أقتصر في التمثيل على ما ترجمتُ نظمًا من دواوينه. والذي ترجمتُ أربعة دواوين: رسالة المشرق وضرب الكليم والأسرار والرموز.
ولا جرم أنه تمثيلٌ ناقصٌ لا يستوعب دواوين الشاعر ولكنه يفي بتعريف القارئ أفكار الشاعر ومذهبه في الشعر. وكان يسيرًا عليَّ أن أعرض أمثلة منثورة من الدواوين التي لم أُترجمها أو أنظم أبياتًا قليلةً منها للتمثيل ولكن الوقت لم يتسع. ورأيت في الدواوين الأربعة غُنيةً إلى أن تُترجم الدواوين الأخرى على أني نقلت في الكلام على فلسفته وفي الكلام على مذهبه في الفنون فقرات منثورة من الدواوين الأخرى.
ويقول في نزوع الخليقة إلى الحياة وفي لذة القلق والاحتراق فيها. والشاعر يكبر الحياة ويُعلي شأنها ويدعو إلى قوتها ودوامها:
واقرأ هذه الأبيات التي تُصوِّر مذهبه في الحياة: الفلسفة بغير قلب والفكر بغير عمل موت وينبوع الحياة الجدُّ الكفاح.
ولا أجد بُدًّا من إثبات أبيات في العشق لها مشابه في شعره. والعشق في فلسفة إقبال هو الحياة بل نار الحياة. يذكره في مقابل العقل والعلم. وهما بدونه عجز وحيرة وجبن:
هذه الأبيات تُصوِّر كدَّ العقل وسعيه في طلب الحقيقية دون جدوى. وفي الأبيات الآتية يُصوِّر فيض العشق في نفس هذا الطالب وفتحه له مغالق الحياة.
في الأبيات الآتية من القصيدة يقول إن العشق فاضَ بقلبه فأيقظ وجدانه ويَسَّر له كل عسير وحلَّ له كل عُقدة ورفعه إلى عُليا الدرجات.
وهذه قصيدة الوحدة التي يُصوِّر فيها الشاعر انفراد الإنسان في العالم بالعقل والوجدان واحتماله الآلام وأنه لا يجد نجيًّا بين هذه الخلائق كما في القرآن الكريم: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.
هذه حال الإنسان في العالم لا يجد شريكًا له بين الخلائق يُناجيه ويواسيه. والله تعالي حجب عنه الأسرار ووكَّله بالكشف عنها.
وقصيدة الحور والشاعر التي يُعارض بها الشاعر الألماني جوته تُصوِّر مذهب إقبال في الأمل الدائم والجدِّ الدائب والسير المستمر في هذه الحياة.
هذه المعاني صوَّرها الشاعر مئات الصور في دواوينه. وقدمت في تلخيص أسرار خودي في باب الفلسفة من هذا الكتاب أبياتًا وافية في هذا الشأن.
وهذا مثالٌ من قصائد في رسالة المشرق تُسمى الخمر الباقية وهي من الضرب الذي يُسمى غزلًا في اصطلاح الشعر الفارسي ويغلب فيها التصوف وغموض المعنى ولا يلزم فيها وحدة الموضوع:
وهذه أبيات من هذا القسم عنوانها شوبنهاور ونطشه الأول الفيلسوف الألماني المتشائم الساخط والثاني فيلسوف القوة والإقدام.
وأُردِف هذه بأمثلة من ديوان ضرب الكليم. وهو كما بينت في مقدمته وفي الفصل الأول من هذا الباب أقرب إلى الفلسفة منه إلى الشعر وآراء إقبال فيه مقسمة على أبواب في موضوعات شتى كأنه كتاب.
تكلم الشاعر عن الإسلام والمسلمين والتربية والتعليم والفنون الجميلة والسياسة ووصل كل هؤلاء بمذهبه في الذات وتقويتها وصلًا ظاهرًا أو خفيًّا. وقدمتُ نماذج من شعر هذا الديوان في الفصل: مذهب إقبال في الفنون الجميلة والفصل: مذهب إقبال في الشعر خاصة. فحسبي هنا أمثلة قليلة في موضوعات أخرى.
ولُبُّ المحاورة أن إبليس لم يعرف أن إباء السجود مقدَّر عليه إلا بعد أن أبى. فالتقدير كان بعد إرادته. وإقبال من دعاة حرية الإرادة يقول إن الإنسان يبلغ من الحرية والمكانة عند الله أن يكون عزمه مشيرًا على القدر.
يَنعَى على أمراء العرب التفرق والتفريق بين الناس ويقول إنهم أول أمة جاوزت حدود النسب والوطن وآخت في الناس كل مهتد يتبع الرسول وهجرت كل غويٍّ يتبع أبا لهب.
وإقبال يُكرم المرأة كل إكرام ولكن لا يرى أن من كرامتها ما يُسمَّى حرِّية في هذا الزمان. ويقول فيما يقول: لا بد من خلوة المرأة إلى نفسها في بيتها.
مؤسسة هنداوي مؤسسة غير هادفة للربح تهدف إلى نشر المعرفة والثقافة وغرس حب القراءة بين المتحدثين باللغة العربية.
سافر إقبال إلى أوروبا وحصل على درجة الدكتواره من جامعة ميونخ في ألمانيا وعاد إلى وطنه ولم يشعر إلا أنه خلق للأدب الرفيع وكان وثيق الصلة بأحداث المجتمع الهندي حتى أصبح رئيسا لحزب العصبة الإسلامية في الهند ثم العضو البارز في مؤتمر الله أباد التاريخي حيث نادى بضرورة انفصال المسلمين عن الهندوس ورأى تأسيس دولة إسلامية اقترح لها اسم باكستان توفي في 1938 بعد أن اشتهر بشعره وفلسفته غنت له أم كلثوم إحدى قصائده وهي حديث الروح.
بدأ محمد إقبال تعليمه في سن مبكرة على يد أبيه ثم التحق بأحد مكاتب التعليم في سيالكوت وفي السنة الرابعة من تعليمه رأى أبوه أن يتفرغ للعلم الديني ولكن أحد أصدقاء والده وهو الأستاذ مير حسن لم يوافق وقال: "هذا الصبي ليس لتعليم المساجد وسيبقي في المدرسة وانتقل إقبال إلى الثانوية حيث كان أستاذه مير حسن يدرس الآداب العربية والفارسية وكان قد كرس حياته للدراسات الإسلامية.
وتلقى إقبال دراساته الفلسفية في هذه الكلية على يد الأستاذ توماس أرنولد وكان أستاذًا في الفلسفة الحديثة وفي الآداب العربية والعلوم الإسلامية في جامعة لندن.
وبعد أن حصل إقبال على الماجستير عُين عميدًا للعربية في الكلية الشرقية لجامعة البنجاب وحاضر حوالي أربع سنوات في التاريخ والتربية الوطنية والاقتصاد والسياسة وصنف كتابًا في علم الاقتصاد ولم يصرف التدريس محمد إقبال عن الشعر بل ظل يشارك في محافل الأدب وجلسات الشعر والتي يسمونها في شبه القارة مشاعرة.
وكان منظم الزيارة الدكتور سكاربا حيث كان معجبًا بفكر إقبال وإيمانه بالإنسان وقدراته وذهب بالفعل إلى إيطاليا والتقى بموسوليني وألقى محاضرة في روما يبين فيها الفرق بين مذهب كل من الحضارة الغربية والشيوعية والحضارة الإسلامية. ووضح فيها رأيه حول أسباب تخلف المسلمين وأن من أهم أسباب هذا التخلف هو البعد عن دينهم وذكر الناس بماضي المسلمين وحضارتهم ثم زار إقبال إسبانيا في عام 1932م بعد أن حضر مؤتمر الدائرة المستديرة الثالث وحرص على مشاهدة المعالم الإسلامية هناك فيقف أما جامع قرطبة وقفة مؤمن شاعر ومما قاله في قرطبة:
كتب إقبال أشعاراً كثيرة يحث المسلمين منذ أول نشوئه الفكري والشعري وجاء في ديوانه صلصلة الجرس قصيدة ترجمها الشاعر المصري الصاوي شعلان تحت عنوان شكوى وجواب شكوى وتبدأ الشكوى بكلمة حديث الروح ولذلك سميت أغنية أم كلثوم لأبيات مختارة من القصيدتين باسم حديث الروح.
وقصيدة شكوى وجواب شكوى يضعها بعض الباحثين بين روائع الأدب العالمي وألقى شاعر الإسلام في مدريد محاضرة بعنوان: العالم الفكري للإسلام وأسبانيا.
زار إقبال أفغانستان على إثر دعوة وجهها له نادر شاه ملك أفغانستان ومر في إحدى رحلاته على مصر وقابل بعض شبابها وأعجب بشاب مصري ويقول: إن الشاب فرح جدًا عندما علم أن إقبال مسلم ويقرأ القرآن وقيل: إن إقبال لبس الطربوش بسبب المحادثة التي دارت بينه وبين هذا الشاب ويذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي أنه زار فلسطين في سنة 1931م وكان مما قاله وهو في فلسطين:
575cccbfa5