وعليكم السلام ورحمة الله
أمر أجدني مضطرا للتنويه له وهو أنه ليس هناك أي إلزام أو مطالبة أدبية في حوارنا.. من يساهم في الحوار لأن لديه دافع لذلك لا غير وقد يكون جزءا من الدافع تجاه الأمة المقصرة بمجموعها في هذا الأمر ولكن ليس أبدا من أجل الآخرين هنا
التصنيف الذي أطلبه هو الإطار الوحيد الذي أتخيله والذي يتيح ضوابط للحوارات الفكرية الدينية من خلال تأطيرها بإطار تأصيلي يتيح شيئا من التراكمية ولكنه ليس أبدا إطارا لطبيعة الطروحات وقد قلت لا شيء ممنوع باستثناء الإساءة.. والتصنيف المطلوب هو لوضع أسس للحوار وأنا أطلبه ممن يريد أن يحاورني وعلى فرض أنه رفضه فليس لدي ما يمكنني من فعل أي شيء تجاهه ولكنني لن أحاوره
نأتي إلى نقاطك:
1 - تعارض النص القرآني مع السنة.. أي أن مفهوما قطعي الدلالة من نص قرآني تعارض مع مفهوم قطعي الدلالة من السنة أنا ومعظم الأصوليين قالوا برفض النص من السنة.. وهناك من قال بأن هذا غير ممكن الحدوث.. وهناك من فصل هل نص الحديث متواتر أم آحاد وسمح بنسخ وهذا خلاف ما عليه الجمهور في أن القرآن لا ينسخ أبدا بسنة أما القول بالنسخ أحادي الطريق فهي صيغة تلفيقية للرفض
هذا هو الإطار النظري ولكن عمليا أوضح مثال على ذلك رفض الإمام مالك لحديث أبي هريرة الذي رواه مالك وصححه ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب)) لأنه يتعارض قطعا في رؤية مالك مع قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }المائدة4 فالكلب هنا يغرس أنيابه بالصيد الحلال فكيف يمكن أن يكون لعابه نجسا كما في نص الحديث وقد أدى هذا إلى قول مقاتل ((يستتاب مالك أو تقطع عنقه لرده الحديث بالآية)) والجمهور على أنه ليس هناك تعارض قطعي
نفس
الأمر في أن المعتزلة رأوا أن قوله تعالى {وَلَمَّا
جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ
رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ
إِلَيْكَ قَالَ لَن
تَرَانِي وَلَـكِنِ
انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ
مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا
تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ
دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا
أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ
إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
}الأعراف143فهذا
القطع الإلهي بانعدام الرؤية لكل ما
يستقبل من الزمان وأدلة عقلية أخرى أدت
إلى رفض المفهوم المتواتر عن الرسول "ص"
برؤية المؤمنين
ربهم في الجنة وهو ما تعتبر الأمة أن الآية
محدودة بالدنيا فقط وليس هناك تعارض
طبعا
هناك بحث طويل عن تخصيص السنة لمفهوم
قرآني عام
2- طلب أمر يعني النهي عن نقيضه أنت فهمت نقيضه بمعنى خلافه أو غيره وهي ليست كذلك فطلب النوافل يعني النهي عن تركها ولأوضح الفكرة هذه القاعدة الأصولية تقابل القاعدة القانونية الوضعية لا عقوبة إلا بنص فالقانون يطلب ضريبة ولا يستطيع المعاقبة على التهرب منها إلا بنص آخر واضح وهذا مرفوض في النصوص الشرعية فالأمر بالزكاة هو نفسه نهي عن عدم أدائها
3- نحن نتكلم بشأن أحكام أصدرها الرسول "ص" وليس أي أمر آخر كعدم أكله الضب أو تفضيله لشيء ما أو رؤيته لظاهرة معينة فهذه ليست أحكاما وأنا لم أقل إن هذه الأحكام غير قابلة للتعليل النسبي والدوران مع العلة ولكنني أتحدث عن منظور الرؤية الشمولية فهي ثابتة حتى تقترن بوضوح بعلة واضحة كانت زمن النبي وتتغير بتغيرها ولعل مثال ذلك موضوع سفر المرأة دون محرم مسيرة يوم وليلة أو ربما النهي عن أكل الحمير والبغال والخيول ثم تحليل الخيول.. أما المسائل البيئية أو الجبلية للرسول وقومه والتي تحولت أحكاما لدى بعض المذاهب فهناك تفصيل شديد بشأنها وموضوع التجارة جزء من هذا كما أنه ليس حكما من الرسول كي نختلف بشأنه
4- أليس
هناك بالمطلق عذر ضمني محتمل بسبب البيئة
والقبول الجمعي.. بلى
حتى بالنسبة لغير المسلمين فربما لم تصله
رسالة الإسلام أو أن ما وصله ليس حجة عليه
وهو ليس ملاما أمام الله ويمكنك التفصيل
بهذا الشأن على مستوى الإسلام نفسه...
ولكنني هنا أذكر
بأن هذه رؤية عقدية أما الدنيا فتخضع
لأحكام ومعايير فغير المسلم هو كافر
بالنسبة للمسلمين حكما.. وشيوع
زواج المسلمة بالكتابي والوثني في أجزاء
كبيرة من إفريقية قد يجعلها غير آثمة
ومعذورة بجهلها أمام الله ولكنه أبدا لا
يغير حكم الله
أما
الرسالات فكانت خروجا عن القبول الجمعي
لدليل أكثر قطعية بالنسبة للرسول هو وحي
الله المتناظر مع تناقض الشرك المقبول
جمعيا إلى حد ما
5- موضوع نظرية أبو هلال يحتاج تفصيلا طويلا
والسلام عليكم
لقد انشغل قطاع من الثقافة الإسلامية المعاصرة عموماً والثقافة العربية خصوصاً خلال القرن والنصف الماضيين بمهمة الدفاع عن منجزات الهوية الثقافية الخاصة و مهمة إثبات جدارة هذه الهوية بالبقاء من منظور مزاياها الخاصة بالمقارنة مع الهويات الثقافية العالمية عموماً ومع الهوية الثقافية الأقوى في العالم: الثقافة الغربية خصوصاً.
هذا البحث كانت تحركه عادة استفزازات النزعة المركزية الأوروبية ولا سيما في الجناح المتطرف العنصري منها.
هذه النزعة
الدفاعية قادت إلى
أعمال تحليلية لم تخل من بعض الإنجازات، فقد القيت الأضواء على الجانب
الهجين من الثقافة العربية المعاصرة وتم تبيين الطابع المرضي المفعم بعقدة
النقص لكثير من الإنشاءات الثقافية العربية المنبهرة بالثقافة الغربية بكل
ما فيها أي بعجرها وبجرها.
ولم يكن الجدال مع الثقافة الغربية
وأنصارها المحليين موفقاً دائماً، بل كثيراً ما كان غير مستند إلى معرفة
لصيقة بالإنشاءات المنقودة، وكثيراً ما استعملت الاتهامات المجانية في
مكان التحليل الدقيق والبرهان. ولكن الجدير بالذكر في هذا السياق أن هذا
الوضع تحسن كثيراً في السنوات الأخيرة مع دخول مثقفين عميقي المعرفة
بالثقافة الغربية إلى الساحة التأصيلية ومن المميز أن هؤلاء ليسوا جميعاً
من المسلمين فبعضهم من أصول مسيحية عربية من أبرز هؤلاء إدوارد سعيد الذي
كانت دراساته اللامعة في نقد الاستشراق والطريقة التي تفهم بها دوائر
إعلامية وأكاديمية غربية(خصوصاً أمريكية) الإسلام مساهمة غير مباشرة في
الجهد التأصيلي.إذ هو حين فكك المقولات الاستشراقية وبين تناقضاتها
الداخلية فقد ساهم،وربما على غير قصد منه، في تفكيك المقولات نفسها في
شكلها الداخلي الذي استبطنه المثقف العربي الحديث وسار عليه في
اللاشعور.إن إدوارد سعيد هو في المعسكر التأصيلي بالروح حتى لو يكن معه
بالجسد! والمفكر الثاني من أصول مسيحية الذي أريد ذكره وهو مفكر هام لا
أراه حاز حتى الآن على الشهرة التي يستحقها هو المفكر السوري غريغوار
مرشو.وهو يمتاز عن إدوارد سعيد أنه علاوة على تسليطه الأضواء على تاريخ
العلاقة بين الثقافة الغربية والظاهرة الإمبريالية(في كتابه "مقدمات
الاستتباع") وهو ما فعله إدوارد سعيد زاد عليه في كتاباته اللاحقة بتسليطه
الأضواء على تناقضات الثقافة الحداثية العربية. ومن المفكرين المرموقين في
هذا التيار من المسلمين أذكر شخصيتين بارزتين جداً هما الدكتور عبد الوهاب
المسيري والدكتور جلال أمين.
مع هذا التيار الأخير برزت دراسات عميقة للفكر الغربي وللأسس المعرفية والأخلاقية التي تستند إليها الحضارة الغربية المعاصرة كانت كفيلة لو قرئت بعمق بأن تزعزع من المعتقد التسليمي الذي ساد في العصريين اللبرالي و القومي-الاشتراكي العربيين القائل إن تبني الشكل الحضاري الغربي هو قدر محتوم على كل الشعوب غير الغربية بل هو قدر مرغوب به أيضاً ومرجو.
هذه الدراسات قدمت لأول مرة في الفكر العربي المعاصر براهين معمقة على تناقض الأسس التي تقوم عليها الحضارة الغربية المعاصرة ونواقصها الخطيرة والجوانب النسبية فيها التي هي خيارات كان يمكن تصور خيارات أخرى بدلاً عنها.ومن المعروف أن هذه الدراسات كانت تتكامل مع دراسات قام بها مفكرون غربيون كبار أيضاً إذ كان مثلاً العالم الأنثربولوجي الفرنسي الكبير كلود ليفي شتراوس قد بين في دراسته اللامعة "العرق و التاريخ" (1) أن الحضارات المختلفة لا تتفاضل في القيمة المطلقة بل هي تختلف فحسب في نوع الخبرة التي حازتها عبر تجربتها مع العالم وقد برهن على امتياز كل حضارة بجوانب معينة قيمة لا تمتلكها غيرها وإن كان أكد على فوائد الانفتاح والتفاعل بين الحضارات ومزايا هذا الانفتاح للحضارة التي تقوم به بالمقارنة مع وضعها لو ظلت منغلقة منعزلة. وفائدة هذه المحاججة لا تخفى فهي تشكك في الفكرة الساذجة التي نشأت في القرن الثامن عشر ولم تزل لها امتدادات حتى الآن والتي تقول إن كل ما يخالف الموجود في أوروبا العصر الحديث هو مجرد أمر "همجي" لا حضاري. وهو يفتح الباب لفكرتين على جانب كبير من الأهمية: الأولى هي أن البشرية تخسر كثيراً إذا أصرت على إبادة التجارب الحضارية المتنوعة لصالح تجربة حضارية واحدة. الثانية هي أن المجال مفتوح لتجارب حضارية أخرى قد تستطيع تجنب مشاكل حاسمة لم تستطع الحضارة الغربية تجنبها.
هذا التيار الذي أسميته في مقالات عديدة "التيار التأصيلي" فتح الباب لمنجزات علمية تستحق البقاء بلا شك من بينها مثلاً مزيد من التعمق في فهم ظاهرة الفروق في البنى الحضارية وما يقابل هذا التعمق من تعمق في فهم الأواليات المرَضية(بفتح الراء) والصحية لما نسميه "التثاقف" ومن بين منجزاته التي تستحق المتابعة والتطوير الدراسة الدقيقة لأثر العلاقة مع الغرب في التغيرات الثقافية المركبة من عناصر متنوعة اجتماعية وفكرية وأدبية ولغوية في العالم الإسلامي عموماً والعربي على وجه التخصيص في العصر الحديث.
في اعتقادي أن طريقة تفكير هذا التيار في حد ذاتها إنجاز لا بد من المحافظة عليه، وبفضل طريقة التفكير الخاصة هذه طرحت مواضيع للبحث العلمي ما كان يمكن للتيار الآخر الذي يرى التبني البسيط لكل ما في الحضارة الأخرى "بخيرها وشرها وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره" (طه حسين) أن يطرحها، من نوع قضية التحليل الملموس لوظائف البنية الثقافية المحلية وارتباطاتها مع بعضها وبالتالي فهم مغزى وجدوى بل وضرورة وجود بعض المكونات الثقافية التي كانت تبدو للمغربين مجرد مكونات ضارة. ومن هذه القضايا التي ينفرد الفكر التأصيلي بالقدرة على طرحها القضية المعاكسة للقضية السابقة: أي عدم وجود مغزى أو جدوى أو ضرورة لبعض العناصر الثقافية التي جرى استيرادها ومحاولة إدخالها بالقوة وزرعها في نسيجنا الثقافي الخاص. هذا النقد كان يشكل بلا ريب عنصر فرملة للانفتاح الفوضوي بلا حدود الذي كان من شأنه أن يقود العرب إلى وضع مجتمعات أخرى جارة وبعيدة حطمت ثقافاتها الخاصة ولم تبن بدلاً منها ثقافة غربية متماسكة بل تحول المجتمع ببساطة إلى أنقاض (كما في أمثلة بعض المجتمعات الأفريقية وغيرها)
إن كان الفكر عموماً لا يعمل حتى في حال بذله أقصى جهد ممكن للموضوعية و الحيادية دون خلفية أيديولوجيا "طوبوية" (بمعنى دون نموذج اجتماعي مثالي يريد المفكر أن يتبناه مجتمعه) فإن هذه الحقيقة العامة تصدق وتتضح تماماً في المجتمعات المأزومة مثل مجتمعنا مع الأسف. و إذا كان التأصيليون ينطلقون من مثال يدافعون عنه لمجتمع يحافظ على هويته الثقافية المستقلة فإن خصومهم المغرّبين ينطلقون أيضاً من مثال معاكس لمجتمع تبنى نموذج المجتمع الغربي أو أعاد بناء نفسه على أساس هذا النموذج. ولا يتناقض الانحياز الأيديولوجي المسبق مع الإنجاز العلمي بالضرورة فلولا عداء ماركس المسبق للرأسمالية وقناعاته الاشتراكية لما وجد نفسه مضطراً للقيام بدراسته التفصيلية الشاملة للرأسمالية الحديثة نشوئها وقوانين عملها وهي دراسة تظل على كل حال حاوية لحكم كثيرة لا يضر المؤمن أن يلتقطها إذ الحكمة ضالته وهو أحق بها ! وثمة مثال آخر لمفكر غربي غير ماركس أراه هذه الأيام صاحب تحليلات تستحق منا المناقشة هو ماكس فيبر ولا سيما دراسته عن العلاقة بين البروتستانتية والرأسمالية، وقد حيرني هذا المفكر في كونه يكاد ينطلق في جميع أبحاثه من سؤال يريد عنه إجابة هو: ما الذي يميز المجتمع الغربي الحديث عن المجتمعات الأخرى؟ وهذا الهاجس فيه شيء من الغرابة بالنسبة إلي إذ هو مألوف ومفهوم عند مفكري العالم الثالث الذين يشغلهم بالمقام الأول هاجس البحث عن "سر الغرب" أي سر قدرته على السيطرة على العالم. أما أن يشغل هذا الهاجس مفكراً غربياً فشيء يستحق بعض التأمل (2)
بالذات أذكر هنا من أفكار فيبر التي تستحق الانتباه دراسته المفصلة للتفاعل بين العقائد الدينية والبنى الاقتصادية- الاجتماعية، وفكرته عن "العقلانية" التي تميز المجتمع الحديث عن "المجتمعات التقليدية" وبالذات ما يسميه "عقلانية الغرض" zweckrational وهو بالمناسبة لا يتردد في الإشارة إلى أن هذه العقلانية لها جوانب سلبية أخلاقية مهمة. مما لم يكن ليبعده عن النقد التأصيلي الذي أشرت إليه قبل قليل، لولا أنه يؤكد أن هذه السيرورة حتمية لا راد لها.
وحيث أن الناقد التأصيلي شأنه شأن بعض خصومه المغرّبين يدافع عن نموذج بديل مرجو لمجتمعه فإن من البديهي أن هذا الناقد لن يمانع (ولو مع بعض الأسف او كثير منه!) أن يتنازل عن بعض مركبات نموذجه إذا اتضح له أن وجود المجتمع بالذات وبمعناه الفيزيائي أو على الأقل الثقافي مهدد بحيث أن النموذج المؤصل الصافي لا يكفي لرد عادية الفناء عن هذا المجتمع!
وهذه الحالة يمكن تصورها إذا أخذنا في اعتبارنا تجارب حضارات بادت حقاً وفعلاً، ليس لأنها (كما يريدنا المغرّب-بتشديد الراء- السطحي أن نظن) "متخلفة بطبيعتها لا تستحق الحياة وليس لديها ما تقدمه" وإنما لأنها ببساطة رغم مزاياها التي لا تنكر والتي لا ينفك الأنثربولوجيون الغربيون المنصفون من أمثال شتراوس وغيره يذكرونها ويذكّرون بها لم تستطع أن تحافظ على وجودها إزاء عدوان ثقافة أخرى كان عندها قدرة أكبر نتيجة لبنيتها الثقافية كما لاهتماماتها الحضارية الخاصة بوسائل الحرب على الإبادة! وهذا يمكن لنا أن نشبهه بملاكم يقهر شخصاً لا يتقن الملاكمة: ثمة حقيقة أن من لم يتعلم الملاكمة قد قُهر بالفعل وهذه الحقيقة لا تعني أن الملاكم متفوق حضارياً بصورة مطلقة على المغلوب. ولكن حقيقة الغلب تبقى مع ذلك ثابتة ولا يفيد المغلوب أنه موضوعياً عنده قدر كبير من القيم كانت جديرة بالبقاء لو نظر إليها بصورة مجردة!
من هنا كان تقليد المغلوبين للغالبين إضافة ضرورية وإن تكن هدامة لجزء على الأقل من بنية حضارية ربما نعدها إن أخذت بمعايير أخرى أفضل أو عندها ما يميزها وما تقوله على أقل تقدير.
والنموذج الأيديولوجي الطوبوي المعدل الذي يضطر إليه التأصيلي بحكم هذا التهديد الذي يواجه مجتمعه قد أسميه "اليوتوبيا المكروهة" فهي نموذج عُدّل اضطرارياً و لم ينشأ التعديل من ضرورات داخلية بل فرضه التهديد الخارجي.
إن الفكر التأصيلي الذي فرض عليه تعديل نموذجه المجتمعي المرجو والذي يتولى بحث شروط تنفيذ هذا النموذج الطوبوي المعدل أسميه "الفكر التأصيلي الفاعل". وهو فكر لا يكتفي (شأن الفكر التأصيلي الذي ذكرناه أولاً) بالدفاع عن الهوية الثقافية الخاصة وإثبات مزاياها، ولكنه يحاول أن يجد طريقة تستطيع فيها هذه التجربة الثقافية الفريدة أن تدافع عن نفسها تجاه التحديات الخارجية: إن سؤال الفكر التأصيلي الفاعل ليس هو فقط سؤال إثبات استحقاق هويتنا للحياة وإنما هو أيضاً سؤال قدرتها على الحياة وهما سؤالان مرتبطان ولكنهما غير متطابقين فقد تكون الهوية تستحق الحياة نظراً لمزاياها الخاصة ولكنها تفنى مع ذلك لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها تجاه التهديدات الخارجية.
ها هنا سيلتقي الفكر التأصيلي لأول مرة مع اهتمامات تيارات أخرى مختلفة كلياً لم تطرح على نفسها قط هم الحفاظ على الهوية (شأن التيار النهضوي الذي يحاول أن ينقل بعض التجارب الغربية في عالم التحول المجتمعي إلى وضع المجتمع الصناعي) وتلتقي أيضاً مع مفكرين صالحين من حيث العلاقة مع الهوية ولكنهم لم يكونوا يحسون كفاية بمأزق الهوية أو المخاطر التي تتهددها ومن هذا الصنف الأخير سأذكر المفكرين الإسلاميين مالك بن نبي وجودت سعيد فالأول جعل إشكالية النهضة الحضارية إشكالية كتاباته المركزية.والثاني جعل من قضية تغيير الذات مدخلاً لكل حل ولم يبد عليه في اعتقادي أي تنبه لمعضلة الحفاظ على الهوية وللفروق المهمة بين النماذج الحضارية في العالم.
مع ذلك لا بد للفكر التأصيلي الفاعل من أن يتفاعل مع جوهر دعوة بن نبي الأساسية: يجب أن نركز على أداء الواجب لا أن نستمر في التركيز على أننا هدرت حقوقنا! أو بتعبيره: يجب أن نجتث القابلية للاستعمار عندنا لا أن نستمر إلى الأبد في الحديث عن جناية الاستعمار علينا! ومع جودت سعيد يجب أن يركز هذا التيار التأصيلي الفاعل على مبدأ تغيير ما في النفس ومبدأ وجود سنن مشتركة بين الأمم أكانت مسلمة أم لا تخضع لها ظاهرة النهوض والانهيار.
إن الله عز وجل أرحم بنا من أن يتركنا بين خيارين:إما خسارة الآخر بالتخلي عن ثوابتنا العقدية أو خسارة الدنيا بالتضحية بالدنيا في سبيل العقيدة إذ النهضة الحضارية بالتأكيد لا تستلزم بحال التخلي عن الثوابت والله عز وجل يذكرنا في القرآن ببعض الضرورات التي قد يلجأ إليها المجتمع المسلم اضطراراً وإن لم تتناسب مع الوضع المثالي الذي يسعى الإسلام إلى أن يكون البشر عليه.فالأصل في علاقات البشر السلم حتى لو اختلفوا في الدين"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"(البقرة-256)، ولكن المجتمع مضطر للدفاع عن نفسه إزاء قوى لا تريد السلم "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين،إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون"(الممتحنة-8-9)
والأصل أن يدخل الناس في السلم كافة! وهو المطلوب والمثل النموذجي الأعلى للمجتمع البشري في نظر الإسلام!
ضربت موضوع الدفاع عن النفس كمجرد مثل وفي الحقيقة لا يقتصر التعديل الهادف إلى بناء هوية ثقافية فاعلة على هذا.إن في العقلانية التي يذكرها فيبر كأساس للمجتمع الغربي الحديث جوانب سلبية لا ريب فيها فهي تحول الإنسان إلى ما يشبه الآلة الحاسبة، وتميل إلى التقليل من شأن العواطف والانفعالات البشرية.وقد تميل بالمرء عملياً إلى البخل، وكل هذا مما لا يتفق مع المنظور الأعلى للمجتمع البشري.ولكننا قد نضطر لأجل النهوض الاقتصادي إلى كف أيدينا عن الجود المعتاد في قيمنا،وإلى المحاسبة الدقيقة لا وفق النوايا بل وفق النتائج المادية الملموسة، وإلى نضع أمام المجتمع مهمة نزع الطابع الشخصي عن العمل المؤسساتي لتسود نوع من البقرطة في العمل المستندة إلى تجاهل الشروط الشخصية للأفراد إلى غير ذلك.وكل هذا في اعتقادي الخاص أمر لم يكن ينسجم مع رغباتنا حين تمنينا بقاء نموذجنا الثقافي الأصلي كما هو.ثمة ضريبة تدفعها الهوية حين تريد أن تستمر في الحياة في مجتمع مهدد ،في عالم يوشك أن ينقلب إلى غابة شريعتها شريعة الغاب.
ولكن ثمة حدود طبعاً للتعديل لا نتجاوزها إن شاء الله ولن يصبح مجتمعنا قط باغياً، بل سيبقى ركيزة العدل والسلام العادل في العالم.
هوامش:
(1)انظر دراسة شتراوس "العرق والتاريخ" في "الإنتروبولوجيا البنيوية"- الجزء الثاني – منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي- دمشق- 1983- ترجمة د. مصطفى صالح.ورأيت لكتيب شتراوس هذا ترجمة أخرى قام بها الدكتور حسن القبيسي. ومن الأمور الطريفة ذات الدلالة العميقة أن آراء شتراوس المدافعة عن التنوع الحضاري في العالم وتركيزه على فوائد بقاء التجارب المختلفة وعدم اندثارها مع الحداثة أثارت احتجاج مثقفين من العالم الثالث ربما أكثر مما أثارت استحسان مثقفين آخرين ! ويبدو أن شتراوس بالنسبة لهؤلاء يريد أن يعرقل جهود "النمو" و "التطور" عبر دفاعه عن البنى التقليدية للمجتمعات المعنية!
(2)يبدو لي من المحتمل أن نستطيع تفسير هاجس فيبر هذا إن أخذنا بالاعتبار أن ألمانيا أصبحت دولة صناعية حديثة فقط في جيله هو أو على أكثر تقدير في الجيل الذي سبقه (في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. ماكس فيبر ولد عام 1864 وتوفي عام 1920) وفي عهده كانت البنى السياسية الألمانية لم تزل فيها بقايا قوية من القرون الماضية. وثمة لهاجسه هذا اعتبار ثان يشير إليه الباحثون غالباً هو رغبته في نقد نظرية ماركس المادية.