يستمع محبو إذاعة الأغاني الجمعة 24 نوفمبر إلى حفل قديم ونادر من روائع كوكب الشرق أم كلثوم تشدو فيه بأغنية "القلب يعشق كل جميل" التي أذيعت من مسرح قصر النيل بتاريخ 4 فبراير 1971 .
الجدير بالذكر أن الشاعر بيرم التونسي كان يزور البيت الحرام ورأي الحمام وهناك انهمرت دموعه وأعجب بروحانيات المكان وعندما عاد كتب كلمات أغنية "القلب يعشق كل جميل" ثم أعطي لتوأم روحه زكريا أحمد تلحين تلك الكلمات وعرضها على أم كلثوم فاعترضت على بعض الكلمات فحصل خلاف بينهما امتد حوالي عشر سنوات وظلت الأغنية حبيسة الأدراج .
وبعد وفاة زكريا أحمد بعام أخذها رياض السنباطي ولحنها لتغنيها أم كلثوم للمرة الأولى فى1971 حيث ظهر تأثر السنباطى بكلمات الأغنية وذهب بالفعل بعد أن طرحت الأغنية بالأسواق لزيارة المدينة المنورة ومكة المكرمة حاجًا.
أشتهر الشاعر الكبير الراحل بيرم التونسي بالسهر بجنون بداخل الحانات والبارات فيشرب حتى الثمالة .
هكذا عاش غالبية سنوات عمره فنادرا ماكان يغيب عن مثل هذه الأماكن .
وفجأة تغيب عن الصحبة ٠٠ظنوا أنه ربما يكون مريض٠٠ أو سجن٠٠ أو تم نفيه
فهو مناهض للسلطة لا يتوقف عن نقدها ومهاجمتها والسخرية منها
ودارت الأيام ومرت الأيام وتعب قلب الست ٠٠وإستبد به المرض وفتشت فى أوراقها القديمة عن ترياق للقلب الذى أنهكه العشق!!
أخيرا وجدت قصيدة عمنا بيرم (القلب يعشق كل جميل) ويكأنها تراها لأول مرة ٠٠وقد مر على وفاة كاتبها عشرة سنوات لكن الكلمات لا تموت ٠٠الكلمات تظل باقية حية ما بقيت القلوب
إتصل السنباطى بعمنا عبده صالح عازف القانون وقائد فرقة الست وإتفق معه على حجز إستديوا ٤٦ بالإذاعة المصرية لعمل البروفات
وتعزف الفرقة ويلامس عمنا عبده صالح أوتار القانون وتلامس النغمات القلوب وتبتهج الست ويقوى القلب المريض وتنجلى الحنجرة الذهبية وتقول بلا خجل ولا وجل
في عام 1961 أدى الشاعر بيرم التونسي فريضة الحج ومتأثراً بما عاشه من أجواء روحية كتب قصيدته القلب يعشق كل جميل. نالت الكلمات إعجاب السيدة أم كلثوم حين اطلعت عليها من بيرم وعقدت العزم على غنائها فعهدت لزكريا أحمد أمر تلحينها لكن اللحن لم يرق للست وهي المعروفة بصرامتها في كل شيء في اختيار النصوص التي ستغنيها وتدقيقها في مفرداتها وطلب تغيير بعض هذه المفردات وتقديم بعض أبيات القصيدة أو تأخيرها وكذلك في تقرير ما إذا كان اللحن مناسباً لها أم لا بصرف النظر عن مكانة واضعه وموهبته بل إنها تبدي أحياناً اعتراضات على الآلات الموسيقية المستخدمة في أداء اللحن كما فعلت مع محمد عبدالوهاب حين أدخل الجيتار في أغنية رجعوني عينيك لأيام اللي راحوا.
استهجنت أم كلثوم إدخال عبدالوهاب للجيتار وقالت باستغراب: جيتار يا عبدالوهاب وهو ما رفضه عبدالوهاب بشدة مصرّاً على رأيه ولحل الخلاف بينهما اقترحت أم كلثوم الاستعانة بصديق هو محمد القصبجي ليفتي في الأمر وافق عبدالوهاب على ذلك قائلاً: إن القصبجي أستاذه لكنه في قرارة نفسه كان مطمئناً إلى أنه سينحاز لرأيه لما يعرفه عنه من ميل للتجديد وهذا ما حدث بالفعل. وبالمناسبة فإن المفردة الأولى في الأغنية التي كتبها أحمد شفيق كامل لم تكن رجعوني إنما شوقوني لكن أم كلثوم طلبت من الشاعر تغييرها إلى رجعوني.
على هذا المنوال لم يرق للست لحن زكريا أحمد لقصيدة بيرم وكما تنقل لنا الإعلامية نسرين علام في تقرير لها نُشر قبل يومين على موقع (بي. بي. سي) استعانت فيه بشهادات لكتّاب آخرين فإن أم كلثوم وجدت أن اللحن جاء على غرار ألحان القصائد الدينية الرصينة الوقع والمكتوبة باللغة العربية الفصحى فيما كانت كلمات قصيدة بيرم بالعامية المصرية فبدت بمنزلة لسان حال المواطن المصري البسيط والقريبة من وجدانه والمعبّرة عن تدينه الفطري لذلك ركنت الست اللحن جانباً عشرة أعوام.
في عام 1971 ستعهد أم كلثوم بكلمات بيرم من وحي الحج إلى رياض السنباطي واضع اللحن الذي راق لها وبه قدمت الأغنية الباقية حتى اليوم وستبقى حية في المستقبل وجاء في تقرير نسرين علام أن هذه الأغنية بالذات كانت من أواخر الأغاني التي تشدو بها أم كلثوم بل إنها قدمتها في آخر ظهور لها على الإطلاق على خشبة المسرح عام 1972.
مع كل موسم حج تستعاد القلب يعشق كل جميل بصوت أم كلثوم ولحن السنباطي وبالشحنة الروحية في كلمات بيرم: واحد مفيش غيره/ ملا الوجود نوره/ دعاني لبّيته/ لحد باب بيته/ وأمّا تجلاّلي/ بالدمع ناجيته.
القلب يعشق كل جميل..اغنية عامية سهلة وجميلة ولأن للغناء الدينى مواسم فقد حاولت كوكب الشرق أم كلثوم تقديم أغنيات دينية أسوة بمن حولها من المطربين لكن أعمالها قليلة فى المجال الدينى لم تخرج عن الثلاثية المقدسة وإلى عرفات الله لكن جاءت القصيدة التى قدمتها بصوتها باسم القلب يعشق كل جميل التى قدم فيها الموسيقار رياض السنباطى لحنا خالدا لكل الأوقات وليس لزمنه فقط بل راعى أن تظل الأغنية تناسب كل الأوقات ومزج فيها بين الفرح والشجن والمحبة الإلهية حتى رسخت الأغنية في أذن المستمع حتى الآن.
وقصيدة القلب يعشق كل جميل التى كتبها بيرم تتحدث عن وقوف المسلم المؤمن بخشوع أمام خالقه وقد تجلى له بكل عظمته خاصة أن أعظم موقف للإنسان أمام ربه يكون فى مكة وهو يطوف حول البيت العتيق بكل خشوع ملبيا مستغفرا تنسكب دموعه من خشية الله.
هذا عنوان واحدة من روائع الغناء الإسلامي العربي في القرن العشرين قدمتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم قبيل وفاتها في منتصف السبعينيات من القرن العشرين ولحنها الملحن الكبير رياض السنباطي وكتب كلماتها الشاعر الكبير بيرم التونسي- رحمة الله عليهم جميعا.
لن أكتب تحليلا موسيقيا شاملا عن هذه العمارة الفنية العظيمة ولا عن سيرة حياة أم كلثوم أو الشاعر بيرم التونسي ولا عن الملحن العبقري رياض السنباطي ولن أتطرق كذلك في هذه الزاوية القصيرة إلى قصة كتابة كلماتها أو قصة التلحين ولا التاريخ الذي غنت فيه أم كلثوم القلب يعشق كل جميل حيث يمكن إدراجها ضمن آخر أغانيها وختام مشوارها الفني الثري الذي شمل كذلك أغاني يامسهرني وليلة حب وحكم علينا الهوى فقد كُتب عن تلك الموضوعات الكثير ولن أضيف الجديد بشأنها حيث يجدها القارئ الكريم في مختلف مواقع الإنترنت وحتى على قنوات اليوتيوب وسيكون بمقدوره أيضا أن يستمع إلى غناء أم كلثوم الرائع بل وحتى ينزّل في هاتفه هذه التحفة الموسيقية والأدبية التي لو تجسدت في لوحة فنية تشكيلية كما جسدها الملحن العبقري رياض السنباطي وأم كلثوم والفرقة الموسيقية المصاحبة لعُلقت في أعظم المتاحف.
اخترت الكتابة عن هذه الأغنية الجميلة في هذه الأوقات الرمضانية إلى جانب تسجيل بعض الملاحظات عن الأغاني الإنشادية العُمانية التي استمعت إليها تُبث في إذاعاتنا هذه الأيام بكثرة وأقول: إن الأعمال الموسيقية والغنائية تكتمل باكتمال عناصرها الفنية والعازفون البارعون على الآلات الموسيقية في مقدمة هذه العناصر. ومع أن الصوت البشري أكمل الآلات إلا إنه في الغناء بحاجة دائما إلى ضابط معياري من قبل آلة موسيقية للتدرب أو المصاحبة ولكن الأسلوب الذي لم استحسنه في الأغاني الإنشادية هو كثرة استعمال الآهات والترنمات بأصوات المنشدين وهم يحاولون بذلك الاستعاضة عن دور الآلات الموسيقية في أداء المقدمات واللزم الموسيقية بمناسبة أو غير مناسبة. وحسب معلوماتي إن الإنشاد ليس فنا حديثا في عُمان فقد كان معروفا في مجالس الشعر منذ القدم ولهم فيه طرق وأساليب قديمة.
59fb9ae87f