إن عملية التربية بمفهومها الواسع تشمل التعليم والتعلم وتنمية الشخصية وتأهيل الفرد وبنائه من أجل تحقيق بعد الإنسانية فيه وتلبية مطالب مجتمعه وعالمه الذي يعيش فيه هذا المفهوم الاستشرافي لمدرسة المستقبل تنامى الاهتمام به منذ مطلع القرن الحادي والعشرين الذي شهد تطورات وثورات عميقة في مجال المعلوماتية وتضخم المعرفة متأثرًا بما أحدثته ثورات الاتصالات والمواصلات والعلوم وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الهائلة التي لم تقف عند حد بل إنها ستستمر في المستقبل كل ذلك دعا المفكرين بعامة والمربين بخاصة للبحث عن مواصفات المدرسة التي تستطيع بناء وتربية أفراد صالحين ومبدعين مؤهلين وقادرين على التعامل الفاعل مع المتغيرات والتحديات الحالية والمستقبلية.فالمدرسة المتعلمة تهدف إلى تحقيق التكامل بين جهود الهيئتين التدريسية والإدارية لإحداث التطوير المدرسي بما توفره من انخراط الجميع بالتعلم والعمل لهدف واحد والاستجابة المرنة للتغيرات المختلفة والوصول إلى البنى غير المنظورة والكامنة في أعماق العاملين وما يختزنون من مكونات لا مرئية وغير مادية.إن تحول المدارس إلى منظمات متعلمة يتضمن التطوير المهني للمعلمين والإداريين بحيث لا يقتصر على كيفية تعلم المعلمين بل يتعداه إلى الاهتمام بتطبيق المحتوى العلمي واستراتيجيات التدريس ومعرفة اتجاهاتهم نحو التلاميذ واعتقاداتهم نحو نموهم المهني والعمل كفريق وتحقيق الشراكة الحقيقية في العمل.فالمدرسة لها دور أساسي في صنع مستقبل الأجيال ودور قيادي في عملية التغيير الاجتماعي وذلك لكونها معنية بأن توفر للفرد المقدرة على معرفة الواقع وإدراكه من خلال تبصر وفهم العلاقات بين مكونات هذا الواقع باعتبار أن الفهم هو المقدمة الضرورية لتغيير الواقع عن طريق معرفة وإدراك شبكة العلاقات السائدة والكشف عن علاقات جديدة يمكن إحداثها والإفادة منها في صناعة القرار المستقبلي. ...read more Format ebook
يعد التعلم التنظيمي والتدريب المهاري من أهم ركائز التميز وجودة الأداء المؤسسي في المنظمات العصرية فهو يقدم مقاربة إستراتيجية عملية لتنمية المهارات الإبداعية للموارد البشرية وتفجير طاقاتها الخلاقة كما يسهم في إعادة هندسة الثقافة التنظيمية للمنظمة وتنميتها باستمرار من خلال تغذيتها بالمهارات والمعارف والثقافات والمفاهيم المستجدة في الميدان التنظيمي مما يؤدي إلى بناء مركزها التنافسي وتعزيزه في ظل بيئة تنظيمية معولمة متسمة بالتنافسية والديناميكية.
وتشير الدراسات المتخصصة في التنمية البشرية في ميدان العمل إلى أن هناك علاقة مطردة بين نسبة التعليم ونوعية الأداء الوظيفي للأفراد وبين الأداء المؤسسي للمنظمات فبقاء المنظمة في حالة تعلم مستمر مؤشر على قدرتها على مجابهة التحديات الطارئة واحتواء المشكلات النازلة والتنبؤ بالمتغيرات المستقبلية كما أن الموارد البشرية المتعلمة وذات التأهيل العالي هي الأقدر على التكيف مع متطلبات العولمة الوظيفية والشروط الجديدة لتكنولوجيا العمل كما لديها القدرة على الانسجام السلس مع التنوع الثقافي وإدارة التغيير والبيئة التنافسية وحاجات التطوير التنظيمي والإدارة الإلكترونية.
وزارة العمل الأميركية أجرت دراسة حول مواقع العمل ذات الأداء المرتفع في محاولة لإيجاد نقاط مميزة لهذه المواقع فوجدت أن من بين المعايير معيار تنمية المهارات والمعلومات من خلال التدريب والتعلم المستمر
ومن جهة أخرى فقد استقر لدى المختصين في إدارة الموارد البشرية أن الاستثمار في برامج تعليم وتدريب الموارد البشرية هو استثمار رابح وذو عائد يفوق حجم الموارد المالية المخصصة للبرامج التدريبية إذ سيقلل نسب الأخطاء ويطور مهارات العاملين مما يحقق معدلات عالية من الكفاءة التشغيلية والإنتاجية حيث سيتمكن الموظفون من أداء المهام بأحسن طريقة وأسرع وقت وأقل تكلفة مما يسهم في تدني مستويات الهدر في قوة العمل وكمية الموارد المالية والمادية وفي المقابل يُحسِّن كفاءة استثمار الوقت والجهد والمادة الأولية. ولا شك أن انعدام الاستغلال الأمثل لهذه الأخيرة سيكبد المنظمة خسائر أكبر وإنفاقا أكثر ونجاعة أقل وفي المحصلة سيضعف من قدرتها التنافسية وفعاليتها الإنتاجية.
كما أجرت وزارة العمل الأميركية دراسة أخرى حول مواقع العمل ذات الأداء المرتفع في محاولة لإيجاد نقاط مميزة لهذه المواقع فوجدت أن من بين المعايير معيار تنمية المهارات والمعلومات من خلال التدريب والتعلم المستمر وكذلك التشارك في المعلومات. (عبد الفتاح بوخمخم وشابونية كريمة تسيير الكفاءات ودورها في بناء الميزة التنافسية. ورقة بحثية مقدمة في الملتقى الدولي حول اقتصاد المعرفة جامعة بسكرة نوفمبر 2005)
إن تحويل منظمات القرن 21 إلى منظمات متعلمة يمثل عملية ديناميكية ملحة في عصر عولمة الإدارة والقيم التنظيمية خاصة مع بروز تنافسية حادة على معايير الجودة مما يضع قدرة المنظمات على الاندماج في مسار التنمية والتحديث على المحك لأن البديل لن يكون سوى الفشل المؤسساتي وغياب الفعالية والنجاعة التنظيمية في عالم يحتكم إلى الأفضل والأجود.
فالمنظمة المتعلمة هي فضاء مساعد على تنمية معارف ومهارات الموارد البشرية فهي تمثل فلسفة إدارية متقدمة من حيث: الثقافة التنظيمية وأنماط إدارة الموارد البشرية وفلسفة القيادة الإدارية وهذه المحاور تشكل زوايا مثلث الجودة التنظيمية التي تسهم في ترسيخ مفهوم إدارة التغيير والتطوير التنظيمي وبناء أسس وثقافة المنظمة المتعلمة.
ولنجاح تطبيقات نموذج المنظمة المتعلمة في المؤسسات الإدارية على اختلاف مجالاتها يتحتم على القادة في الإدارات العليا تبني خطط إستراتيجية فعالة وأكثر مرونة وبناء ثقافة قائمة على التنوع والمشاركة وتشجيع التكوين والتدريب المهاري وتحفيز العاملين على التنمية المستدامة لكفاءاتهم عبر الانخراط في دورات مهنية وتدريبية ومواصلة التكوين في مستويات عليا وضمن مراكز متخصصة مع ضرورة قيام الإدارة بتثمين هذا التدريب وتكييفه مهنيا من حيث الرتبة والمسؤوليات والمهام إضافة إلى التثمين المادي.
ومن جهة أخرى يجب تشجيع الموظفين على التحكم في المعرفة التخصصية وإتقان المهارات العصرية والتكيف مع المتطلبات الملحة التي تفرضها تحديات العولمة ومجتمع المعلومات الرقمي.
فالمنظمة المتعلمة ليست عبارة عن مصطلح جذاب ومثير بل تمثل بُعْدا تنظيميا جديدا في ثقافة التسيير والقيادة مختلفا جذريا عن الأنماط الكلاسيكية والبيروقراطية الجامدة التي أثرت سلبا على بيئة العمل ودفعت نحو ترسيخ الثقافة العدمية لدى الموظفين ووأد روح الإبداع ومقاومة التغيير والروتين القاتل ومعاداة التحديث وتوطين مظاهر الفساد الإداري.
03c5feb9e7