: الوضع القانونى للاسير ما بين الشريعه الاسلاميه والقوانين الوضعي

210 views
Skip to first unread message

احمد الجمل

unread,
Dec 3, 2007, 11:13:08 AM12/3/07
to kantak...@googlegroups.com
الحديث عن الاسير في القوانين الوضعية تتحدث عنه الاف المواقع على الانترنت خاصة مواقع الصليب الاحمر والقانون الدولي الانساني
 
كما جاء في الموسوعة الفقهية عن الاسرى ما يلي

أسرى *

التعريف :

1 - الأسرى جمع أسيرٍ ، ويجمع أيضاً على أسارى وأسارى .

 والأسير لغةً : مأخوذٌ من الإسار ، وهو القيد ، لأنّهم كانوا يشدّونه بالقيد . فسمّي كلّ أخيذٍ أسيراً وإن لم يشدّ به . وكلّ محبوسٍ في قيدٍ أو سجنٍ أسيرٌ . قال مجاهدٌ في تفسير قول اللّه سبحانه : { ويطعمون الطّعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً } الأسير : المسجون .

2 - وفي الاصطلاح : عرّف الماورديّ الأسرى بأنّهم : الرّجال المقاتلون من الكفّار ، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً . وهو تعريفٌ أغلبيٌّ ، لاختصاصه بأسرى الحربيّين عند القتال ، لأنّه بتتبّع استعمالات الفقهاء لهذا اللّفظ يتبيّن أنّهم يطلقونه على كلّ من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم ، ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها ، أو من غير حربٍ فعليّةٍ ، ما دام العداء قائماً والحرب محتملةٌ .

 من ذلك قول ابن تيميّة : أوجبت الشّريعة قتال الكفّار ، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم ، بل إذا أسر الرّجل منهم في القتال أو غير القتال ، مثل أن تلقيه السّفينة إلينا ، أو يضلّ الطّريق ، أو يؤخذ بحيلةٍ فإنّه يفعل به الإمام الأصلح . وفي المغني : هو لمن أخذه ، وقيل : يكون فيئاً . ويطلق الفقهاء لفظ الأسير أيضاً على : من يظفر به المسلمون من الحربيّين إذا دخلوا دار الإسلام بغير أمانٍ ، وعلى من يظفرون به من المرتدّين عند مقاتلتهم لنا . يقول ابن تيميّة : ومن أسر منهم أقيم عليه الحدّ . كما يطلقون لفظ الأسير على : المسلم الّذي ظفر به العدوّ . يقول ابن رشدٍ : وجب على الإمام أن يفكّ أسرى المسلمين من بيت المال ... ويقول : وإذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين ، وأطفالٌ من المسلمين ... إلخ .

الألفاظ ذات الصّلة

 أ - الرّهينة :

3 - الرّهينة : واحدة الرّهائن وهي كلّ ما احتبس بشيءٍ ، والأسير والرّهينة كلاهما محتبسٌ ، إلاّ أنّ الأسير يتعيّن أن يكون إنساناً ، واحتباسه لا يلزم أن يكون مقابل حقٍّ .

 ب - الحبس :

4 - الحبس : ضدّ التّخلية ، والمحبوس : الممسك عن التّوجّه حيث يشاء ، فالحبس أعمّ من الأسر .

 ج - السّبي :

5 - السّبي والسّباء : الأسر ، فالسّبي أخذ النّاس عبيداً وإماءً ، والفقهاء يطلقون لفظ السّبي على من يظفر به المسلمون حيّاً من نساء أهل الحرب وأطفالهم . ويخصّصون لفظ الأسرى - عند مقابلته بلفظ السّبايا - بالرّجال المقاتلين ، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً .

صفة الأسر : حكمه التّكليفيّ :

6 - الأسر مشروعٌ ، ويدلّ على مشروعيّته النّصوص الواردة في ذلك ، ومنها قول اللّه سبحانه : { فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ... } ولا يتنافى ذلك مع قول اللّه تعالى { ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض } لأنّها لم ترد في منع الأسر مطلقاً ، وإنّما جاءت في الحثّ على القتال ، وأنّه ما كان ينبغي أن يكون للمسلمين أسرى قبل الإثخان في الأرض ، أي المبالغة في قتل الكفّار .

الحكمة من مشروعيّة الأسر :

7 - هي كسر شوكة العدوّ ، ودفع شرّه ، وإبعاده عن ساحة القتال ، لمنع فاعليّته وأذاه ، وليمكن افتكاك أسرى المسلمين به .

من يجوز أسرهم ومن لا يجوز :

8 - يجوز أسر كلّ من وقع في يد المسلمين من الحربيّين ، صبيّاً كان أو شابّاً أو شيخاً أو امرأةً ، الأصحّاء منهم والمرضى ، إلاّ من لا يخشى من تركه ضررٌ وتعذّر نقله ، فإنّه لا يجوز أسره على تفصيلٍ بين المذاهب في ذلك .

 فمذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه لا يؤسر من لا ضرر منهم ، ولا فائدة في أسرهم ، كالشّيخ الفاني والزّمن والأعمى والرّاهب إذا كانوا ممّن لا رأي لهم . ونصّ المالكيّة على أنّ كلّ من لا يقتل يجوز أسره ، إلاّ الرّاهب والرّاهبة إذا لم يكن لهما رأيٌ فإنّهما لا يؤسران ، وأمّا غيرهما من المعتوه والشّيخ الفاني والزّمن والأعمى فإنّهم وإن حرم قتلهم يجز أسرهم ، ويجوز تركهم من غير قتلٍ ومن غير أسرٍ .

 وذهب الشّافعيّة في الأظهر إلى أنّه يجوز أسر الجميع دون استثناءٍ .

9 - ولا يجوز أسر أحدٍ من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبينها عهد موادعةٍ ، لأنّ عقد الموادعة أفاد الأمان ، وبالأمان لا تصير الدّار مستباحةً ، وحتّى لو خرج قومٌ من الموادعين إلى بلدةٍ أخرى ليس بينهم وبين المسلمين موادعةٌ ، فغزا المسلمون تلك البلدة ، فهؤلاء آمنون ، لا سبيل لأحدٍ عليهم ، لأنّ عقد الموادعة أفاد الأمان لهم ، فلا ينتقض بالخروج إلى موضعٍ آخر . وكذا لو دخل في دار الموادعة رجلٌ من غير دارهم بأمانٍ ، ثمّ خرج إلى دار الإسلام بغير أمانٍ ، فهو آمنٌ لا يجوز أسره ، لأنّه لمّا دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحدٍ منهم . ومثله ما لو وجد الحربيّ بدار الإسلام بأمانٍ فإنّه لا يجوز أسره ، وما لو أخذ الحربيّ الأمان من المسلمين وهو في حصن الحربيّين .

الأسير في يد آسره ومدى سلطانه عليه :

10 - الأسير في ذمّة آسره لا يد له عليه ، ولا حقّ له في التّصرّف فيه ، إذ الحقّ للتّصرّف فيه موكولٌ للإمام ، وعليه بعد الأسر أن يقوده إلى الأمير ليقضي فيه بما يرى ، وللآسر أن يشدّ وثاقه إن خاف انفلاته ، أو لم يأمن شرّه ، كما يجوز عصب عينيه أثناء نقله لمنعه من الهرب . فمن حقّ المسلم أن يمنع الأسير من الهرب ، وإذا لم يجد فرصةً لمنعه إلاّ قتله فلا بأس ، وقد فعل هذا غير واحدٍ من الصّحابة .

11 - وجمهور الفقهاء على أنّ الأسير إذا صار في يد الإمام فلا استحقاق للآسر فيه إلاّ بتنفيل الإمام ، لا بنفس الأسر ، وذلك بأن ينادي في العسكر : من أصاب منكم أسيراً فهو له ، فإن قال ذلك فأعتق الرّجل أسيره فإنّه ينفذ عتقه . ولو أصاب ذا رحمٍ محرمٍ منه عتق ، لأنّه إذا ثبت الاستحقاق لهم بالإصابة صار الأسير مملوكاً لآسره واحداً أو جماعةً . بل قالوا : لو قال الأمير : من قتل قتيلاً فله سلبه . فأسر العسكر بعض الأسرى ، ثمّ قتل أحد الأسراء رجلاً من العدوّ ، كان السّلب من الغنيمة ، إن لم يقسّم الأمير الأسراء ، وإن كان قسمهم أو باعهم فالسّلب لمولى الأسير القاتل . وقد فرّق المالكيّة بين من أسر أسيراً أثناء القتال مستنداً إلى قوّة الجيش ، وبين من أسر أسيراً من غير حربٍ ، وقالوا : إن كان الآسر من الجيش ، أو مستنداً له خمسٌ كسائر الغنيمة ، وإلاّ اختصّ به الآسر .

حكم قتل الآسر أسيره :

12 - ليس لواحدٍ من الغزاة أن يقتل أسيره بنفسه ، إذ الأمر فيه بعد الأسر مفوّضٌ للإمام ، فلا يحلّ القتل إلاّ برأي الإمام اتّفاقاً ، إلاّ إذا خيف ضرره ، فحينئذٍ يجوز قتله قبل أن يؤتى به إلى الإمام ، وليس لغير من أسره قتله ، لحديث جابرٍ أنّ النّبيّ e قال : « لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله » .

 فلو قتل رجلٌ من المسلمين أسيراً في دار الحرب أو في دار الإسلام ، فالحنفيّة يفرّقون بين ما إذا كان قبل القسمة أو بعدها ، فإن كان قبل القسمة فلا شيء فيه من ديةٍ أو كفّارةٍ أو قيمةٍ ، لأنّ دمه غير معصومٍ ، إذ للإمام فيه خيرة القتل ، ومع هذا فهو مكروهٌ ، وإن كان بعد القسمة ، أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل ، لأنّ دمه صار معصوماً ، فكان مضموناً بالقتل ، إلاّ أنّه لا يجب القصاص لقيام الشّبهة . ولم يفرّقوا في ذلك بين ما إذا كان هو الآسر أو غيره كما يفيده الإطلاق . والمالكيّة يتّجهون وجهة الحنفيّة من ناحية الضّمان ، غير أنّهم جعلوا التّفرقة فيما إذا كان القتل في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم ، أو بعد أن صار مغنماً ، وينصّون على أنّ من قتل من نهي عن قتله ، فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر اللّه ، وإن قتله بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته .

 والشّافعيّة أيضاً يلزمون القاتل بالضّمان ، فإذا كان بعد اختيار رقّه ضمن قيمته ، وكان في الغنيمة . وإذا كان بعد المنّ عليه لزمه ديته لورثته . وإن قتله بعد الفداء فعليه ديته غنيمةً ، إن لم يكن قبض الإمام الفداء ، وإلاّ فديته لورثته . وإن قتله بعد اختيار الإمام قتله فلا شيء عليه ، وإن كان قبله عزّر .

 وعند الحنابلة : إن قتل أسيره أو أسير غيره قبل الذّهاب للإمام أساء ، ولم يلزمه ضمانه .

معاملة الأسير قبل نقله لدار الإسلام :

13 - مبادئ الإسلام تدعو إلى الرّفق بالأسرى ، وتوفير الطّعام والشّراب والكساء لهم ، واحترام آدميّتهم ، لقوله تعالى { ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيماً وأسيراً } ، وروي أنّ النّبيّ e قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النّهار في يومٍ صائفٍ : « أحسنوا إسارهم ، وقيّلوهم ، واسقوهم » وقال : « لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السّلاح ... » وقال الفقهاء : إن رأى الإمام قتل الأسارى فينبغي له ألاّ يعذّبهم بالعطش والجوع ، ولكنّه يقتلهم قتلاً كريماً . ويجوز حبس الأسرى في أيّ مكان ، ليؤمن منعهم من الفرار ، فقد جاء في الصّحيحين أنّ « الرّسول حبس في مسجد المدينة »

التّصرّف في الأسرى قبل نقلهم لدار الإسلام :

14 - يرى جمهور الفقهاء جواز التّصرّف في الغنائم - ومنها الأسرى في دار الحرب - وقبل نقلهم لدار الإسلام . قال مالكٌ : الشّأن أن تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب ، وروى الأوزاعيّ أنّ رسول اللّه والخلفاء لم يقسموا غنيمةً قطّ إلاّ في دار الشّرك ، قال أبو سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه : « خرجنا مع رسول اللّه e في غزوة المصطلق ، فأصبنا سبياً من سبي العرب ، فاشتهينا النّساء ، واشتدّت علينا وأحببنا العزل ، فأردنا العزل وقلنا : نعزل ورسول اللّه e بين أظهرنا قبل أن نسأله ، فسألناه عن ذلك فقال : ما عليكم أن لا تفعلوا ، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاّ وهي كائنةٌ » فإنّ سؤالهم النّبيّ e عن العزل في وطء السّبايا دليلٌ على أنّ قسمة الغنائم قد تمّت في دار الحرب ، ولما في ذلك من تعجيل مسرّة الغانمين وغيظ الكافرين ، ويكره تأخيره لبلد الإسلام ، وهذا إذا كان الغانمون جيشاً وأمنوا من كرّ العدوّ عليهم .

 وقد نصّ الشّافعيّة على أنّ للغانمين التّملّك قبل القسمة لفظاً ، بأن يقول كلٌّ بعد الحيازة ، وقبل القسمة : اخترت ملك نصيبي ، فتملّك بذلك . وقيل : يملكون بمجرّد الحيازة ، لزوال ملك الكفّار بالاستيلاء . وقيل : الملك موقوفٌ . والمراد عند من قال يملكون بمجرّد الحيازة : الاختصاص ، أي يختصمون .

 وصرّح الحنابلة بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب ، وهو قول الأوزاعيّ وابن المنذر وأبي ثورٍ لفعل الرّسول e ولأنّ الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء .

15 - وعند الحنفيّة لا تقسم الغنائم إلاّ في دار الإسلام ، لأنّ الملك لا يتمّ عليها إلاّ بالاستيلاء التّامّ ، ولا يحصل إلاّ بإحرازها في دار الإسلام ، لأنّ سبب ثبوت الحقّ القهر ، وهو موجودٌ من وجهٍ دون وجهٍ ، لأنّهم قاهرون يداً مقهورون داراً ، فلا ينبغي للإمام أن يقسم الغنائم - ومنها الأسرى - أو يبيعها حتّى يخرجها إلى دار الإسلام ، خشية تقليل الرّغبة في لحوق المدد بالجيش ، وتعرّض المسلمين لوقوع الدّبرة عليهم ، بأن يتفرّقوا ويستقلّ كلّ واحدٍ منهم بحمل نصيبه . ومع هذا فقالوا : وإن قسم الإمام الغنائم في دار الحرب جاز ، لأنّه أمضى فصلاً مختلفاً فيه بالاجتهاد . وقد روي أنّ « الرّسول e أخّر قسمة غنائم حنينٍ حتّى انصرف إلى الجعرانة » .

 تأمين الأسير :

16 - يتّفق الفقهاء على أنّه يحقّ للإمام إعطاء الأمان للأسير بعد الاستيلاء عليه ، لأنّ عمر لمّا قدم عليه بالهرمزان أسيراً قال :" لا بأس عليك ، ثمّ أراد قتله ، فقال له أنسٌ : قد أمّنته فلا سبيل لك عليه ، وشهد الزّبير بذلك "فعدّوه أماناً ، ولأنّ للإمام أن يمنّ عليه ، والأمان دون المنّ ، ولا ينبغي للإمام أن يتصرّف على حكم التّمنّي والتّشهّي دون مصلحة المسلمين ، فما عقده أمير الجيش من الأمان جاز ولزم الوفاء به ، وأمّا آحاد الرّعيّة فليس لهم ذلك ، لأنّ أمر الأسير مفوّضٌ إلى الإمام ، فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنع ذلك كقتله . وذكر أبو الخطّاب أنّه يصحّ أمان آحاد الرّعيّة ، لأنّ « زينب بنت الرّسول e أجارت زوجها أبا العاص بن الرّبيع بعد أسره ، فأجاز النّبيّ e أمانها » . وتفصيل ذلك في مصطلح ( أمانٌ ) .

حكم الإمام في الأسرى :

17 - يرجع الأمر في أسرى الحربيّين إلى الإمام ، أو من ينيبه عنه .

 وجعل جمهور الفقهاء مصائر الأسرى بعد ذلك ، وقبل إجراء قسمة الغنائم بين الغانمين ، في أحد أمورٍ : فقد نصّ الشّافعيّة والحنابلة على تخيير الإمام في الرّجال البالغين من أسرى الكفّار ، بين قتلهم ، أو استرقاقهم ، أو المنّ عليهم ، أو مفاداتهم بمالٍ أو نفسٍ .

 أمّا الحنفيّة فقد قصروا التّخيير على ثلاثة أمورٍ فقط : القتل ، والاسترقاق ، والمنّ عليهم بجعلهم أهل ذمّةٍ على الجزية ، ولم يجيزوا المنّ عليهم دون قيدٍ ، ولا الفداء بالمال إلاّ عند محمّد بن الحسن بالنّسبة للشّيخ الكبير ، أو إذا كان المسلمون بحاجةٍ للمال . وأمّا مفاداتهم بأسرى المسلمين فموضع خلافٍ عندهم .

 وذهب مالكٌ إلى أنّ الإمام يخيّر في الأسرى بين خمسة أشياء : فإمّا أن يقتل ، وإمّا أن يسترقّ ، وإمّا أن يعتق ، وإمّا أن يأخذ فيه الفداء ، وإمّا أن يعقد عليه الذّمّة ويضرب عليه الجزية ، والإمام مقيّدٌ في اختياره بما يحقّق مصلحة الجماعة .

18 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأصل في السّبايا من النّساء والصّبيّة أنّهم لا يقتلون . ففي الشّرح الكبير للدّردير : وأمّا النّساء والذّراريّ فليس فيهم إلاّ الاسترقاق أو الفداء . وتفصيله في ( سبيٌ ) . كما يتّفقون على أنّ الأسير الحربيّ الّذي أعلن إسلامه قبل القسمة ، لا يحقّ للإمام قتله ، لأنّ الإسلام عاصمٌ لدمه على ما سيأتي .

19 - ويقول الشّافعيّة : إن خفي على الإمام أو أمير الجيش الأحظّ حبسهم حتّى يظهر له ، لأنّه راجعٌ إلى الاجتهاد ، ويصرّح ابن رشدٍ بأنّ هذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين ، إذا لم يكن يوجد تأمينٌ لهم .

20 - وقال قومٌ : لا يجوز قتل الأسير ، وحكى الحسن بن محمّدٍ التّميميّ أنّه إجماع الصّحابة . والسّبب في الاختلاف تعارض الآية في هذا المعنى ، وتعارض الأفعال ، ومعارضة ظاهر الكتاب لفعله e ، لأنّ ظاهر قول اللّه تعالى : { فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب } أنّه ليس للإمام بعد الأسر إلاّ المنّ أو الفداء . وقوله تعالى { ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض } والسّبب الّذي نزلت فيه يدلّ على أنّ القتل أفضل من الاستبقاء .

 وأمّا فعل الرّسول e :« فقد قتل الأسارى في غير موطنٍ » ، فمن رأى أنّ الآية الخاصّة بالأسارى ناسخةٌ لفعله قال : لا يقتل الأسير ، ومن رأى أنّ الآية ليس فيها ذكرٌ لقتل الأسير ولا المقصود منها حصر ما يفعل بالأسارى قال بجواز قتل الأسير .

21 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأسرى من نساء الحربيّين وذراريّهم ، ومن في حكمهم كالخنثى والمجنون ، وكذا العبيد المملوكون لهم يسترقّون بنفس الأسر ، ويتّفقون على أنّ من أسلم من الحربيّين قبل الاستيلاء والأسر لا يسترقّ ، وكذا بالنّسبة للمرتدّين ، فإنّ الحكم بالنّسبة لهم الاستتابة والعودة إلى الإسلام ، وإلاّ فالسّيف .

22 - أمّا الرّجال الأحرار المقاتلون منهم . فقد اتّفقوا أيضاً على جواز استرقاق الأعاجم ، وثنيّين كانوا أو أهل كتابٍ . واتّجه الجمهور إلى جواز استرقاق العرب على تفصيلٍ بينهم . والحنفيّة لا يجيزون استرقاق مشركي العرب .

الفداء بالمال :

23 - المشهور في مذهب المالكيّة ، وهو قول محمّد بن الحسن من فقهاء الحنفيّة ، ومذهب الشّافعيّة ، والحنابلة في غير روايةٍ عن الإمام أحمد : جواز فداء أسرى الحربيّين الّذين يثبت الخيار للإمام فيهم بالمال . غير أنّ المالكيّة يجيزونه بمالٍ أكثر من قيمة الأسير ، وعن محمّد بن الحسن - كما نقل السّرخسيّ عن السّير الكبير - تقييد ذلك بحاجة المسلمين للمال ، وقيد الكاسانيّ هذا بما إذا كان الأسير شيخاً كبيراً لا يرجى له ولدٌ . وأجازه الشّافعيّة بالمال دون قيدٍ ، ولو لم تكن ثمّة حاجةٌ للمال ، ونصّوا على أنّه للإمام أن يفدي الأسرى بالمال يأخذه منهم ، سواءٌ ، أكان من مالهم أم من مالنا الّذي في أيديهم ، وأن نفديهم بأسلحتنا الّتي في أيديهم . أمّا أسلحتهم الّتي بأيدينا ففي جواز مفاداة أسرانا بها وجهان ، أوجههما عندهم الجواز . واستدلّ المجيزون بظاهر قوله تعالى { فإمّا منّاً بعد وإمّا فداءً } ، و«بفعل الرّسول e ، فقد فادى أسارى بدرٍ بالمال وكانوا سبعين رجلاً ، كلّ رجلٍ منهم بأربعمائة درهمٍ »، وأدنى درجات فعله الجواز والإباحة .

24 - ويرى الحنفيّة ، في غير ما روي عن محمّدٍ ، وهو روايةٌ عن أحمد وقول أبي عبيد القاسم بن سلاّمٍ عدم جواز الفداء بمالٍ . ويدلّ على عدم الجواز أنّ قتل الأسارى مأمورٌ به ، لقوله تعالى { فاضربوا فوق الأعناق } وأنّه منصرفٌ إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق ، وقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } والأمر بالقتل للتّوسّل إلى الإسلام ، فلا يجوز تركه إلاّ لما شرع له القتل ، وهو أن يكون وسيلةً إلى الإسلام ، ولا يحصل معنى التّوسّل بالمفاداة بالمال ، كما أنّ في ذلك إعانةً لأهل الحرب ، لأنّهم يرجعون إلى المنعة ، فيصيرون حرباً علينا ، وقتل المشرك عند التّمكّن منه فرضٌ محكمٌ ، وفي المفاداة ترك إقامة هذا الفرض ، وقد روي عن أبي بكرٍ أنّه قال في الأسير :" لا تفادوه وإن أعطيتم به مدّين من ذهبٍ " ولأنّه صار بالأسر من أهل دارنا ، فلا يجوز إعادته لدار الحرب ، ليكون حرباً علينا ، وفي هذا معصيةٌ ، وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز ، ولو أعطونا مالاً لترك الصّلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة ، فكذا لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة .

 وعلى القول بأنّ للإمام حقّ المفاداة بالمال ، فإنّ هذا المال يكون للغانمين ، وليس من حقّه أن يسقط شيئاً من المال الّذي يفرضه عليهم مقابل الفداء إلاّ برضى الغانمين .

فداء أسرى المسلمين بأسرى الأعداء :

25 - ذهب الجمهور من المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وصاحبا أبي حنيفة ، وهو إحدى الرّوايتين عن أبي حنيفة إلى جواز تبادل الأسرى ، مستدلّين بقول النّبيّ « أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكّوا العاني » وقوله « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ، ويؤدّوا عن غارمهم » و « فادى النّبيّ e رجلين من المسلمين بالرّجل الّذي أخذه من بني عقيلٍ » . « وفادى بالمرأة الّتي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناساً من المسلمين كانوا قد أسروا بمكّة » ولأنّ في المفاداة تخليص المسلم من عذاب الكفّار والفتنة في الدّين ، وإنقاذ المسلم أولى من إهلاك الكافر .

 ولم يفرّقوا بين ما إذا كانت المفاداة قبل القسمة أو بعدها . أمّا أبو يوسف فقد قصر جواز المفاداة على ما قبل القسمة ، لأنّه قبل القسمة لم يتقرّر كون أسيرهم من أهل دارنا حتّى جاز للإمام أن يقتله ، وأمّا بعد القسمة فقد تقرّر كونه من أهل دارنا حتّى ليس للإمام أن يقتله . أي فلا يعاد بالمفاداة إلى دار الكفر . ولأنّ في المفاداة بعدها إبطال ملك المقسوم له من غير رضاه . ونصّ المالكيّة على مثل قول أبي يوسف أيضاً ، ومحمّد بن الحسن أجازه في الحالتين لأنّ المعنى الّذي لأجله جوّز ذلك قبل القسمة الحاجة إلى تخليص المسلم من عذابهم ، وهذا موجودٌ بعد القسمة ، وحقّ الغانمين في الاسترقاق ثابتٌ قبل القسمة ، وقد صار الأسير بذلك من أهل دارنا ، ثمّ تجوز المفاداة به لهذه الحاجة ، فكذلك بعد القسمة .

 وقد نقل الحطّاب عن أبي عبيدٍ أنّ النّساء والذّراريّ ليس فيهم إلاّ الاسترقاق ، أو المفاداة بالنّفوس دون المال . وأمّا الرّواية الأخرى عن أبي حنيفة فهي منع مفاداة الأسير بالأسير ، ووجهه : أنّ قتل المشركين فرضٌ محكمٌ ، فلا يجوز تركه بالمفاداة .

26 - ولو أسلم الأسير لا يفادى به لعدم الفائدة ، أي لأنّه فداء مسلمٍ بمسلمٍ ، إلاّ إذا طابت به نفسه وهو مأمونٌ على إسلامه :

27 - ويجوز مفاداة الأكثر بالأقلّ والعكس كما قال الشّافعيّة ، ولم يصرّح بذلك الحنابلة ، لكن في كتبهم ما يوافق ذلك ، لاستدلالهم بالأحاديث المتقدّمة . أمّا الحنفيّة فقد نصّوا على أنّه لا يجوز أن يعطى لنا رجلٌ واحدٌ من أسرانا ، ويؤخذ بدله أسيران من المشركين .

جعل الأسرى ذمّةً لنا وفرض الجزية عليهم :

28 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للإمام أن يضع الجزية في رقاب الأسرى من أهل الكتاب والمجوس على أن يكونوا ذمّةً لنا ، وفي وجهٍ عند الشّافعيّ أنّه يجب على الإمام إجابتهم إلى ذلك إذا سألوه ، كما يجب إذا بذلوا الجزية في غير أسرٍ . واستدلّوا على جواز ذلك بفعل عمر في أهل السّواد وقالوا : إنّه أمرٌ جوازيٌّ ، لأنّهم صاروا في يد المسلمين بغير أمانٍ ، وكيلا يسقط بذلك ما ثبت من اختيارٍ . وهذا إن كانوا ممّن تؤخذ منهم الجزية .

 وهذا يتّفق مع ما حكاه ابن رشدٍ حيث قال : وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس ، واختلفوا فيما سواهم من المشركين ، فقال قومٌ : تؤخذ من كلّ مشركٍ ، وبه قال مالكٌ . وأجاز الحنفيّة ذلك للإمام بالنّسبة للأسارى من غير مشركي العرب والمرتدّين ، ووضعوا قاعدةً عامّةً هي : كلّ من يجوز استرقاقه من الرّجال ، يجوز أخذ الجزية منه بعقد الذّمّة ، كأهل الكتاب وعبدة الأوثان من العجم ، ومن لا يجوز استرقاقه لا يجوز أخذ الجزية منه ، كالمرتدّين وعبدة الأوثان من العرب .

رجوع الإمام في اختياره :

29 - لم نقف فيما رجعنا إليه من كتبٍ على من تعرّض لهذا ، إلاّ ما قاله ابن حجرٍ الهيتميّ الشّافعيّ من قولة : لم يتعرّضوا فيما علمت إلى أنّ الإمام لو اختار خصلةً له الرّجوع عنها أوّلاً ، ولا إلى أنّ اختياره هل يتوقّف على لفظٍ أو لا . وقال : والّذي يظهر لي في ذلك تفصيلٌ لا بدّ منه ، فلو اختار خصلةً وظهر له بالاجتهاد أنّها الأحظّ ، ثمّ ظهر له أنّ الأحظّ غيرها ، فإن كانت رقّاً لم يجز له الرّجوع عنها مطلقاً ، لأنّ الغانمين وأهل الخمس ملكوا بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم ، وإن كان قتلاً جاز له الرّجوع عنه ، تغليباً لحقن الدّماء ما أمكن ، وإن كان فداءً أو منّاً لم يعمل بالثّاني ، لاستلزامه نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجبٍ ، إلاّ إذا كان اختياره أحدهما لسببٍ ثمّ زال السّبب ، وتعيّنت المصلحة في الثّاني عمل بقضيّته . وليس هذا نقض اجتهادٍ باجتهادٍ ، بل بما يشبه النّصّ ، لزوال موجبه الأوّل بالكلّيّة .

 ما يكون به الاختيار :

30 - وأمّا توقّف الاختيار على لفظٍ ، فإنّ الاسترقاق لا بدّ فيه من لفظٍ يدلّ عليه ، ولا يكفي فيه مجرّد الفعل ، وكذا الفداء ، نعم يكفي فيه لفظٌ ملتزمٌ البدل مع قبض الإمام له من غير لفظٍ ، بخلاف الخصلتين الأخريين لحصولهما بمجرّد الفعل .

إسلام الأسير :

31 - إذا أسلم الأسير بعد أسره وقبل قضاء الإمام فيه القتل أو المنّ أو الفداء ، فإنّه لا يقتل إجماعاً ، لأنّه بالإسلام قد عصم دمه .

أمّا استرقاقه ففيه رأيان : فالجمهور ، وقولٌ للشّافعيّة ، واحتمالٌ للحنابلة أنّ الإمام فيه مخيّرٌ فيما عدا القتل ، لأنّه لمّا سقط القتل بإسلامه بقيت باقي الخصال .

والقول الظّاهر للحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّة أنّه يتعيّن استرقاقه ، لأنّ سبب الاسترقاق قد انعقد بالأسر قبل إسلامه ، فصار كالنّساء والذّراريّ ، فيتعيّن استرقاقه فقط ، فلا منّ ولا فداء ، ولكن يجوز أن يفادي به لتخليصه من الرّقّ .

أموال الأسير :

32 - الحكم في مال الأسير مبنيٌّ على الحكم في نفسه ، فلا عصمة له على ماله وما معه ، فهو فيءٌ لكلّ المسلمين ما دام أسر بقوّة الجيش ، أو كان الأسر مستنداً لقوّة الجيش ، ولو أسلم بعد أسره واسترقّ تبعه ماله ، أمّا لو كان إسلامه في دار الحرب قبل أخذه ، ولم يخرج إلينا حتّى ظهرنا على الدّار ، عصم نفسه وصغاره وكلّ ما في يده من مالٍ ، لحديث « من أسلم على مالٍ فهو له » وذلك باتّفاق المذاهب بالنّسبة للمنقول ، وكذا العقار عند المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة ، والحنابلة . وقال أبو حنيفة : وخرج عقاره لأنّه في يد أهل الدّار وسلطانها فيكون غنيمةً . وقيل : إنّ محمّداً جعله كسائر ماله . وإذا قال الأمير : من خرج من أهل العسكر فأصاب شيئاً فله من ذلك الرّبع ، وسمع هذه المقالة أسيرٌ من أهل الحرب ، فخرج فأصاب شيئاً فذلك كلّه للمسلمين ، لأنّ الأسير فيءٌ لهم وكسب العبد لمولاه .

33 - وإذا وقع السّبي في سهم رجلٍ من المسلمين ، فأخرج مالاً كان معه لم يعلم به ، فينبغي للّذي وقع في سهمه أن يردّه في الغنيمة ، لأنّ الأمير إنّما ملّكه بالقسمة رقبة الأسير لا ما معه من المال ، فإنّ ذلك لم يكن معلوماً له ، وهو مأمورٌ بالعدل في القسمة ، وإنّما يتحقّق العدل إذا كانت القسمة لا تتناول إلاّ ما كان معلوماً . ويروى أنّ رجلاً اشترى جاريةً من المغنم ، فلمّا رأت أنّها قد خلصت له أخرجت حليّاً كان معها ، فقال الرّجل : ما أدري هذا ؟ وأتى سعد بن أبي وقّاصٍ فأخبره فقال : اجعله في غنائم المسلمين . لأنّ المال الّذي مع الأسير كان غنيمةً ، وفعل الأمير تناول الرّقبة دون المال ، فبقي المال غنيمةً .

 وهذا الحكم يصدق أيضاً على الدّيون والودائع الّتي له لدى مسلمٍ أو ذمّيٍّ . فإن كانت لدى حربيٍّ فهي فيءٌ للغانمين .

34 - وإذا كان على الأسير دينٌ لمسلمٍ أو ذمّيٍّ قضي من ماله الّذي لم يغنم قبل استرقاقه ، فإنّ حقّ الدّين مقدّمٌ على حقّ الغنيمة ، إلاّ إذا سبق الاغتنام رقّه .

 ولو وقعا معاً فالظّاهر - على ما قال الغزاليّ من الشّافعيّة - تقديم الغنيمة ، فإن لم يكن مالٌ فهو في ذمّته إلى أن يعتق .

بم يعرف إسلامه :

35 - روي أنّه لمّا أسر المسلمون بعض المشركين وتكلّم بعضهم بالإسلام دون اعترافٍ جازمٍ ، بيّن اللّه أمرهم بقوله : { يا أيّها النّبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً ممّا أخذ منكم ويغفر لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ . وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم } . وإذا كان القرآن كشف نيّات بعض الأسرى لرسوله ، فإنّ المحاربين من المسلمين لم يؤمروا بالبحث عن هذه النّيّات ، ولقد حدّث المقداد بن الأسود أنّه قال : « يا رسول اللّه ، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفّار فقاتلني ، فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها ، ثمّ لاذ منّي بشجرةٍ فقال : أسلمت للّه ، أفأقتله يا رسول اللّه بعد أن قالها ؟ قال رسول اللّه e : لا تقتله . قال فقلت : يا رسول اللّه إنّه قطع يدي ، ثمّ قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول اللّه e : لا تقتله ، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال » .

 وبمثل ذلك قال الرّسول e لأسامة بن زيدٍ فيما رواه مسلمٌ : « أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها أم لا » . ولذا فإنّ الفقهاء قالوا : لو أنّ المسلمين أخذوا أسراء من أهل الحرب فأرادوا قتلهم ، فقال رجلٌ منهم : أنا مسلمٌ ، فلا ينبغي لهم أن يقتلوه حتّى يسألوه عن الإسلام ، فإن وصفه لهم فهو مسلمٌ ، وإن أبى أن يصفه فإنّه ينبغي للمسلمين أن يصفوه له ، ثمّ يقولوا له : هل أنت على هذا ؟ فإن قال : نعم ، فهو مسلمٌ ، ولو قال : لست بمسلمٍ ولكن ادعوني إلى الإسلام حتّى أسلم لم يحلّ قتله .

 أسرى البغاة :

36 - البغي في اللّغة : مصدر بغى ، وهو بمعنى علا وظلم وعدل عن الحقّ واستطال . ومنه قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه } .

 والبغاة في الاصطلاح : هم الخارجون على الإمام الحقّ بغير حقٍّ ولهم منعةٌ . ويجب قتالهم لردعهم لا لقتلهم وسنتصدّى للكلام عن حكم أسراهم .

37 - أسرى البغاة تعاملهم الشّريعة الإسلاميّة معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم لمجرّد دفعهم عن المحاربة ، وردّهم إلى الحقّ ، لا لكفرهم . روي عن ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه e قال : « يا ابن أمّ عبدٍ ما حكم من بغى على أمّتي ؟ قال : فقلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : لا يتبع مدبرهم ، ولا يذفّف على جريحهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يقسم فيؤهم » .

38 - وقد اتّفق الفقهاء على عدم جواز سبي نساء البغاة وذراريّهم . بل ذهب بعض الفقهاء إلى قصر الأسر على الرّجال المقاتلين وتخلية سبيل الشّيوخ والصّبية ، وقد روي أنّ عليّاً رضي الله عنه لمّا وقع القتال بينه وبين معاوية ، قرّر عليٌّ عدم السّبي وعدم أخذ الغنيمة ، فاعترض عليه بعض من كانوا في صفوفه ، فقال ابن عبّاسٍ لهم : أفتسبون أمّكم عائشة ؟ أم تستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها . فإن قلتم ليست أمّكم كفرتم ، لقوله تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } وإن قلتم : إنّها أمّكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم ، لقوله تعالى { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً } . فلا يستباح منهم إلاّ بقدر ما يدفع القتال ويبقى حكم المال والذّرّيّة على أصل العصمة . ولفقهاء المذاهب تفصيلٌ في حكم أسرى البغاة .

39 - ويتّفق الفقهاء على عدم استرقاق أسرى البغاة ، لأنّ الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداءً ، وقد روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه قال يوم الجمل :" لا يقتل أسيرهم ، ولا يكشف سترٌ ، ولا يؤخذ مالٌ " أي لا يسترقّون ولذا فإنّه لا تسبى نساؤهم ولا ذراريّهم . والأصل أنّ أسيرهم لا يقتل لأنّه مسلمٌ ، وقد نصّ على تحريم ذلك كلٌّ من الشّافعيّة والحنابلة ، حتّى قال الحنابلة : وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أساراهم ، لأنّهم لا يقتلون بجناية غيرهم ، ويتّجه المالكيّة وجهة الشّافعيّة والحنابلة في عدم قتل الأسرى .

 غير أنّه جاء في بعض كتب المالكيّة : أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ، فإن لم يتب قتل . وقيل : يؤدّب ولا يقتل وإن كانت الحرب قائمةً فللإمام قتله . ولو كانوا جماعةً ، إذا خاف أن يكون منهم ضررٌ . أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين ما إذا كان لأسرى البغاة فئةٌ ، وبين ما إذا لم تكن لهم فئةٌ ، فقالوا : لو كان للبغاة فئةٌ أجهز على جريحهم ، واتّبع هاربهم لقتله أو أسره ، فإن لم يكن له فئةٌ فلا ، والإمام بالخيار في أسرهم إن كان له فئةٌ : إن شاء قتله لئلاّ ينفلت ويلحق بهم ، وإن شاء حبسه حتّى يتوب أهل البغي ، قال الشرنبلالي : وهو الحسن ، لأنّ شرّه يندفع بذلك ، وقالوا : إنّ ما قاله عليٌّ رضي الله عنه من عدم قتل الأسير مؤوّلٌ بما إذا لم يكن لهم فئةٌ ، وقالوا : إنّ عليّاً كان إذا أخذ أسيراً استحلفه ألاّ يعين عليه وخلاّه ، أمّا إذا لم تكن لهم فئةٌ فلا يقتل أسيرهم . والمرأة من أهل البغي إذا أسرت وكانت تقاتل حبست ولا تقتل ، إلاّ في حال مقاتلتها . وكذا العبيد والصّبيان .

40 - ويتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز فداؤهم نظير مالٍ ، وإنّما إذا تركهم مع الأمن كان مجّاناً ، لأنّ الإسلام يعصم النّفس والمال ، كما أنّه لا يجوز للإمام موادعتهم على مالٍ ، وإن وادعهم على مالٍ بطلت الموادعة ونظر في المال ، فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم يردّه عليهم ، وصرف الصّدقات في أهلها ، والفيء في مستحقّيه ، وإن كان من خالص أموالهم وجب ردّه عليهم .

41 - ويجوز مفاداتهم بأسارى أهل العدل ، وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الّذين معهم وحبسوهم ، قال ابن قدامة : احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ، ليتوصّلوا إلى تخليص أساراهم ، ويحتمل ألاّ يجوز حبسهم ويطلقون ، لأنّ المترتّب في أسارى أهل العدل لغيرهم .

42 - وعلى ما سبق من عدم جواز قتلهم ، فإنّهم يحبسون ولا يخلّى سبيلهم ، إن كان فيهم منعةٌ ، ولو كان الأسير صبيّاً أو امرأةً أو عبداً إن كانوا مقاتلين ، وإلاّ أطلقوا بمجرّد انقضاء الحرب ، وينبغي عرض التّوبة عليهم ومبايعة الإمام . ولو كانوا مراهقين وعبيداً ونساءً غير مقاتلين أو أطفالاً أطلقوا بعد الحرب دون أن نعرض عليهم مبايعة الإمام .

 وفي وجهٍ عند الحنابلة يحبسون ، لأنّ فيه كسراً لقلوب البغاة . وقالوا : إن بطلت شوكتهم ويخاف اجتماعهم في الحال ، فالصّواب عدم إرسال أسيرهم والحالة هذه .

أسرى الحربيّين إذا أعانوا البغاة :

43 - قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا استعان البغاة على قتالنا بقومٍ من أهل الحرب وأمّنوهم ، أو لم يؤمنوهم ، فظهر أهل العدل عليهم ، فوقعوا في الأسر عند أهل العدل ، أخذوا حكم أسرى أهل الحرب ، واستثنى الشّافعيّة ما إذا قال الأسير : ظننت جواز إعانتهم ، أو أنّهم على حقٍّ ولي إعانة المحقّ ، وأمكن تصديقه فإنّه يبلّغ مأمنه ، ثمّ يقاتل كالبغاة .

الأسرى من أهل الذّمّة إذا أعانوا البغاة :

44 - إذا استعان البغاة على قتالنا بأهل الذّمّة ، فوقع أحدٌ منهم في الأسر ، أخذ حكم الباغي عند الحنفيّة ، فلا يقتل إذا لم تكن له فئةٌ ، ويخيّر الإمام إذا كانت له فئةٌ ، ولا يجوز استرقاقه .

--

أحمد الجمل
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages