12/11/2005 12:30
بقلم :ماريانا بيلينكايا المعلقة السياسية لوكالة " نوفوستي"
تشهد روسيا عهد الصحوة الدينية. وأدرك المجتمع الروسي بعد عقود السنين من
ملاحقة الأديان وبصورة مفاجئة له أنه يتألف من أرثوذكس ومسلمين ويهود
وبوذيين وغيرهم.
وفي أغسطس عام 2003 أعلن في أثناء الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس
الروسي فلاديمير بوتين إلى ماليزيا نهج التقارب بين موسكو ومنظمة
المؤتمر الإسلامي. وقوبلت مبادرة بوتين بالحماس في منظمة المؤتمر
الإسلامي، وفي أكتوبر عام 2003 شارك الرئيس الروسي بصفة ضيف في قمة
المنظمة التي عقدت في ماليزيا أيضا. ويومذاك أعلن عن نية موسكو في
الحصول على وضع مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي. لكن انبثقت مشكلة فنية
– إذ لم تحصل أية بلاد على مثل هذا الوضع في المنظمة ، دون أن تتوفر
لديها النوايا لاحقا للانضمام إليها كعضو كامل الحقوق. وروسيا لا
تستطيع لأسباب عديدة – بضمنها كون المسلمين يشكلون أقلية فيها -
الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. وفي النتيجة وبعد مشاورات طويلة مع
ممثلي الأقطار الإسلامية حصلت روسيا في لقاء وزراء خارجية البلدان
الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في اليمن في يونيو عام 2005
على وضع المراقب المنشود.
ويشير الدبلوماسيون في روسيا قائلين "إننا حققنا بنتيجة الاتصالات
المستمرة مع العالم الإسلامي التفاهم المتبادل حول الشأن الشيشاني،
وأغلقت قنوات كثيرة لورود الأموال إلى المنظمات الإرهابية، العاملة في
أراضي روسيا". ولهذا فإن إقامة صلات وثيقة بين موسكو والعالم الإسلامي
هي مسألة تتعلق بالدرجة الأولى بسياسة روسيا الداخلية. وتنخرط روسيا
شيئا فشيئا في المجال الإسلامي. وهذا شيء طبيعي. إذ يقطن في البلاد
حوالي 20 مليون مسلم، وتتطور الأمة الإسلامية فيها بصورة ديناميكية جدا.
وقد أعقبت الصحوة الإسلامية في روسيا عملية تشكيل هوية المسلمين الروس
كقوة سياسية. إنهم يصبون إلى أن يصبحوا لاعبين مستقلين ومتنفذين على
الساحة السياسية للبلاد. وفي خلال العام الأخير فقط ظهرت في روسيا عدة
منظمات اجتماعية إسلامية ، لكن أفعالها تقتصر لحد الآن على إصدار
البيانات.
وأشار فينيامين بوبوف سفير المهام الخاصة المكلف بالعلاقات مع منظمة
المؤتمر الإسلامي وغيرها من المنظمات الإسلامية الدولية في حديث مع
"نوفوستي" قائلا " إذا ما كنا نريد الحؤول دون تقسيم العالم وفق المبدأ
الديني- الحضاري ، وهذا الاتجاه موجود إذ يحاول المتطرفون من كافة
الأنحاء دفعنا إلى ذلك، فيجب علينا عمل كل ما في وسعنا من أجل إجراء
الحوار بين الحضارات. وبوسع روسيا أن تسهم برصيد ملموس في ذلك، لأن
التعامل بين الطوائف يجري هنا على مدى أكثر من ألف عام.
من جانب آخر أكد الشيخ نفيع الله عشيروف الرئيس المناوب لمجلس المفتين في
روسيا في حديث مع "نوفوستي" على أن " سعي بوتين إلى التقارب مع العالم
الإسلامي يعطي إلى المسلمين أينما كانوا الفرصة للعيش وتبوأ المكانة
اللائقة بهم في السياسة والاقتصاد في العالم ، وهذا يعطي إلى روسيا
إمكانيات أكبر على صعيد السياسة الخارجية". وقول بوتين "أن مسلمي روسيا
البالغ عددهم عشرين مليونا يجب أن يشعروا بأنهم يشكلون جزءا من العالم
الإسلامي" قد أعطى إلى "مسلمي روسيا نبضة من الروح الوطنية التي ما
كانوا يتحسسونها دائما في الأعوام الأخيرة بسبب الأحداث الجارية في
روسيا". وأكد عشيروف قائلا " إذا ما شعر المسلمون بصفتهم جزءا من المجتمع
الروسي بالارتياح من العيش في روسيا ، ويفتخرون بالبلاد التي يعيشون
فيها ، فسيكون ذلك ضمانة استقرار وازدهار دولتنا".
تاريخ مسلمي روسيا
يشغل الإسلام المرتبة الثانية في روسيا من حيث عدد المنتسبين إليه. وحسب
التقديرات المختلفة فإنه يقطن في روسيا من 11 إلى 22 مليون مسلم. وهم
يشكلون نسبة من 8 إلى 15 بالمائة من مجموع سكان روسيا الاتحادية .
ولا يعرف عدد المسلمين بالضبط لأن قضية الانتماء الديني لم تطرح في أثناء
إجراء تعداد السكان العام في روسيا الذي جرى في عام 2002 . كما لا يفهم
من هو الشخص الذي يعتبر نفسه مسلما؟ ويعتقد البعض أن المسلم هو من يرتاد
المسجد في يوم الجمعة ويؤدي جميع الفرائض . وكما يقول البروفيسور ألكسي
مالاشينكو، الدكتور في التاريخ، فإن عدد هؤلاء يبلغ حوالي ثلاثة ملايين
شخص. أما وجهة النظر الأخرى فتتلخص في أن المسلم هو كل من ينسب نفسه إلى
الطائفة الإسلامية في روسيا، والى الأمة الإسلامية في العالم. ولا يهم
في هذه الحالة معرفة عدد المرات التي يؤدي فيها الصلات وفيما إذا كان
يتمسك بأداء جميع الفرائض الإسلامية أم لا.
وحسب أقوال رفائيل حكيموف، مستشار رئيس جمهورية تتارستان للشئون
السياسية، فإنه طبقا للاستطلاعات السوسيولوجية تعتبر نسبة تربو على 80
بالمائة من الشباب التتاري نفسها من المسلمين ، لكن نسبة 2 بالمائة فقط
منهم ترتاد المساجد مرة واحدة في الأسبوع ونسبة 4 بالمائة ترتادها مرة في
الشهر. علما أن نسبة الملحدين علنا في تتارستان تقل عن 1 بالمائة. وقد
أصبح الإسلام بالنسبة إلى التتار جزءا من الحضارة في أغلب الظن. وفي
الوقت ذاته تنسب غالبية السكان نفسها إلى الأمة الإسلامية. وتوجد تقديرات
للخبراء تفيد بأن عدد المسلمين في روسيا بعد ثلاثة عقود من السنين يمكن
أن يصل إلى 30 – 40 مليونا. وتعزى الزيادة الكبيرة إلى نسبة المواليد
العالية في العوائل الإسلامية وكذلك إلى الهجرة من بلدان رابطة الدول
المستقلة إلى روسيا.
لقد تزامن ظهور الإسلام في أراضي روسيا المعاصرة عمليا مع انتشار
المسيحية في البلاد. وقد جاء الإسلام إلى شمال القوقاز لأول مرة في
النصف الثاني من القرن السابع الميلادي. واعتنق التتار الإسلام في مناطق
حوض الفولجا في القرن العاشر/اعتنقت روسيا القديمة المسيحية في عام 988
الميلادي/. وعندما جاءت القوات الروسية إلى سيبيريا في القرن السادس عشر
كان تتار سيبيريا قد اعتنقوا الإسلام قبل ثلاثة قرون.
وساعد الإسلام على تلاحم شعوب روسيا أثنيا ومنهم التتار والبشكير
والشيشان والإنغوش والقبرطيون والداغستانيون وغيرهم. كما ساعدهم على
الاحتفاظ بهويتهم القومية، وعدم الانصهار وسط الشعوب الأخرى.
واليوم ينتمي مسلمو روسيا إلى حوالي 40 قومية. وأكبرها – التتار ( أكثر
من 5 ملايين نسمة وهم يشكلون نسبة 4 بالمائة من سكان روسيا، ويحتلون
المرتبة الثانية بعد الروس) والبشكير ( أكثر من مليون نسمة) والشيشان
(حوالي مليون نسمة).
وقد تواصل التوسع الروسي في المناطق التي تقطنها أغلبية إسلامية في النصف
الثاني من القرن السادس عشر / حين جرى غزو دولة خان قازان- في منطقة
جمهورية تتارستان الحالية/ وحتى نهاية القرن التاسع عشر. وبنتيجة ذلك ضم
إلى الإمبراطورية 18 مليون مسلم كانوا يقطنون أساسا في مناطق حوض
الفولجا والقرم وآسيا الوسطى والقوقاز. وأدى ازدياد عدد المسلين إلى
إرغام السلطات على البحث عن طرق مختلفة لدمجهم في بنية الدولة الروسية
الأرثوذكسية.
وأصدرت الإمبراطورة يكاترينا الثانية في 22 سبتمبر (أيلول) عام 1788 أول
وثيقة تشريعية تنظم " الشئون الدينية " للمسلمين في أراضي الإمبراطورية
وهي المرسوم الذي نص على أن يتم في مدينة أوفا تشكيل مجلس من "تتار
قازان" برئاسة المفتي من أجل تولى الرقابة على تعيين أئمة المساجد
واختبار المرشحين لتولي المناصب الدينية الإسلامية. ومنذ النصف الثاني من
القرن التاسع عشر هيمن في السياسة الإمبراطورية الروسية مبدأ وحدة روسيا
كدولة والذي ارتبط بفكرة الدولة القومية . وكان ذلك يقضي بإشراك "
الغرباء" في شئون كيان الدولة الروسية والحضارة الروسية.
وبهذا فإن تاريخ الإسلام في روسيا يظهر أن غالبية مسلمي روسيا هم من
أهالي البلاد الأصليين. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الأمة
الإسلامية في البلاد " إنهم ليسوا من المهاجرين، إنهم مواطنو روسيا ، ولا
يوجد لديهم وطن آخر".
وفي العهد السوفيتي لم يكن هناك مجال للكلام عن أي حوار بين الدين
والدولة. علما أن الحياة الدينية تواصلت ، لكن لم يجر تشجيع أداء الشعائر
الدينية ، بل بالعكس كان يتعرض من يؤديها للملاحقة. وتوصف نهاية القرن
العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين بأنها فترة الصحوة الدينية وبضمنها
الإسلامية.
كان يوجد في الإمبراطورية الروسية في مطلع القرن العشرين حوالي 12 ألف
مسجد، بينما لم يبق منها في الاتحاد السوفيتي في أواسط الثمانينات سوى
343 مسجدا أغلبها في مناطق آسيا الوسطى. وفي مطلع فترة "البيريسترويكا"
في عام 1985 بدأت عملية إعادة المساجد القديمة وبناء أخرى جديدة.
وبحلول عام 2000 بلغ عدد المساجد في أراضي روسيا الاتحادية قرابة نصف
عددها قبل الثورة. وسجل رسميا 4750 مسجدا، أما في الواقع فإن عددها أكبر
طبعا. ويتراوح عدد المساجد في داغستان وحدها ما بين 1600 و 3000 مسجد.
ويلاحظ وضع مماثل في شمال القوقاز حيث يوجد في كل مركز سكنى مصلى أو
أكثر. وفي تتارستان تجاوز عدد المساجد في خلال عشرة أعوام على الألف
مسجد. وفي العاصمة الروسية حيث يقطن أكثر من مليون مسلم و20 جماعة
إسلامية توجد ستة مساجد. وطبقا لتقديرات الخبراء الروس فيمكن القول أن
عدد المساجد في روسيا الاتحادية يربو على 7 آلاف مسجد على الأقل في الوقت
الحاضر.
إن غالبية مسلمي روسيا ينتمون إلى الطائفة السنية. ويوجد في روسيا أتباع
مذهبين هما : الشافعي في شمال القوقاز ، والحنفي في بقية أرجاء البلاد.
وتصبو إلى كسب وضع منظمة فيدرالية /مركزية/ ثلاث منظمات إسلامية هي :
1 – مجلس المفتين في روسيا (مقره بموسكو) ورئيسه المفتي راوي عين الدين.
ويتبعه أكثر من 1500 جماعة إسلامية.
2 - الإدارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا ( مقرها في أوفا) ويترأسها
المفتي طلعت تاج الدين، ويتبعها حوالي 500 جماعة إسلامية.
3 – المركز التنسيقي لمسلمي شمال القوقاز برئاسة إسماعيل بيردييف مفتي
جمهورية القرشاي- الشركس واقليم ستافروبليه – حوالي 800 جماعة إسلامية.
علما أن مجلس المفتين في روسيا والإدارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا
في وضع المجابهة.
مسلمو روسيا والسياسة
طبقا لتقديرات الباحثين في الشئون الإسلامية فإنه نظرا لعدم وجود طائفة
(أو جماعة) إسلامية روسية موحدة لا يمكن ولا يعتقد أن من الممكن تشكيل
حركة سياسية إسلامية موحدة. وقد جرت مثل هذه المحاولات، وفي أواسط
التسعينيات ظهرت في روسيا حركات سياسية إسلامية. لكنها كانت جميعا تتمتع
بالنفوذ في الأقاليم حصرا.
إن المحاولات تستمر لتوحيد الصفوف على أساس ديني و ديني – سياسي. ويشير
مالاشينكو إلى" أن زعماء روسيا المسلمة – هم أساسا من الزعماء
الإقليميين ، ولو أن بعضهم يتوق إلى كسب وضع زعيم لعموم روسيا". أما على
صعيد الأقاليم فإن عامل الإسلام السياسي يمارس دورا ملحوظا جدا.
وقال كمال جان قلنداروف، رئيس المنظمة الاجتماعية الإسلامية " الحق"، في
حديث مع " نوفوستي" : "إن توجيه الإهانات إلى الإسلام وإدراك المشاكل
الموجودة في داخل الأمة ، أدت في نهاية المطاف إلى أن أدركت النخبة
الإسلامية في روسيا ضرورة تنشيط جهودها على الصعيد الاجتماعي".
وحسب قوله فإنه لم توجد في روسيا خلال أعوام كثيرة منظمة اجتماعية تجسد
مصالح الأمة الإسلامية كلها. ونشأت بين حين وآخر أحزاب وكتل عابرة
تشكلت كقاعدة بمناسبة إجراء الانتخابات في مجلس الدوما ، ثم كانت تزول من
الوجود عمليا. وفي نهاية المطاف تأسست لأول مرة في غضون خمسة أعوام حركة
" الحق " الإسلامية لعموم روسيا على قاعدة معهد حقوق الإنسان، وسجلت
رسميا.
والآن تجري معاملات تسجيل حركة اجتماعية أخرى هي "التراث الإسلامي
الروسي". وجدير بالذكر أن ممثلي السلطة يشاركون في عمل هذه الأخيرة
ومنهم عمر جبرائيليوف وراليف صافين عضوا مجلس الفيدرالية لبرلمان روسيا
الاتحادية، كما أنهما من كبار رجال الأعمال. وهذا يدل ليس فقط على نشاط
النخبة الإسلامية، بل ويعكس اهتمام السلطات الروسية بتكوين منظمات
اجتماعية إسلامية. فإن الدولة لا تستطيع التعامل بدونها مع المشاكل
القائمة.
كما تظهر في روسيا منظمات إسلامية أخرى. علما أن إحدى المهام الرئيسية
لمنظمة " الحق" هي الدفاع عن حقوق المسلمين، والقيام بدور الوساطة بينهم
وبين السلطات في الأقاليم. وكما أشار قلنداروف " إذا ما كانت الإدارات
الدينية تسيطر على المساجد الإسلامية فإننا نريد التحكم بالعمليات
الجارية خارج المساجد". وبوسع المنظمات الاجتماعية أن تقوم بدور الوسيط
في الخلافات الناشئة في أوساط المسلمين، وكذلك أن تمارس دور الوسيط بين
الأمة الإسلامية والدولة.
وتقيم الحركة اليوم صلات وثيقة مع الإدارات الدينية، ومهمتها الأساسية
هي افتتاح فروع لها في الأقاليم. كما أن حركة " التراث الإسلامي الروسي"
توجه نشاطها نحو الأقاليم. وترى كلتا الحركتين أن من الضروري إعطاء
الفرصة للشباب المسلم، الذي لا يستطيع أن يجد مكانا له في المؤسسات
الدينية الرسمية، لكي يمارس النشاط الاجتماعي والسياسي الفعال.
وقال قلنداروف " نحن نضع أمامنا مهمة دخول هيئات السلطة التشريعية
والتنفيذية المحلية، ونريد أن ندفع إلى هناك الشباب النشيطين ، الذين لا
توجد لهم علاقة بالإدارات الدينية للمسلمين، بل حتى أنهم في حالة خصام
معها. ويتمتع هؤلاء الأشخاص بتعليم إسلامي وعلماني جيد، وهم نشطاء
سياسيا وثمة حاجة إليهم في هذا المضمار، بغية ألا يتوجهوا إلى
المتطرفين ، بل أن يعملوا في المشاريع الاجتماعية ".
أما الفكرة الأساسية لحركة التراث الإسلامي الروسي فهي تلاحم الأمة
الإسلامية في روسيا ومكافحة انتشار الاتجاهات المتطرفة فيها. علاوة على
ذلك فإن مؤسسي الحركة يريدون أن يظهروا للمجتمع الروسي أنهم جزء فعال
وايجابي منه. ويقول مؤسسو الحركة " نحن من أبناء روسيا وجزء لا يتجزأ من
هذه البلاد ونريد أن نشارك بنشاط في الحياة السياسية والاجتماعية
لروسيا".
لا ريب في أنها ليست المحاولة الأولى لرص صفوف مسلمي روسيا. كما أنها
ليست المرة الأولى التي يقال فيها إن على المسلمين أنفسهم أن يكافحوا
الأفكار المتطرفة المنبثقة في داخل الأمة الإسلامية. لكن إنها المرة
الأولى التي تجري فيها على صعيد روسيا بأسرها محاولة إعطاء تقييم
موضوعي للمشاكل الموجودة في داخل الأمة الإسلامية ووضع حد للخلافات التي
تمزقها. وكما أشرنا آنفا فإن الأمة الإسلامية الروسية منقسمة على
نفسها. وغالبا ما لا يتمتع ممثلو الهيئات الدينية الإسلامية الرسمية
بنفوذ في الأقاليم ولاسيما في أوساط الشباب. كما لا تتوفر الوحدة في
صفوف رجال الدين المسلمين الرسميين أنفسهم. وغالبا ما يحاول أحد الأطراف
المتنازعة إقحام الدولة في الخلافات الداخلية للطائفة، باتهام منافسيه
بالوهابية وبالتطرف. ولا تتوفر لدى دوائر القوة الروسية الإمكانية
لمعرفة من هو الوهابي ومن لا يعتبر وهابيا، وما هي الوهابية في واقع
الحال - إنها تبدي ردود الأفعال فحسب على ما يرد من اتهامات. وفي
النتيجة يحتدم الوضع في الأقاليم إلى أقصى حد.
علما أن حركة التراث الإسلامي الروسي تقترح عدم نبذ هذه الجماعات غير
الرسمية بل إجراء الحوار بينها وبين الهيئات الدينية الإسلامية الرسمية،
والسلطات في الأقاليم والسلطة الاتحادية. ويقول شامل بينو أحد مؤسسي
المشروع ونائب رئيس مؤسسة دعم الديمقراطية والتقدم الاجتماعي " نحن
نريد أن نعطي الفرصة لمن يمارس التأثير الفعلي على الشارع لإظهار
أنفسهم". إن مسالة مكافحة الإرهاب في داخل الأوساط الإسلامية نفسها
ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة التعليم الإسلامي.
وتكمن المسالة في أن المدرسة الدينية زالت من الوجود في الواقع في الفترة
السوفيتية من تاريخ روسيا ، ووجب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدء كل شيء
من الصفر فعليا.
وكان التعليم الإسلامي المهني قبل عام 1990 في جميع الاتحاد السوفيتي
ممثلا بمدرسة "مير عرب" في بخارى فقط ، والتي افتتحت بعد انتهاء الحرب
العالمية الثانية، وبمعهد الإمام البخاري الإسلامي ( افتتح في نهاية عام
1980). وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ونظرا لازدياد بناء المساجد
الجديدة وترميم القديم منها بسرعة ، وتشكيل هيئات إسلامية جديدة كثيرة
انبثقت الضرورة العاجلة لإعداد أئمة المساجد.
وافتتحت أول مؤسسة تعليمية إسلامية في روسيا هدفها إعداد أئمة المساجد
والمؤذنين في عام 1989 في أوفا. وفي مطلع عام 1990 افتتحت مدارس جديدة
في جميع المراكز السكنية الكبرى التي يقطن فيها مسلمون. لكن المؤسسات
التعليمية الدينية الروسية لم تكن كافية، كما لم يتوفر العدد الكافي من
المدرسين، ولهذا صار المسلمون في روسيا يرسلون الشباب إلى الخارج للحصول
على التعليم الديني، كما تدفق في الوقت نفسه على روسيا سيل من المدرسين
من البلدان الإسلامية.
وآنذاك لم يفكر أحد في اختبار درجة تأهيلهم ومتابعة ما يقدمه من دروس.
وكان بينهم، للأسف، مدرسون مزيفون يروجون للأفكار المتطرفة. ومما زاد من
تفاقم الوضع ضعف السلطات ، وحدوث النزاعات الأثنية والمحلية، التي أعقبت
تفكك الاتحاد السوفيتي. وأصبح الدين وكذلك استغلال المشاعر القومية
سلاحا بأيدي الكثير من رجال السياسة غير النزيهين.
والآن استقر الوضع لحد كبير. إذ تصلب عود السلطات العلمانية وكذلك تشكلت
المؤسسات الدينية الرسمية. ويجري العمل في إعداد معيار موحد للتعليم
الديني من أجل كافة مؤسسات التعليم الإسلامية، وافتتحت دورات لرفع تأهيل
المدرسين. ويسعى رجال الدين المسلمون إلى التركيز على الكوادر
المحلية. وكما أشار ولي الله يعقوب النائب الأول لمفتي تتارستان فإن
"الإسلام شأنه شأن أي دين آخر لا يمكن أن يوضع في داخل قوالب. والدين
يوجد في زمن معين ومكان معين. وما يناسب المملكة العربية السعودية، قد
لا يناسب تتارستان ".
علاوة على ذلك إن مسلمي روسيا يودون أن يمضي زعماء الطائفة مستقبلا مع
مسيرة الزمن وان يحصلوا ليس على التعليم الديني فقط بل والعلماني أيضا.
وفي هذه القضية لا بد من توفر دعم الدولة السياسي والتنظيمي والمالي.
وتجري خطوات صغيرة في هذا الاتجاه . ففي أواخر عام 2002 عقد مجلس
المفتين معاهدة مع أكاديمية إدارة الدولة التابعة لرئيس روسيا
الاتحادية بشأن تعليم رجال الدين المسلمين، لأن الاستقرار السياسي في
بلادنا يتوقف لحد كبير على ماهية الزعماء الجدد للمسلمين الذين سيشبون في
روسيا.
موقف بقية أبناء روسيا من مسلمي البلاد
لا يخفى على أحد أن قوى معينة تحاول استغلال الإسلام لأغراض سياسية ،
وتسعى إلى بذر الشقاق في صفوف الأمة الإسلامية وبقية العالم بأسره.
وهذا الاتجاه يميز الكثير من البلدان الأوروبية والولايات المتحدة وروسيا
أيضا. وفي هذه الظروف تعتبر المهمة الكبرى إجراء الحوار بين السلطات
الرسمية والأمة الإسلامية، والعمل في إجراء الحوار بين الطوائف الدينية.
علما أن روسيا كانت منذ القدم بلدا متعدد القوميات والطوائف – وهذه
الفكرة تتردد دوما في خطب رجال النخبة السياسية الروسية. بل إنها حتى ترد
على لسان من جرت العادة على اعتبارهم من القوميين المتعصبين أو الوطنيين
المتشددين. علما أن هذا شيء طبيعي. فلا يمكن أن يتجاهل رجال السياسة واقع
وجود حوالي 20 مليون ناخب محتمل.
وأعلن دميتري روغوزين زعيم حزب " الوطن" النائب في مجلس الدوما في
كتاب "أحاديث حول الإسلام" الذي صدر مؤخرا قائلا "إن المسلمين يشكلون
جزءا من المجتمع يبدي نشاطا سياسيا. لهذا لا بد أن يوجد لدى أهل السياسة
اهتمام بالإسلام". لكنه أضاف على التو قوله أن طبيعة اهتمام رجال
السياسة بالإسلام "تستثار، و يا للأسف ، بعامل الإرهاب الدولي الذي يمارس
نشاطه تحت راية الإسلام".
حقا إن أقوال رجال النخبة الروسية حول الإسلام تظهر في وسائل الإعلام
أساسا بعد الأعمال الإرهابية أو بمناسبة الاحتفال بعيد إسلامي كبير.
ولهذا قرر الصحفي راديك اميروف مدير المكتب الصحفي لمجلس المفتين أن
يستوضح ما يفكر به ويعرفه رجال السياسة والممثلون والرياضيون وغيرهم عن
الإسلام . وقد اصدر كتابه الأول بعنوان "أحاديث مع رجال السياسة".
يقول أميروف "بودي أن يساعد الكتاب الأول من سلسلة "أحاديث عن الإسلام"
على زيادة التفاهم المتبادل في المجتمع الروسي". إن التفاهم المتبادل
ضروري فعلا بالنسبة إلى المجتمع الروسي. ويشير الخبراء والشخصيات
الدينية إلى أن الدولة قربت على أرفع مستوى ممثلي الطوائف الدينية
التقليدية بالنسبة لروسيا. ويؤكد ذلك في "أحاديث عن الإسلام" فلاديمير
بلاتونوف رئيس مجلس دوما (مجلس النواب) لمدينة موسكو حيث قال "إن أسباب
ذلك كثيرة . وسأبرز الرئيسية منها فقط وهي: التاريخ المشترك والثقافة
المشتركة. وكم من الناس دافعوا عن الوطن كتفا لكتف .. نحن نتوحد بموجب
العوامل العلمانية والعوامل الدينية".
أما بصدد التعاون بين الطوائف الدينية فيوجد في روسيا مجلس الأديان الذي
يضم ممثلي الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية. ويسود التفاهم
التام بين رجال الدين من مختلف الطوائف لدى بحث غالبية القضايا في إطار
هذا المجلس وخارجه. إنهم يمارسون سوية الأنشطة الخيرية في أقاليم
روسيا، وأعمال مكافحة تعاطي المخدرات، ويعقدون الاجتماعات ضد الإرهاب.
كما أنهم يتوجهون سوية إلى رياض الأطفال والسجون، ويدعون بعضهم بعضا
للمشاركة في الأعياد الدينية. لكن هذه الحياة المسالمة الرغيدة لا تشمل
دائما في الواقع المواطنين العاديين. علما أن الحاجز بينهم لا يقام عادة
لأسباب دينية.
وفي أغلب الظن يوجد في المجتمع الروسي عامل الخوف من الغرباء، وعدم تقبل
المهاجرين، الأمر الذي يولد العداء حيال ممثلي هذه الديانة أو تلك. وقد
تدفق على المدن الروسية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي سيل كبير من المهاجرين
من الجمهوريات السوفيتية السابقة. علما أن أغلبهم من جمهوريات آسيا
الوسطى والقوقاز. ولا تهم الإنسان الروسي العادي ديانة المهاجرين. ومجرد
الأمر أن المهاجرين لم يستوعبهم المجتمع الروسي بعد ولم يعتاد الناس
عليهم. ويتطلب ذلك أحيانا تبدل الأجيال. والجدير بالذكر أنه من الصعب
إيجاد الفرق بين المسلمين والمسيحيين القاطنين منذ زمن بعيد في أرض
واحدة. إنهم ينصهرون بالقدر نفسه في المجتمع الروسي – ولا يفكر احد
كثيرا بالانتماء القومي أو الديني لجاره.
لكن يوجد عامل وآخر. إن الإنسان الروسي العادي يخاف الأفعال الإرهابية.
والاتجاه السائد هو أن الأفعال الإرهابية في غالبية البلدان يرتكبها
مسلمون.
طبعا ، يقال في روسيا، وكذلك في البلدان الأخرى، على ارفع مستوى أكثر من
مرة انه لا تجوز مطابقة الإرهاب بالإسلام، وقد أدان المفتون في روسيا
العمليات الإرهابية. لكن الإنسان الروسي العادي، وكذلك الغربي، لا يشغل
فكره باستقصاء دقائق العلاقات بين المسلمين. ومن المهم بالنسبة له فقط أن
القنبلة فجرها شخص يدعي أنه مسلم. ومع ذلك ، ولحسن الحظ ، وبفضل رجال
السياسة لحد كبير ، لم يتحول ذلك إلى هستيريا شاملة واسعة النطاق موجهة
ضد المسلمين.
وبالرغم من أن مشكلة العداء الطائفي تبقى مشكلة حيوية في روسيا، فإن
إدراك المشكلة يعتبر بداية حلها. وتمارس دورا كبيرا في ذلك قرارات
القيادة الروسية بشأن التقارب مع العالم الإسلامي.
Рейтинг@Mail.ru Rambler's Top100
© "2005 "وكالة نوفوستي"