السبحة: بضم السين وإسكان الباء في اللغة مشتقة من التسبيح وهو قول سبحان الله وقيل من السَّبْح وهو التحرك والتقلب كما في قوله تعالى (إن لك في النهار سبحا طويلا) وتجمع على سُبَح وقيل إن السبحة كلمة مولدة. ونقل الزبيدي عن شيخه إنها ليست من اللغة في شيء ولا تعرفها العرب وإنما حدثت في صدر الإسلام إعانة على الذكر وتذكيراً وتنشيطا. ويقال سبحة وتجمع على سبح ومِسْبَحَة وتجمع على مسابح ومسابيح.
والسبحة عبارة عن عقد مكون من مجموعة من حبات (خرز) مثقوبة يجمعها خيط أو سلك معدني يمرر من خلال ثقوب في الحبات لتشكل حلقة ، يفصل بينها – في ثلاثة أقسام متساوية – حبتان مستعرضتان أكبر حجمًا من الحبات الأخرى، ثم تجمع نهايتي الخيط ليمرر بقصبة أكبر من الجميع تتخذ يداً لها وليس شرطا أن تكون القصبة والفواصل من نفس نوع ولون الحبات. وأما من ناحية العدد فهناك السبحة الثلث المكوَّنة من ثلاث وثلاثين حبة، وهناك الألفية ذات الألف حبة وبينهما ذات التسعة والتسعين حبة التي تتخذ بعداً دينياً.
تاريخ السبحة :
وفي حين يرى محمد أبو غوش في كتابة الأحجار الكريمة أن فكرة المسبحة هي تطور طبيعي وحتمي من فكرة القلادة. إلا أنه يرى صعوبة التحديد الزمني تحول لتحول استخدام القلادة كمسبحة للأغراض الدينية، بيد أنه يفترض أن فكرة المسبحة بدأت عند السومريين قبل (5000) سنة ومن ثم انتقلت إلى الحضارات الأخرى ويرى آخرون أن البوذيين أول من استعملها كوسيلة تعبد ثم البراهمة في الهند وغيرها لتنتقل بعد ذلك إلى قساوسة ورهبان النصارى.
ولم تظهر عند العرب والمسلمين إلا في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ، إذاً هذه السبحة في أصلها كانت شعاراً دينياً لدى أهل الملل من البوذيين والبراهمة والنصارى وغيرهم من الأعاجم ومن أغراض استعمالها لديهم عدّ الصلوات واتخاذها كتعويذة وتميمة أو للوقاية من الأخطار والأمراض أو لمعرفة الحظ وانتقلت إلى العرب والمسلمين في آخر القرن الثاني الهجري حتى انفرط عقد الصدق وكثر الوضاعون الذين اختلقوا المرويات في فضل السبحة ومشروعيتها لتتسع أغراض اتخاذها ديانة وتعاويذ وشعاراً لأهل الذكر وخاصة عند الصوفية وفي المقابل اتخذها الصف المقابل أداة من أدوات اللعب والتلهي وتنافسوا في نظمها ومادتها .
كثير من الرجال في وقتنا الحاضر يعشقون امتلاك المسبحة حيث تتراوح قيمتها بين ريالين و200 ألف ريال، بحسب الجهد المبذول في صناعتها، ونوع المادة المصنوعة منها، سواء الأحجار الكريمة الثمينة, أو الخرز الرخيص في الثمن، ومع التطور الصناعي أصبح منها ما هو مصنوع من البلاستيك والخشب، وفي الأساس تميزت صناعتها من الأحجار الكريمة، والتي يعتبر اقتناؤها من الوجاهة والمظهر والزينة.
واشتهرت مكة المكرمة في الماضي بصناعة السبح، وكانت تعتبر من أهم مصادر الدخل لأهلها، وكانت هناك عوائل يلقب أفرادها بعوائل السبحي، كانوا يشتهرون بصناعة سبحة اليسر، وهو عبارة عن المرجان الأسود، يأتي من البحر الأحمر، وتسمى بـ«يسر مكة» أو «المسبحة المكية»، وكانت تصنع يدوياً، ولم تكن مكائن تصنيعها موجودة، وكان تطعيمها بالفضة أيضاً يدوياً.
وهناك أنواع من السبح تصنع من العظام، ونادرا ما تصنع من الكهرمان، ويطلق المكيون على مصنع السبح مسمى «الورشة». وفي مكة المكرمة، أصبحت السبح مطلباً لجميع الحجاج، بدون تحديد، تؤخذ كهدايا ومقتنيات تذكرهم بهذه الرحلة الروحانية، إلى أرض الله المقدسة، فيقبل على شرائها الحجاج من الباعة من أكبر وأفخم الصناع، حتى الباعة الجائلين. فجمال المسبحة وخفة وزنها وسهولة حملها وتفاوتها في الأسعار، ساهم في الإقبال عليها كهدايا أكثر من جميع المبيعات الأخرى.
ويقول أحد المختصين في بيع الأحجار الكريمة والسبح والفضيات في مكة المكرمة، و ممن توارثوا هذه التجارة والصناعة عن والده إن «السبحة أصبحت مظهراً من مظاهر العبادة، يحرص عليها الكثير»، مضيفاً إن «البحث عن الجودة منها، والأطول عمراً يجعل الحجاج والزوار والمعتمرين، يبحثون عن النوعية التي تتسم بالصناعة المكية دون غيرها».
وأشار إلى أن حبات المسبحة «تختلف في عددها حسب العقائد الدينية، فغالبية المسلمين يؤمنون بان عدد حبات المسبحة هو 33 حبة حسب عدد الذكر الذي أوصى به النبي صلوات الله وسلامه عليه».
مضيفاً إن «استخداماتها تختلف من شخص لآخر، فهناك من يتخذها ليكرر التسبيح والذكر بعدد حباتها، ومنهم من يتخذها ترفا ووجاهة ومظهراً، وهؤلاء يحرصون على اقتناء أغلى الأنواع والمصنعة من الأحجار الكريمة النفيسة، ومنهم من يتخذها كنوع من التخفيف من التوتر، وذلك من خلال التلاعب بها بين أصابعه».
قال عاملون في مجال صناعة السبح وبيعها إن المبيعات في مكة المكرمة خلال العشر الأواخر من رمضان وأول أيام العيد تقدر بنحو 5 ملايين سبحة من مختلف الأنواع، تليها المدينة المنورة ثم جدة فالرياض، مؤكدين أن الطلب ارتفع بنسبة لا تقل عن 70 % مقارنة بالأيام العادية، وإن النساء يفضلن أنواعاً خاصة ذات ألوان براقة.
وأوضحوا أن هذه الصناعة ذات مجال واسع يتيح فرصة كبيرة للتنويع وأنه يوجد نحو ألف نوع من السبح لكن المعروف منها والأكثر شهرة، هي المصنعة من الأحجار الكريمة والكهرمان واليسر والعاج والكوك والعظم.
وبحسب ما نشرته جريدة "الحياة" اللندنية أن اقتناء السبحة إما للعبادة أو الزينة، وعادةً ما تستخدم "سبحة 99 حبة" لغرض العد والاستغفار، أما فيما يتعلق بالزينة فإنها تمثل الأغلبية والنسبة الأكبر وتتكون السبح من 33 أو 45 أو 66 أو 99 حبة.
و تعتبر مكة المكرمة المنطقة الأكثر استهلاكاً للسبح لأن أكثر الحجاج والمعتمرين والزوار يحرصون على شرائها للعبادة أو كهدية للأهل والأصدقاء والمعارف، وهي تعتبر من الضروريات في منطقة مكة المكرمة، وتأتي بعدها المدينة المنورة، من ثم مدينة جدة والرياض.
ومن أغلى الأنواع هي تلك المشتقة من الأحجار الكريمة والالماس حيث تتراوح أسعارها بين 3 آلاف و9 آلاف ريال (الدولار يعادل 3,75 ريال) وذلك بحسب الوزن، ثم سبح الكهرمان وأفضل أنواعه الألماني وبعده الروسي, وتأتي بعدها سبح العاج واليسر والكوك والعظم وتتراوح أسعارها من 100 إلى 700 ريال، أما فيما يتعلق بسبح البلاستيك فقد شلت تماماً والمخازن مليئة بها ولا يوجد عليها أي إقبال.
وعن الدول المنتجة, ذكر أن أبرزها في أوروبا الشرقية أوكرانيا ثم روسيا التي تعتبر من أكبر الدول المنتجة للكهرمان, وأنه ظهرت في الآونة الأخيرة صناعات من دول شرق آسيا خصوصاً الصين، أما بخصوص الدول العربية فإن مصر تتصدر القائمة وهي الأولى في صناعة سبح العاج والكوك واليسر والعظم، وذلك بسبب توافر المواد الخام والأيدي العاملة وتأتي بعدها سورية التي تصنعها من السندس والبلاستيك بأنواعه, مشيراً إلى أن لبنان ينتجها من تراب الكهرمان, وأن العراق كان في الماضي أكبر بلد مصّنع ومخزن ومستودع السبح في العالم.
وتتكون السبحة من 3 أجزاء السبحة هي "المأذنة" والحبات والشواهد (الفواصل) والشراب يأتي في نهايتها, وأنه توجد سبح للنساء، وقد ازداد الإقبال عليها من باب حب التميز وهي في الأصل سبح يونانية لها رأسان وهي موجودة منذ قديم الزمان، ولكن أصبحت موضة في الفترة الحالية، خصوصاً الألوان البراقة منها.
وقد أكد مالك أحد محال السبح زيادة إقبال النساء من مختلف الأعمار على السبح النسائية، خصوصاً من اللون الأحمر, وأن سبح اليسر والعاج والكوك والعظم تلقى رواجا لدى الرجال والنساء لأن أسعارها في متناول الجميع
ولعل ما يميز حجر الكهرمان هو احتوائه على بعض الحشرات أو أجزاء منها