مؤخرأً نشر الكاتب ناهض حتر مجموعة من المقالات يشجع من خلالها المشاركة في الإنتخابات، وذهب أبعد من ذلك في إعتبار أن عدم التسجيل في الإنتخابات يعتبر خيانة وطنية، والمشاركة هذه المرة هي واجب وطني. نشرت في العدد السابق من راديكال مقالاً بعنوان أوهام الإنتخابات في الأردن، وقناعتي في إعتبارها أوهاماً مستمدة من مجموعة من العوامل ذكرتها بالتفصيل وسألخص هنا عناوينها العريضة:
- لن تخرج الإنتخابات القادمة من مربع الإنتخابات الليبرالية الهزيلة، وذلك لأن السلطة حافظت على قدرتها حتى اللحظة في إنتاج المجلس الذي تريد وضمن نفس الظروف “رأس المال السياسي، الوعي الديني، العصبية للمنطقة أو العشيرة، إلخ ….” ويعود ذلك كله إلى الغياب الملحوظ لكتلة تحمل مضموناً طبقياً وليس عصبوياً. وتحدثت عن أولوية بناء هذه الكتلة كشرط أساسي للدخول في أي صراع قد تكون الإنتخابات من ضمنه يوماً ما، ولكن بالتأكيد ليس الآن. بمعنى أن المشاركة في الإنتخابات كأولوية في الصراع ليست
راهنة إلى اللحظة، بل على العكس من ذلك تماماً، مقاطعتها والتركيز على الكتلة سابقة الذكر هو الأساس.
- المسألة في المشاركة من عدمها ليست منوطة بقانون الإنتخاب كما يظن العديد ومن ضمنهم ناهض حتر، ما أجري من جراحة تجميلية لقانون الإنتخاب لا يعني شيئاً، وليس له علاقة أيداً بتغيير الموقف من المشاركة.
- دخول الإنتخابات بعد مرحلة زمنية تحرك فيها الشارع
الأردني دون إنجاز الحد الأدنى من مهماته يصب في صالح السلطة وليس العكس، وهو دخول “المنافسة” بقدم عرجاء أو لربما مكسورة تماماً، حيث لا يمكن إعتبار مخرجات لجنة الحوار الوطني على الشقين السياسي والإقتصادي أكثر من تمويه مبالغ فيه، وفي الجانب الآخر لا يخفى على أحد مسرحيات محاسبة الفاسدين التي لم تمس النهج الإقتصادي العام من قريب أو من بعيد. الإنتخابات المؤسسة على هذه الوضعية هي ضربة قاسية للحراك الشعبي ورصيد إضافي للسلطة، ودخولها هو بمثابة خيانة وطنية وولاء أعمى للسلطة لا لشيء سوى أن المشاركة تضع مخرجات المرحلة السابقة بأكملها
في سلة إحتواء السلطة للغضب الشعبي وتحت شعار عريض وهو إجراء الإنتخابات “الجديدة”.
لهذ الأسباب الأساسية الثلاث، الإنتخابات القادمة وهم مطلق. هذا في سياق الأفكار العامة، دعونا نتعمق أكثر في تفاصيل الحدث السياسي التي يفضلها الكاتب، وسأنتقي مجموعة من الأفكار التي أوردها في سلسلة من مقالاته المنشورة مؤخراً:
- يتحدث الكاتب عن فريقين مقاطعين للانتخابات، الأول هو الإخوان المسلمون والثاني هو الوطنيون المغرقون في المحلية. فيما يتعلق بالفريق الأول فإن الحركة الإسلامية لم تدخل الإنتخابات وذلك كجزء من تكتيكها العام في التحضير لاستلام السلطة، ويتدخل في قرارها العديد من العوامل من الظرف الإقليمي العام إلى حساباتها الداخلية، نعم الحركة الإسلامية هي أكثر التيارات براغماتية وخطورة على الوضع في الأردن، ويعود هذا بالدرجة الأولى لطبيعة الإسلام السياسي
بشكل عام ومشروعه القائم في المنطقة ولا علاقة لذلك لا بمخاوف الوطن البديل أو موقفها من فك الإرتباط أو غيره. بالنسبة للفريق الثاني ففي سلسلة المقالات التي نشرها الكاتب مؤخراً، فقد وصف هذا الفريق والمشكل من الشباب بالدرجة الأولى أنه مغرق في المحلية ولا يرى اللوحة الإقليمية بشكل كامل، إذن دعونا نركز أكثر، ما هو الموقف الأكثر قرباً للارتباط بما يجري في حدود الإقليم، سوريا تحديداً، هل هو المشاركة أم المقاطعة؟ بدا الآن واضحاً الدور الأمريكي والخليجي في سوريا، وبدت واضحة خطورة سقوط سوريا في يد هذا المشروع الصهيوأمريكي، ومن المعروف
كذلك أن السلطة في الأردن هي الإبن المدلل لهذا المشروع إبتداءً بالطاعة العمياء للإملاءات الأمريكية سياسياً وإقتصادياً “التصحيح الإقتصادي، الحرب على العراق في عام 2003م، …” وليس إنتهاءً بتلقي الدعم المتواصل من السعودية. إذا كانت هذه السلطة في الأردن تلعب في ساحة المعسكر الإمبريالي، فكيف نأتي ونهديه على طبق من ذهب مصداقية “الإصلاح”! وكيف نجرؤ لاحقاً على الدفاع عن سوريا الدولة ونقول كما طرح الكاتب سابقاً “في سورية التي بينت التطورات أنها مركز الإقليم كله، انقلب الحراك الشعبي إلى تمرد مسلح، وتحوّل، لاحقا، إلى حرب بوساطة
الأدوات الإرهابية، يشنها التحالف الأمريكي الخليجي التركي ضد الدولة السورية وحلفائها الإقليميين والدوليين”. هنا يظهر عدم الإنسجام في الموقف، لا يمكن لنا أن نقتنع بمركزية سورية ووحدة الإقليم الشامي وحرصنا عليها من المشروع الأمريكي التركي الخليجي عندما يتعلق الأمر بسوريا، ونمارس خطاباً عصبوياً يدعو إلى التجزئة على حدودها في الوقت ذاته، ونطالب الناس المشاركة في إنتخابات تسند السلطة المتآمرة مع نفس الأطراف التي نحاربها في سوريا!
- في
موقع آخر يتحدث الكاتب عن ثلاث فئات لمقاطعي الانتخابات، ويصف اللامبالين سياسياً ووطنياً بأكبرها، نعم هذا صحيح، هذه الفئة أكبرها، ولكن لماذا؟ إن لبرلة الإقتصاد وإنسحاب الدولة ورميها للناس لتقاتل منفردة لكي تعيش يفعل ذلك. وهذ الفئة لا يمكن تصنيفها على قاعدة إقليمية، لأن ذلك بإختصار سيمد من عمرها، سيوجد لها مناصرين خائفين. لا تخلق الهوية قسراً أوبالوعظ والإرشاد، لا يمكن لهوية أن تقوم دون وجود الدولة التي تمتلك موارد الثروة وتتحكم في نمط الإنتاج، ولا يمكن للأردن أن يحقق ذلك منفرداً، بإمكانه أن يكون ذراعاً لمشروع أكبر، وهذه هي
هويته الحصرية وأي إختلاق آخر سيدمرها ويدمر البلد بأكمله. اللامباليون بالإنتخابات هم الكافرون بالسلطة التي غيبت الدولة، وهم كثر في عمان والزرقاء وباقي المحافظات على حد سواء. نسبة ال55% نسبة مبالغ فيها بشراسة وتهدف إلى تضليل وعي الناس.
- نشر الكاتب مقالاً بعنوان “لا للتسجيل، نعم لحق العودة” يعلق فيه على جملة كتبت على أحد أسوار اللويبدة، عمل ناهض على بناء المقال كما يريد وبما يخدم مشروعه السياسي وليس كما فهمها هو، قال أن من كتب هذه الرسالة
يرفض المشاركة في ظل القانون المطروح لأنه لا يزيد من تمثيل “الأردنيين من أصل فلسطيني” في البرلمان، وهكذا تكتمل عناصر خطاب التجزئة! كان الأجدى بهذه التهمة أن تتجه صوب الأحزاب الديكورية التي تقاطع الإنتخابات من هذا المنطلق “منطلق تعديل قانون الإنتخاب بشكل عام”. الذي كتب الرسالة لا يقابل التسجيل بحق العودة، وإنما يقابل التسجيل بفوبيا الوطن البديل، من كتبها يرسل إليك رسالات تطمينية: “لا تقلق، ليس لذلك قاطعنا، إطمئن، نحن مع حق العودة، ولكننا لن نسجل، لأسباب أخرى على الأرجح أنك تعلمها جيداً ولكنها تختلف مع فحوى مشروعك السياسي
وسياقه، ولأنه “مشروعك السياسي” عاجز عن خلق حامل إجتماعي دون ذلك”. هذه الرسالة مزدوجة فهي تصلح أن تكون لك وتصلح أن تكون لمخرجي رسالة المواطنة المتساوية، كلاكما معاً، وفي نفس السياق.
- خطاب المواطنة يقابله خطاب الهوية، والخطاب الليبرالي المحافظ يقابله خطاب “الحرس القديم” المحافظ كذلك. المرحلة القادمة مرتهنة لخيار ثالث، يتجاوز الخطابين لينهي أي فرصة للإقتتال الداخلي، ويطرح مشروعاً سياسياً ووطنياً في سياق قومي وأممي واضح. يؤسس هذا
الخطاب لمرحلتين أساسيتين: الأولى: هي بناء كتلة من المتضررين جراء السياسيات الإقتصادية تخوض صراعاً ضد كل من نهب الثروات في البلاد ودمر إقتصاده، وهذا يوجه ضربة للخطاب الهوياتي العصبوي،و تتقاطع هذه الكتلة في مشروعها مع السياسي الوطني، الذي يكن العداء الكامل للصهيونية ويعتبر إسرائيل هي العدو الأساسي المهدد لمصالح الجميع، وهذا يوجه ضربة لخطاب المواطنة الرائج، والثانية هي مرحلة إستيلاء هذه الكتلة على السلطة، وهي من سينتج آلية الإنتخاب والدستور الجديد الناظم لحياتها، ومن أهم الأولويات في هذه المرحلة هي وجود تنظيم شعبي يمتلك
برنامجاً سياسياً وقبولاً شعبياً واسعاً، بعد ذلك لا أظن أن مسألة الهوية المطروحة اليوم ستكون على بساط البحث. حتى لا نخرج عن سياق الموضوع، يصاغ خطاب الهوية وحق العودة والوطن البديل عند ناهض لغايات إنتخابية ودفع الناس للمشاركة، ويصاغ خطاب المواطنة والحقوق المتساوية في الجانب الآخر لغايات إنتخابية كذلك. الأساس الموضوعي والمبرر السياسي لهذا الخطاب هو التحشيد بأي ثمن ولوكان تعزيز العصبويات.
- لماذا يستثمر شعار الوطن البديل في الإنتخابات؟
لو فكرنا قليلاً في المسألة، ما علاقة البرلمان بإيقاف مشروع الوطن البديل على إفتراض أنه قائم؟ هل البرلمان بشكله الحالي وصلاحياته الحالية هو من سيحمي الأردن من مشروع الوطن البديل؟ أي برلمان هذا يحل ويعقد بلحظات سيكون قادراً على هذه المهمة؟ إذن مالغاية من هذا الربط العجيب بين مشروع الوطن البديل والبرلمان القادم؟ أترك الإجابة هنا مفتوحة..
للهوية وحق العودة والوطن البديل إستثمار واضح عند حتر في سياق مشروعه
السياسي وفي سياق الإنتخابات القادمة كذلك، وهذا الإستثمار ينطوي على العديد من الألغام القابلة للتفجر في أي لحظة، حذار من الترويج للتدميري بحجة الواقعي، ومعارضة الحقيقي بتهمة المثالي.
المنطقة اليوم بأكملها مشتعلة ونحن جزء من هذه التطورات حتى ولو لم نشعر بها كثيراً حتى اللحظة، المرحلة القادمة لا تقبل التجزئة، الدفاع عن الدولة السورية ورفض التجزئة في الأردن ومعادة الكيان الصهيوني تأتي في حزمة واحدة، وأي خلل
في هذه العوامل الثلاث يعني سقوط الحزمة بالكامل.