب رفعتها، واحذر كل الحذر منها، وحاسبها على كل صغيرة وأدبها على كل حقيرة، ولا تـتهاون في معاقبتها على كل خطرة، ولك في ذلك ميزانان: الأول: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس". والثاني: أن كل ما أرادته النفس بالميل للذتها والشغف فيه والتـشوف إليه يسبب الحجاب ويبعد عن الباب، ما لم تخلص فيه النية لرب الأرباب. أيها المريد: إن أردت القرب القريب الذي تـنال به عطاء المجيب، فهو قيامك بالأسحار، وكثرة العمل بالأوراد والأذكار، ومجالسة الأبرار الأخيار، والاجتهاد بالإخلاص لله لإدراك السر والأسرار، فهي باب الإنابة ومحراب الولاية. أيها المريد: لا تـنس أن الإرادة هي القصد الصادق لهدف المريد العاشق بالتوجه إلى ما أراد الله ورسوله، لا إلى ما تريد، وتحقيق ما طلب منك لا تحقيق ما طلبت، وتـنفيذ مراد الحبيب لا مراد القلب السليب. فصدق الإرادة فناء إرادتك في مرادات الحبيب المصطفى، وإذابة مرادك في مراد طريقة أهل الوفا، ومن صدقت مع الله إرادته نال من الله مراداته. أيها المريد: إياك أن يضعف مع الشيوخ رباط روحك، أو يصل الوهن إلى صلة حبك، فإن أرواح العارفين مطلـقة غير مقيدة بإذن رب العالمين، فهي ممدة لأحبابها في الدنيا والبرزخ وإلى يوم الدين، لا يحجبها موت ولا يبعدها فقد الأجساد. وعليك أن تبقى مرتبطا بما تعلمت منهم من شرع، وما أخذت عنهم من أدب، وما سلكت معهم من خلق. واعلم أن ميزان ارتباطك يـقـيد بتـنفيذ أحكام الدين، وملازمة الطاعة لرب العالمين، وما سمعت وتسمع من خلق وأدب عن سيد المرسلين، وإياك أن تظن أن المودة انقطعت بالموت، وأن الصلة حجبت بالفقد، وأن الرباط انقطع بالفراق، فهذا ظن الذين خسروا. فإن للشيوخ على مريديهم حقا أكبر بعد انتـقالهم؛ من ملازمة تلاوة القرآن وهبـته لهم، وكثرة العبادات والفرائض وهبة مثل ثوابها لهم، وكثرة الصدقات من غير تبذير ولا إسراف على أرواحهم، والوفاء لأهلهم وملازمة محبة أحبابهم وتـقدير محبيهم، وطلب الدعاء ممن أخلص في مجالستهم، فالشيخ الحق، والصديق الصدق، من كان جسده مع الخلق وقلبه مع الحق، ومن كان جسده في الثرى وروحه في الثريا، وليس بشيخ من لم يعرف طرق السماوات أكثر من الأرض. وأخيرا أيها المريد: كن مع الله في سرك وجهرك، ولازم على مراقبته في ليلك ونهارك، واشهد شهوده لك في بيتك وسوقك، واستـقم على شرعه في نطقك وخلقك، ودقق النظر في درهمك ودينارك، وتحقق في طعامك وشرابك أن يدخل فيه شبهة أو غير ذلك، واعمل بإخلاص النية والعمل مع شدة الخوف والوجل والحذر من أن ترد ولا تـقبل. عظم شأن نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم، واستغرق كلك بمحبته ووصاله، واشغل لسانك بعد ذكر الله تعالى بذكره صلى الله عليه وسلم وكثرة الصلاة والسلام عليه. مت فيه حبا، احي به أنسا، فهو صلى الله عليه وسلم روح الصديقين ونبراس قلوب العارفين، نور الواصلين ومطاف قلوب الموفقين، سر أسرار قلوب المقربين، ومدد إمداد روح المرشدين، ونور كشف طريق السالكين، لذلك خذ سنـته طريقا مستـقيما، ومنهاجه سبيلا قويما، واتباعه خلقا كريما، وإياك والانحراف قيد شعرة عن سنته الكريمة وطريقته المستـقيمة، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). اعرف له الحق بمحبة آله الأطهار، وذريته السادة الأبرار، فهم معادن حاله ومظاهر جماله وكنوز كماله. واحفظه بأصحابه الكرام أئمة الدين الأعلام فهم وراث حكمه، خزائن علمه، أمواج بحره، أعلام شرعه، وإياك وولوغ لسانك بأحد منهم، فهم أحباب الرسول الأعظم، من أحبهم أحبه، ومن أساء لأي منهم حرم شفاعته صلى الله عليه وسلم. اجتهد جهدك بأن تحسن الأدب معه صلى الله عليه وسلم باحترام خدام شريعته أئمة الدين وعلماء المسلمين، أيد أمناء سلطانه بإعزاز أوليائه رجال أحواله، اعرف لهم الحق واحتـفل بهم. وإياك وانتـقاصهم، قم بتطهير ساحاتهم من غبار الدخلاء وأقوال السفهاء فهم أهل الحق والرجال الذين خدموا الله تعالى ورسوله بالصدق بتبليغ الشرع وإقامة السنة، ونبذ البدع، فهم القرآن المنظور والسنة المتحركة، والإسلام في خلقه وجماله. عزز مجد ولاة المسلمين، واحفظ بقلبك الحب والموالاة لأمراء المسلمين، وولاة أمور المؤمنين، أطعهم فيما أمر الله به، فر جهدك من كل قول وعمل ينتج منه شق عصا الأمة، فإن ذلك دأب المردودين وديدن المبعدين. وإياك ومنازعة أولي الأمر والتدخل في شؤونهم وسياستهم، ولا تجاهر بعيوبهم وتـقصيرهم، وإن أردت النصح لهم فاخل بهم، وإياك أن تعتمد على أحد من خصومهم، ولا تسمع لأحد يذكر مثالبهم، واحفظ لسانك عنهم، فإنك بذلك تضمن كرامتك وتحفظ دينك. وعليك بحب كل فرد من أفراد أمة الحبيب المصطفى، وأعطه حقه الذي وهب له من الحرمة والمنزلة. وأعن المسلمين ما استطعت، وأشفق عليهم وارحمهم، وليأمن كل منهم بوائـقك. أعط الكل ما أعطاه لهم الشرع والشارع العظيم من التبجيل والتكريم، وحفظ الحرمة من كل تـنقيص باللسان أو القلب، وغض البصر عن عيوب الكل، وأصم سمعك عن تجريح أحد، واقض حاجة المحتاج وأسدل الستر على كل خطاء، واترك الخلق لخالـقهم. حدق بصرك وصحح نظرك في أداء الحق الأعظم لأبويك، أعظم شأنهما، وبالغ في برهما، أعظم شأن أبيك فسترى من بركة قلبه بشأنك العجائب، قم بإجلال منزلته حيا وميتا. وأد حق من جالسني ممن أحب أو صاحب أو انتسب فإن إكرامهم إكرام لي، واحفظ حقي، وأحكم بقلبك حبي، والزم بعدي أثري وحق عهدي، واسلك طريقي وانهج نهجي، فإن الله اختارني معراجا لقلوب السالكين، وحبلا لنجاة المتبعين، ونفحة لأسرار المحبين، ومددا لأرواح المخلصين. لا يعزب عنك أن هذا الطريق المؤيد بالشرع المطهر المسدد هو طريق بركة وعناية ووصال، حاله عطاء إلهي، وشأنه مدد نبوي، باطنه لله، وظاهره لله، ولا يؤول إلا إلى الله، ولا يعول به إلا على الله. وإن الزمان الذي أنت فيه لزمان تـنفجر منه العجائب، فربما يؤخذ بكلام العارفين إلى غير ما قصدوه، ويراح بمعاني ألفاظهم غير ما عنوه وأرادوه، والمستعان بالله على كل حال. واعلم أن هذه الطريقة المباركة ذات أصول ثابتة من الكتاب والسنة، أعظمها صيانة جانب التوحيد، وإعظام شأن النبي صلى الله عليه وسلم العظيم القدر، وتوقير آله وأصحابه الكرام ومحبتهم، والثـناء عليهم، ومحبة أهل الحق، والموالاة لأولياء الله الكرام الذين والوا الله ورسوله، فأعزهم بولايته وجعلهم من أهل حضرته، فعليك بتعظيم أولياء الله، والتـقرب إلى الله بمحبتهم وموالاتهم، والتباعد عن أذيتهم، والجزم الخالص بأن الله يتـفضل على من أحبهم وتوسل بهم وبمحبة الله لهم والعون والعناية والبركة في النفس و الذرية. وأوصيك ثم أوصيك بقراءة الختم الشريف والملازمة عليه فإن فيه من السر اللطيف والفضل المنيف ما يحقق لكم كرامة الوصول بأرواح أولياء الله في الفروع والأصول، ويضمن لكم إمداد أرواحهم في الدنيا واللقاء بهم في الآخرة، والدخول في زمرتهم. بذلك أوصيك يا من سرت فيك النسبة، وطافت حول قلبك النسمة، واللقاء بيننا على حوض المصطفى، فاصدق معنا وكن من أهل الوفا. أمدك الله بالعناية وأحاطك بالرعاية، وحفظك بالولاية، والسلام على من أخلص، ومن الإهمال والغفلة تخل. أحبابي: اعلموا أنه ليس على وجه البسيطة من شيء يتعلق به القلب أو يستحق ذلك. فإن الكون كله فناء بما فيه، ومن تعلق بفناء فني به، وكمال المؤمن أن يتعلق قلبه بالله الواحد الأحد الباقي، ليبقى خالدا في جواره، مستأنسا بقربه، مدركا لعطائه، مشاهدا لجماله. لذلك الحق أقول لكم: إن من أراد كمال الآخرة وسعادة اللـقاء بها، فليكثر في الدنيا من ذكر الله تعالى، ذكر الحضور معه وذكر المراقبة له، والخشية منه، وذكر المهابة لجلاله والتعظيم لعظمته. الذكر الذي يورث القلب خضوعا بين يديه، ولذة بالطاعة لديه، الذكر الذي يمحو من القلب الميل إلى الأغيار، ويجذب العبد للتخلق بخلق الأبرار، ويحقق في العبد التذلل بين يدي الجبار. الذكر يحجب العبد عن الغفلات، ويبعده عن الزلات، ويسمو به إلى لذة الطاعات، ويثمر في حياته أكمل العبادات. الذكر الذي يهب للعبد خدمة عباد الله تـقربا إلى الله، ويسعى بجهده لكشف كربات العباد حبا في الله، فهو مع الخلق بجسمه، ومع الخالق بقلبه ورسمه، ويرى العباد صورا تـنعكس فيهم تـقادير الله، ومرايا تـتجلى فيهم أنوار الله ليظهر الكمال في التدبير، والجمال في التـقدير، والتحقيق بالرضا. ثم بعد الذكر أحبابي: أكمل ما تسعون له، وتـتحببون إليه كتاب الله تلاوة وتدبرا وفهما وتخلقا، ثم تعلما وتعليما ليكون كل منكم قرآنا مجسما بكمالاته، وصورا مزينة بجمال أخلاقه، وآدابا راقية بتحقيق صفاته، الزموا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وتدبروا آياته المقروءة والمنظورة، واجعلوه إمامكم في جميع أحكامه، وأمامكم في جميع أهدافه والاقتداء به، وعن يمينكم في جميع أخلاقه وعطائه، وعن يساركم في جميع نهيه وزواجره، واجعلوا وعيه من ورائكم في حفظكم من مخالفته، وجلاله فوقكم في ظلال تجـلياته وأنوار قدسه، وفي سبيلكم للسير على نهجه ومنهاجه، وفي قلوبكم إجلاله وتعظيمه وتـقديسه، فهو روح المؤمنين وسبيل الصادقين الصديقين، ومحراب المتعـبدين، ووصال العارفين، ومنهاج الموفـقين، ولذة المستأنسين، ومناجاة المقربين، وحضور المشاهدين، ما أوجد الله في هذا الوجود بعد ذكر اسمه أكمل من تلاوة كتابه، لذلك جمعهما في آية واحدة؛ فأوصيكم يا أحبابي بدوام تلاوته، بعد ذكر اسمه العظيم، ومواصلة التـفكر به والتدبر له، لتكونوا من السعداء الموفقين والأتـقياء الصالحين. وإياكم ثم إياكم أن تـتخذوا القرآن للمغنى من غير معنى، أو للبركة من غير فهم، ولا للموتى من غير تدبر وعلم، فيكون بذلك إثمه عليكم. وبعد أن تـتوجوا أعماركم بالذكر والقرآن، زيـنوا حياتكم وأوقاتكم بكثرة الصلاة والسلام على النبي العدنان، سيد الخلق من الإنس والجان، ونور الوجود وما فيه من السكان، فهو النبي المصطفى، والحبيب المجتـبى، وإمام الأنبياء، وسيد الأصفياء، وخير مخلوقات الله في الأرض وفي السماء، صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، وله المقام الأسمى، يسقي من حوضه المؤمنين، وهو قائد الغر المحجـلين. أوصيكم بدوام الصلاة عليه، وأشفعوها بالسلام وكأنكم لديه، فإن صلاتكم غدا معروضة عليه، فهي تـفريج للكرب وتطهير للنفس من الغضب، وجاذبة لروحه المؤنسة، ورابطة بذاته المقدسة، وهي طريق القرب وباب محبة الوصل، من أكرم بها فاز ونجا، ومن لاذ بها أفلح وسما، فطوبى لمن جعل الصلاة عليه وسيلة الحب والقرب إليه. وأوصيكم بعد ذلك بالتزام مجالسة العلماء الصالحين، والفقهاء الذاكرين، والأتـقياء الروحيين، فإن "العلماء سرج الدنيا ومصابيح الآخرة" وهم نجوم الاهتداء وأئمة الإقـتداء. ولمجالسة عالم ساعة خير من عبادة ستين سنة نوافل على جهل، وإن العالم مـثله فيكم كمثل السكر يذوب ليحلو به الشراب، وكذلك العالم العارف يذوب في محبة الله ليوجه القلوب إلى حبه فتحلو بذكره، وتطرب بشهوده، وتطيب بوصاله. والعارف هو من عرف بالله، وهو الذي لا يكل لسانه عن الدلالة على الله ولو كان في أحلك الأوقات، حيث يرى أن تبليغ الإيمان هو فيض سر الله في سره، وإفاضة نور الله في قلبه، وصدق والله القائل: (العارف بالله إن نطق اخترق وإن سكت احترق) لذلك أوصيكم إن رأيتم أصابني شدة من الآلام أو تـشديد عند النزع، فأتوني بمن أدعوه إلى الله وأذكره بالله، وأبث فيه روح محبة الله، فإن ذلك يخفف آلامي وينشط روحي للعروج إلى محبوبي. ومجالسة العلماء مع المحبة لهم والإخلاص إليهم والصدق معهم تجعل القلب إناء لتوجهات قلوبهم، وصب أنوارهم وحكمهم، وأجمل ما في صحبتهم سريان كمالاتهم وأخلاقهم وخشيتهم إلى قلبك وأعمالك وأخلاقك من غير تكلف، وصدق ابن مسعود بقوله: ( لجلسة مع عمر أوثـق في نفسي من عبادة سنة). فأوصيكم بالتـفتيش عن العلماء المخلصين والتـنقيب عن العارفين المقربين، فالزموهم واعملوا بتوجيهاتهم، وألزموا أنفسكم التخلق بأخلاقهم فهم أحد الشفعاء في الآخرة، والعالم يشفع لمن تبعه يوم القيامة، ويكفي العبد شقاء وخزيا في الدنيا والآخرة أن لا يكون له صلة بعالم يرشده للشرع، ويدله على الطاعة، ويحببه بالله، ويذكره بلقاء الله، ليسعد في دينه ودنياه وآخرته.
وصية لكل عالم:
وبعد يا أخي العالم: اعلم أن العالم لا يكون عالما بالوراثة، ولا يتحقق بالدراسة حتى يتأصل في نفس العالم ثلاث: خشية الله في السر والعلن، ومراقبة الله في العمل والسكن والخلوة والجلوة، وتـقوى الله في اللقمة والكلمة. والعالم أمين سر الله على شرع الله الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعالم هو المأمون على دراية كتاب الله دراسة ووعيا، والعمل به أمرا ونهيا، والتخلق به سرا وجهرا، والمعلم له لفظا وعملا، والمؤدب به خوفا ورجاء. كما أنه أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سنته المطهرة، وطريقته المعطرة، اقتداء بأخلاقه وتأسيا بآدابه، واتباعا لأعماله، فهو القدوة العظمى، والغاية المثلى، من جعله أمامه صلحت إمامته، ومن اتخذه قدوته صلح للناس قدوة، ومن تذوق محبته كان عند الخلق محبوبا. أخي العالم: هذه وصيتي أقدمها إليك لعل الله أن يجعلني وإياك من المتبعين المقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم، الراشدين المرشدين، الصالحين المصلحين، الذاكرين المذكرين، الهادين المهديين، وأوصيك أولا: بإحياء علمك، وإماتة نفسك، وإخلاص عملك، وتصحيح هدفك؛ أما إحياء العلم فيكون بثلاث: دوام مدارسته، والعمل به، وتعليمه، ويعينك على هذه الثلاث أن يكون ممتزجا بعلم القلب الذي هو خشية الله لتعمل بالحديث: "كفى بالمرء علما أن يخشى الله" . وهذا هو العلم النافع كما قال صلى الله عليه وسلم: "العلم علمان: فعلم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم". وأدم للعلم مذاكرة فحياة العلم مذاكرته وترك مداومة الدراسة تـنسي العلم، وهو الآفة العظمى، وفي الحديث: "آفة العلم النسيان". وترك العمل به تجعله لقلقة لسان وهو حجة الله على ابن آدم. وعدم تعليمه يجعله علما راكـدا، كماء صاف طال ركوده فأسن، فلا هو يسـتسـيغ شربه ولا هو يستطيع أن يسـقيه لأحد. وأما إماتة النفس: فالنفس هي البلاء الأكبر للعالم حيث تدخل عليه العجب بعلمه، وهو من الكبائر؛ فيحبط عمله، أو تدخل عليه الكبر وهو كذلك من الكبائر، وكفى بإبليس عالما متكبرا. والنفس تحيي في الإنسان الرياء في العلم والتعليم، وتـنبت في القلب الحقد والحسد للعلماء، وخاصة إذا رأى عالما نفع الله به العباد وفتح عليه بالدعوة والإرشاد، فعندها يبتلى بالطعن فيهم، ويذكر مثالبهم، وينقصهم بل ويتهمهم، وكفى بذلك شقاء حرمانه من نفعهم وإحباط أجره وعمله بالرياء. والنفس هي الحجاب الأكبر بين العبد وربه فإنك لن تصل إلى التعزز بمولاك إلا من طريق تذللـك إليه، ولن تدرك التـقرب منه إلا من طريق الافتـقار إليه، ولن تـتحقق بلذة الأنس إلا بالانكسار بين يديه. وعليك أن تعلم يقين العلم أنه ليس لك من علمك حرف واحد إن نسبت العلم إلى جهدك بالدراسة والتعلم أو التعليم، بل العلم اليقيني أن تعلم أن الله اختارك واصطفاك لحمل أسرار شريعته بفضله، وبجوده طهر قلبك لنور كلامه، وبكرمه هيأ فيك الاستعداد للعمل بأمره واجتـناب نهيه، كما أنك لو وفقت للتعليم أن ترى بعين الحقيقة أن الفضل في ذلك كله لله وحده لأنه بجوده أجلس الخلق بين يديك. فإنك بنوره اهتديت، وبفضله استغنيت وبرحمته تعلمت، وبكرمه وإحسانه حفظت، ولو وكلك إلى نفسك طرفة عين لهلكت. فيا أخي العالم: أمت نفسك بمراقبة الله فإنه معك على كل حال، ومع كل نفس، وعند طرفة كل عين، ويعينك على هذا دوام ذكر الله، وكثرة التـفكر بعظمته، مرة من طريق نعمه، ومرة من طريق خلقه، ومرة من طريق التـفكر بلقائه. وحاول معي أن يكون ذكرك لله في قلبك حيث أن القلب موضع نظر الله, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ".فطهر موضع نظر الله إليك، وإياك أن تعتـني بطهارة الجسد والثوب والمكان لأداء ركعات جوفاء دون خشية ولا تطهير لموضع نظر الله إليك فيكون قلبك نجسا بنجاسة الغفلات غارقا في بحار الأهواء ، ساعيا وراء الشهوات والملذات النفسية وحب الأنانية وطلب الدنيا الفانية، فإن الدنيا خلقت لك خادمة ذليلة، فلا تكن لها خادما ذليلا، ومن تعرف وعرف الله ذلت له الدنيا واعتز عليها، ومن غفل أو تغافل عن الله اعتزت عليه الدنيا وذل لها. ثم عليك بتقوى الله في اللقمة والكلمة: فاجتهد أن تأكل الرزق الحلال وإن قل، فإن اللقمة الحلال تكون في البطن نورا يسري في العروق فيمدها بالنور حتى تـتغذى الأعضاء به، فعندها تبصر العين بنور الله، وتسمع الأذن بنور الله، وينطق اللسان بنور الله، وهذه علامة محبة الله للعبد. ولا تحملك الحاجة أن تذل نفسك، أو تظهر بأسك، أو تـتكلف ما لا تطيق من مخالفة العلم والشرع؛ فتبوء بالسـخط والحرمـان، ولكن اصدق بالتجائك إلى الله، وفرغ قلبك لله، واطلب الله لله يحقـق لـك وعده. فالمطلوب منك أن تكون نقيا بلقمتك، معتمدا على جود ربك، واثـقا بفضله أن يرزقك من حيث لا تحتسب، ولقد هوى كثير ممن انتسب إلى العلم في هذه الهاوية، ظنا منهم أن الدنيا مفتاح الوصول إلى كل خير، ووالله لقد أخطؤوا الطريق نسيانا منهم أن الله هو مالك الملك المعطي الرازق القائل في الحديث القدسي: "يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه". ومثل اللقمة الكلمة: فاتق الله بكلامك فإن عليك رقيبا عتيدا ، فلسانك قلمك، وريقك مداده، و "كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله تعالى". فلا تـنطق إلا بما تحب أن تراه يوم القيامة في صحيفة حسناتك ثوابا، وعود لسانك النطق بالخير والدلالة على الخير، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، علم محبة الله، ودل على الله، وذكر بالله، وأرشد إلى دين الله، وفقه بكتاب الله، ووجه إلى مخافة الله، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واقرأ القرآن بالتـفكر، وانشر السنة بالعمل، وأكثر من الأذكار والأوراد وتلاوة القرآن، واتخذ الإرشاد ديدنك، والتذكير بلقاء الله دينك، ولا تـقصر تعليمك على الآخرة فقط فهو نقص في التعليم، بل علم الدنيا والكسب فيها، والتبكير للعمل فيها، وكيفية استخدامها لدين الله لتجمع بتعليمك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، ولا تكونوا كلا على الناس". واعلم أن لأهلك وجوارك والناس أجمعين حقوقا عليك بتعليمهم وتوجيههم، فإن قصرت فسوف يسألونك يوم القيامة بين يدي الله (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). وإياك أن يزل لسانك بكذبة أو غيبة أو نميمة، فالعالم منزه من ذلك، وإياك والسب والشتم واللعن فإنها من أخلاق السفلة، واجتـنب الطعن والتـنقيص وإظهار عيوب الغير وإن كانت حقا فالعالم من غض عن النقائص ورأى الكمال والفضائل، فعين الكمال لا ترى إلا الكمال. وإياك والتعيـير للغير أو إظهار الشماتـة به, خاصة إذا آذاك وانتصر الله لك, بل سل الله له العفو والمغفرة, واجعل التـقوى دائما وقاية لك من إيذاء الخلق أجمعين. وانظر إلى خلق الله أنهم خير منك عند الله لئلا تعلو بعلمك على أحد فيكون عند الله خيرا منك. واتصف ما استطعت بصفة الوقار والهيبة لا بالملبس والمظهر, ولكن بملء قلبك بهيبة الله وهيمنة جلال الله على جوارحك, واصدق علمك بعملك حتى ينفذ علمك في قلوب الخلق فإن ما خرج من القلب سقط في القلب، وما خرج من اللسان كان حظه الآذان. وابذل جهدك أن تربي الناس على آداب الشريعة المستـنبطة من السنة الشريفة، فإن للمربي منزلة لا يدركها من علم الأحكام فقط، قال علي رضي الله عنه:( لولا المربي ما عرفت ربي). فالمربي هو من عرف الخلق بالله حبا وتعظيما ومهابة وطاعة، فيبذل الخلق له قلوبهم وحياتهم، ولا تعتمد على تعليم الأحكام إلا بعد تعليم الإيمان فالمنفذ للأحكام هو الإيمان. وأوصيك أخي العالم أن توقف نفسك ووجودك لنشر علمك وتعليم الخلق ودلالتهم على الله ورسوله والشرع المطهر، عملا وتخلقا واتصافا، فإن الله تعالى أخذ العهد على العلماء أن لا يكتموا من علمهم شيئا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من علم علما ثم كتمه ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجام من نـار" ، ولا تستـقل من جلس معك؛ فإن طالب العلم طالب الرحمة، ولعل الله أن يفتح عليك ببركة طالب مخلص، ولعله أن يكون سبب خلاصك وإخلاصك. فالعالم هو الذي يشغل كله بالله لله، ويعمل لله بالله، ويطلب الله لله، ويوجه الخلق إلى الله بنور الله، ويجذب الخلق بروحه من محبة الأغيار إلى التوله بحب الله، ثم صحبة الأبرار فهو الجسر الذي تطؤه الخلائق للوصول إلى الله وشرع الله لتحقيق خشية الله. واحذر أخي العالم كل الحذر من تدخلك بالسياسة ومقارعة الحكام، أو منازلتهم أو التهجم عليهم، أو ذكر شيء من مثالبهم أو نقائصهم، فإنما أنت طبيب مداو ، ولست بقاض حاكم، فانظر إلى الحاكم أنه أخوك فانصحه، أو ابنك فذكره، أو أبوك فقدره واحترمه. واعلم أن له البيعة في عنقك فأد له حقها بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة والحكمة الحكيمة، ولا يغرنك من ذكر الحديث الحق وأراد به الباطل وهو قوله صلى الله عليه وسلم :" أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". فالحديث أثبت العندية أن تذهب إليه ولعنده وتجلس معه على بساط البحث والمداولة متصفا بالأنس واللطف في مذاكرتك له، وقدم للحاكم النصيحة على انفراد من غير أن يكون لك حظ أو مصلحة في نصحك إلا النفع العام لدين الله وخلق الله ومنفعة الحاكم والوطن، وبين بنصيحتك ما يدفع السوء والشر عن الحاكم والأمة والوطن. وإياك والممالأة للحاكم والمداهنة والمدح المفرط، فإن ذلك مما يسقط هيبتك وكرامتك عنده، وإياك وإظهار الغضب عنده فإنك بذلك تعرض نفسك لغضبه وعدم الانتـفاع منك، واحذر أن تذكر للحاكم نقصا على أحد ممن يحبهم أو يكرمهم فإنه بذلك يكرهك ويحقد عليك، واذكر الحاكم دائما بما قدم من عمل فيه نفع العباد والبلاد. واجعل همك الوحيد عند لقاء الحاكم الإسلام والتعريف به وإظهار جماله، وبيان كماله. واعلم أخي العالم أنك إن جالست الحاكم وانبسط معك بالحديث، وانشرح صدره لمجالستك فإياك أن تظن أنك تدرك منه كل ما تريد، أو تحقق منه ما تطلب، بل تيقن أنك إن أدركت عشر ما طلبت فقد حقـقت نجاحا، وإن استجاب لك بنصف العشر فقد أدركت نجاحا، وإن نفذ لك من مرادك واحدا بالمائة فقد وفقت بالنجاح، وإن لم يمكن لك تحقيق شيء بل استطعت أن تدفع من السوء عن الإسلام والدعوة ولو واحدا بالمائة فاعلم أنك قد حظيت بالنجاح الموفق؛ فلا يغضبك ذلك، ولا تـنفعل ولا تحزن، واعلم أن الزمن، يحل كثيرا من العـقد، لذلك عامل بسعة الصدر، وكثرة الحلم، وقوة الصبر؛ لتدرك ما تـنال بعد فضل الله عز وجل. أخي العالم: إن للعالم صفة أو صفات عليه أن يتصف بها ليكون أهلا لاقتداء الخلق به، فالعالم لا يمشي إلا إلى خير يريد به الأجر، فهو في مشيته حليم وقور غاض الطرف خازن اللسان رفيق متأدب, وفي خلوته تجده تاليا للقرآن, مشغوفا بذكر الرحمن, متـفكرا بالنعم, مؤديا لها دوام الشكر, مستجيرا بربه, يخشى على نفسه من الشيطان، يحفظ السمع والبصر واللسان بمراقبة الله، لا يصحب إلا من يعلمه شرعا أو يتعلم منه آية أو سنة أو أدبا، أو يتذاكر معه علما أو قرآنا، همه الفهم عن الله فيما أمر ونهى، وعزمه التـفقه بكتاب الله فيما يعمل أو يذر، إن ازداد علما يخشى أن يكون عليه حجة لذلك يسارع إلى العمل والتخلق به، وإن توقف عن تعليم يخاف من السؤال بين يدي الله، يستغفر الله على كل حال، ويندم على زمن صرفه على غفلة، يبكي سرا من خشية الله، ويبتسم نهارا رجاء رحمة الله، نفسه منه في تعب دائم، والناس منه في راحة تامة، يحب الخير للخلق أجمع، ويكره لهم السوء بكل وجوهه، متواضع بين يدي الله، خادم لعباد الله، إن طلبت منه حاجة قضاها، أو مساعدة لضعيف أداها، أو معونة ليتيم أو أرملة أو مسكين غذاها، حسن المداراة لجلسائه، رفيق لطيف بمن يسائله، يتجافى عن الدنايا، ويبتعد عن الرزايا، ويفر إلى الله من الخطايا، صبور على جهل الجاهلين، حليم على جفاء الناكثين، لا يخوض فيما لا يعنيه، ولا يستمع لما يشقيه، ولا يعنف سائلا بقبيح لئلا يخجله، يجتهد برأيه بما يوافق الكتاب والسنة مع ملاحظة مسؤوليته بين يدي الله فيما اجتهد، ولا يستحيي إذا لم يعلم أن يقول: لا أعلم. ويجتـنب إجابة على سؤال يورث فتـنة أو يوقع الغير بمحنة، وإن اشتبه الأمر عليه رده إلى غيره من العلماء مثله كالطبيب يضع الدواء حيث يعلم منه الشفاء. لا يماري أحدا من العلماء، ولا يجادل أحدا من الفقهاء، بل يداري بنشر حكمته، ويبين طريق علمه، فهو حريص على أن لا تـفوته ثانية من الزمن مشغولا فيها عن الله، فهو دائما يحب خطأه وصواب غيره لئلا يدخل تأثرا على أحد من المسلمين، لا يؤاخذ غيره بالعثرات، ولا يفشي سر من عاداه، ذليل للحق، عزيز عن الباطل، يكظم غيظه عن المعادي من غير شحناء ولا بغضاء، يخالق الخلق بجميل الأخلاق على سلامة القلب وصفاء السريرة، إن نظر إلى فضل الله عليه بكى ذلا بين يدي من أنعم عليه، ونطق بالشكر لمن جعله طبيبا لقلوب أهل الجفا، حبيبا وقرة عين لأهل الصفا من العارفين والأولياء، يستغني بالله عمن سواه، ويفتـقر إلى الله من كل السوى، يأنس بالله وحده فهو لا يغيب عنه ولا يغفل عن ذكره، غلبت عليه أربعة أشياء: البكاء، والخشية، والطاعة، والتذلل؛ وأوصيك أخي العالم أن تكون زاهدا بالدنيا لا فاقدا لها، والزهد ليس هو ترك العمل والكسب من الوجه الحلال؛ بل الزهد الحقيقي هو أن تملك الدنيا ولا تملكك الدنيا؛ كسيدنا عمر وعثمان رضي الله عنهما ملكا ثم زهدا. والزهد أن تستغني بالمال من غير أن يشغلك عن علمك أو تعليمك، أو عن ذكرك، أو ينقص فيك خشيتك ومراقبتك لله تعالى. فالعالم الغني السخي المعطاء أزهد من الفاقد الفقير المشرف بعينه إلى مال الغير، و"اليد العليا خير من اليد السفلى" ، فازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وازهد فيما عند الحاكم يقدرك الحاكم، واطمع فيما عند الله يحبك الله ويحبوك. واعلم أن العالم إذا مد يده ولو إلى العلياء نال الذلة وانكسار النفس، والعالم داعية الحق وكسر نفسه بالسؤال إضعاف للحق الذي يدعو إليه، ورحم الله الإمام الشافعي حيث قال: همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرا فاعمل بيدك واجتهد بهمتك، وابذل لكرامة الحياة جهدك، وصن ماء وجهك بجدك، واكتسب الحلال فهو جهاد، واصدق الله في طلب العلم؛ فإن الله قد تكفل برزق طالب العلم. وأخيرا -أخي العالم-: أودعك نصيحتي خالصة لله تعالى أشغل قلبك بالله، وتوجه إليه بكلـيـتك، وأقبل عليه بقلبك، واستغرق النهار في التعلم والتعليم الخالص لله، وفي الليل بالتوجه والعبادة لله مع التذلل والانكسار إليه، والتواضع والافتـقار لديه يعطك من غير سؤال، وينفحك من غير نوال، فهو العليم بنا، الخبير بأحوالنا،. ولتـتميم الفائدة والنصيحة أبين لك بعض ما وفقني الله له، وتـفضل به علي من أوراد وأذكار أذكرها لك لعلك تلحق بالقوم، وتـنال صحبتهم والقرب إليهم (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ، وكم كنت ضنينا على أن لا أبوح بشيء من هذا ولكن دفعني إليه شيئان: الأول: خشية كتمان العلم. والثاني: حبي لك ولخلق الله أجمعين أن ينهجوا النهج الصالح رجاء رضوان الله تعالى، ولتعلم ضعف همتي وتـقصيري فتكرمني بدعوة صالحة لعلي أجد فيها برد رحمة الله تعالى، فتكون قد أحسنت إلى أخيك. وأسأل الله أن يكافئك عني بخير الجزاء، ولتـشتد بعد ذلك همتك فترتـقي بها عن حالة المقصرين مثلي، وتكون مثالا يحتذى. بتوفيق الله لا أعلم أنه فاتـتـني صلاة الفجر مع الجماعة منذ كان عمري السابعة وإلى كتابة هذه الوصية إلا في ساعات مرض مقعد أو إنهاك تعد أيامه في حياتي على الأصابع، وأرجو من الله الثبات حتى الممات. ومنذ سن الرابعة عشرة ما صليت الفجر إلا كان بعده مجلس علم إلى طلوع الشمس ثم أصلي الضحى في أكثر الأحيان وبعدها المطالعة والكتابة وقضاء بعض الحوائج والأعمال لي ولبعض الأحباب إلى صلاة الظهر جماعة، ثم مجالسة من له أسئلة وحوائج، وبعدها الجلوس على مائدة الله التي أسمع فيها النداء. فإن كنت في بيتي حدثت أهلي، وإن كنت مع أحبابي حدثتهم وذكرتهم، وإن وجدت وقتا اضطجعت نصف ساعة قيلولة، ثم أنهض إلى صلاة العصر مع الجماعة، ثم بعدها أقوم إلى تهيئة المطالعة للمجالس المسائية التي تكون بعد صلاة المغرب جماعة، من مجالس تـفسير القرآن الكريم إلى ما بعد العشاء، حيث تصلى جماعة. وبعدها أنطلق إلى مجالس خاصة بالدعوة، أو الذهاب إلى البيت حيث يبدأ قيام الليل مع الأهل، وأقله بفضل الله سبع ركعات فيها بعض التطويل ثم آوي إلى الفراش، حيث تكون المطالعة ساعة أو ساعتين. وبعدها أبدأ وردي بالاستغفار مائة، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله مائة، ثم التهليلة المباركة من خمس مائة إلى ألف، ثم تلاوة يس والواقعة وتبارك، ثم قراءة ورد النوم من قراءة آية الكرسي إلى المعوذات، ثم التسابيح الواردة مائة حيث يكون قد انتهى الثلث الأول من الليل، وأستسلم للنوم منقادا ممتـثلا لأمر الله. ثم اليقظة في أول الثلث الأخير حيث يبدأ وردي مع الله بالتهجد ست ركعات، خصصت فيها الركعتين الأوليين للثـناء على الله بما يليق بجلاله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بما يليق بجنابه؛ منها: اللهم صل على سيدنا محمد صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عني يا أرحم الراحمين، اللهم اجز عنا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ما هو أهله. اللهم اجز عنا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل ما جازيت نبيا عن أمته، اللهم أعط سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة العالية وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد. اللهم أكرمني بكمال محبة سيدنا محمد ووفقني لكمال اتباع سيدنا محمد واجمعني بروح سيدنا محمد ظاهرا وباطنا في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. ولكل سجدة صيغة ودعاء مختص بها من الثناء. وفي الركعتين الثانيتين خصصت السجدة الأولى للدعاء لشيخي ومربي روحي وإمداد قلبي بما يلهمني الله ومنه: اللهم أعط شيخي سؤله وبلغه مناه وحقق له آماله وأيده بروح منك وانفحه بنفحات جودك، وأيده بإمدادك، واجعل كلامه نافذا في قلوب الحكام، وانصره على أعدائه، وأقر عينه بأهله وأولاده وإخوانه، وارفع عندك مقامه وأعل درجاته، واجمعني به مع نبيك في أعلى درجات الجنة، واجعلني قرة عين له في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. إلى غير ذلك مما يفتح الله علي. والسجدة الثانية خصصتها للأحباب عامة أينما حلوا وحيثما ارتحلوا. ثم أخصص الدعاة بأسمائهم سائلا لهم الثبات والصدق والإخلاص وأن يحقق الله على أيديهم نشر الإسلام في العالم، وأن يكونوا أهلا لصحبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يؤلف الله بين قلوبهم، ويطهر أفئدتهم. ثم أخص من أحسن إلي بقولي: اللهم إني أسألك بعزتك وفضلك لكل من أسدى إلي معروفا قل أو جل أن تبارك له في رزقه وتوسع في عطائه، اللهم نور له بصيرته، واشرح بالإيمان صدره، ووفقه لمرضاتك، وارزقه صحبتي في الدنيا واللقاء معي في الآخرة، على حوض نبيك المصطفى و .... إلى غير ذلك . ثم خصصت السجود الأول من الركعة الثانية بالدعاء للأولاد والذرية، بالرضا عليهم والتوفيق لهم وأن يجعل الله الولاية والعلم والهداية في ذريتي إلى يوم الدين. ثم الدعاء للوالدين دعاء طويلا. ثم خصصت السجود الثاني من الركعة الثانية بالدعاء لنفسي لا أطلب فيه إلا بعض قولي: اللهم اجعلني أذل المتذللين إليك، وأفقر المفتـقرين إليك. اللهم أنا الذليل الفقير المسكين المستجير، خضعت لك رقبتي، وذلت بين يدي عظمتك نفسي. أعوذ بك من أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم. اللهم اجعلني أهلا لنشر دينك وتبليغ شريعتك، وحقق على يدي دلالة خلقك عليك، وتوجيه عبادك إليك، واجعل على يدي نصرة دينك وتبليغ سنة نبيك. اللهم اجعلني لك ذاكرا، إليك خاشعا، بين يديك ذليلا، إليك مخبتا، ولا تجعل لنفسي حظا في حياتي، واجعلني من أهل القرب إليك والأنس بك ....الخ. وجعلت الركعتين الأخيرتين مخصصتين لشكر نعم الله الظاهرة والباطنة. أقرأ فيهما سورة يس؛ أربع صحائف في الركعة الأولى، واثـنتين في الثانية، وأطيل بفضل الله الشكر بما يفيض الله علي ويلهمني، ولله الحمد أن ألهمني الحمد لحمده حيث إن كل حمد يحتاج إلى حمد، فلله الحمد حمدا يعجز الحمد عن حمده، حمدا يضيق الدهر عن الإحاطة بحمده، حمدا تعجز ملائكة الله وخلقه عن حصر عده كما يليق بجلاله وسلطانه وعظمته، حمدا دائما متصلا إلى يوم لقائه. ثم أبدأ بالاستغفار والتوبة سبعين مرة، وأختمها بسبع وعشرين مرة: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. وما بقي من زمن يصرف بالتوجه إلى الله، والذكر القلبي حتى يؤذن الفجر، وذلك كل ليلة من صيف أو شتاء. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
وصية لك غني أو صاحب منصب:
أناديكم يا أحبابي: اعلموا أن الله تعالى تـفضل عليكم بفضله، وأنعم عليكم بنعمه، وتجلى عليكم بجوده وكرمه، فجعلكم أمناء رزقه على عباده، ويسر لكم طريق الغنى لتعودوا بالجود على خلقه، منحكم العقل ووهبكم الذكاء، ونمى فيكم الوعي والإدراك، وذلل لكم طريق الوصول إلى كسب الرزق بما أمدكم به من نعمة العافية، وجعل الخلق يحتاجون إليكم، ولم يجعلكم بحاجة إلى غيركم. جعل في أيديكم البيضاء والصفراء والأوراق، وجعلكم عليها خلفاء تخلفونه على عباده حنانا وتعطفا وإحسانا وتكرما، لتبدلوا بؤس البئيس ببسمة البشر والنعيم، ولتـنقلوا الإنسان الفقير من فقره وحاجته إلى النعيم الوثير. أنتم وكلاء الله على المال، فإن أحسنتم التصرف في الكسب والصرف كنتم أهلا للإحسان والزيادة وتبوأتم منزلة الإنعام في الفضل والريادة. واعلموا أن الغنى لا يكون بالمال والاستغناء عن الله، بل الغنى ما وضعه الله في قلب العبد من الاستغناء به عمن سواه والرضا بفضله جل في علاه. ح _"ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس". ومن استغنى بالله عاش في بحبوحة الرضا، ورفل في سعة العطا، والغنى المحمود في الإسلام هو ما كان عن طريق الصدق والإخلاص، وطاب فيه الكسب من طريق التـقوى في البيع والشراء، بلا غش ولا كذب ولا خداع، بل من طريق الصدق والبر والأمانة ليدرك بها الكسب والفوز والنجاة يوم القيامة. ح _ "يا معشر التجار إن الله باعثكم يوم القيامة فجارا إلا من صدق وبر وأدى الأمانة ". وتلك بعض النصائح ضمنتها لوصيتي لعل الله أن ينفعك بها أخي التاجر: باكر في طلب الرزق ولا تتأخر فإن في البكور بركة. _ "باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح". واقبل من الربح بأقله؛ فإن قليل الربح يجر كثيره، ولا تستبطئ الرزق فإن ما قدر لك سيأتيك على ضعفك، وما لم يكتب لك لن تدركه بحيلتك. ح _ "يا أيها الناس إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه فلا تستبطئوا الرزق واتـقوا الله وأجملوا في الطلب وخذوا ما حل ودعوا ما حرم". وتخلق بأخلاق التجار المؤمنين الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ح _ "أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا". وكن في بيعك سهلا سمحا لا تشديد ولا قسوة ولا عنف لتكون بذلك عند الله محبوبا: ح _ "أحب الله تعالى عبدا سمحا إذا باع وسمحا إذا اشترى وسمحا إذا قضى وسمحا إذا اقتضى". وإذا بعت شيئا فاصدق فيه وبين العيب إن كان فيه عيب، ولا تكتمه فيمحق الله بركة بيعك. ح _ "من باع عيبا لم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه". وإياك والحلف في بيعك فإن اليمين منفق للسلعة ممحق للبركة: ح _"إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق". واحذر ما استطعت الحلف بالأمانة فإنه عادة التجار وفيه الخطر الأكبر: ح _ "من حلف بالأمانة فليس منا". وإياك أن تبيع بيعا قبل أن تقبضه وتملكه ويدخل في حوزتك: ح _"إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه". وإياك أن تبيع على بيعك الأول حتى يرفع الشاري الأول يده عنه: ح _"لا يبع بعضكم على بيع أخيه". وإياك والاحتكار لما ينفع الناس ويزيل حاجتهم فإن المحتكر خاطئ: ح _ " من احتكر فهو خاطئ ". ح _ "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون". أيها الغني تيقن أن المال وديعة عندك فاستودعه عند الله وادخره في بنك الآخرة الذي لا يبور، واعلم أن المال ما وصل إليك إلا بعد ما مر على أيد كثيرة قبلك، وسوف ينتـقل منك إلى غيرك، فهو مؤقت في يدك، فأسرع بادخاره عند الله، وخذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ح _"ما أكلناه خسرناه وما تصدقنا به أبقيناه". لذلك سارع في العمل يبق بعدك أجره، وقدم الخير يطل بعد انتـقالك ثوابه، وتصدق بصدقة باقية تجد عند الله برها، حرض أصحابك الأغنياء على بناء ميتم تضم فيه الأولاد المشردين، وتساعد مع جيرانك على بناء مشفى، وأوقف من مالك وقفا مع الموفقين من أحبابك ما تجعل الأيتام يأكلون على مائدتك بعد موتك، وتداوي مرضى المساكين والفقراء على حسابك بعد انتـقالك، فإنك لا تدري لعلك بدعوة يتيم أو استغاثة مسكين تدركك بعد موتك ترقى إلى رفقة ومجالسة سيدنا رسول الله في الجنة، أو قم بالتعاون مع من تحب ببناء دور للعلم الشرعي، يخرج منها علماء يحملون شرع الله، ويتعلمون ويعلمون كتاب الله ويدلون الخلق إلى الله فيكون لك أجر من اهتدى وأطاع وتاب واستـقام. وإن لم تطق فأكرم العلماء وطلاب العلم الشرعي ممن تـتوسم فيهم النور والإيمان والحيوية والنشاط، ليكونوا منقذين للأمة، داعين إلى الإسلام، ناشرين لدين الله، وهذه صدقة جارية بعد موتك، إن وفقت لها جرى أجرها عليك ما دام العلم متداولا. وإن استطعت أن تؤمن بعض الكتب الشرعية من التفسير والحديث تـقدمها هدية إلى طالب العلم فينتـفع بها وينفع ما دام الكتاب بين يديه؛ وهذه أيضا صدقة جارية. أما إن ادخرت المال في الصندوق أو في البنك فسوف يذهب بين التركات وضريبتها، ولعله يصل إلى يد غير أمينة على دين الله فيكون عليك وزر المال وتبعته والسؤال يوم القيامة كيف جمعته وثمرته، ثم أنت ذاهب وتاركه للغير؟. قال الإمام الأوزاعي – رحمه الله - : المال يذهب حله وحرامه يوما ويبقى بعد ذاك أثامه- نطق النبي لنا به عن ربه فعلى النبي صلاته وسلامه، والنهاية: الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، فتزود من ممرك لمقرك؛ فإن الدار الآخرة لهي الحياة الكاملة الباقية لو كان الإنسان يعلم حق العلم. أخي الغني: فكر بنصيحتي لعلك تسعد بها وتـنجو وتـفوز الفوز العظيم. إنك تعيش في هذه الحياة معرضا للأمراض والأسقام، وقد ورد: "داووا مرضاكم بالصدقة". ولئلا تلقى الله وله عليك ذمة يطالبك بها من زكاة أو صدقة أو جوع فقير أو عري مسكين أو ضياع يتيم؛ فاسمع مني وفقك الله: قم بعمل ترضي به الله عنك. اصنع وليمة وادع إليها من تحب من الأغنياء ممن تـتوسم فيهم الخير والإيمان، واعرض عليهم هذه الفكرة قائلا: إخواني إنا نجد أن العمر ينقضي كقطار سريع فهلموا نتعاون على عمل خالد يبقى بعدنا، نرجو فيه رحمة ربنا، ومغفرة ذنوبنا وذلك بأن نجمع زكاة أموالنا ثم نبني بها مصنعا نسجله بأسماء مائة عائلة فقيرة يعمل فيها شبابهم وفتيانهم فنكون قد أحسنا حسنتين: نقلنا الفقراء إلى بحبوحة وسعة، وساعدنا بنمو اقتصاد البلد. وأنا على يقين بأن الدولة ستعاونكم وتساعدكم وترفع الضرائب عنكم، وهذا خير في الدنيا والآخرة وتكونون بذلك قد سننتم سنة حسنة يتبعها غيركم من الأغنياء المؤمنين، وعندها تـفشو الرفاهية وتزدهر البلاد، وينمو الاقتصاد ونقضي على بلية الفقر في مجتمعنا بخطة العشر سنوات. وتكون بفضل الله قد سجلت مالك في الضمان الإلهي حيث لا سرق ولا حرق ولا غرق. وثانية أخي الغني: أرجو الله أن يوفقك لها. إذا دخل شهر رمضان اجمع أصحابك وحرضهم على جمع الزكاة فإذا جمعتم مبلغا فاقسموه على خمس مجموعات كل مجموعة خمسة أفراد ثم قوموا بزيارة المرضى في المستـشفيات، وخاصة الفقراء، وخذوا بأيديكم بعض مجامع الحلوى، فإذا دخلتم على مريض فقدموا له مجمع الحلوى ومعه مبلغا من المال تدخلون بذلك السرور على المرضى. والمريض قريب من الله فلعل دعوة مريض في العشر الأواخر يرفع الله بها البلاء عنكم وعن أمتكم، فالراحمون يرحمهم الرحمن، وهذه حسنة لم يسبقكم إليها أحد بإذن الله، وتكون كذلك سنة لمن بعدكم، وترغيبا لأهل الإيمان بجبر خواطر المنكسرين، وما عبد الله بأفضل من جبر الخواطر، أو هيئوا لجنة تـفتـش عن الأيتام المحرومين المشردين الجائعين الضائعين فاكسوهم في شهر رمضان وأطعموهم واكفلوهم لتكونوا رفقاء النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كهاتين السبابة والوسطى. لمثل هذا إخواني الأغنياء يستعمل الغنى، وبهذا العمل يجعل الإنسان له عند الله رصيدا من محبة وطاعة تقرب بهما إلى الله ونفع بهما عباد الله. أما أن ندخر المال وننميه ونزيده ونحرم أنفسنا منه كما نحرم عباد الله منه فهو بلاء علينا في الدنيا وشقاء لنا يوم القيامة. واذكر قصة نور الدين الشهيد لما أتى إلى دمشق ورأى فيها قصور الأغنياء وقف وسأل: أين قصور الفقراء؟ قالوا: لا قصور لهم. فبنى الربوة قصرا كبيرا، وجعل فيه الطعام والمنام للفقراء مجانا، وكتب على بابه: إن نور الدين لما أن رأى في البساتين قصور الأغنياء عمر الربوة قصرا شامخا نزهـة مطلقــة للفقــراء. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الملك العادل، المهيمن القادر، العزيز القاهر، الذي انقاد الوجود لحكمه، وقام الكون على سنن علمه، العالم بما يجري في كونه، فما يخفى عليه صغيرة ولا كبيرة من خلقه. أحكم نظام العدل في كل ذرة ومجرة، ووضع ميزان القسط في السخط والمسرة، فإن رضي بفضله على خلقه أغدق عليهم النعمة، وإن سخط على أحد من عباده أمهل له النقمة، جعل نظام الأملاك والأفلاك قائما على التدبير والتـقدير، فما من وجود وموجود إلا وهو به عليم خبير. سبحانه أحاط بخلقه علما، فرزق الجنين بين الأحشاء، كما رزق الملوك من النعم ما يشاء وملأ قلب الفقير رضى، كما ملأ جيب الغني غنى، وأسعد الجاهل الغبي، كما أنعم على العالم الذكي. ثم تـفضل على الكون بإعزاز بعض خلقه، واختصهم بخاصية فضله، بأن جعلهم خلفاءه في الأرض وملكهم بسط سلطانهم لتحيا بهم الأرض، ويسعد بهم الخلق، وينتـشر بهم العدل، وجعل بيد كل منهم زمام الأمور ونظام الحقوق وقوام الحدود، فهم حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده، به ينقمع ظالمهم ويأمن خائفهم وينتصر مظلومهم. والصلاة والسلام على سيد أسياد الوجود بل سيد ولد آدم في هذا الوجود، من تـنازل عن لقب الملك إلى العبد، فساس الخلق بالحب والود، عفا عن المتعدي الظالم، ورد الحق إلى المقهور المظلوم، وسوى بين الملك والمملوك بل رفع المملوك إلى رتبة الملوك. وعلى آله وصحبه وأتباعه وكل وال نهج نهجه إلى يوم الدين، وبعد: أيها المسؤول اعلم ـ وفقك الله ـ أن الأمير المخلص لا يهدأ فكره ولا تسكن خواطره، ولا يصفو قلبه ولا يستـقر لبـه حتى يؤدي ما عليه، ويبذل جميع ما لديه. فالخلق في شغل عنه وهو مشغول بهم، والرجل يخاف عدوا واحدا وهو يخاف ألف عدو والرجل يضيق بتدبير أهل بيته وهو مدفوع لسياسة جميع أهل وطنه. ومن العجب العجاب أن له نفسا واحدة، وأنه يأخذ من قوت الدنيا ما يأخذه أحد الرعية. والعجب أنه رجل ينال رغيفا ويحاسب عن ملايين يحمل أثـقالهم ويريح أسرارهم ويجاهد عدوهم ويسد ثغورهم, وهم له قالون وبغيره راضون. ولولا أن الله يحول بين المرء وقلبه ما رضي بهذه المنزلة أحد ولا اختارها لبيب. ومثال المسؤول مع الرعية كالطباخ مع الأكلة, له العناء ولهم الحار الناضج وله القار الفالج. واعلم أيها المسؤول: أن الرياسة بمنزلة رجل, فرأسه أنت, وقلبه وزيرك, ورجلاه رعيتك ويداه أعوانك, وروحه عدلك. ويتم العدل بأن تعامل كبير الأمة أبا, وأوسطهم أخا, وأصغرهم ابنا, فبر أباك, وأكرم أخاك, وارحم ابنك, تصل بذلك إلى فضل الله ورحمته, وإذا عدل السلطان فيمن قرب منه صلح له ما بعد عنه. وعدة قيام السلطة ثلاثة: مشورة النصحاء, وثبات نيات الأعوان, والسعي لإقامة سوق العدل, وما أجمل قول سيدنا علي رضي الله عنه: (إمام عادل خير من مطر وابل, وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم, وسلطان ظلوم خير من فتـنة تدوم). وإن منزلة السلطان من الرعية منزلة الروح من الجسد, إن صفت عن الكدر سرت إلى الجوارح سليمة, وإن تكدرت أو فسد مزاجها سرت إلى الجوارح منحرفة الاعتدال فمرضت وتعطلت وجرى الفساد إلى الجسد. وعليك أيها المسؤول أن تكون ضابطا لنفسك، قاهرا لرعيتك راعيا لحقوقهم، فأنت سراج الرعية، بك يستـنيرون وبعدلك يرفلون، فإن الرعية بلا رئيس كمثل بيت فيه سراج منير وحوله رجال قيام كل بصنعته فبينما هم يعملون إذ طفئ السراج فقبضوا أيديهم، وتعطلت أعمالهم، وبالظلام تحرك الحيوان الشرير، وخشخش الهوام الخسيس، ودبت العقرب من مكمنها، وفسقت الفارة من جحرها، وخرجت الحية من معدنها، وجاء اللص بحيلته، وهاج البرغوث مع حقارته، فتعطلت المنافع، وانتـشرت المفاسد، فلا تطفئ نور عدلك عن رعيتك. والعدل الناجح هو أن يجمع المسؤول إليه العلماء الأصفياء والفقهاء الأتقياء، والمخلصين الأنقياء، الحافظين لحدود الله، والناصحين لعباد الله مع أولي السداد من الرأي وأولي الخبرة من الرجال في كل أمر، ويتداول معهم كل شأن فيه مصلحة الأمة، وهذا يميل قلب الرعية إليه وتخلص نياتهم لولي أمرهم ويوقرونه ويتـفانون في محبته. والحاكم الحازم لا يتم حزمه إلا بمشاورة الوزراء الأخيار، ولا يتم عدله إلا باستـفتاء العلماء الأبرار، ولا تـنس قول الهرمزان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (عدلت فأمنت فنمت). ومن اتخذ العدل سنة كان له أحصن جنة. والمسؤول إن أراد نشر صيته وجميل ذكره فليـقم سوق العدل، وإن أحب الزلفى إلى الله وشرف المنزلة عنده فليعمل بالعدل، وإن أراد كرامة الدارين فليـقم بالعدل. ولقد قال ملك فارس لقاضي القضاة: ما شيء يعتـز به السلطان؟ قال: الطاعة. قال: فما ملاك الطاعة؟ قال: التودد للخاصة، والعدل على العامة. قال: صدقت.
وصية لكل فقير:
الحمد لله الذي افتـقر الخلق إليه, ومدوا يد الحاجة له, والتجئوا مظهرين الفاقة بين يديه، والصلاة والسلام على سيد المفتـقرين إلى رب العالمين وعلى آله وصحبه وجميع التابعين إلى يوم الدين. وبعد: إخواني الفقراء والمساكين الذين تفضل الله عليكم بخفة الحساب, والسبق إلى الجنان، أوصيكم بوصية الإسلام، لتـتموا حياتكم على كمال الإيمان، ثم تلـقوا ربكم فائزين بتمام الرضوان، أخي الفقير: اعلم أن لله في خلقه شؤونا، يعطي من يشاء ما يشاء كما يشاء، ويمنع من يشاء ما يشاء كما يشاء، خلق الخلق بحكمته، ويبتليهم بعدله، وهو أعلم بهم من نفوسهم، ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). الله تعالى إن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل، وما منع عبدا شحا عليه بل منعه إكراما له، سبحانه عطاؤه عطاء ومنعه عطاء، فكن يا أخي حيث أقامك لا حيث تـقيم نفسك، وحيث أراد لك لا حيث تريد لنفسك، وها أنا أبدأ وصيتي لك بقول الرسول الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه". وقال صلى الله عليه وسلم: "أنزل الله جبريل في أحسن ما كان يأتيني في صورة فقال: إن الله تعالى يقرئك السلام يا محمد ويقول لك: إني قد أوحيت إلى الدنيا أن تمرري وتكدري وتضيـقي وتشددي على أوليائي كي يحبوا لقائي. فإني خلقتها سجنا لأوليائي وجنة لأعدائي". وقال عليه الصلاة والسلام: "يا أيها الناس إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشدة. ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى؛ فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها. علم يا أخي أن الله ما قتر عليك في الرزق لهوانك عليه بل لكرامتك عنده، وما ضيـق عليك في المعيشة إلا ليخفف عنك الحساب، ثم يلحقك بالسابقين الأولين، والفقر نعمة إلهية أنعم بها على عبده، ولا تظنن أني أقصد بالفقر الضعف والعجز وقلة المال، فإن هذا مكروه في الإسلام حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من الفقر كما كان يستعيذ من الشيطان وإنما الفقر نوعان: 1- فقر ناشئ عن الكسل وحب البطالة وحب الراحة والفراغ واللهو وهذا الفقر مردود في الإسلام . 2- وفقر مكتوب في التـقدير، وهو الذي يقوم صاحبه بالعمل ويسعى بالجد والاجتهاد ويعرق من أجل الأولاد ويبذل الجهد لتأمين المعيشة وستر الحال، لكن الله قدر عليه رزقه فهذا الذي يدخل الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة سنة بغير حساب، بل يجعله الله شافعا مشفعا لكل من أسدى إليه معروفا ولو شق تمرة أو شربة ماء، فهو يقف يوم القيامة موقف الشهداء والصالحين. أخي الفقير: ليس الفقر بعار إنما العار أن تسلك مسلك الفقر بالحاجة للغير، وأن تـترك الجد والاجتهاد وبذل الجهد في الاكتساب، وتهمل العمل والسعي، ثم إذا أكرمك الله بشيء من رزق أسأت التصرف فيه بتبذير أو إسراف أو محبة تـقليد الغير، فقدمت إلى شراء زينة لا حاجة لها، بل الواجب أن تـنفق الفضل في حاجتك وحاجة أهلك وولدك مدخرا ما زاد ليوم حاجتك ومرضك. وإن كان رزقك كفافا فاشكر الله الذي أنعم عليك بما لا سؤال به عليك، ومع ذلك عليك بالاقتصاد ما استطعت وإن كان قليلا، وادخر ليوم مرضك ما تسد فيه رغبتك عن الاستدانة، فالصدق قول الصادق الأمين: "ما عال من اقتصد" ، واجتهد أن تجعل في بيتك مؤونة شهر أو سنة فإن ضاقت عليك يوما رأيت في البيت ما يسد الحاجة، وإياك والسرف في إطعام أصحابك فإن لقمة تضعها في فم امرأتك أو صبيتك أفضل من إطعام خمسين صاحبا. وأنظر يا أخي دائما إلى من هو دونك وأقل منك رزقا لتزداد شكرا لله تعالى، ولا تـنظر لمن هو أعلى منك فتسخط معيشتك وتـنتـقد خالقك وتسوء بذلك نفسك. واعلم أن للفقير آدابا من جملتها: أن لا يكره ما ابتلاه الله به من الفقر وهذا واجب عليه. وأرفع من هذا أن يكون راضيا بالقدر، وأرفع منه أن يكون فرحا به لأن الله رضي له ذلك، فإن الفقير إذا لبس درع الرضا سلم من حراب الجزع وأسنة السخط ونبال التبرم ، والخير كل الخير في الرضا فإن لم تستطع أن ترضى فاصبر، ولو لم يكن في الفقر إلا أنه باب الرضا عن الله لكان ذلك كافيا لفضل الفقر على الغنى. ومن الأدب أن يظهر التعفف والتجمل ويكتم الشكوى والفقر والحاجة، ويعلم أن ستر الفقر من كنوز البر، وأن لا يتواضع لغني لأجل غناه، قال سيدنا علي رضي الله عنه:(ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله تعالى وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثـقة بالله عز وجل). ومن الأدب أن لا يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم لئلا يخالطه الطمع فيهوي في البلاء، ومن الأدب أن لا يرد رزقا أتاه من غير مسألة ولا استـشراف نفس قال صلى الله عليه وسلم : "من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف نفس ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه". من الأدب: الكسب ؛ وهو بذل الجهد بعمل يستغنى به عن الغير. قال لقمان الحكيم لابنه:(يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما افتـقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به). خي الفقير: إن ضاقت عليك الدنيا فداوها بثلاث: الأول: صبر تذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وجوعه، وأنه كانت تمضي عليه الأيام وهو يربط الحجر على بطنه من الجوع. ولا يكون الصبر إلا بالتحمل لمراد الله من غير شكاية، والطمأنينة بوعد الله من غير لجاجة، والثاني: الرضا بقضاء الله والتوكل على الله والتسليم لأمر الله والبسمة لما أراد الله والسرور بما قسم الله سبحانه، والثالث: الشكر لما اختاره الله لك من نعمة ورحمة ولما جعل فيك من أهلية الشفاعة لمن أسدى إليك معروفا، وأن جعلك سبحانه بابا لطاعته يتـقرب الناس بسببك إليه بصدقة تظهر صدق محبتهم لله. ثم إن كمال الشكر أن اختارك لتكون أول من يدخل الجنة، وأن جعل رفقتك يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين، وأن لا حساب عليك، وكم من نعمة لله عليك فأكثر من الحمد والشكر لله الذي اختار لك ما فيه رضاه عنك، فكن صادقا بإظهار افتـقارك إليه ولجوئك إلى بابه، وانكسارك على باب كرمه وتذللك على أعتاب جوده، مظهرا بين يديه افتـقارك معلنا إليه احتياجك فهو الصمد وإليه الملتجأ، ثم إن من الواجب عليك أن تسعى بكل جدك واجتهادك لمواصلة الأعمال من غير فراغ لتمسي ويدك كالة تعبة من عملك وبهذا تمسي مغفورا لك. قال صلى الله عليه وسلم: "من أمسى كالا من عمل يديه أمسى مغفورا له"، ثم اقصد بجدك واجتهادك كفاية أهلك وأولادك وحمايتهم من السؤال لتدرك بشارة النبي صلى الله عليه وسلم: "وأهل الجنة ثلاثة: الثالث منهم : وعفيف متعفف ذو عيال" ، ولعلك يا أخي تسعى إلى عمل ولا يتوفر لك الأجر الذي تريد فتـقعد بدون عمل ذلك اليوم، وهذا خطأ فيك بل اعمل بالقليل والقليل خير من العدم. وإن جفاك الرزق وأعرض عنك العمل فاطرق باب التـقوى بملازمة التـقرب إلى الله بالطاعة والعبادة فإن الله يقول: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وإن ضاق رزقك واشتد عليك نواله وعسر عليك مناله فأكثر من الاستغفار والرجوع إلى الله واسمع قول الله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الانهار ذلك الفوز الكبير ) ، فإنك إن عملت بما أمرك فإنه سبحانه لا يخلف وعده بما وعدك. تيقن أن رزقك سوف يأتيك على ضعفك وأن ما قدر لماضغيك أن يمضغاه لا بد وأن يمضغاه، ولقد رزقك وأنت في ظلمة الرحم وظلمة البطن بين الأحشاء، ولقد شق لك الفم وأوجد لك البلعوم وركب لك المعدة ووصلها بالأمعاء، والخالق العظيم لهذه الأمور هو المتكفل بإطعام الفم وبلع البلعوم وهضم المعدة وامتصاص الأمعاء، وهو القائل سبحانه ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) ، واليقين ما خلق الله هذا إلا بالحق ولأمر حق، فلا تخش من جوع ولا تضطرب لفقد حاجة، ولا تشغل فكرك بتأمين رزق غد، فكما أن الله سبحانه لا يطالبك بعمل غد فلا تطالبه برزق غد، ألا يكفيك ما أقسم الله تعالى به: (وفي السماء رزقكم وما توعدون ). سبحانه يرزق الطير في الهواء، والنمل في التراب والحشرات بأنواعها، حتى العنكبوت والوحوش بأسرها، حتى من عمي منها أو عجز. والفقر يا أخي هو فقد ما هو محتاج إليه، وعلى هذا فكل موجود سوى الله هو فقير محتاج إلى الغني المطلق، وليس في الوجود إلا غني واحد، فأظهر افتـقارك إليه ومد يد الحاجة بين يديه، والذي اتـفق عليه الناس أن فاقد المال يسمى فقيرا لأنه لا يتوصل إلى حاجاته إلا بالمال، وهو مضطر إليه ليشبع جوعته أو يكسو عورته أو يطعم صبيته. ال سيدنا علي رضي الله عنه:" إن لله تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات، فمن علامات ثوابه أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه ولا يشكو لأحد حاله ويشكر الله على فقره. ومن علامات عقوبته أن يسوء عليه خلقه ويعصي به ربه ويترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء" ، فالفقير المحمود هو الذي لا يتسخط ويرضى ويعلم أن ما اختاره الله له خير من اختياره لنفسه.