ينصب اهتمامنا في هذه القراءة على فصلين من فصول كتاب "تاريخ المغرب تحيين وتركيب" الذي أنجزه ثلة من الباحثين المغاربة باللغة العربية. وهما الفصل الثاني الذي يغطي فترة ما قبل التاريخ (Prhistoire) وهي فترة زمنية طويلة تسبق وصول الفينيقيين إلى المغرب ويتكون من 43 صفحة. والفصل الثالث الذي يعالج فترة التاريخ القديم (Histoire ancienne) من مجيء الفينيقيين إلى مجيء المسلمين ويتكون من 60 صفحة. ولقراءة متأنية لهذين الفصلين ورصد أفضل للمجهود الذي بدل في كتابتهما على مستويي التحيين والتركيب ارتأينا في البداية الإشارة لمسألتين:
أولاهما أن "التحيين والتركيب" يعني الاستفادة من التراكم الحاصل على مستوى المعلومات والشواهد والكتابة وطرح أسئلة جديدة وأيضا من التقدم الذي عرفته الحقول المعرفية الأخرى والعلوم المساعدة وتوظيف كل ذلك في كتابة تاريخ يلقي الضوء بصورة أفضل وأعمق على مختلف الموضوعات الرئيسية والفرعية المكونة لهذا التاريخ.
ينقسم الكتاب إلى عشرة فصول حيث يتحدث لنا الفصل الأول عن المغرب من الدينامية الطبيعية إلى بناء المجال الترابي. ثم يبدأ الحديث عن مغرب ما قبل التاريخ ويختم الحديث في الفصل العاشر عن المغرب المستقل الذي نعيشه الآن.
الكتاب تم تأليفه بشكل ترﮐﻴﺒﻲ يجمع بين طابعي التحيين العلمي والمواطنة مع إعادة النظر في الحِقب التاريخية السابقة. ولا ننس في الختام أن نذكر أن الكتاب قد استغرق سنتين كاملتين من العمل الجماعي مما يدل على عناية المؤلفين وتحريهم ضبط المادة العلمية للكتاب.
وثانيتهما ترتبط بخصوصية واختلاف الفترة التي يعالجها هذان الفصلان عن الفترات اللاحقة لها من جهة اعتمادها بدرجة كبيرة على تقدم الأبحاث الأثرية وطغيان فراغات وبياضات كثيرة على مراحل مهمة منها نظرا للنقص الحاصل في المادة المصدرية وحضورها الباهت في عملين تركيبين سابقين كتبا باللغة الفرنسية[1] بحيث لم يخصص لها على سبيل المثال هنري تيراس في أواخر أربعينات القرن الماضي أكثر من 32 صفحة في الجزء الأول من مؤلفه الذي يشتمل على 900 صفحة موزعة على جزأين أي أنه خصص إحصائيا حوالي 4 في المائة من مجمل صفحات الكتاب لفترة تغطي حوالي 99 في المائة من تاريخ المغرب.
لكن انطلاقا من ثمانينيات القرن الماضي ستحدث طفرة كبيرة على مستوى الأبحاث والاكتشافات الأثرية وتراكم الشواهد المادية بالنسبة لفترتي ما قبل التاريخ والتاريخ القديم أضف إلى ذلك مشاركة باحثين مغاربة في هذه الاكتشافات وفي نشر نتائجها باللغات الأجنبية غالبا الأمر الذي جعل من توظيف واستغلال هذه المستجدات وجمع المعطيات المتناثرة في عمل شامل تركيبي مسألة ملحة ومطلوبة.
تناول الفصل الثاني اعتمادا على الاكتشافات الأثرية وعلى التقدم الذي عرفته مجموعة من العلوم المساعدة مثل الإناسة الحيوية ودراسات البيئة القديمة وأيضا التقدم الذي شهدته مناهج التأريخ المحطات الرئيسية للمسيرة الطويلة التي قطعها الإنسان المغربي قبل معرفته للزراعة والاستقرار على مدى زمني طويل يمتد من مليون سنة ق.ح (قبل الحاضر) إلى القرن 8 ق.م. مهتما برصد ظهور أسلافنا الأوائل وتطورهم خلقيا وتطور نمط عيشهم وصناعة أدواتهم وتركيبتهم المجتمعية وثقافتهم وتكيفهم مع البيئة التي عاشوا فيها وحيشا ونباتا ومع التطورات والتغيرات المناخية الكبرى التي شهدتها عصور ما قبل التاريخ. وذلك في خط تصاعدي يركز أساسا على التقدم والارتقاء ويحكمه هاجسان رئيسيان: تتبع عناصر الاستمرارية بين عصوره من جهة وربط المغرب بجذوره الإفريقية وانفتاحه على محيطه المتوسطي خصوصا على جنوب إبيريا من جهة أخرى. ودون نسيان مناقشة العديد من الأطروحات والفرضيات السائدة حول موضوعات أساسية مرتبطة ببعض محطات هذه الحقبة الطويلة بأسلوب سلس ينطلق من العام إلى الخاص.
خلال رصد هذه المظاهر وقف الفصل الثاني في المحطة الأولى أي العصر الحجري القديم الأسفل على أولى المصنوعات الحجرية الإنسانية التي اكتشفت في أماكن متعددة من المغرب من الصحراء إلى الساحل المتوسطي والتي يعود تاريخ أقدمها بنواحي الدار البيضاء إلى مليون سنة ق.ح ملقيا الضوء على طريقة وتقنية صناعة هذه الأدوات الحجرية التي تسمى بالأشولية وخصوصا تلك الفأس الحجرية اليدوية أو ذات الوجهين المميزة لهاته الصناعة. ووقف أيضا على تطورها حيث أصبحت هذه الفأس حوالي 400 ألف سنة ق.ح أقل سمكا وأكثر نجاعة في قطع اللحم وتهشيم العظام وشذب الأغصان وعلى تزايد عدد الأدوات المنقحة والشظايا المقتطعة وهو التطور التقني الذي سيصل أوجه حوالي 200 ألف سنة ق.م ويسمى باللوفوازي.
ورُبطت هذه الصناعة بالإنسان المنتصب (Homo Erectus) الذي يعتبر أقدم شكل إنساني يعثر عليه بالمغرب وهو إنسان قصير القامة أتى من شرق إفريقيا شكله خشن وبدائي إلا أن شكل ملامحه يحمل في طياته ما سوف يكون عليه الإنسان العاقل للمحطة التالية وهو ما يؤيد فرضية الاستمرارية تقنيا وخلقيا في المغرب ما بين الحجري القديم الأسفل والأوسط على الأقل. وقد عاش هذا الإنسان ضمن مجموعات صغيرة معتمدة في غذائها على أكل اللحوم والالتقاط مستفيدة من وفرة الحيوانات غير أنها جهلت استعمال النار في معالجة أكلها أو في الإنارة والتدفئة. كما جهلت الاعتناء بموتاها ودفنهم وأيضا الاعتناء بمظهرها والتزين بحلي.
المرحلة الموستيرية (نسبة إلى منطقة Moustier بفرنسا) وعثر على بقاياها بجبل إيغود ومغارة العفص بناحية وجدة امتدت ما بين 190 ألف و80 ألف سنة ق.ح. سكن إنسانها المغارات والملاجئ الصخرية كما أقام في أماكن مكشوفة. وتميز عن سابقه بمعرفته استخدام النار في طهي لحوم الطرائد التي يصطادها وفي إنارة الكهوف والتدفئة.
المرحلة العاترية (نسبة إلى بئر العاتر بالجزائر) التي تم المرور إليها بدون تغييرات مفاجئة تتميز صناعتها الحجرية بالأدوات المعروفة بذات السويقات. وعلى عكس الموستيريين شغل العاتريون نطاقات جغرافية واسعة بالمغرب تشمل الواجهة الأطلنتية ما بين الرباط وتمارة والجهة الشرقية من المغرب وتعود أقدم آثارهم إلى حوالي 100 ألف سنة ق.ح. وتم الوقوف خلال هذه المرحلة على التقدم الذي عرفه الإنسان العاتري تقنيا وثقافيا وفنيا وعلى تطورات مناخية كبرى كان لها تأثير على انتشاره وتحركه.
ويحصل الانتقال بسلاسة وبدون قطيعة تذكر من العصر الإيبيروموري إلى العصر الحجري الجديد (7000-3000 ق.م) وهو عصر ما يعرف بالنقلة النيوليثية وهي نقلة نوعية موسومة بالاستقرار وصناعة الحجارة المصقولة ومعرفة الإنسان للزراعة واستئناس الحيوان وصناعة الخزف عثر على آثارها بمواقع متعددة تنتشر من الصحراء جنوبا إلى السواحل المتوسطية شمالا.
كما ألقي الضوء على ما عرفه هذا العصر من نمو ديمغرافي مضطرد وتحركات بشرية كبرى من الجنوب إلى الشمال ومن السواحل إلى الجبال نتيجة دورات الجفاف التي عرفها المغرب ما بين النصف الثاني من الألف الخامسة وأواسط الألف الثالثة فحوالي 4300 ق.م ستهاجر جماعات من الجنوب الصحراوي نتيجة الجفاف في اتجاه الشمال ليظهر الخزف ذي القعر المخروطي الذي اختصت به المناطق الجنوبية بمقابر الشمال. وأيضا على ما عرفه المستوى الجنزي من دفن الموتى على الجنب في وضع القرفصاء أو الجنين مصحوبين بمصنوعات خزفية بجانب الرأس وطلي القبور بالمغرة الحمراء.
03c5feb9e7