شعره دخان وعطر ومعاناة وألم. إنه ( يغرفُ من قلبه ويُعطي من دمه) كما وصفه مرة أبوه. وهذا ما تؤكده قصائده له دواوين كثيرة جداً ويزعم بعض من عرفه عن قرب أنها اقتربت من المئة منها ديوان:( رفاق يمضون) و(صراخ الثأر)و(فراشات وعناكب) وله عدة دواوين بعنوان:(من حصاد الحرب) ترجم عدد منها إلى اللغات الأوربيةلاسيما الفرنسية ولكن أشهردواوينه ( آلام ) بأجزائه الثلاثة الذي يتألف من سبعة وسبعين نشيداً يصفه الشاعربأ نه:(كون لاتساق شعري حافل بالتعايش العاطفي) بثّ فيه روحَه وآلامَه وأزجى أناشيده للناس وفيه نتف من النثرالشعري أوالشعرالمنثوريصف فيها طبيعة قريته ويشير بعبارات خاطفة قليلة عن شخصه ومجتمعه اعتمد ت عليها في هذا المقال وأنا أُقدِّر أنَّ هذا الديوان وحده يؤهله أن يكون في عداد كبار الشعراء الرومانسيين في الوطن العربي ورغم ذلك يجهلهُ اليوم أكثرُ أبناء بلده ولمّا يمضِ على رحيله إلاّ سنوات قليلة ويبدو أنَّ جهل الناس له ولشعره كان الثمن الذي دفعه بسبب سلوكه وموقفه من المجتمع والسياسة. دفع هذا الثمن حيّاً وراحلاً. فضلاً عن زهده في الشهرة وعزوفه عن الأضواء.
ويبدو لنا من قصائده تعلقه بالطبيعة لاسيما طبيعة قريته الجميلة التي وصفها وأكثر من وصفها وأبدع فيه حتى صارهذا الوصف أحد مكوّنات مشهده الشعري فقد حبا الله قريته التي أبصر فيها النورطيب المناخ وجمال المنظروبسا طةالحياة وصفاءِ العيش فارتمى بأحضانها وغدت بمثابة الرئة التي يتنفسُ منها والملاذَالمريح الذي يلجأ إليه فقريته تقع على سفح رابية تحيط بها سلسلة من التلال والجبال وحواليها أكثر من نبع ماء ومصيف تابعة لمنطقة(جبلة) في محافظة اللاذقية تبعد عن مدينة (جبلة) اثني عشر كيلو متراً شرقاً جوّها لطيف منعش صيفاً وبارد ماطر شتاء. يصورنديم محمد موقع قريته نثراً تصويراً مشخصاً أقرب إلى الشعر يقول:( قريتي التي تشبه ناطورة كرم لاطيةٌ في سفح رابية تميع ساقاها الرخوتان في سهلٍ منطلقٍ تحسبهُ الفازع الهارب وقد تخوَّفَ عثاراً فامتد ساعداه وتقوسا وانفرجا يميناً ويساراً) ثم يصورمشهداً آخر في قريته نابضاً بالحياةِ واللونِ والصوت والحركة:
وتمتد حواليها سلسلة متوالية من الغابات تكسو التلال وسفوحَ الجبال حللاً جميلة من الاخضرارالمتما وج بمختلف أشجارالسنديان والبلوط والحوروالصنوبر وغيرها ما يؤنس العينَ ويبهجُ القلب فيقول في قصيدة له يعنوان:(غاباتنا)
إنّ لجوء الشاعرإلى الطبيعة الجميلة التي تحيط بقريته وإكثاره من وصفهافي قصائده لا يعبرعن حبه لهافحسب وإنما يعبرأيضاً عن تذ مره من مجتمع تمرد عليه عجز أن يتلاءم معه فأعرض عنه وارتمى بحضن الطبيعة. وقد عرف عنه مجتمعُ قريته نزعةَ التمرد منذ أن كا ن صغيراً وكان شيوخ الدين يخشون على مجتمعهم من تمرده فعشيةَ سفره إلى(مونبيليه) وقفوا بوجه أبيه مطلقين صرختهم:( كفرٌهو تعلم اللسان بخسٌ هو طعامُ الغرباء ابنك خائس). وفي فرنسا تأثرنديم محمد بالحياة الجديدة والأفكار التنويرية ورأى الفرق كبيراً بين مجتمع ضيعته والمجتمع الجديد الذي عاش فيه بين حياة الغرب التي تنزِعُ إلى التجديد والتقدم واحترام حرية الفرد وحياةالشرق المحافظةِ على كل ماهو قديم المتعصبةِ لعاداتها وتقاليدها وحين عاد إلى بلده مندفعاً إلى التغييربنشاط الشباب ناقماً على الجهل ثائراًعلى واقعه المتخلف المريض اصطدم بمجتمع قريته المحافظ الذي وجد في هذا القادم إليه من فرنساً خطراً على عاداته وتقاليده وقيمه أراد مجتمعه أن يحميها من تمرده فأقصاه جانباً وشدّد عليه الخناق. واتخذ ت نزعة التمرد في شخصية نديم محمد مظهرين بارزين في سلوكه المظهرالأول استهتاره بعادات مجتمعه واستخفافه بقيمه تجلى هذا بوضوح في مجونه من خلال علاقته بالمرأة وإدمانه الخمرة والمظهرالثاني تمرده على الاستغلال والظلم والاستبداد.
وهنا يبرزدورالمرأة في حياة نديم محمد فيسأل سائل: كيف نظرنديم محمدإلى المرأة وكيف كانت علاقته بها المرأة هي المكون الهام في مشهده الشعري وهي عند شاعرنا إمّا صاحبة يتمتع بها ثم ينصرف إلى غيرها أوحبيبة يخفق لها قلبه فيميل إليها وتحفل قصائده بعلاقاته بالمرأةالصاحبة العابرة أكثرمن المرأة الحبيبة ويأتي حديثه عنها مترافقاً مع وصفه الطبيعة.انظرالآن إلى وصفه هذا المشهد الصباحي الباكربقريته في قصيدته(عالم يفيق) فإنه ما كاد قرص الشمس يرتفع من مرقده ويصعد إلى السماء متسعاً قليلاً قليلاً ثم تتد فق أمواجُه لتغمرالكون ضياءً ونوراً حتى يغدوالناسُ إلى أعمالهم وتغدوجارةالشاعرِالصغيرة تسوق خرافَها إلى وادٍ سحيق أمّا المترفون ومنهم صاحبة الشاعر فكان لا يوقظها من نومها في غرفته إلا لسعات شمس الضحى فيقول:
في هذه القصيدة تبدو المرأة وهي المكون الآخرالهام في مشهده الشعري كسلى أضناها السهر وهي تذكرنا بصاحبة امرىء القيس التي كانت لا تستيقظ بثوبها الحريري الرقيق إلاَّ عند الضحى وحين تفيق كانت تضوع من فراشها روائحُ المسك:وتضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
ومعروف أنَّ الشاعرالجاهلي امرأ القيس كان أنفق في الشطرالأول من حياته كثيراً من أموال أبيه الملك في القصف والمجون والشراب فكان يلاحق النساء من غيرأن يد فعه إليهن حبُّ مخلص أو شوق صادق أو عاطفة متأججة بقد ر ما كان يدفعُه إليهن طيش الشبا ب الماجن الباحث عن المتعة والجنس. لذلك كان يقتحم المخاطرفي سبيل صاحبته أو حبيبته فيفاجئها شخصه ليلاًفي مخدعها أو يزاحمها نهاراً في هودجها ليبلغَ منها مراده وكان امرؤ القيس يصف في شعره مفاتنَ صاحبته وعلاقتهَ بها وصفاً حسياً يخدش الحياء ولم يكن(نديم محمد) بحاجة أن يعرّض نفسه إلى مخاطر امريءالقيس حتى يصل إلى صاحبته فالحياة اختلفت وكان بوسعه أن يظفر بصاحبته متى شاء وفي أي مكان بل تبيت في غرفته أيضاً كلاهما مبذر يبحث عن اللذة والمتعة. وتضيء القصيدة السابقة(عالم يفيق) جانباً مادياً في حياته ففي منزله تقيم خادمة مهذبة على حظ من الذوق والجمال تنقرباب غرفته نقراً خفيفاً عند استيقاظهما صباحاً لتقدم لهما فنجاني قهوة وكأسي ماء وثلاث وردات. وشاعرنا نديم محمد نشأ في كنف أسرة إقطاعية لم يكن المالُ عنده إلاَّ وسيلةً لقضاء الحاجات فلم يحرص عليه أو يسع إلى جمعه وإنما كان ينفقه بلا تردد في لهوه ومجونه وفي مرحلة شبابه ورجولته يفجّرتأثره بحياة الغرب بركان جنسه المكبوت في مجتمعه المحافظ فينسف معتقدات مجتمعه وآدابه العامة وينزع عن المرأة ثوب السترِ ويصفها وصفاً فاضحاً ويرى المرأة في هذه المرحلة من حياته امتداداً لشخصية الرجل ذائبةً فيها مخلوقةً لمتعته وإشباع غريزته المتعطشة إلى الجنس وليست مخلوقاً له كيانٌ مستقل وشخصيةٌ ذاتُ إرادة. من هذا الجانب كان شاعرنا ينظرإلى المرأة ويعترف في قصيدته(شفتان) أنّه جرب الحياة وسلَكَ مختلف طرقِها فقارف الذنوب وأسرف في المجون وغرق في الموبقا ت:
fc059e003f