في كل ما يُحيط بك من الكتب والإعلانات التلفزيونية ونصائح الأصدقاء والأطباء تُطالعك عشرات الفوائد لممارسة الرياضة وكيف أنها ضرورية بالنسبة إلى صحتك وحياتك كلها. لذلك في التقرير التالي لن نُحدِّثك عن الأسباب التي جعلت ممارسة الرياضة اليوم ضرورة قصوى وكيف أنها لم تعد خيارا في عالمنا اليوم بقدر ما سنبحث معك في الأسباب والعوائق التي تجعل أغلب الناس يُحجمون عن ممارسة الرياضة بانتظام رغم يقينهم بأهميتها وكيف يمكننا التغلب على هذه العوائق.
تتخذ عضلات أقدامهم شكلا أقوى من أي عدَّاء محترف يرتدي حذاء الركض وهذا سر فوزهم في سباقات الركض في جميع أنحاء العالم تنتمي لورينا راميريز إلى هذه الجماعة وهي رياضية ماهرة فازت بالمراكز الأولى في العديد من سباقات الماراثون في المكسيك وإسبانيا وفي بعض المقابلات التي أجرتها مع وسائل إعلام محلية ودولية كانت هناك إجابة واحدة حول الدافع الرئيسي لديها للركض لعدة كيلومترات أن تكون قادرة على مساعدة مجتمعها فهي تقتسم ما تربحه من سباقات الجري مع أسرتها وبهذا يُمثِّل لها الأمر مصدرا للدخل وللسبب ذاته فهي تتمرَّن على الركض يوميا لنحو 20 كيلومترا عبر الجبال. (1)
نحن نُحدِّثك هنا عن شرط لا غنى عنه للاستمرار في ممارسة أي شيء تحديد الهدف بوضوح يُعَدُّ ذلك إحدى أهم الأولويات في سيكولوجية التحفيز صحيح أن الجسم هو الذي يقوم بالتمرينات لكن العقل هو الذي يريد ويُقرِّر أن تبدأ حركة العضلات لأداء النشاط البدني هذا يعني أن علينا أن نُقنع أذهاننا أولا وعند تلك النقطة نكتشف أن البعض لديهم القدرة بالفعل على تحفيز أنفسهم لممارسة الرياضة بينما يتعثَّر البعض الآخر لأسباب متعددة. (2)
في عام 2010 نشرت مجلة الرياضة والعلوم والطب (Journal of sports science & medicine) دراسة أُجريت على المئات من طلاب الجامعة للتعرف على العوائق التي تمنعهم عن ممارسة الرياضة ليتبيَّن أن في أسبوع عادي لم يمارس 60% من البالغين الأوروبيين أي نوع من النشاط البدني أو الرياضة ولو على سبيل الترفيه و40% منهم كانوا يردون أن النشاط البدني لا يثير اهتمامهم فهم يُفضِّلون القيام بأشياء أخرى في أوقات الفراغ. كذلك كان من بين الأسباب الأخرى التي كشفت عنها الدراسة ضيق الوقت والرغبة في تجنُّب النشاط البدني والكسل واللا مبالاة. (3)
يمكن تفسير الافتقار إلى الحافز لممارسة الرياضة بعدم الاهتمام وأحد الأسباب الأكثر شيوعا لعدم الاهتمام هو تراكم المحاولات الفاشلة في الماضي تلك الخطط المكدَّسة التي فاتنا تنفيذها والوعود بأن نبدأ بانتظام في بداية العام أو في مطلع الأسبوع التي ذهبت سدى في النهاية وتراكمت في عقولنا وشكَّلت إزعاجا صرنا نسعى إلى تجنُّبه.
أحد الأسباب الأخرى لعدم الاهتمام أنك لا ترى قيمة أو مكافأة فورية فالفوائد التي تُحقِّقها لنا التمارين الرياضية تستغرق وقتا حتى يمكن ملاحظتها وهكذا يتجنَّب عقلك العناء ويتجنَّب خوض الأمر بالكلية. أضف إلى ذلك أن ممارسة الرياضة مهمة شاقة بالفعل أنت تتعرَّق ويخفق قلبك أسرع وقد يكون هذا سببا كافيا لأن تتجنَّبها خاصة إذا ما تذكَّرت مثلا ألم العضلات بعد تجربة التمرين الأخيرة حيث يُسجِّل عقلك تلك الملاحظة ويُفسِّر التمرين بأنه شيء مؤلم يجب تجنُّبه في المستقبل. في النهاية تؤثر هذه التجارب السلبية في تصوراتك عن حالتك الجسدية فتشعر أحيانا أنك "لست في حالة جيدة ولست مستعدا لبدء التمرين" وبالتالي تؤجله. (4)
يريد أغلب الناس الالتزام بممارسة الرياضة من أجل صحتهم وهو هدف عظيم لكنه لا يكفي لأن يقوموا بالفعل ما يُحرِّكنا حقا هو الشعور بالاستمتاع لذا فإن تحديد نوع الرياضة التي نحب ممارستها أمر أساسي في إيجاد الحافز لا يوجد نشاط مثالي للجميع وعليك تحديد هل تحب المشي أم السباحة أم الرقص. (5) عندما لا تكون ممارسة الرياضة أمرا جذابا وحدها -وهذا متوقَّع وشائع- فربما يوفر الربط بينها وبين نشاط مصاحب مثل الاستماع إلى الموسيقى أو لقاء الأصدقاء حافزا مشجعا بحيث يتحوَّل الحافز من "الحاجة إلى ممارسة الرياضة" إلى "الرغبة في ممارستها".
في دراسة كبيرة نشرتها مجلة "نيتشر" (Nature) العام الماضي لاختبار فعالية عشرات المناهج المختلفة لتحفيز الناس على ممارسة التمارين أُجريت تجربة على نحو 60 ألف عضو في الصالات الرياضية. كان من بين طرق التحفيز المُستخدَمة في الدراسة تقديم كتاب صوتي مجاني بوصفه وسيلة لجذب الناس إلى صالة الألعاب ليجد الباحثون أنها كانت بالفعل إحدى أكثر الطرق فعالية في تحفيز المشاركين. عموما يقول الخبراء إن العثور على المتعة في التمرين هو إحدى أفضل الطرق للبقاء متحفزا لممارسة الرياضة. (6)
تتعدد أسباب المتعة المحتملة داخل الرياضة يمارس البعض رياضة المشي من أجل تصفية الذهن وآخرون يجدونها فرصة للقاء الأصدقاء. في دراسة أُجريت عام 2017 أجرت كاتي هاينريش مقابلة مع مالكين ومدربين في نظام اللياقة البدنية "كروس فيت" (CrossFit) لتجد أن الالتقاء بالمجموعة كان حافزا قويا للأشخاص الذين واصلوا الالتزام في حضور الحصص. (7)
ربما يكون الاستعداد بأخذ حمام ساخن وتجهيز الملابس المناسبة وربما شرب القهوة وإعداد قائمة الموسيقى التي تحبها لتستمع إليها أثناء التمارين من الأمور الجالبة للمتعة. ربما عليك أيضا أن تجعل المكان الذي تمارس فيه الرياضة أكثر جاذبية أنشئ مكانا مريحا لممارسة التمارين أو اختر صالة ألعاب رياضية أو حديقة أو مكانا تُفضِّله للمشي البيئة المحيطة ستسهم في استمتاعك ومن ثم في قدرتك على الالتزام.
حسنا تبقى مشكلة الوقت التي يتذرَّع بها الجميع والطريقة الوحيدة الموثوقة للعثور على الوقت هي إعطاء الأولوية للتمارين. إذا كنت تعتقد أن التمرين اختياري فهذا يعني أنك ستسمح لنفسك بتخطيه وبدلا من ذلك حاوِل التفكير في الأمر باعتباره جزءا أساسيا من وظيفتك. حين لا تُمثِّل التمارين وزنا كبيرا فإنك تتخلى عنها بسهولة في روتينك المزدحم وتُفضِّل عليها أنشطة أخرى مثل تناول القهوة في الصباح أو متابعة مسلسلك المفضل وهكذا يكون "ضيق الوقت" مجرد عذر يجعلك تشعر براحة مؤقتة.
لا تعني الأولوية أنك بحاجة إلى جدول زمني صارم في دراسة نشرتها دورية "مانجمنت ساينس" (Management Science) عام 2020 أكَّد الباحثون أن منح نفسك المرونة لتحقيق أهدافك قد يزيد من فرصتك في النجاح درس الباحثون أكثر من 2500 موظف في غوغل واختاروا البعض عشوائيا للحصول على أموال مقابل الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية للشركة خلال فترة زمنية محددة رأوا أنها مناسبة بينما تُرك للمجموعة الأخرى حرية الذهاب في أوقات مختلفة وبينما اعتقد الباحثون أن الالتزام بأوقات محددة سيساعد في تكوين عادات أقوى فإن المفاجأة التي كشفتها الدراسة هي أن الأشخاص الذين سُمح لهم بمرونة أكبر للذهاب في أي وقت استطاعوا الاستمرار بينما كان التزام المجموعة المشاركة في المواعيد المحددة سلفا بصرامة أقل وبعضهم لم يذهب على الإطلاق. (8)
575cccbfa5