بعد هزيمة مروان في معركة الزاب الأعلى انتقلت أسرة الشاعر إلى البصرة والطفل أبو نواس في الثانية من عمره وقيل في السادسة وما لبث أن مات أبوهُ فأسلمته أمه إلى الكتاب ثم إلى عطار يعمل عنده أجيراً يبري عيدان الطيب.
توفي والده فانتقلت به أمه من الأهواز إلى البصرة في العراق وهو في السادسة من عمره وعندما أيفع وجهتهُ إلى العمل في حانوت عطار وحين آلت الخلافة إلى بني العباس انتقل من البصرة إلى الكوفة ولم تذكر لنا كتب التاريخ سبب ذلك غير أنه التقى والبة بن الحباب الأسدي الكوفي أحد الشعراء اللامعين في ميدان الخلاعة والتهتك فعني به واهتم به أي عناية إذ عمل على تأديبهِ وتخريجهِ. وصحب جماعةً من الشعراء الماجنين كمطيع بن إياس وحماد عجرد. ثم انتقل إلى بادية بني أسد فأقام فيهم سنةً كاملةً آخذاً اللغة من منابعها الأصيلة. ثم عاد إلى البصرة وتلقّى العلم على يد علمائها أدباً والشعراء.[9]
عندما توفي والده تلقّفه شيخ من شيوخ اللغة والأدب والشعر هو خلف الأحمر[9] فأخذ عنه كثيراً من علمهِ وأدبه وكان له منه زاد ثقافي كبير حتى أنه لم يسمح له بقول الشعر حتى يحفظ جملة صالحة من أشعار العرب ويقال: إن أبا نواس كلما أعلن عن حفظه لما كلفه به كان خلف يطلب إليه نسيانها وفي هذا لون رفيع من ألوان التعليم حتى لا يقع هذا الشاعر الناشئ في ربقة من سبقه من الشعراء المتقدمين وقد روي عن أبي نواس قوله: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى الأخيلية فما ظنكم بالرجال
وما كاد أبو نواس يبلغ الثلاثين حتى ملك ناصية اللغة والأدب وأطل على العلوم الإسلامية المختلفة من فقه وحديث ومعرفة بأحكام القرآن وبصر بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وما أن تم لابن هاني هذا القدر من المعرفة حتى طمح ببصره إلى بغداد عاصمة الخلافة ومحط آمال الشعراء. ولكن نظرة سريعة في ديوانه تجد غلبة الخمر عليه للحد الذي جعله يفضلها على كل شيء.
ذهب أبو نواسٍ إلى دمشق ثم إلى مصر متجهاً إلى الفسطاط عاصمتها يومذاك واتصل بوالي الخراج فيها الخصيب بن عبد الحميد فأحسن وفادته وغمره بالعطاء فمدحه بقصائد مشهورة. توفي هارون الرشيد وخلفه ابنه الأمين فعاد أبو نواسٍ إلى بغداد متصلاً به فاتخذه الأمين نديماً له يمدحه ويُسمعه من طرائف شعره. غير أن سيرة أبي نواسٍ ومجاهرته بمباذله جعلتا منادمته الأمين تشيع بين الناس. وفي نطاق الصراع بين ابني الرشيد الأمين والمأمون كان خصوم الأمين يعيبون عليه اتخاذ شاعرٍ خليعٍ نديماً له ويخطبون بذلك على المنابر فيضطر الأمين إلى حبس شاعره. وكثيراً ما كان يشفع الفضل بن الربيع له لدى الخليفة فيخرجه من سجنهِ. وعندما توفي الأمين رثاه أبو نواسٍ بقصائد تنم عن صدق عاطفته نحوه.
يوجد في مدينة بغداد عدة أماكن سميت على أسم أبو نواس. منها شارع أبو نواس الذي يمتد على الضفة الشرقية لنهر دجلة في أحد الأحياء التي كانت ذات يوم أحد معالم المدينة.[18] تقع حديقة أبو نواس على امتداد 2.5 كيلومتر بين جسر الجمهورية ومنتزه يمتد حتى نهر الكرادة بالقرب من جسر 14 تموز.[19]
وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس:قصيدة تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
كان أبو نواس ألعوبة في يد الأقدار ميّالاً إلى الدعابة والفكاهة وقد تكاثرت عقده النفسيّة فانصرف إلى اللهو والمجون يرى فيهما دواءً للحياة وآلامها وطلب الخمرة بإلحاح يرى فيها حلًّا لعُقده وتفريجاً لأزماته العاطفيّة فقاده هذا كلّه إلى فلسفة الإباحة والغفران.
شاعت الخمرة في عصر أبي نواس وكثر شاربوها واشتدّ الجدل بين الفقهاء في أمر تحريمها وتحليلها. وقد نشب الصراع بين أهل القديم والجديد وبين العرب والشعوبيّة. فالشعوبية راحت تنافس العرب في دينهم وتقاليدهم وأدبهم وراحت تعزز شأن الخمرة على أنها عنصر من عناصر الحياة الجديدة وراح شعراؤها يتعصبون على العرب ويقيمون الخمرة مقام الديار والطلول. فمال إليها أبو نواس في اندفاع وثورة وشملت ثورته التقاليد العربيّة والدينيّة واصطبغت بالصبغة الشعوبيّة التي تريد الحطّ من شأن العرب في عقليّتهم وعاداتهم وأخلاقهم وثقافتهم ودينهم.
ولم يحب أبو نواس الخمرة كما أحبّها الأعشى والأخطل وغيرهما أي لم يعتبرها وسيلة إلى الفرحة والنشوة فحسب بل زاد على ذلك أنه أحياها ورأى فيها شخصاً حيّاً لا على سبيل المجاز بل على سبيل الحقيقة فإنه رأى فيها حياة عندما رآها تغلي وتفور وتضرم وتأتلق ائتلاقاً وتسري في الجسم سرياناً وتبعث فيه الحياة والنشاط كما تصبغ العينين والخدّين بحمرة الدم. فهي ذات روح يحاول أبو نواس أن يستلّها من الدنّ ليجعل في جسمه روحين وهي كائن أشبه بكائن عالم الأفلاك الذي جعله الفلاسفة فوق عالم المادة وتحت عالم الروح إذ هي مادة روحانية تتصف باللطافة فيكاد الماء لا يمازجها وهي نورٌ متلألئ بل هي معنى من معاني المفارقة أي التي تغاير المادة حتى أصبحت من المعقولات بالفعل تُحسّ بها الروح وتناجيها وتتعشّقها لأنها جمال من الجمالات الأفلاطونية.
ولم يقف أبو نواس عند هذا الحدّ بل رأى في الخمرة شيئاّ من أُلوهة ورآها فوق النار التي كانت الفرس يعبدونها ورآها فوق معبودات الناس أجمعين حتى كادت تنسيه الله. وصفها بصفات الذّات الإلهيّة وجعل لها آلاءً وأسماء حُسنى وصفات تجلّ عن الشبه والمثل وهنا يبدو تأثر أبي نواس بحركة الجدل والنزاع القائم في عصره بين علماء الكلام قال:
ولما كانت الخمرة كذلك راح الشاعر يجلّها ويبذل كلّ شيء في سبيلها ونصب نفسه داعياً من دعاتها وأقام لها طُقوساً لعبادتها وتكريمها وسعى في إبعادها عن كل من لا يستحقها لأنّ التقرُّب منها عن غير استحقاق إثم فظيع.
وإلى جانب هذا كلّه فقد عملت شعوبية أبي نواس ما عملته الشعوبيّة العامّة في المجتمع العباسيّ الأول فأنهضته على تقاليد العرب في الشعر وحرّضته على التهجّم التحقيري السّاخر وعلى التنديد بما يراه جموداً في الذهنيّة العربية وبداوةً قبيحة في عصر الحضارة والتقدميّة وقد عمد إلى كثير من الألفاظ الأعجميّة للحطّ من شأن اللغة العربية. وعمد أكثر ما عمد إلى لغة التخاطب وأساليبه للحطّ من كلاسيكيّة الأساليب العربية القديمة وأخيراً عمد إلى النقد المباشر فهزئ بالوقوف على الأطلال وبكاء الأحبّة ورأى أن الخمر الحيّة أجدر بالبكاء من الجِيَف البالية وان مجالس الشراب أجدر بأن توصف من الرسوم الدارسة التي تنسج الرياح رمالها:
وهكذا يتجلّى لنا أن أبا نواس رجل تفكير يدلي بآرائه في صراحة وجرأة ورجل نقاش وجدَل يتسلّح بسلاح الأئمة لكي يبرّر موقفه الشاذّ من الحياة ويقرع الحجّة بالحجّة في لباقة ومهارة لكي يبدو لجماهير الشّعب أنّه لا يسير في طريق الضلال فيخفي تحت ستار الجدل تلك الميول الجامحة التي تخضع العقل لمنطقها وإن كان العقل يؤمن بالله ويتنكّر في أعماقه لأعمال الشذوذ الإنساني التي يغرق في عبابها الإنسان العاقل.
03c5feb9e7