الهندسة المالية الإسلامية

42 views
Skip to first unread message

إياد خالد الطباع

unread,
Sep 4, 2011, 11:04:03 AM9/4/11
to مجموعة غوغل للاقتصاد الإسلامي
تواجه صناعة المصرفية الإسلامية تحدياً يضعها في مفترق الطرق وهو اختلاف
شكل بعض المنتجات عن مضمونها. ففي حالات عديدة تطرح منتجات إسلامية إلا
أنه بنظرة أكثر عمقاً لتلك المنتجات يتضح أنها منتجات تقليدية مخالفة
للشريعة صبغت بصبغة شرعية. وفي هذا الإطار ينادي المختصون بأهمية هندسة
منتجات مالية إسلامية لا يختلف جوهرها عن شكلها، وتحقق في الوقت ذاته
ميزة تنافسية نظراً لتفردها. وقد خصصت القمة المالية الإسلامية الأخيرة
ندوة للهندسة المالية الإسلامية طالبت بمزيد من الابتكار في الصناعة.

كان للقمة المالية الإسلامية التي انعقدت في لندن أخيراً طابع مغاير عن
المؤتمرات المشابهة. ويأتي تفرد تلك القمة بتخصيصها ندوة خاصة لمناقشة
جوهر شرعنة وهندسة المنتجات المصرفية الإسلامية. وقد جاءت تلك الندوة
كردة فعل لظهور عديد من الممارسات والتعاملات المالية التي يرى الفقهاء
أنها تتمسح بالشرع رغم أنها في حقيقة الأمر أبعد ما تكون عن مبادئ
المعاملات الإسلامية. وتشهد صناعة المصرفية الإسلامية جدلاً لا ينتهي حول
مدى شرعية بعض المنتجات التي تقدمها المؤسسات المالية الإسلامية.

وقد حرص المؤتمر على تخصيص تلك الندوة بحيث تتاح الفرصة لعدد من فقهاء
المصرفية الإسلامية لدراسة الوضع الراهن بشكل لا يفتقر إلى الشفافية،
للوقوف على مدى مطابقة الشكل الخارجي للمنتج الإسلامي وجوهره الداخلي من
حيث مدى التوافق مع أحكام الشريعة. وبدا واضحاً حرص المنظمين على أن يكون
الفقهاء الموجودون في الندوة ممثلين لأكثر من مدرسة فقهية؛ حيث ضم
الإعلان الأولي عن المؤتمر أسماء كل من: محمد داود بكر والفقيه السعودي
محمد القري وفقيه أمريكا الشمالية يوسف ديلرونزو والماليزي محمد أكرم.

وطالب الفقهاء بضرورة المصارحة في كشف ما قد يكتنف بعض المعاملات من
عوار؛ مشددين على أهمية أن يكون لصناعة المالية "الإسلامية" نصيب من
اسمها. وحذرت مشاركات أغلبية الفقهاء من مغبة التعجل في تحقيق مكاسب عن
طريق لي النصوص الشرعية، أو التحايل لإضفاء طابع الشرعية على منتج ما لا
يتوافق مع أحكام الشريعة. وتتعالى الأصوات المطالبة بهندسة المنتجات
الإسلامية بحيث يتم ابتكار منتجات وخدمات مالية تكون إسلامية الجوهر
والمظهر، لا أن تلهث المؤسسات المالية الإسلامية وراء محاولات "أسلمة"
تلك المنتجات. وفي هذا الإطار تمت مناقشة أبرز المستجدات الحديثة الخاصة
بتطوير منتجات مصرفية التجزئة والجملة. وكذلك بالنسبة لإدارة الأصول
الإسلامية والمشاريع الضخمة التي يتم تمويلها عبر الصكوك؛ التي تعد من
أهم المداخل للهندسة المالية الإسلامية.


ويأتي الاهتمام بقضية هندسة المالية الإسلامية في ظل الضغوط التنافسية
الحادة التي تفرضها التغيرات الجذرية التي يشهدها العالم بالتحول
للاقتصاد الحر، إضافة إلى ترابط أسواق التمويل الدولية بفضل ثورة
الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وتبقى المنافسة غير متكافئة بالنسبة
للخدمات المصرفية والمالية الإسلامية إذا لم تتمكن من تطوير منتجات جديدة
تمتاز بالمرونة. ولم تقتصر قمة لندن على مجرد استعراض وتحليل الفتاوى
الصادرة من هنا أو هناك، بل إنها شهدت مشاركات لكبار العاملين في صناعة
التمويل الإسلامي قدموا فيها تجربتهم العملية التي لفتت الانتباه إلى
عديد من النقاط التي يجب مراعاتها عند هندسة منتجات إسلامية صرفة. وكان
للاقتصاديين دور مهم من خلال المشاركة في مراجعة المناخ الاقتصادي
الحالي. كما قدم مسؤولو الأجهزة التنظيمية رؤيتهم عن البيئة التنظيمية
دائمة التغير، التي يكون لها تأثير ملحوظ في الأسواق المالية العالمية.
وتمت مناقشة الجوانب الدقيقة للقوانين التنظيمية والإشرافية للمصرفية
الإسلامية. ومن المحاور المهمة في القمة مسألة المحركات التجارية
والعوائق المستقبلية أمام تطور صناعة المصرفية الإسلامية.

وطالب المشاركون بأن تكون هندسة المالية الإسلامية على رأس أولويات
الفقهاء والمصرفيين وسائر اللاعبين الأساسيين في تلك الصناعة. ويلفت
المراقبون النظر إلى الدور الفاعل للفقهاء في نمو وتطور المصرفية
الإسلامية، ولا سيما ما أطلق عليه مجموعة " الـ 20 فقيهاً" الذين ارتقوا
بتلك الصناعة بشكل ملحوظ في السنوات العشر الماضية من خلال تقديمهم النصح
والمشورة لعدد من البنوك.

الشفافية بديلاً عن التمويل العاطفي

شدد محمد نضال الشعار ـــ الأمين العام لهيئة المحاسبة والمراجعة
للمؤسسات المالية الإسلامية ـــ على ضرورة زيادة الاهتمام بقطاع التجزئة.
ويذهب إلى أن هذا النوع من التمويل يجب أن يطلق عليه مصطلح "التمويل
العاطفي" Emotional Finance وليس التمويل الإسلامي، ذلك أن المقبلين على
المعاملات المتوافقة مع الشريعة تدفعهم عاطفتهم كون هذه المنتجات
إسلامية، ولا يكون هذا الإقبال عن فهم تام لتلك المنتجات. وطالب بأن تقدم
المؤسسات المالية الإسلامية منتجات لا تسبب إرباكاً لهؤلاء العملاء
المدفوعين بالعاطفة في المقام الأول؛ وذلك بأن يكون العميل على قدر من
الفهم لطبيعة تلك المنتجات.

وفي هذا الصدد يقترح الشعار إنشاء مجلس شرعي أعلى تكون مهمته وضع
المعايير الخاصة بالمنتجات المصرفية الإسلامية، ويعمل المجلس المقترح على
إزالة أية اختلافات قد تظهر بين تلك المنتجات.

ولعل من أبرز صور تلك الخلافات بين المدرسة الخليجية والمدرسة الماليزية؛
أن الأخيرة تجيز بيع العينة ـــ وهو ما يأخذه عليها أبناء المدرسة
الأولى. كما ازدادت هوة الخلاف عند التعرض لبعض مسائل التورق، ولا سيما
بعد فتوى مجمع الفقه الإسلامي التي اعتبرت التورق تحايلاً ومحاولة لإضفاء
الطابع الشرعي على تلك التعاملات التي لا تعدو كونها تعاملات ربوية. كما
تجلت الخلافات الفقهية في تصريحات الشيخ محمد تقي الدين عثماني الشهيرة،
التي أكد فيها أن نحو 85 في المئة من الصكوك التي تم إصدارها لم تلتزم
بأحكام الشريعة؛ مرجعاً ذلك إلى وجود اتفاقيات إعادة شراء، وهو ما يتنافي
مع الشريعة.

ومن جانبه طالب نِك شاهرايزل سليمان ـــ من شركة برايس ووترهاوس كوبرز
ـــ بمراعاة الاختلافات في معايير المحاسبة التقليدية ونظيرتها
الإسلامية. وأوضح أن تلك الاختلافات من شأنها التأثير في كيفية الإبلاغ
عن الموجودات والأرباح في البيانات المالية، كما قد توجد اختلافات في
وجهات النظر المحاسبية والقانونية فيما يتعلق بالتعاملات المالية
المتوافقة مع الشريعة. وقال إن تضارباً ينشأ أحياناً حين يتوقع الفقهاء
أن تكون المعالجة المحاسبية متفقة مع وجهة نظرهم. كما أن هياكل المنتجات
في حاجة إلى درجة معينة من التوحيد المعياري للحصول على قبول عام وشامل،
وبالتالي الحصول على عمق في السوق.


محمد نضال الشعار
وانتقد الشعار ما تقوم به بعض البنوك الإسلامية من "أسلمة" للمنتجات
المصرفية بإضفاء صبغة شرعية عليها. معتبراً أن هذا الأمر من شأنه الإضرار
بصناعة المصرفية الإسلامية بشكل عام. وقال إنه يجب التفريق بين إعادة
التغليف المتطابقة مع الشريعة وبين تصنع الشرعية لمنتج ما؛ فعندما تأخذ
منتجاً تقليدياً وتبدأ بتعذيبه وتكسير ذراعيه ورجليه حتى يستشهد، فإن هذه
مشكلة ـــ على حد تعبيره. ودعا إلى ابتكار منتجات خاصة بالأفراد، معترفاً
في الوقت ذاته بأنه في الوقت الحالي، لا توجد الخبرة و المعرفة أو حتى
السابقة الخاصة بهندسة منتجات مبتكرة وإسلامية بشكل كامل، لدرجة أنها
تختلف بشكل جذري عن المنتجات التقليدية.

وثمة تحديات تواجه تطبيق الهندسة المالية تتعلق بالجوانب المؤسسية، يأتي
في مقدمتها الإطار المؤسسي السليم حيث تحتاج البنوك الإسلامية إلى عدد من
المؤسسات والترتيبات الداعمة حتى تتمكن من القيام بوظائفها المتعددة.

ولكن تلك البنوك، والمؤسسات الإسلامية بشكل عام تعاني من انعدام الدعم
المؤسسي الذي يوظف خصوصا لخدمة احتياجاتها. ومن التحديات البارزة الحاجة
الملحة إلى موارد رأس المال البشري التي تتميز بالكفاءة، لسد العجز الذي
تعانيه صناعة التمويل الإسلامي في هذا النطاق. ويرصد محمد إيزانيغني ـــ
كبير الإداريين الماليين في "خزانة ناشونال" ـــ اقتصار التوجه العالمي
العام على مجرد تدوير الوظائف بين المؤسسات المالية. وهو ما يتسبب في
تنقل المصرفيين الإسلاميين بين عديد من الجهات بدلاً من استمرارهم في
وظائف بعينها، وذلك مرجعه زيادة الطلب عليهم نتيجة انخفاض أعدادهم. وهناك
تحديات تتعلق بالإطار القانوني المناسب والسياسات الداعمة. ويرصد الخبراء
أن قوانين التجارة والمصارف والشركات في معظم البلدان الإسلامية وضعت على
النمط الغربي. وبطبيعة الحال فإن هذه القوانين تضم أحكاما تضيق من مدى
نشاطات العمل المصرفي وتحصره في حدود تقليدية.

أما فيما يتعلق بالتحديات ذات الصلة بالإطار الإشرافي فإن عدم وجود إطار
إشرافي فاعل يعد إحدى نقاط الضعف الخطيرة للنظام المصرفي الإسلامي القائم
ويستحق اهتماما جاداً على المستويات كافة. ولا شك أن هناك حاجة لتنسيق
وتقوية الأدوار التي تضطلع بها كل من هيئات الرقابة الشرعية والبنوك
المركزية في الدول الإسلامية.

أما بالنسبة للتحديات المتعلقة بالجوانب التشغيلية فتنقسم إلى شق يخص
التمويل والآخر السيولة. ويلاحظ انعدام التمويل عن طريق تقاسم الأرباح،
حيث تنقسم المعاملات المالية الإسلامية إلى نوعين، يقوم أحدهما على رسم
ثابت على رأس المال ويستند الآخر إلى تقاسم الأرباح. ويوفر كل من النوعين
التمويل من خلال شراء وبيع سلع حقيقية، بينما تقوم المعاملات المالية
التقليدية على تسليف الأموال مقابل رسم ثابت (فائدة). أما عدم سيولة
الموجودات فهي مشكلة أخرى يسببها انتشار صيغ التمويل القائمة على أساس
الدين. وتتلخص في صعوبة تحويل هذه الصيغ التمويلية إلى أدوات مالية يمكن
التفاوض بشأنها.

ومن التحديات المتعلقة بالجوانب التشغيلية حشد الودائع، وتوظيف الأموال
محليا، والمنافسة، والعولمة.

الإبداع والابتكار أهم أولويات المرحلة المقبلة

تعرف الهندسة المالية الإسلامية بأنها الأنشطة التي تتضمن عمليات التصميم
والتطوير والتنفيذ للأدوات والعمليات المالية المبتكرة. كما يشمل التعريف
صياغة الحلول المبتكرة لمشكلات التمويل بما يتناسب مع أحكام الشريعة.

وتتكون الهندسة المالية من أربعة عناصر. وهذه العناصر هي ابتكار أدوات
مالية جديدة، وابتكار آليات تمويلية جديدة، وتقديم حلول مبتكرة للإدارة
التمويلية مثل إعداد صيغ تمويلية لمشاريع معينة بما يتلاءم مع الظروف
المحيطة. وأهم تلك العناصر أن تتميز الابتكارات المشار إليها بالمصداقية
الشرعية؛ بمعنى أنها تتفق مع أحكام الشريعة وتنأى بقدر الإمكان عن
الاختلافات الفقهية.


ويعمل تطبيق أسس الهندسة المالية الإسلامية على توفير البدائل للمنتجات
المالية التقليدية، إذ تعد بمثابة وسيلة للإبداع والتطوير. ويتوقف تحقيق
تلك المهمة على توافر محفزات الإبداع، والكوادر المؤهلة كي تحمل على
عاتقها مهمة الابتكار. وكذلك تتوقف على مدى تفهم المؤسسة المالية
الإسلامية للإبداع، ودرجة اهتمامها بعمليات البحث والتطوير. يضاف إلى هذا
ضرورة إلمام المبدعين بالمفاهيم الشرعية التي تعزز عملية الإبداع. وتمتاز
الهندسة المالية الإسلامية أيضاً بأنها تعمل على تجنب تقليد منتجات
المصرفية التقليدية. وتعمل على سد عجز المؤسسات المالية عن تطوير منتجات
مالية إسلامية تنافس نظيرتها التقليدية.

وثمة محددات ترسم ملامح الهندسة المالية الإسلامية. أولها الالتزام
بالمشاركة في الربح أو الخسارة بنص واضح لا يقبل التأويل حتى لا يتم
الالتفاف حوله في محاولة إضفاء صبغة إسلامية على المنتجات التقليدية.
ومنها ألا يعاد دفع الموارد المعبأة عن طريق الأوراق والأدوات المالية
التي أصدرت على أساس التخلي عن شرط الفائدة الربوية إلى مؤسسات وشركات
تتعامل بنظام الفائدة في كل تعاملاتها. وكذلك التشدد في عدم جواز استثمار
الموارد النقدية للأدوات المالية الإسلامية في أية مشروعات تدر عوائد
متفقا عليها مسبقاً. ومنها كذلك البعد لاجتماعي بحيث يتم استثمار الموارد
التمويلية للأوراق في مشروعات تخدم المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي.

بين المحاكاة والابتكار

يرى المحللون أن هناك أكثر من مدخل لصناعة الهندسة المالية يمكن للمؤسسات
المالية الإسلامية أن تسلكها. أول تلك المداخل هو المحاكاة؛ حيث تتم
محاكاة منتج هندسة مالية تقليدي ومن ثم تحدد النتيجة المطلوبة من نظيره
الإسلامي. وفي الغالب تكون النتيجة متطابقة إلى حد كبير.

وهناك مدخل آخر يتلخص في الأصالة والابتكار؛ وذلك بالبحث عن الاحتياجات
الفعلية للعملاء وبالتالي العمل على تصميم منتجات مالية مناسبة لتلك
الاحتياجات شريطة أن تتوافق مع الشريعة. ويتطلب هذا المدخل أن تكون
المؤسسة المالية مهيأة للقيام بعملية دراسة مستمرة لاحتياجات المتعاملين
معها، وكذلك تطوير الأساليب التقنية والفنية اللازمة لتطبيق تلك الأدوات
على أرض الواقع. ومن شأن تلك الإجراءات أن تعمل على رفع الكفاءة
الاقتصادية للمنتجات المالية.

وتطلب الهندسة المالية الإسلامية وجود حالة من الوعي بالسوق وأحوالها
بحيث تكون الحاجات التي تتطلبها السوق محل دراسة من يقوم بابتكار أو
تطوير الأدوات المالية. كما تتطلب الإفصاح ـــ أي بيان المعاملات التي
يمكن أن تؤديها تلك الأدوات المبتكرة. ويعمل الإفصاح والشفافية على سد
الثغرات التي يمكن أن تستخدم من خلالها تلك الأدوات لتحقيق أهداف لا تتفق
وأحكام الشريعة مثل الربا أو القمار. وتتطلب الهندسة المالية الإسلامية
المقدرة الرأسمالية التي تمكن من الشراء والتعامل، وكذلك الالتزام
بالشريعة.

ويطرح الخبراء تصوراتهم حول مفهوم الهندسة المالية الإسلامية من خلال
تقرير نشره موقع المجلس العام للبنوك والمؤسسات الإسلامية.

من جانبه يؤكد الخبير المالي سامي السويلم ـــ نائب رئيس معهد البحوث
والتدريب في البنك الإسلامي للتنمية ـــ أن هذا المفهوم قديم قدم
المعاملات المالية. وأن الشريعة الإسلامية قد تضمنت الأسس الضرورية لقيام
الهندسة المالية حيث تحث على الابتكار، بل تضع الأسس التي يمكن من خلالها
توجيه عملية الابتكار المالي. ويرى أن مفهوم هذا الابتكار يجب ألا يكون
محصوراً في الاختلاف عن السائد، بل أن يمتد بحيث يكون هذا الاختلاف
مميزاً بحيث يحقق مستوى أفضل من الكفاءة.

أما الخبير الأردني ناصر الزيادات فيبشر بأن المصرفية الإسلامية مؤهلة
أكثر من نظيرتها التقليدية لتفعيل الهندسة المالية. ويرى أن الصناعة
المالية الإسلامية في حاجة إلى عمليات التطوير والابتكار، نظراً لكونها
صناعة ناشئة، وذلك كي تحافظ على هويتها من خلال ابتكار منتجات مالية
إسلامية أصيلة. ودعا للاهتمام بتوفير البيئة التي تحفز الإبداع المرجو
وتيسره، وكذلك الأشخاص الذين يحملون على كواهلهم عملية الإبداع
والابتكار، إضافة إلى أهمية نشر ثقافة المؤسسات المالية الإسلامية
وتفهمها للإبداع. ويلفت الزيادات إلى عدم الخلط بين مصطلحي الهندسة
المالية والمشتقات المالية.


وفي هذا السياق يعرف الدكتور عبد الهادي السبهاني الهندسة المالية
الإسلامية على أساس علاقتها بالتحوط الذي يقصد به اتقاء المخاطر وتخفيف
آثارها حال وقوعها. وبالنسبة للاستثمار فإن المخاطر تتلخص في فوات ربح
متوقع، أو الخسارة من رأس المال. ومن هنا تعرّف الهندسة المالية
الإسلامية بأنها ابتكار الحلول المالية وتنميطها في منتجات تحقق الأغراض
المالية مع السلامة الشرعية.

ويرصد السبهاني طغيان التحوط الذي يعد من أهداف الهندسة المالية على
الأهداف الأخرى. ومن هذا المنطلق انزلقت الهندسة المالية الإسلامية أو
كادت ـــ على حد تعبيره ـــ إلى نهج نظيرتها التقليدية. ويطالب بوقفة
نقدية تحفظ للهندسة المالية الإسلامية هويتها بعيداً عن مدار الهندسة
المالية التقليدية، لافتاً إلى أن مزية النظام الإسلامي تكمن في أمرين:
الأول هو توسيع قاعدة المخاطرة باشتراك الممول مع المستثمر في المغانم
والمغارم. أما الثاني فهو إرساء المخاطرة وعدم ترحيلها إلى الغير.

أما الدكتور عبد الكريم قندوز ـــ الأستاذ في جامعة حسيبة بن بوعلي
الجزائرية ـــ فيرى أن الشريعة الإسلامية لا تحجر على دائرة الابتكار
وإنما تحجر دائرة الممنوع؛ مبقية دائرة المشروع متاحة للجهد البشري في
الابتكار. ويؤكد أن الهندسة المالية الإسلامية يجب أن تلبي احتياحات
المسلمين وغير المسلمين. وبالتالي فإنه يجب عدم الاكتفاء بالتخريج
للمنتجات السائدة كالمشتقات، وإنما البحث عن منتجات تتفق والمفهوم
الإسلامي للتمويل والمخاطر. وهذا من شأنه مواكبة الاقتصاد الإسلامي
للتطورات التي تشهدها العلوم المالية.

ويلتقط الباحث الاقتصادي أحمد نصار هذه الجزئية، منوهاً بأن الهندسة
المالية الإسلامية تشتمل على تصميم أدوات مالية مبتكرة، مثل بطاقة
الائتمان، كما تشمل أنواعاً جديدة من السندات والأسهم، وتصميم عقود تحوط
مبتكرة، وتطوير الأدوات المالية بحيث تلبي حاجات تمويلية جديدة. كما أنها
تحدث تغييراً جذرياً في العقود الحالية بما يرفع كفاءتها، وكذلك ابتكار
إجراءات تنفيذية مبتكرة منخفضة التكاليف تمتاز بالمرونة. يضاف إلى هذا
إيجاد كوادر إدارية تجمع بين المعرفة الشرعية والخبرة المصرفية
الإسلامية.

أدوات سوق النقد الإسلامية تمهد للهندسة المالية

يقدم الخبراء في إدارات التطوير عروضاً للأدوات المحتمل استيعابها بواسطة
أسواق النقد الإسلامية، مؤكدين أن هندسة تلك الأدوات تختلف من مؤسسة إلى
أخرى ومن مجال تطبيق لآخر.

وتتعدد الأدوات التي يمكن أن تكون مجالاً جيداً لإصدار الصكوك. أول تلك
المجالات هي صكوك الصناديق الاستثمارية التي تعد بمثابة الصيغة الأم
لكافة أنواع الصكوك الأخرى التي يتم تداولها في سوق النقد الإسلامي.
وتصدر بآجال وأحكام معينة (صناديق مغلقة)، أو بآجال وأحجام غير محددة
(صناديق مفتوحة) وتكيف من الناحية الشرعية على أساس صيغة المضاربة
المقيدة. وهناك صكوك الإجارة التي تعد أقل خطورة عند مقارنتها ببقية
أدوات الملكية الأخرى كالأسهم. ويرجع هذا إلى سهولة معرفة إيرادات
ومصروفات العين المؤجرة. وتتعدد أنواع صكوك الإجارة فيمكن أن تكون في
مجال صناعة الطائرات، والعقارات السكنية، والمصانع، وغيرها.

وثالثة الأدوات صكوك المقارضة (المضاربة): التي تمتاز بأنها تقوم على
تقسيم رأس مال المضاربة، كما أنها تمثل حصصاً شائعة في رأس مال المضاربة
تتيح لحاملها الحصول على أرباح المشروع، فضلاً عن كونها قابلة للتداول.

وبالنسبة لصكوك المشاركة التي تختلف عن صكوك المضاربة، ففي أن الأولى تعد
فيها الجهة الوسيطة ـــ لتي تصدر الصكوك ـــ شريكاً لمجموعة المستثمرين
حملة الصكوك بصورة مشابهة لشركة المساهمة العامة.

أما صكوك المرابحة فإنها ممكنة في حالة السوق الأولية، ولا سيما في حالة
ضخامة قيمة الأصل أو المشروع محل المرابحة. ويعد تداولها في السوق
الثانوية مخالفاً للشريعة؛ لأن بيع المرابحة قد يكون مؤجلاً وبالتالي يعد
ديناً. تجدر الإشارة إلى أن بعض الآراء الفقهية أجازت تداول صكوك
المرابحة ضمن وعاء أغلبيته من الأصول الأخرى كتعاقدات الإجارة أو
المشاركة على سبيل المثال.

وتتسع مجالات فنون الهندسة المالية الإسلامية لتشمل أنواعا أخرى من
الصكوك مثل الاستصناع والسلم. وكذلك الاشتقاقات من صيغ التمويل القائمة
كالمرابحة والمضاربة وغيرهما.

عدد القراءات: 4453

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages