ولد الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة في دمشق بحي الميدان سنة ونشأ في بيت علم ودعوة تحيط به ظروف قلَّما تيسَّرت لغيره فهو سليل إحدى العائلات الدمشقيّة العريقة التي عُرِفت بالعلم وهو والعلم والدعوة - بدءًا من نشأته الأولى منذ ما يزيد عن ستين عامًا - توءمان لا يفترقان وكان لوالده الشيخ حسن حبنكة فضل تربيته وتأديبه وتعليمه.
درس الشيخ عبد الرحمن في معهد التوجيه الإسلامي الذي أنشأه والده وتخرج فيه عدد من علماء دمشق المعروفين.. كالشيخ الداعية الفقيه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والشيخ الدكتور مصطفى سعيد الخن والشيخ حسين خطاب والدكتور مصطفى البغا وغيرهم. ثم درس الشيخ في الأزهر الشريف وعمل بعد تخرجه في مديرية التعليم الشرعي التابعة لوزارة الأوقاف السورية ثم عضوًا لهيئة البحوث في وزارة التربية والتعليم في سوريا ثم انتقل إلى السعودية بعد عام 1967م ليعمل أستاذًا في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض ثم أستاذًا في جامعة أم القرى في مكة قرابة ثلاثين عامًا.
بدأت الكاتبة حديثها عن الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني نسبه وبيئته ونشأته ومسيرته العلمية والتعليمية ومنهجه في التأليف وأثر إنتاجه الفكري والعلمي في الساحة الثقافية والدعوية ثم استعرضت الكاتبة مؤلفات الشيخ حيث عرفت بكل مؤلف تعريفاً موجزاً.
شُيِّعَت جِنازةُ الشيخ عصرَ يوم الأربعاء وكانت جِنازةً حافلةً مشهودةً خرجَ فيها آلافُ المشيِّعينَ من العلماء والكُبَراء والعامَّة تملؤُهم الحسرةُ وتَمُضُّهُم الأحزان وصُلِّي عليه في جامع الأمير مَنْجَك في حيِّ المَيدان وأبَّنَهُ عقِبَ الصَّلاة شيخُ قرَّاء الشام فضيلةُ الشَّيخ محمد كريم راجح وألقى ولدُه الدكتور وائل قصيدةً في رثائه ثم وُوريَ الثَّرى بمقبرة الجُورَة في المَيدان.
ومن آرائه المشهورة أنه ذكر أربع نقاط يمكن للإنسان أن يقيس نفسه بها ويعرف ما إذا كان قوي الإرادة أم ضعيفها وهي: سرعة مبادرته للخيرات والطاعات التفاؤل بالخير دائما تلقي الأحداث بصبر ورضى ملك النفس عند الغضب. وقل: إن الإنسان إذا أراد أن يقوي إرادته الفعلية فعليه بما يلي: تقوية إيمانه بالله وبصفاته الحسنى وبقضائه وقدره التدريب العملي من خلال مجاهدة النفس ممارسات العبادات.
رحم الله الشيخ عبد الرحمن حبنكة فسجله الحافل بالتصدي للغزو الفكري وأكثر من ثلاثين عاما قدم فيها في المملكة العربية السعودية خلاصة فكره المنير لهي إضاءات أنارت قلوب وعقول شباب الأمة المسلمة.
ويعود نسب الشيخ إلى عرب بني خالد وهم قبيلة معروفة من قبائل العرب ولها منازلُ في باديةِ حماة من أرض الشام. والده الحاج مرزوق حبنكة ووالدته الحاجة خديجة المصري من قرية الكسوة جنوب دمشق.
تفقَّه الشيخ حبنكة أولاً على مذهب أبو حنيفة ثم على مذهب الشافعي. وكان الشيخ خطيباً مفوهاً ذا لسان فصيح يأسر لب المستمعين بعذب قوله وقوة بيانه ورفعة أدبه وعمق تفكيره وسهولة تعبيره. فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم.
قد شارك الشيخ محارباً في الثورة السورية على الاستعمار الفرنسي عام 1925م وكان الشيخ يطلب العلم وهو في مقتبل العمر في السابعة عشر من عمره هبَّ ليشارك الثوار المجاهدين وانضوى تحت لواء واحد من مشاهيرهم وهو الشيخ محمد الأشمر وشارك في قتال المغتصبين المحتلين.
ولما أرادت فرنسا فرض قانون الطوائف محاولة بذلك تغيير العديد من قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية قام الشيخ خطيباً ينبه العقول ويفضح الألاعيب ويُلهب المشاعر وكان لموقفه هذا أثره البالغ في إبطال العمل بذلك القانون المنحرف.
وعندما ضعفت شوكة الثورة انتقل إلى الأردن لسنتين من الزمان ثم عاد إلى بلده بعد أن هدأت الأوضاع فساعد في النهضة العلمية في دمشق. فعندما قام العالم الداعية الشيخ علي الدقر في النهضة العلمية الدعوية في دمشق ساعده الشيخ الميداني وقدم لها كل إمكاناته وكان مديرًا لإحدى المدارس التي أنشأها بالتعاون مع (الجمعية الغراء) جمعية الشيخ علي الدقر وهي مدرسة (وقاية الأبناء) وشهدت المدرسة في عهد إدارته نجاحاً باهراً وتخرج منها طلاب علم غدوا فيما بعد من أكابر علماء الشام.
ثم أسس (جمعية التوجيه الإسلامي) مع ثلة من المشايخ. وكان هدف هذه الجمعيات تخريج الدعاة والوعاظ ونشر العلوم الإسلامية وقد تخرج منها أكابر علماء الشام وشارك أيضًا في تأسيس رابطة العلماء في سورية وكان الأمين العام لها وأسس عدة جمعيات أخرى وانتُخب عضوًا للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة عن سورية خلفًا للشيخ مكي الكتاني .
وراح يوجه إلى قيام وإنشاء الجمعيات الخيرية التي تتولى جمع التبرعات من زكوات وصدقات لتوزع على المستحقين بكل أمانة ودقة وكانت فاتحة هذه الجمعيات (جمعية أسرة العمل الخيري).
المشاركات والمؤتمرات
كان للشيخ الكثيرُ من المشاركات في المؤتمرات والنَّدوات منها: مؤتمرُ التعليم الإسلاميِّ ومؤتمرُ الاقتصاد الإسلاميِّ اللذان عُقِدا في مكَّةَ المكرَّمَةِ ومؤتمرُ الأدب الإسلاميِّ الذي عُقِد في (لكهنو) الهند ومؤتمرُ الدعوة والدُّعاة الذي عُقِدَ في المدينة المنوَّرَة على ساكنها أفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم.
وله مشاركاتٌ كثيرةٌ في إلقاء المحاضَرات العامَّة والأُمسيَّات والنَّدوات العلميَّة ضمن الأنشطة الثقافيَّة داخلَ جامعة أمِّ القُرى وخارجَها.
وكان رحمه الله عضوًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وعضوًا في هيئة الإغاثة الإسلامية.
وله إسهاماتٌ تلفازيَّة وإذاعيَّة وقد استمرَّ في تقديم أحاديثَ إذاعيَّةٍ يوميَّة أو أُسبوعيَّة ما يزيدُ على 30 عامًا.
من جميل كلامه:
- اعْمَلْ لوجهٍ واحد يكفك الوجوه كلَّها.
- من عرف أن الله هو المغني استغنى بالافتقار إليه عما سواه.
- افتحوا مغاليق أفكار الناس بمفاتيح الفكر الإسلامي وافتحوا قلوبهم بمفاتيح الإيمان واليقين وافتحوا نفوسهم بمفاتيح الرحمة والإحسان والمعاملات الإسلامية القائمة على العدل والخير والبر والإحسان وصادق الأخوّة الإسلامية.
- وجهاد النفس يكون بمقاومة جهلها وانحرافاتها الفكرية والاعتقادية بالعلم والمعرفة الحقة وبمقاومة شهواتها الجامحة وأخلاقها الجانحة بوسائل التربية الفضلى والسلوك الأقوم.
- متى نفخ الكبر في أنف صاحبه واستولى على عقله وإرادته ساقه بعنف إلى غمط الحق وطمس معالمه.
- ما أشبه السورة القرآنية بشجرة متشابكة ذات فروع وأوراق وثمرات مليئة بالتنسيق الجمالي المتداخل الذي يُرى له جمالٌ رائع من مختلف جهات النظر ومشبعة بالعناصر الجمالية المعجبة السارة الممتعة .
- مثل الذي يقول بأن الرجل والمرأة سواء في جميع الحقوق والواجبات والوظائف كمن يحاول أن يسوي بين أعضاء الجسد الواحد في وظائفها الجسدية والنفسية فيُكره الأيدي على أن تساعد الأرجل في المشي ويتحسر على العيون لأنها لا تسمع وعلى الآذان لأنها لا تبصر.
- بعض الصالحين يدرك بفطرته وإشراق روحه ما لا يدركه كثير من علماء الإدراك الحسي والاستنتاجات العقلية.
- ألا تعلم أن الدنيا إذا اكتملت في عين صاحبها فإما أن يؤخذ منها أو أنها تؤخذ منه.
- لا تطلبوا الحكم والسلطان ولكن اعملوا لنشر الإسلام والإقناع به فمتى علم الله أنكم صرتم أهلاً للحكم والسلطان استخلفكم كما استخلف الذين من قبلكم.
- لولا أن الإسلام حق بذاته مؤيد بتأييد الله محفوظ بحفظه لم تبقى منه بقية تصارع قوى الشر في الأرض التي ما تركت سبيلاً من المكر إلا سلكته ولا سبباً لإطفاء نوره إلا أخذت به ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
- إن أعداء الإسلام يضعون القبائح بأيدي أجرائهم وبعض الجهلة والأغبياء من المسلمين ليحاربوا الإسلام والمسلمين بها.