... غير أنّ حيوانا جديدا ظهر على سطح الأرض في الآونة الأخيرة . وهذا الحيوان الجديد اسمه: المواطنون. إنّهم لا يعيشون في الغابات ولا في الأدغال بل في المكاتب. ومع ذلك فإنّهم أشدّ قسوة وضراوة من الحيوانات المتوحّشة في الأدغال. لقد ولدوا من اتّحاد الرجل مع الآلات.
إن رواية الساعة الخامسة والعشرون أحد أكثر الأعمال السردية الباعثة على أسئلة جذرية حول مصير الإنسان المأسوي فعالم الرواية الافتراضي متاهة يتعذر أن ينجو منها أحد . وعلى النقيض من معظم الأعمال السردية حيث يختل توازن الأحداث ثم يعاد في النهاية فإن نسق الاختلال يتعمق بمرور الزمن ولا يعود إلى سابق عهده أبداً رواية تتجلى فيها أصداء الملاحم الكبرى والتراجيديات الإغريقية و المآسي الشكسبيرية ومجمل الأعمال التي انصب اهتمامها عل مصير الإنسان لذلك فهي تنتسب إلى سلالة الآداب السردية الرفيعة الخالدة كثير منن الروايات يتلاشى حضوره مع الذاكرة بمرور الأيام وتصبح استعادة أجوائه صعبة وربما شبه مستحيلة وقليل منها يدمغ الذاكرة بختمه الأبدي ومن ذلك القليل النادر رواية الساعة الخامسة والعشرون.
اقتباسات ومقتطفات من رواية الساعة الخامسة والعشرون أضافها القرّاء على أبجد. استمتع بقراءتها أو أضف اقتباسك المفضّل من الرواية.
إن الإنسان سيصبح مغلولا خلال سنين طويلة في المجتمع التقنيّ لكنه لن يموت في الأغلال. فالمجتمع التقنيّ يستطيع ابتداع رفاهيّة. لكنه لا يستطيع خلق الفكر. و من دون الفكر لا توجد العبقرية. و مجتمع محروم من رجال عباقرة مجتمع محكوم عليه بالفناء.
إنه ليس الأسف للبقاء بل إنه الحنين إلى شيء نعتقد في صحته في خيالنا شيء لن نمتلكه أبدا. و إذا بلغناه فإننا سرعان ما نجد أنه لم يكن هو موضوع أحلامنا.
لعل أمريكا لم تكن هدفي المنشود. لعلها كانت حجة اكتئابي. إن أمريكا ليست إلا اختراعا لفقه حنيننا. و قد يكون عدم رؤيتها أقل خيبة لآمالنا مما لو شاهدناها حقيقة.
ذالك الحنين الى شيء نعتقد في صحتهه في خيالنا.شيء لن نمتلكهه ابدا واذا بلغناهه فاننا سرعان ما نجد انه لم يكن موقع احلامنا . لعلهه حجة اكتئابنا و ليس الا اختراعا خلقهه حنيننا وقد يكون عدم رؤيتهه اقل خيبة لامالنا مما لو شاهدناهه في الحقيقة
هذا التحول البطيء سيقلب الكائن الحيّ و سيجعله متخليا عن أحاسيسه و علاقاته الإجتماعية و يجعلها محصورة في حدود ضيقة واضحة آليّة تماما كتلك العلاقات التي تجمع بين قطعة آلة و أخرى.
لقد خلق الغرب حضارة تشبه الآلة و هو يرغم الأنسان على الحياة في صميم هذا المجتمع ويدعو الى التطبع بطبائع الآلات و قوانينها . لكنهم بذلك يقتلون الانسان بأخضاعه للقوانين التي تهيمن على الشاحنات و الساعات .
المجتمع الغربي عاجز عن الاعتراف بالرجل الحي . و هو عندما يعتقل شخصاً أو يقتله فإنه لا يعتقل شيئاً حياً بل رقماً أو إشعاراً .
الغرب ينظر الى الانسان بعيني التقنية .أما الإنسان المخلوق من لحم و عظم القادر على الشعور بالفرح و الألم .فإنه غير موجود .
لم يرتعد مرة امام الانسان لأنه يعرف أن بني الأنسان يتمتعون بطيب النفس و خبثها معا فكان بعضهم ميالا للطيبة و البعض الأخر للخبث .لكنهم كانوا جميعا يجمعون بين الأثنين .
كنا قد انتصرنا على البربرية و بدأنا نحترم المخلوق البشري و نقدره. لقد كنا في بداية المرحلة و كان يجب علينا ان نتكلم اكثر فأكثر. غير ان العصر التقني قد حطم كل ما ربحناه و أقمناه خلال قرون من الحضارة. لقد ادخل المجتمع التقني من جديد احتقار الكائن الإنساني. لقد تحول الانسان اليوم الى مقياسه الاجتماعي فحسب ....
"أن اليونان و المصريين ما كانوا ليكبلوا ايدي عبيدهم و ارجلهم بالحديد لو كانت لديهم الوسائل التي لمجتمعنا المتمدن "
رواية حزينة جداً من اول السطور تصبح حبيسها وماتكدر بعد تفارقها بدون ماتكملها رواية حقيقية وذات هدف رائع ونقد لاذع بأسلوب ساخر احياناً وادبي احياناً اخرى .
الرواية تمتثل لأساليب الكتابة الكلاسيكية بمشاهدها السردية الطويلة وحواراتها المستفيضة المفعمة بالمشاعر الإنسانية الأصيلة وبتنامي الأحداث تباعاً دونما ثغرة أو فراغ وبذلك تتجنب أية حذلقة من تلك التي يسعى إليها كثير من الكتاب جهلاً بمعايير الكتابة الأصيلة فما إن يشرع القارئ في قراءتها حتى ينزلق إلى عالمها الافتراضي فيتعذر عليه مغادرته لأن علاقاته بالشخصيات تأسست على قاعدة من المشاركة والمصاحبة في كل شيء.
تقترح الرواية قضية أخلاقية مركّبة لها صلة بالدين والمصير والهوية والحرية والاستعباد والمنفى فتربطها بالأيديولوجيات المتطرفة التي تعجز عن الاعتراف بالذات البشرية فتلجأ إلى إعادة إنتاج الإنسان باعتباره عدواً يهدد سلامة الجماعة وبذلك تبيح لنفسها الفتك بأية وسيلة تتوفر عليها وتخترق الرواية بأجمعها وتخيم عليها نبرة مأساوية تتبطّن شخصياتها الأساسية فلا تنفك تتقبل الأذى سعياً لبراءة فتنتهي إلى الاعتراف بأنها غير قادرة على مواجهة عالم جعل من الشر ركناً أساسياً من أركانه فانحسر الخير وتوارى ولم يعد إلا ذكرى حبيسة في القلوب التي أنهكها التعذيب والترحيل.
تتجلى في الرواية أصداء الملاحم الكبرى والتراجيديات الإغريقية والمآسي الشكسبيرية ومجمل الأعمال التي انصب اهتمامها على مصير الإنسان فكل ذلك يصلح أن يشكل خلفية لقراءة الرواية التي تنتسب إلى سلالة الآداب الرفيعة الخالدة.
تضمنت الرواية تركيباً سردياً متداخلاً يندرج ضمن ما يصطلح عليه بالسرد الكثيف وفيه يقوم تريان كوروغا بكتابة رواية بعنوان الساعة الخامسة والعشرون عن مخاطر الحياة الغربية الحديثة التي اتجهت إلى قهر الإنسان باسم الحداثة وقد انتقى شخصيات روايته من معارفه ومن أقاربه ثم راح يتعقب مصيرها في ظل وقائع الحرب العالمية الثانية حيث التمييز قائم بين الناس على أساس الدين والعرق والأيديولوجيا وما الساعة الخامسة والعشرون إلا تلك الساعة التي يتعذر فيها على الإنسان النجاة بحياته من هلاك مؤكد هي اللحظة التي تكون فيها كل محاولة للإنقاذ عديمة الجدوى إنها ليست الساعة الأخيرة بل هي ساعة ما بعد الساعة الأخيرة ساعة المجتمع الغربي إنها الساعة الراهنة الساعة الثابتة المضبوطة.
نجحت رواية الساعة الخامسة والعشرون في بناء عالم افتراضي مذهل في سعته وكابوسيته فقد تحركت الشخصيات بين الأرياف والمعسكرات وبين القرى والمدن وبين القصور والمعتقلات وبين الكنائس والبيوت وترحّلت في دول كثيرة مجبرة دونما أمل في النجاة وانقلبت مصائرها رأساً على عقب وتقلبت بها الأحوال بين الكرامة والإذلال والأمل واليأس والفقر والثراء والصحة والمرض والمقاومة والاستسلام وتضاربت أحلامها مع واقعها المرير وانتهت على نهايات تقشعر لها الأبدان.
59fb9ae87f