بسم الله الرحمن الرحيم
وجوب التثبت من رواية الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم
الحمد لله رب العالمين وصلىالله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبهأجمعين وبعد
فإن السنة النبوية الشريفة المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي والأصل الثاني من أصول معرفة الإسلام بعد القرآن الكريم، كما أن السنة النبوية شارحة القرآن ومبينة له، كما قال تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) [النحل:44]، وكذلك فإن السنة وحي من عند الله تبارك وتعالى، (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) بالنجم 3، 4].
أقول هذه المسلمات التي لا خلاف عليها بين المسلمين والإجماع منعقد عليها وقد كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تناقل الأحاديث النبوية في المجموعات البريدية والإيميلات ورسائل الجوالات، وهذه لا شك ظاهرة إيجابية تدل على وعي المسلمين ومحبتهم لنبيهم القدوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي أريد التحدث عنه هنا هو واجب المسلمين في التثبت من الحديث قبل نشره ووجوب سؤال أهل العلم عن ذلك أو البحث عن كون الحديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هو مكذوب، خاصة عندما تجد في هذه الرسائل البريدية ما يحثك على نشر الحديث ويجعلك أمام مسؤولية وأمانة إذ يكتب في آخر الرسالة (انشرها ولك أجرها) أو يكتب (إن لم تنشرها فأنت محروم من أجرها) أو يكتب (انشرها ولو لشخص واحد إن كنت تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ونحو ذلك من العبارت المحرضة على نشر الحديث.
والحقيقة فإن رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف عظيم وكرامة، وامتثال لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم (بلغوا عني ولو آية) أخرجه البخاري، بل إن المشتغل في رواية الحديث يدخل في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وصححه عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه). فقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنضارة والصفاء والنور، وهذا الحديث شرط لمن يدخل في هذا الدعاء :
- أن يكون الحديث المروي ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم (سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه)، ويقوم الرجوع إلى المصادر الموثوقة وسؤال أهل العلم والأخذ عنهم مقام ذلك.
- أن يحفظ الحديث كما سمعه أو قرأه من مصدره أو أخذه عن عالم لا من مصادر مجهولة غير موثوقة.
- أن يؤدي الحديث كما حفظه وسمعه وأخذه من مصدره الموثوق.
كما وردت الأحاديث الكثيرة التي تحذرنا من المجازفة في رواية حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم دون التثبت منه، ومن ذلك ما أخرجه الترمذي وأحمد وابن حبان عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو واحد الكاذبين) قال الترمذي: (وفي الباب عن علي بن أبي طالب وسمرة قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح)، وقد روى الترمذي عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن في معنى الحديث أنه قال: (إذا روى الرجل حديثا ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أصل فحدث به فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث).
فهذا الحديث يجعل الراوي للحديث دون التثبت منه في مقام متعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (من كذب علي عامداً متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار)، وهذا الحديث يبين عظيم ذنب من يروي الحديث دون تثبت، فالتبوء هو الاستقرار والتمكن، فما أعظم الذنب الذي قام به من روى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم دون تثبت.
وقد يقول قائل: ولم هذا التحذير الشديد والوعيد لمن يروي دون تثبت، فقد يكون معنى الحديث جميلاً ولا شيء فيه فما المانع من روايته منسوباً للنبي صلى الله عليه وسلم؟!
فالجواب: أولاً لا يجوز لمسلم أن ينسب كلاماً لشخص لم يقله، وو كان جميلاً، فكيف في نسبة كلام لأشرف الخلق.
ثانياً: قد ذكرنا سابقاً أن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من عند الله، وهو تشريع من الله تعالى ومن رسوله فالذي يروي حديثاً دون تثبت أو يروي حديث مكذوباً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ينسب كلاماً لللنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كلام جميل وهذا الكلام لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه بذلك يكذب على الله تعالى، ويضع نفسه في مقام الذي يوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقام الذي يشرع ، وقد قال تعالى : (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) [النحل:116]، فإن الذي يكذب على الله ورسوله وينسب كلاماً للرسول الذي لا ينطق إلا بوحي من الله تعالى ليس مفلحاً فهو إذن ليس على خير ورشد وهداية وعمله ضلال مبين وخسران أكيد.
ثالثاً: إن بيان أجر الأعمال وثوابها أمور غيبية وتوقيفية أي يتوقف أمر معرفتها على عالم الغيب والشهادة، وهذا لا يكون إلا لله تعالى، والله أخبر رسوله بها ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أخبرنا بها، فالذي يروي حديثاً يخبر فيه عن ثواب دعاء أو صلاة أو عمل دون تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يضع نفسه في مقام عالم الغيب والمشرع للأمور ويدخل في المفترين على الله ورسوله.
فحذار أيها المحبون لله ورسوله من التسرع في رواية الحديث دون التثبت منه وسارعوا لنصح إخوانكم ومن يلوذون بكم في هذا الشأن، ويمكنكم الاستعانة بأهل العلم لمعرفة أي حديث يردكم على بريدكم أو جوالكم من العلماء المختصين بعلم الحديث الشريف، أو من مواقع الأنترنت المختصة بالحديث النبوي كموقع الشبكة الإسلامية وموقع الدرر وموقع المحدث أو من خلال البرامج الإلكترونية الموثوقة كالكتب التسعة لشركة صخر أو الموسوعة الحديثية لشركة التراث أو الموسوعة الشاملة وكل ذلك موجود على الشبكة العنكبوتية (الأنترنت) والله الموفق
د. مرهف سقا
جزى الله خيراً الدكتور مرهف السقا على هذا البيان الموجز ..
الذي يعكس موقف الاعتدال والتوسط ، بعيداً عن منهج التطرف والغلو
و الأمة أحوج إلى هذا المنهج اليوم من أي وقت مضى .
محمد خير