وباب الحماسة أول أبواب الكتاب وأكبرها ولعل هذا هو السبب الذي جعل اسمه يطلق على المجموعة كلها وكان أن أطلق هذا الاسم على ما تلاه من دواوين مماثلة في الاختيار فيسمى كل منها بديوان الحماسة.
وأبواب الكتاب العشرة متفاوتة الطول فالأول أطولها بل إنه يكاد يستغرق نصف الكتاب وحده والأبواب الأربعة الأخيرة قصيرة جدًّا. وقد أخذ أبو تمام هذه المختارات من كتب كانت مدونة. قال التبريزي٢٣: "وكان سبب جمع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان فمدحه وكان عبد الله لا يجيز شاعرًا إلا إذ رضيه أبو العميثل
كان أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر الشهير في رحلة إلى خراسان. وبينما هو في طريق عودته إلى بغداد دخل مدينة همذان فاستضافه أبو الوفا بن سلمة.
ولم يلبث الطقس أن ساء ونزلت الثلوج فاضطر أبو تمام للبقاء حتى تتحسن أحوال المناخ. فأراد المضيف ابن سلمة أن يخفِّف عنه وبذا أمدَّه بكتب الأدب التي في خزانته. فاشتغل عليها أبو تمام وقضى وقته في عمل مختارات من الشعر العربي حتى انتهى من كتابين كبيرين: كتاب "الحماسة" كتاب "الوحشيات". وظلت هذه المختارات زمناً طويلاً في حوزة آل سلمة حتى خرجت هذه المختارات.
حمل العصر العباسي بذور التغيير والتجديد على المستويات كافة ما أدى إلى تطور الأذواق. وكان من أثر ذلك التغير ابتعاد القارئ العربي عن مطالعة المطولات الشعرية. واستعاض عنها بالمقطوعات القصيرة التي تتلاءم مع ذوقه من حيث الشكل والمضمون. وهكذا صار الشعراء يهتمون بالمقطوعات القصيرة. وأخذ بعض كبار الأدباء والنقاد يجمعون من هذه القصائد ما يحلو لهم ورتبوها حسب المعاني الشعرية لتشمل الأغراض المختلفة.
وأقدم هذه الاختيارات ما جمعه أبو تمام واشتهر عن المتأخرين وعرف باسم "الحماسة" تسمية له بأول أبوابه "ثلث الكتاب". وربما لاهتمام العرب بالقوة والشجاعة. وتليه أبواب أخرى وهي: باب المراثي باب الأدب باب النسيب باب الهِجاء باب الأضيافِ والمديح باب الصفات باب السَّيْرِ والنُّعاس باب الملح باب مذمَّةِ النساء.
وأشاد نقاد ومتخصصون كثر بهذا الديوان وقيمته. وكان من بين أبرز تلك الشهادات والإشادات قول أحد النقاد: أبو تمّام في حماسته أشعر منه في شعره.
لم يرصد أبو تمام في "ديوان الحماسة" أعلام ومشاهير الشعراء كما تفعل الغالبية في عصره بل تناول كل من كتب في موضوعه ألا وهو الحماسة.
كما أنّه لم يفصل بين عصور الشّعراء معتمداً في ذلك على أن يبحث عن المعنى لا عن العصر. كما يلاحظ أنّ عدداً كبيراً من شعراء الحماسة ينتسبون لقبيلة طيء التي ينتمي إليها الشّاعر بالولاء..(55 شاعراً من مجموع الشعراء -351 شاعراً - من قبيلته طىء).
ونتبين من الديوان أن اختيارات أبي تمام فيه تعبر عن الذوق الغني إذ يقتطف مقاطع من القصائد التي تجمع إلى حُسن المعنى جزالة اللفظ حيناً وجمال التشبيه حيناً آخر.. بينما تميز ما كان يكتبه من شعر بعمق الفكرة وقوة اللغة. وهو ما حيّر الباحث النقدي في تلك المفارقة بين اختياراته وأشعاره.. حتى قال أحد النقاد: أبو تمّام في حماسته أشعر منه في شعره!
نلحظ في هذا الكتاب لأبي تمام أنه ورغم استجادته لِما يخالف طريقة شعره فهو ينتقي أحياناً من الأبيات ما يتّفق مع ميله للتّكلّف والتصنّع والبديع والغوص في أعماق المعاني. وهذان البيتان يثبتان ذلك.. يقول شاعر مجهول:
ففي هذين البيتين قصّة معركة.. وهكذا يقول الشّاعر: ها نحن سيوفنا عطشى تريد شرب الدّماء بدل الخمرة تريد النجيع في يوم يسفك فيه الدّم تريد تأديب القوم وتقف على منبر هو بطن الأكفّ فتزجر فيه وتعظ ولن تعود إلى غمدها الحقيقي بل ستكون رؤوس الملوك أغمادها.
وفي بيتين قصيرين استعمل فيهما من أنواع المجاز والاستعارة الكثير فهو تارة يشخّص السيوف إنساناً ظامئاً وأخرى يجعل اليوم سفوكاً لأنّ السّفك يحدث فيه (مجاز) وفي أخرى يجعل السّيف خطيباً (استعارة). وهذا هو في غمده ولكنّه ليس في الغمد المعدني المعروف بل غمده هذه رؤوس الملوك (استعارة أيضاً).
وهذه ألفاظ البيت كأنّها فوارس انتصبت على أفراسها وهو ما يصوّر حالة الشّاعر في الحرب.. ومن بين الذي يتّفق مع ميل أبي تمّام للتصنّع (حسب رأي بعض النقاد) وكذا لاستعمال الحروف القوية والألفاظ الضخمة واللهجة الخطابية.
لديوان الحماسة أهمّيّة كبرى بالنسبة للباحثين عن كنوز الشِّعر العربي كما يحوز قيمة وأهمية أخرى بالنسبة للباحثين عن المعاني وأجمل ما قيل في هذا الشأن انتهالها من ينابيعها الأولى. وطبعاً ذلك لما يحويه الكتاب من درر المعاني وكنوز الألفاظ.
كما أن الكتاب مادّة أوّلية لمن يريد دراسة الشّعر العربي بجميع أغراضه من جهة ولدراسة المجتمع العربي من خلاله من جهة أخرى. ذلك مثل: (الحياة الجاهلية أو العربية الفنون الشِّعرية ثالث أشعار الطائيين تطوّر الشِّعر بين الجاهلية والإسلام وصف الخيل أو الحرب).
تعد "حماسة" أبي تمام أهمَّ اختيار شعري في التاريخ الأدبي إذ حفظتْ كثيراً من شعر الشعراء المقلين والمجهولين في التاريخ الأدبي..
وتفيد المصادر أن أبا تمام كان غزير العلم. وتفقه في العديد من العلوم. وكذا كان أسمر طويلاً فصيحاً حلو الكلام فيه تمتمة يسيرة يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب. ووصف بطيبة القلب والأخلاق والظرف والسماحة. وفي شعره قوة وجزالة واختلفوا في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري.
مع أطيب التمنيات بالفائدة والمتعة, كتاب الحماسة كتاب إلكتروني من قسم كتب الأدب للكاتب حبيب بن أوس الطائي أبو تمام .بامكانك قراءته اونلاين او تحميله مجاناً على جهازك لتصفحه بدون اتصال بالانترنت
احتل ديوان الحماسة لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي المتوفى سنة 231 ه منذ تأليفه مكانة رفيعة لدى المتأدبين ونقاد الشعر فشكل مدونة منهجية لكل شاعر يسعى لمعرفة الشعر وإجادته وموضوعاً دائماً للشرح والنظر النقدي لكل ناقد صاحب رؤية وراج لدى عامة قراء الشعر رواجا دالا على رفعة الشعر الذي تضمنه وحسن رأي أبي تمام فيما اختاره.
وديوان الحماسة عبارة عن مجموعة من الاختيارات الشعرية اختارها أبو تمام كأفضل ما ألفه الشعراء في العصور التي سبقته وقصرها على المقطّعات الشعرية دون المطولات وكان المفضل بن يعلى الضّبّي المتوفى سنة 178ه قد سبقه إلى وضع كتاب في المطولات الشعرية شمل قصائد لشعراء الجاهلية وصدر الإسلام فأراد أبو تمام ألا يكرر ما فعله سلفه وأن يكمل ما فاته بسبب اقتصاره على القصائد الطويلة وكان قد نتج عن التطور الذي لحق الشعر في العصرين العباسي والأموي انقلاب الذائقة الأدبية عن المطولات الشعرية إلى المقطعات التي تكون دون العشرين بيتاً وذلك لأن القصيدة الجاهلية كانت تجمع في ثناياها عدة أغراض شعرية ففيها الطلل والغزل والوصف وقد خرجت كل هذه الأغراض من القصيدة الأموية والعباسية واستقلت فأصبحت القصيدة مقتضبة رشيقة وكان هذا الواقع الجديد يحتاج الى تأصيل وتدوين فحمل أبوتمام هذه المهمة على عاتقه فجاء بمقطّعات شعرية من العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر الأموي وبعض المقطّعات لشعراء عباسيين مثل بشار بن برد ودعبل الخزاعي وحماد عجرد.
كان أبو تمام صاحب طريقة شعرية عرفت بطريقة الصنعة البديعية وذلك لأنه أكثر في شعره من أساليب البديع كالجناس والطباق والمقابلة والتورية وغيرها ورغم ذلك فإن اختياراته الشعرية خلت من هذا الاتجاه وربما يكون ذلك بسبب أن العرب لم يعرفوا الإكثار من هذه الأساليب ولم يقصدوا لها قصداً كما كان يفعل أبو تمام وقد عدّ هذا التصرف من أبي تمام حسن اختيار وسمة موضوعية فإن المؤلفين في الاختيار عادة ما يجنحون إلى ما يناسب مذهبهم ويجاري ذوقهم وقد ظهر في هذه الاختيارات علم أبي تمام بالشعر واطلاعه الواسع عليه وحسن رأيه فيه فلم يأت فيها إلا بالجيد السبك القوي العبارة البين الصورة الواضح المعنى واتبع فيها أساليب الشعراء المجيدين وطرقهم على اختلافها ليأتي كتابه شاملا يعطي لقارئه صورة متكاملة عن تلك الأساليب ونهجاً مستقيماً فيه يستطيع أن يتبعه هواة الشعر لكي يجوّدوا مواهبهم.
سميت اختيارات أبي تمام ديوان الحماسة وذلك لأنه يبدأ بباب الحماسة وهو أغزر أبوابه وأكثره شواهد وقد جعل الكتاب على عشرة أبواب هي الحماسة والمراثي والأدب والنسيب والهجاء والأضياف والمديح والصفات والمُلح ومذمة النساء ومن ميزات اختياراته أن يستطرد في المعنى الواحد فيأتي بعدة أمثلة عليه وقد ضمنها كل موضوعات الشعر والشجاعة ومكارم الأخلاق والحكمة وحب الأبناء وغيرها من الأخلاق الرفيعة ولقيت هذه الاختيارات من الإقبال والاستحسان ما جعلها موضعاً دائماً للشرح والتعليق من قبل علماء الشعر المتقدمين ومن الكتب التي وضعت لشرحها: شرح أبي محمد القاسم بن محمد الأصبهاني والتنبيه في شرح مشكل أبيات الحماسة لأبي الفتح عثمان بن حسني وشرح المرزوقي أحمد بن محمد والباهر في شرح ديوان الحماسة لأبي علي الفضل الطبرسي وشرح عبد الله بن الحسين العكبري وشرح أبي زكريا يحيي بن علي الخطيب التبريزي.
أصبحت اختيارات أبي تمام نموذجا لأساليب الشعر العمودي فقد كان شارحه المرزوقي هو أول من حدد بدقة عناصر النظرية الشعرية العربية القديمة بالاعتماد على اختيارات أبي تمام وسماها في عمود الشعر وتلقفها النقاد بعده هذه العناصر وتوسعوا في شرحها.