الاقتصاد الإسلامي
علي كنعان
كتاب
علي كنعان: «الاقتصاد
الإسلامي: دراسة في اقتصاديات المال ودور الدولة في الاقتصاد»،
نشر دار المعارف ودار الحسنين بدمشق، 1997م، 352 صفحة.
سأناقش
فيه المسائل التالية:
-
هل الزكاة ضريبة؟
-
هل للزكاة سلبيات؟
-
الزكاة: هل تفرض على الأرباح
الصافية؟
-
هل يأخذ الإسلام
بمبدأ المنافسة الكاملة؟
-
التجارة لم يطور فيها
الإسلام شيئًا!
-
هل نحدد الربح بنسبة
من التكلفة؟
-
الربا الحرام: هل هو
الربا المضاعف؟
-
التمييز بين الربا
والفائدة.
-
المصارف الإسلامية:
هل عزفت عن الأعمال المصرفية؟
-
حصة الممول وحصة المنظم.
-
المزارعة: تقسيم
الربح أم تقسيم الناتج؟
-
أن ترث الدولة من لا
وارث له: هل يعدّ هذا من الضرائب غير الشرعية؟
-
انظر كيف يستشهد بنصوص
القرآن؟
-
هل صحيح أن لا
مسؤولية جماعية في الإسلام؟
-
المتخصص.
هل الزكاة ضريبة؟
يقول:
«الزكاة
ضريبة تدفع للدولة مقابل قيامها بالخدمات العامة، كالصحة والتعليم والرياضة وإقامة
دور العجزة واليتامى ورعاية المكفوفين والإنفاق على المرافق العامة، والإنفاق على
الفقراء وتشغيل العاطلين أو تقديم الإعانات لهم».
ويقول
أيضًا: «أما
في الإسلام فإن الضريبة مبدأ أساسي وركن من أركان الإسلام". وفي موضع آخر،
يعرف الزكاة بأنها: "فريضة مالية يدفعها المكلف للدولة إذا توافرت لديه
الإمكانيات اللازمة، بصورة نهائية، وذلك للحفاظ على التكافل الاجتماعي وخدمة
الأهداف العامة للدولة، وتأمين الإيرادات العامة للدولة».
وعاب الباحث على الدولة الإسلامية بأنها لم تأخذ بمبدأ شيوع الإيرادات.
-
ليس صحيحًا
أن الزكاة ضريبة، لا من حيث الاسم ولا من حيث الموضوع ولا من حيث الأهداف. ويبدو
أن الباحث متأثر بالضريبة الوضعية، ويرى أن يستبدل الضريبة بالزكاة. فالنموذج
المحتذى عنده ما تقوله الكتب الدراسية الوضعية.
-
الزكاة لها بيت مال خاص،
أما الفرائض المالية الأخرى فتدخل في بيت المال العام. سبب ذلك أن الزكاة تحددت
مصارفها بالقرآن الكريم، فلا بد من أن يفرد لها صندوق خاص وديوان خاص ومحاسبة
خاصة.
-
الخدمات العامة لا
تغطى بموارد الزكاة، بل بالموارد العامة الأخرى.
-
مبدأ شيوع الإيرادات
يمكن تطبيقه في الوظائف (الفرائض) المالية الأخرى، ولا يطبق في نطاق الزكاة، وهذا
لا يعيب الزكاة في شيء، بل على العكس من ذلك تمامًا. وعلى الباحثين أن لا يتخذوا
من المبادئ الوضعية معيارًا يحكمون بموجبه على الأحكام والمبادئ الشرعية، فالعكس
هو الصحيح.
هل للزكاة سلبيات؟
يقول
تحت عنوان: «سلبيات
الزكاة»:
«الزكاة
إيراد مالي فرض منذ مجيء الإسلام، ومضى عليها أربعة عشر قرنًا من الزمن».
ثم يقول: «يجب
أن تفرض الزكاة على الأرباح الصافية، وليس على رأس المال الثابت».
-
يجوز أن يقال: إن
للضرائب الوضعية سلبيات، ولكن لا يجوز أن يقال مثل هذا بحق الزكاة. فمن يقول هذا
يمكنه أن يقول: إن للسنّة النبوية سلبيات، أو للقرآن سلبيات. معاذ الله. يحسن إذا
لزم الأمر أن يوصف الناس أو الباحثون بأن لهم سلبيات، لا أن توصف الزكاة بذلك.
-
أستطيع أن أقول إن
للميسر حسنات أو مصالح أو منافع مرجوحة، ولكن لا أجرؤ أن أقول إن للزكاة سلبيات أو
مفاسد أو أضرارًا ولو مرجوحة. الميسر جاء فيه قوله تعالى: (يَسألونكَ عنِ الخمر والمَيسِر قلْ فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ
للناسِ وإثمُهما أكبرُ مِن نفعِهما) البقرة
219. الميسر محرم ولو كان فيه نفع، لأن ضرره أكبر من نفعه، ونفعه خاص وضرره عام،
والعام مرجح على الخاص. والزكاة واجبة، وربما يقال أيضًا إن لها مصالح ومفاسد،
مصالحها أكبر من مفاسدها، مصالحها لا تخفى، أما مفاسدها فهي تتمثل فيما يتحمله
المكلف من تكاليف يجب أن يخرجها من أمواله، فهي نقص على الدافع وزيادة للقابض.
ولهذا جاء فيها الحديث: ما نقص مال من صدقة (مسند
أحمد)، أو ما نقصت صدقة من مال (صحيح
مسلم). وذلك لإشعار المكلف بأن الزكاة وإن كانت تنقص ماله في الحال، إلا أنها
تزيده في المآل ببركة الله وثوابه، ثم بحسن التوزيع.
-
يقول العز بن عبد السلام: «اعلمْ
أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود» (القواعد الكبرى 1/9). «المصالح
المحضة قليلة، وكذلك المفاسد المحضة، والأكثر منها ما اشتمل على المصالح والمفاسد»
(نفسه 1/19). وعقد فصلاً بعنوان: « فيما لا يمكن تحصيل
مصلحته إلا بإفساده أو بإفساد بعضه أو بإفساد صفة من صفاته»
(نفسه 1/129).
-
الزكاة تفرض على عروض
التجارة، التي يمكن أن يقال عنها تجوزًا بأنها: رأس مال متداول، أو أصول (موجودات)
متداولة.
-
لا تفرض الزكاة عند
جمهور الفقهاء على رأس المال الثابث الذي يمكن أن يوصف بأنه من الموجودات (الأصول)
الثابتة.
الزكاة هل تفرض على الأرباح الصافية؟
يقول:
«
تفرض الزكاة على الأرباح الصافية، بعد احتساب النفقات واحتياطي التوسع الصناعي
وتجديد الآلات وغيرها، بمعدل 5ر2%، فهي قليلة جدًا إذا ما قارناها بالمعدلات
الضريبية المعمول بها في المجتمعات الحديثة».
يؤخذ
على هذا الكلام ما يلي:
-
يبدو من كلام الباحث،
في مواضع أخرى من كتابه، أن هذا اقتراح منه، فيجب في رأيه أن تفرض الزكاة على
الأرباح، وليس على العروض التجارية. ومن المعلوم أن الأرباح أموال باطنة تساعد على التهرب المالي. كما أن الوصول إلى
الأرباح الصافية أصعب من الوصول إلى الأرباح الإجمالية، وهذه أصعب من الإيرادات،
وهذه أصعب من الموجودات. وهذا ما يقلل من احتمال وجود مال يزكى، ويلحق الضرر
بالفقراء. ومن المهم أن نشير هنا إلى أنه ليس من الضروري أن يكون كل ما عند الغرب
صوابًا وعدلاً. فالرأسماليون يختارون الضرائب التي يستطيعون التهرب منها، لتقع على
رؤوس الفقراء. ومن ثم فإن الأمر بحاجة إلى دراسة أعمق وأدق. وهناك من عقلاء
الاقتصاديين من يطالب بإلغاء الضرائب على الدخل،
والأخذ بالضرائب على رأس المال. ومن هنا فإن ادعاء بعض الاقتصاديين بأنهم متخصصون
خلافًا للفقهاء ادعاء غير صحيح، لأن التخصص لا يكفي، بل يجب أن يقترن بالقدرة على
الاجتهاد في المسائل الاقتصادية، فضلاً عن المسائل الشرعية.
-
الأرباح يتم التوصل
إليها بطرح النفقات من الإيرادات. والنفقات يدخل فيها الاهتلاك، ولكن لا تدخل فيها
الاحتياطيات. فالاحتياطيات تدخل في حساب توزيع الأرباح، وليس في حساب الأرباح
والخسائر.
-
هبْ أن اقتراح الباحث
تم الأخذ به، وانتقلنا من الزكاة على الأصول إلى الزكاة على الدخول (الأرباح). إذا
تم هذا فليس من المعقول أن يبقى المعدل 5ر2%، لأن
هذا المعدل هو أدنى معدلات الزكاة. ولا أدل على ذلك من أن الزكاة عندما تصبح زكاة
على الناتج الزراعي فإن معدلها يرتفع ليصبح 5% على الزروع المسقية، و 10% على
الزروع البعلية. هذا على الناتج، فإذا صارت على الأرباح فإنها ترتفع أكثر لأن وعاء
الزكاة يضيق، ويضعف احتمال تحققه. فليس من الصحيح القول بأن الزكاة هي بمعدل 5ر2%
على الأرباح الصافية.
-
التهرب
من الزكاة غير التهرب من الضريبة، لأن الزكاة دِين، كما أن التهرب من زكاة الأموال الباطنة أكبر من التهرب من زكاة الأموال الظاهرة. كما أن الصغار هم الذين يدفعون
الضرائب، أما الكبار فإنهم يتهربون، والضريبة التي يختارها هؤلاء الكبار تساعدهم
على ذلك. فإذا انخفض معدل التهرب الزكوي فإن معدلات زكوية أقل تكون كافية لسد
الحاجة، والله أعلم.
هل يأخذ الإسلام بمبدأ المنافسة الكاملة؟
يقول:
«
يؤمن الإسلام بمبدأ المنافسة الكاملة، والدولة الإسلامية تدعم نشاط المنافسة
الكاملة».
الحقيقة أن المنافسة في الاقتصاد منافستان: منافسة كاملة، ومنافسة ناقصة (منافسة
احتكارية)، وهي تقع موقعًا وسطًا بين المنافسة الكاملة والاحتكار الكامل. وإذا كان
الاحتكار غير مرغوب، فإن المنافسة الكاملة غير ممكنة التحقيق في عالم الواقع، حتى
إنهم يقولون إن ابتسامة واحدة من بائعة حسناء كافية للقضاء على المنافسة الكاملة!
ومن ثم فليس من المعقول ربط الإسلام بما هو مثالي غير قابل للتحقيق في الواقع.
المنافسة الكاملة حالة مثالية تتم دراستها في كتب الاقتصاد لمحاولة الاقتراب منها
ما أمكن، وليس للوصول إليها حرفيًا. والمنافسة الناقصة هي النموذج الشائع، ولا
مانع منه.
التجارة: لم يطور فيها الإسلام شيئًا!
يقول:
«التجارة
كانت تخضع لأعراف وتقاليد لم يطور فيها الإسلام شيئًا. أما الزراعة فلم ترد كثيرًا
في الفقه الإسلامي».
-
كيف يقال هذا عن
التجارة، والإسلام جاء بالكثير من التشريعات والقيم والآداب التي تنظم المبايعات
والمصارفات والمداينات والحوالات والسفاتج والمؤاجرات والجعالات والشركات
والكفالات والضمانات، وحرم الربا والقمار والغَرَر والجهالة والرشوة والاحتكار
والغش والنجش وغير ذلك؟!
-
وكيف يقال هذا عن الزراعة، والإسلام جاء بالكثير من التشريعات والقيم
والآداب والحوافز التي تنظم المزارعة والمساقاة والمغارسة وإحياء الموات، وحرم
تحجير الأرض وتعطيلها، ودعا إلى إعارتها أو إجارتها أو مزارعتها، وحض على ذلك حتى
إنه جاء في الحديث النبوي: إذا قامت القيامة وفي يد
أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل! (مسند أحمد).
-
كيف يقال هذا
والإسلام اعترف بإنتاجية التجارة في الزمان والمكان قبل رجال الاقتصاد في الغرب
بقرون!
-
إن مثل هذا الكلام
يحتاج إلى إثبات، ولا يقبل إرساله هكذا بدون دليل.
هل يجب أن نحدد الربح بنسبة من التكلفة؟
يقول:
«
لماذا لم يبحث علماء المسلمين في قضايا التكلفة، ليحددوا على أساسها معدلاً
مناسبًا من الربح»؟
-
كأن الباحث يرى أن
تحديد الثمن على أساس التكلفة مع إضافة معدل ربح هو أفضل طريقة. لكن هذا غير مسلّم،
فهناك في الإسلام طريقتان: الطريقة الأولى أن يتحدد الثمن على أساس المساومة وقوى
السوق، وهو ما يطلق عليه في الفقه الإسلامي: بيع المساومة،
ويرى الفقهاء أنه أفضل من بيع الأمانة الذي سنتكلم عنه في الطريقة الثانية.
الطريقة الثانية أن يتحدد الثمن على أساس الأمانة، فيصرح البائع بالتكلفة مع إضافة
ربح معلوم، ويتحدد هذا الربح بمقدار معلوم، أو بنسبة معلومة من التكلفة، وهذا ما
يسمى في الفقه الإسلامي: بيع المرابحة، وهو أحد
ثلاثة أنواع من بيوع الأمانة، النوع الثاني: بيع الوضيعة
أو بيع الحطيطة، وهو البيع بثمن الكلفة ناقصًا خسارة معلومة، أو نسبة معلومة.
والنوع الثالث: بيع التولية، وهو البيع بثمن الكلفة من دون ربح ولا خسارة.
-
ما يبحث عنه الباحث
من قضايا التكلفة يجده في الفقه الإسلامي في بيوع الأمانة، إذ يبحث الفقهاء عناصر
التكلفة، وما يجب أن يدخل فيها أو لا يدخل. حتى إنهم صرحوا بضرورة أن يبين البائع
ما إذا اشترى السلعة بثمن معجل أو مؤجل، لأنه إذا اشترى السلعة بثمن مؤجل، ثم أراد
أن بييعها بثمن معجل وجب عليه تخفيض الثمن بمقدار الزمن. فقد قال الفقهاء: إن للزمن حصة من الثمن.
فهذا عنصر دقيق وعميق من عناصر التكلفة التي تعرض لها الفقهاء الذين يظلمون عند من
لم يطلع على أعمالهم وينقب عنها.
-
لماذا فضّل الفقهاء
المساومة على المرابحة؟ قالوا: لأن الذي يبيع بالمرابحة يأتمنه المشتري على
الكلفة، وقد لا يخلو تحديدها من غلط أو تأويل أو هوى! فقد يضيف البائع إلى الكلفة
ما ليس منها، كأن يشتري السلعة بأكثر من ثمنها، أو لا يبين الأجل ولا مقداره إذا
اشتراها بثمن مؤجل، أو يضيف أجرة نقل أو إصلاح، لنفسه أو لغيره، والحال أن هذا
الغير متطوع لم يقبض منه شيئًا، أو يحسب مصاريف إصلاحها أو مداواتها (إذا كان
المبيع حيوانًا)، أو يكتم أنه مضى زمن على شرائها وانتفاعه بها (إذا كان المبيع
مسكنًا مثلاً أو آلة).
-
لا يرى الفقهاء وجوب
تحديد الربح في الإسلام، سواء في بيوع المساومة أو في بيوع الأمانة. فقد يربح
التاجر ربحًا كثيرًا أو قليلاً، وقد يخسر. فالربح والخسارة خاضعان لقوى العرض
والطلب. وتحديد الربح مناف للحرية الاقتصادية والرشد الاقتصادي، والله أعلم.
الربا الحرام هل هو الربا المضاعف؟
يقول:
«الربا
هو إقراض مبلغ من المال لفترة معينة مقابل الحصول على الضعف أو الضعفين حين
استحقاق الأجل».
-
الربا هو أي زيادة
مشروطة، كثرت أو قلّت. ولا يشترط أن تبلغ الضعف أو الضعفين حتى تسمى ربا.
-
قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنُوا لا تأكُلوا الربا أضعافًا مُضاعفةً)
آل عمران 130، فيه قولان عند العلماء: القول الأول:
أن هذا وصف لما كان سائدًا في الجاهلية، وليس شرطًا من شروط تحريم الربا. القول الثاني:
أن هذه مرحلة من مراحل تحريم الربا، والمرحلة اللاحقة هي تحريم الربا كله بقوله
تعالى: (فلكم رُءُوسُ أموالِكُمْ لا تَظلِمُونَ ولا
تُظلَمُونَ) البقرة 279.
التمييز بين الربا والفائدة
يميّز
بعض الاقتصاديين بين الربا والفائدة، بغرض تحريم الربا وإباحة الفائدة، بقوله: «يسدد
دين الربا دفعة واحدة عند حلول الأجل، بينما يسدد دين الفائدة أو دين المصرف على
أقساط شهرية أو سنوية حسب طبيعة كل قرض، فهي لا توقع المدين في العسر، لأنها
معلومة المبالغ».
هذا
الكلام غير صحيح:
-
لأن الربا أو الفائدة
قد تكون ذات معدل مرتفع أو منخفض، وإن تعارف الناس في هذا العصر على أن الربا ذو
معدل مرتفع، بخلاف الفائدة.
-
تسديد الربا أو
الفائدة على دفعة واحدة أو على عدة دفعات لا يغيّر من مفهوم الربا أو الفائدة، ولا
يصلح معيارًا للتمييز بينهما.
-
تدل الشواهد
التاريخية على أن الربا في الجاهلية كان يسدد على دفعة واحدة أو على دفعات متعددة.
يقول الرازي في تفسيره: «
كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرًا معينًا، ويكون رأس المال باقيًا،
ثم إذا حلّ الدين طالبوا المدين برأس المال».
ومن البدهي أن دفعات الربا في هذه الحالة معلومة المبالغ والآجال. ومن ثم لا فرق
في هذا بين الربا والفائدة.
المصارف الإسلامية
هل عزفت عن الأعمال المصرفية؟
يظن
الباحث أن المصارف الإسلامية قد عزفت عن الأعمال المصرفية إلى الأعمال التجارية،
من بيع وشراء، بدل التمول والتمويل. والحقيقة أن هذه النظرة غير صحيحة، بل الصحيح
أن المصارف الإسلامية تمارس نفس الأعمال المصرفية التي تمارسها المصارف الأخرى،
ولكن بالحيلة، أي تسمي الأعمال المصرفية المعروفة بأسماء شرعية مستمدة من البيع
والشراء والتأجير والاستصناع وما إلى ذلك، فالحقيقة المصرفية واحدة والأسماء مختلفة
ومتنوعة!
حصة الممول وحصة المنظم
يقول
تحت عنوان «حصة
المستثمر»:
«
إذا لم نحدد حصة النقود في العملية الإنتاجية فإننا نظلم المستثمر، ونعطي صاحب
المال أكثر مما يستحق. ولا يجوز أن نقول بأن صاحب المال يحصل على نصف الربح،
والمستثمر يحصل على النصف الآخر، كما هو الحال في عقد المضاربة، وذلك لأن التنظيم
يحتاج إلى حصة أكبر بكثير من حصة الممول (المصرف)، ولكي نشجع المستثمر الذي نفتقده
في مجتمعاتنا».
-
إذا حددنا حصة النقود
فهذا يعني أننا نلجأ إلى نظام الفائدة.
-
في نظام الفائدة
يُظلم المستثمر إذا حقق المنظم أرباحًا عالية، ويُظلم المنظم إذا حقق أرباحًا
قليلة أو وقع في خسارة.
-
ليس من الصحيح أن
الربح في عقد المضاربة يتم اقتسامه مناصفة على
الدوام بين رب المال والعامل المضارب (المنظم)، إذ يمكن الاتفاق بينهما على النسبة
التي يتراضيان عليها وفق قوى السوق، وحسب أهمية كل
من المال والعمل (التنظيم) في تحقيق الإيراد والربح.
-
في نظام الفائدة
يتحكم المصرف المركزي بحصة رب المال، وقد تكون كثيرة أو قليلة أو سالبة في حال التضخم. أما في نظام المضاربة الشرعية فإن حصته تخضع
لقوى السوق.
المزارعة:
تقسيم الربح أم تقسيم الناتج؟
يقول:
«المزارعة
هي شركة بين صاحب الأرض والمستأجر الذي يزرعها، ويحدد في العقد مساحة الأرض
والأجرة السنوية لها أو تقسيم الأرباح مناصفة أو بالثلث أو غير ذلك».
-
لفظ «المستأجر»
غير صحيح في المزارعة، لأن العقد عقد مشاركة وليس عقد إجارة. وكذلك لفظ «الأجرة
السنوية».
-
عبارة «تقسيم
الأرباح»
صحيحة في المضاربة (القِراض)، وغير صحيحة في المزارعة، لأن الذي يقسم بين صاحب
الأرض والمزارع هو الناتج (الخارج) وليس الربح.
أن ترث الدولة من لا وارث له:
هل يعدّ هذا من الضرائب غير الشرعية؟
يقول:
«إذا
توفي أحد المواطنين دون أن يكون له ورثة يجوز للدولة أن تأخذ ممتلكاته إيرادًا إلى
بيت مال المسلمين، وتُصرف في مصالح المسلمين. وقد شكلت تركات من يموت دون وارث
موردًا مهمًا لبيت المال، على الرغم من أنها تعدّ من الضرائب غير الشرعية».
ثم يقول: «
لقد تباينت الآراء حول هذه الأموال، فمنهم من طالب بإرجاعها إلى الورثة، ومنهم من
طالب بوضعها في بيت المال لتصرف على المصالح العامة».
-
مقصود الباحث: إذا
توفي أحد المسلمين، لا أحد المواطنين، لاسيما وأن مصير التركة إلى بيت مال
المسلمين.
-
هذه التركات التي
تعود إلى بيت المال ليست من الضرائب، ولا يجوز القول بأنها غير شرعية.
-
أقوال الباحث متناقضة:
فهو يقول أولاً غير شرعية، ثم يقول: فيها قولان!
-
ردّ التركة إلى بيت
المال يحتمل معنيين: المعنى الأول: بيت المال
وارث من لا وارث له، لا من ذوي الفروض ولا من العَصَبات ولا من ذوي الأرحام
(القرابات البعيدة). المعنى الثاني: إذا ورث
أصحاب الفروض، ولم تكن هناك عَصَبات، فإن الباقي من التركة يردّ إلى بيت المال عند
بعض العلماء، ولا يردّ على أصحاب الفروض.
انظر كيف يستشهد بنصوص القرآن!
يقول:
«
يعدّ أجر العامل أمانة لدى صاحب العمل، يجب الوفاء به عند أداء العامل لعمله، وهو
حق يحصل عليه العامل من جراء قيامه بالعمل. يقول تعالى: (إنّ
الذينَ آمنُوا وعمِلُوا الصالحاتِ لهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ) فصلت 8. وحسب هذه
الآية لا يقدم صاحب رأس المال، أو صاحب العمل، الأجر بمنّة، وإنما حسب عمل العامل وجهده».
-
لو حذفت الآية لكان
أفضل.
-
الآية في الثواب
الأخروي، وكلام الباحث في أجر العمل الدنيوي.
-
لو كان العامل غير
مؤمن، هل يمكن ألا نعطيه ما يستحقه من أجر على عمله؟
-
الأجر غير الممنون:
أي المستمر غير المقطوع. وهذا في الآخرة، لا في الدنيا. فإذا انقطع العامل عن
العمل لدى رب العمل في الدنيا انقطع أجره.
-
هناك أفكار لا تحتاج
إلى تأييدها بالنصوص، لأنها واضحة ومقبولة بالحس الإسلامي العام. ما يحتاج إلى ذلك
هو الخلافيات الفقهية التي يحتدّ فيها الجدل والخلاف بين العلماء، ومن البدهي ألا
يتم الاستشهاد إلا بالآيات المناسبة.
هل صحيح أن لا مسؤولية جماعية في الإسلام؟
يقول:
«إن
الفرد لم يُخلق لكي يخدم المجتمع، بل على العكس من ذلك فإن المجتمع هو الذي ينبغي
له في النهاية أن يكون خادمًا للفرد، لأنه لا توجد مسؤولية جماعية في الإسلام، فلا
يقف أفراد المجتمع معًا يوم القيامة بين يدي الله تحاسب كوحدة واحدة. وكذلك فإن
الهدف النهائي والغاية الكبرى لوجود الحياة الاجتماعية نفسها إنما هو سعادة الفرد
وراحته، وليست سعادة المجتمع ومتعته».
هذا
الكلام غير صحيح، ولعله ردّة فعل للنظم الجماعية
الاشتراكية، وربما يعبّر عن النظم الفردية الرأسمالية. فالمسؤولية في الإسلام
مسؤوليتان: مسؤولية فردية، ومسؤولية جماعية. وإذا كانت هناك مسؤولية جماعية فإنها
تقسم عند المساءلة الفردية إلى حصص فردية تدخل كل منها في المسؤولية الفردية. ففروض الكفاية هي من المسؤوليات الجماعية، إذا قام بها
البعض سقطت عن الآخرين، وإذا قصر فيها المجتمع أثم فيها كل فرد قادر عليها. كذلك
فإن الإسلام وازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، وهو يغلب مصلحة المجتمع عند
التعارض. كذلك الأمر بالنسبة لسعادة الفرد وسعادة المجتمع. فليست سعادة الفرد مقدّمة
على سعادة المجتمع، ولا سيما عند التعارض.
المتخصص
كثيرًا
ما نسمع أو نقرأ أن هذا الموضوع هو من ِشأن المتخصصين، كرجال الاقتصاد مثلاً، ولا
علاقة للفقهاء به. قد يكون «الفقيه»
غير فقيه وغير مؤهل، ولكن ليس هذا موضوعنا، بل نفترض هنا أن الفقيه مجتهد ومؤهل.
موضوعنا الآن هو النظر في المتخصص: هل هو قادر فعلاً على البحث والنظر والاجتهاد
أم أنه مجرد حافظ عن ظهر قلب، يردد مقولات الاقتصاد الذي تعلمه: اقتصاد رأسمالي،
أو اقتصاد اشتراكي؟ هذا ما عنده، هذا ما تعلّمه، هذا ما هو مطبّق في الغرب!
هبْ
أن البحث يتعلق بالاقتصاد الإسلامي، ونحن أمام باحث اقتصادي درس الاقتصاد في
الغرب، وهو يرى أن كل ما تعلّمه في الغرب هو مثل يُحتذى، وهو المعيار الذي يتم على
أساسه اختيار الآراء والأحكام. وربما يظن
أن كل فكرة وكل مؤسسة في الغرب هي شيء ناجح، يجب اقتباسه وتقليده، دون تمييز بين
الأشياء التي صنعت نهضة الغرب والأشياء التي تهدد أو تغتال هذه النهضة، وتوقع
الغرب والعالم كله في الأزمات والكوارث بين الحين والآخر!
وكما
أن لدينا اقتصاديين يرون هذا الرأي، فإن هناك فقهاء للأسف يتخذون من القوانين الغربية معايير لاجتهادهم وبحوثهم، ويصورون
للناس أنهم مجتهدون مستنيرون، والحقيقة أنهم مخرّبون، من حيث يدرون أو لا يدرون،
يطوّعون الأحكام الشرعية ويلوون أعناق النصوص الشرعية، ويتلاعبون بها ويريدون أن
يصوروا للناس بأنهم علماء مجتهدون مبدعون!
علي كنعان: هل يدرس الاقتصاد الإسلامي ليكون معه؟ أم ليكون ضده؟
الثلاثاء
25/3/2014م رفيق يونس
المصري