أثّرت الحالة السياسية والكوارث الداخلية والخارجية التي حلت بالبلاد الإسلامية في القرون الثلاثة (الخامس والسادس والسابع) على الحركة العلمية والنهضة الثقافية سلباً وإيجاباً فمن جهة: ركدت الحركة العلمية وقصرت الهمم وجمد الاجتهاد وساد التقليد. وكان للفساد الاجتماعي والانحلال الخلقي بين الناس أثرٌ على العلم والعلماء الذين آثر كثير منهم اعتزال المجتمع والانقطاع إلى العلم والعبادة والابتعاد عن الحكام والأمراء بينما كان فريق آخر يقف في وجه الانحراف ويسعى إلى تقويم السلوك وإصلاح المجتمع ويقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتصدى لتصرفات الحكام والأمراء. وشهد القرن السابع الهجري أعظم النكبات التي حلت بالثروة العلمية والتراث الإسلامي الضخم فقُتل عدد كبير من العلماء وحُرقت الكتب والمكتبتات وهاجر كثير من العلماء من بلادهم إلى مكان آخر يأمنون فيه على دينهم وعلمهم ويمارسون نشاطهم ودروسهم ويركنون فيه إلى البحث والتأليف. أضف إلى ذلك الفتن المذهبية التي كانت تعمل عملها في الداخل فالصراع شديد بين الباطنية وأهل السنة وبين أهل السنة مع بعضهم البعض وبين المسلمين وأهل الذمة.[5]
وأما لقب سلطان العلماء فقد لقبه به تلميذه الأول ابن دقيق العيد كما ذكره ابن السبكي فقال: وهو الذي لَقَّب الشيخ عز الدين سلطانَ العلماء.[7] ووجه هذه التسمية أنه أكّدَ مكانة العلماء ورفع ذكرهم في عصره وجسّد ذلك في مواقفه في الإنكار على الحكام والسلاطين والأمراء لبعض تصرفاتهم المخالفة وقارعهم بالحجة والبيان فغلبهم وكان على رأس العلماء في هذا الموقف الصلب مما عرّضه لكثير من المتاعب. واشتهر العز بن عبد السلام بهذا اللقب ونقله معظم الكتاب والمؤلفين والمترجمين له واتفقوا على استحقاق العز لهذه التسمية ولكنهم اختلفوا في تعليلها فذهب بعضهم إلى التعليل السابق وقال كثيرون: إنه اشتهر بهذا اللقب لنظراته التجديدية ونفوره من التقليد وبلوغه مرتبة الاجتهاد وخاصة أنه عاش في عصر شاع فيه التقليد والتزم الناس به وهمس بعضهم بقفل باب الاجتهاد وعكفوا على كتب السابقين وآرائهم ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والاستنباط ومواجهة الظروف المتغيرة والمسائل الجديدة والقضايا المطروحة فخرج العز عن هذا الطوق بقوله وفعله واجتهاده وتصنيفه.[11]
كانت دمشق في زمن العز بن عبد السلام حاضرة العلم والعلماء منذ العصر الأموي يقطنها العلماء من كافة الفنون ويجتمع فيها أئمة العلم البارعون ويقصدها الطلبة من كافة الأصقاع وكان المسجد الأموي جامعةً للعلوم والطلاب والعلماء.[13] ويظهر من سيرة العز بن عبد السلام أنه عاش في أسرة فقيرة مغمورة فلا يوجد ذكر صريح لأبيه وأمه أو أجداده وأعمامه وأخواله أو أي شيء عن مراحل طفولته وكل ما تذكره المصادر أنه ابتدأ العلم في سن متأخرة يقول ابن السبكي عن والده:
وتوجه العز إلى طلب العلم بجد واجتهاد وهمة عالية ليُعَوِّض ما فاته في المدة السابقة من طفولته وصباه فقصد العلماء وجلس في حلقاتهم ينهل من علومهم ويكب على الدراسة والحفظ والفهم والاستيعاب حتى حفظ التنبيه في فينة قصيرة واجتاز العلوم بمدة يسيرة وهو ما تحدث به عن نفسه فقال: ما احتجتُ في عِلم العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه وما توسطته على شيخ من المشايخ الذين كنتُ أقرأ عليهم إلا وقال لي الشيخ: قد استغنيتَ عني فاشتغل مع نفسك ولم أقنع بذلك بل لا أبرحُ حتى أكمل الكتاب الذي أقرؤه في ذلك العلم.[16] وكان يقول: مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حتى أُمِرَّ أبوابَ الأحكام على خاطري.[13]
وجمع العز في تحصيله بين العلوم الشرعية والعلوم العربية فدرس التفسير وعلوم القرآن والفقه وأصوله والحديث وعلومه واللغة والتصوف والنحو والبلاغة وعلم الخلاف. ولم يكتف العز بدراسة هذه العلوم ولكنه تفوق في معرفتها والتأليف فيها ولذلك قال ابن العماد الحنبلي: وبرع في الفقه والأصول والعربية وفاق الأقران والأضراب وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف أقوال الناس ومآخذهم وبلغ رتبة الاجتهاد.[13][17]
تمثل هذه القضية أول مواقف العز بن عبد السلام بدمشق وصدامه مع الملك الأشرف موسى الأيوبي وكان العز قد ذاع صيته واشتهر علمه وظهرت شخصيته في الحياة العلمية وعلى المستوى الرسمي والشعبي وكان العز على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري من أهل السنة والجماعة في العقيدة وصِفات الله تعالى ومنها صفة الكلام ويقول: إن كلام الله تعالى معنى قائم بذاته قديم أزلي وليس بحرف ولا صوت خلافاً لبعض الحنابلة وكان الملك الأشرف يميل إلى الحنابلة ويستمع إليهم فاستغلوا ذلك وأوغروا صدره على العز فوقعت الواقعة. وأحداث الفتنة طويلة خلاصتها ما نقله محمد الزحيلي عن عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام:
وبدأت الجولة الأولى باستفتاء العز في مبايعة الفرنج للسلاح فقال: يَحْرم عليكم مبايعتهم لأنكم تتحققون أنهم يشترونه ليقاتلوا به إخوانكم المسلمين ثم صعد منبر المسجد الأموي الكبير وذمَّ موالاة الأعداء وقبّح الخيانة وشنّع على السلطان وقطع الدعاء له بالخطبة وصار يدعو أمام الجماهير بما يوحي بخلعه واستبداله ويقول: اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رَشَداً تُعِزّ فيه وليَّك وتُذِلُّ فيه عدوَّك ويُعمَل فيه بطاعتك ويُنهى فيه عن معصيتك والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين والنصر على الأعداء.[22]
استمر إسماعيل في مطاردة العز وهو في طريقه إلى القدس وأراد مساومته بالتراجع عن رأيه والاستسلام للسلطان يقول عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام محدثاً عما حدث لوالده:
وأراد إسماعيل أن يتبجح أمام الصليبيين بما فعل بالعز وكان العز يقرأ القرآن والسلطان يسمعه فقال لملوك الصليبيين: تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن قالو: نعم قال: هذا أكبر قُسُوس المسلمين وقد حبسته لإنكاره عليَّ تسليمي حُصُون المسلمين وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه ثم أخرجته فجاء إلى القدس وقد جَدّدتُ حبسه واعتقاله لأجلكم فقالت له ملوك الفرنج: لو كان هذا قِسِّيسَنا لغَسلنا رجليه وشربنا مَرَقَتها.[24] وبقي العز في المعتقل حتى جاءت العساكر المصرية فانتصروا وقتلوا عساكر الفرنج بالقدس وانهزم أعوانهم ونجى العز بن عبد السلام فتابع سيره إلى الديار المصرية[25] فأقبل عليه السلطان الصالح أيوب وولاه خطابة مصر وقضاءها وفوَّض إليه عمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.[22][26]
يوصف الصالح أيوب بأنه كان طموحاً فعندما أراد أن يُقوِّيَ جيشَه ويَصطفيَ قُوَّادَه ويَحميَ نفسَه اشترى (من مال الدولة) المماليك الأتراك واستجلبهم من أواسط آسيا وغربها ودَرَّبهم على الفروسية والفُتوَّة والقتال حتى نالوا ثقته فاتسع نفوذهم حتى صاروا أمراءَ الجيش وقادتَه وبلغ أحدُهم أن صار نائب السلطان مباشرة فلما تولى العز منصب قاضي القضاة اكتشف الخلل في الإدارة والسلطة وأن القادة الأمراء لا يزالون في حكم الرق لبيت مال المسلمين ولم يَثبُتْ عند الشيخ أنهم أحرار وبالتالي فإن الحكمَ الشرعي عدمُ صحة ولايتهم من جهة وعدمُ نفوذ تصرفاتهم الخاصة والعامة من جهة أخرى. ومع ذلك فإن العز لم يُشهر بهم ولم يرفع راية العصيان المسلح عليهم وإنما بلّغهم ذلك أولاً وأوقف تصرفاتهم ثانياً ولم يصحح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً وتعطلت مصالحهم بذلك وكان من جملتهم نائب السلطان[28] فلما بلغهم ذلك عظم الخطب عليهم واضطرب أمرهم واستشاطوا غضباً وثارت ثائرتهم ولكنهم كبحوا جماح الغضب وجاؤوا للعز بالحسنى والمساومة واجتمعوا به للاستفسار عن مصيرهم في رأيه فصمم على حكم الشرع وأنه يجب بيعهم لصالح بيت المال ثم يتم عتقهم ليصبحوا أحراراً ثم يتولوا تصريف الأمور وقال لهم بكل وضوح وصراحة: نعقد لكم مجلساً ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين ويحصل عتقكم بطريق شرعي فرفضوا واستكبروا ولم ينفردوا باتخاذ القرار بشأن العز فرفعوا الأمر إلى السلطان أيوب فبعث إليه وراجعه فلم يرجع فجرت من السلطان كلمةٌ فيها غلظة على العز وحاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر الذي لا يعنيه ولا يتعلق به.[27]
bd95a233a5