|
لغة القرآن بين المجهر و المرقاب : (حمّالة أوجه) أم ( موشور المعاني؟)
د.أحمد خيري العمري
مجلة العمران- كندا- اونتاريو- عدد شهر اغسطس
تتصل اللغة العربية اتصالا وثيقا بمعجزة الاسلام الوحيدة و المستمرة في آن :القرآن الكريم. و لقد كان القرآن وسيلة من وسائل حفظ هذه اللغة و إستمراراها- و مما لا شك فيه ان اللغة العربية ما كانت ستكون موجودة بشكلها الحالي لولا القرآن الكريم ( و لانعرف طبعا على وجه اليقين ان كان سيبقى هناك عرب على الاطلاق لولا هذا القرآن- و لانعرف كذلك كيف سيكون شكل العالم لو حذفنا التأثيرات الحضارية التي اسهم فيها تفاعل القرآن مع العالم).
اللغة العربية ، اذن، هي الوعاء الذي تنزل فيه القرآن الكريم ، و بسبب كون القرآن هو المعجزة فأن تداخل اللغة العربية مع هذه المعجزة سيجعلنا مضطرين لتفحص خصوصية هذه اللغة و تميزها بالشكل الذي جعلها مهيئة لتكون وعاء للمعجزة.
لا ريب ان عرب الجاهلية بإعتبار أنحطاطهم التاريخي و بأعتبار أنهم كانوا في المرتبة الأدنى حضاريا ، كانوا النموذج الأمثل للمعجزة ،لأن مجرد نجاح القرآن في نقلهم تلك النقلة كان دليلا على امكان تكرار هذه المعجزة مع امم اخرى، كانت في الاساس في مرتبة افضل من العرب.
لكن ذلك لا ينفى بالضرورة وجود خصوصية لغوية في العربية تساهم في جعل هذه المعجزة مستمرة....او على الاقل تجعل من امكانية استمرار هذه المعجزة قائمة.
ما هي هذه الخصوصية الكامنة في اللغة العربية التي يمكن ان تجعل من من القرآن منجما لا ينضب من المعاني الفاعلة التي تحرك ألامة و تساهم في نقلها من أدنى المرتبة الى اعلاها؟
تملك اللغة العربية خاصية تميزها عن سواها ،و هو امتلاك كل لفظ فيها تدرجا من المعاني افقيا و شاقوليا دون وجود تعارض حقيقي في هذه المعاني ..
يوجد لكل جذر اشتقاقات متعددة قد تمتلك استخدامات قد تبدو للوهلة الاولى غير مترابطة، و هي غير مترابطة فعلا في البعد الافقي المباشر لها..لكن في البعد الاخر: الشاقولي، سنجد شبكة داخلية من المعاني التي تتصل ببعضها بطريقة تجعل المعاني ممتدة و متدرجة دون تعارض..
و انا هنا اقصد حصرا كل لفظ ورد في القرآن الكريم ، و كل من حاول التنقيب عن الفاظ القرآن الكريم مستخدما المعجم اللغوي بمعزل عن كتب التفسير المباشر سيجد اولا المعنى المباشر للجذر الاصلي و سيجد معه "حزمة من المعاني" التي قد تبدو غير مترابطة فيما بينها من ناحية استخدامها لكن الباحث لو اعاد النظر لوجد فعلا شبكة من المعاني التي تتصل في عمق شاقولي ببعضها البعض فيما يبدو أولا انه غير مترابط.و الفرق فقط سيكون في اسلوب النظر و الالة التي ننظر من خلالها :بعض المعاني يمكن روؤيتها بالعين المجردة – بعضها الاخر لا يرى الا بالمجهر- و البعض الاخر لا يرى الا بالتلسكوب- المرقاب,,,
و بين ما هو مجهري و ما هو تلسكوبي سيكون هناك ذلك الافق المتمدد من المعاني التي اشدد على انها لا تلغي بعضها البعض ،هناك ستكون تلك الخاصية المميزة للغة القرآن، التي تجعل من المعاني كنزا غير قابل للنضوب ، و عبرها يصير القرآن مصدرا دائما لهذه المعاني التي تتدرج لتتكامل ..
بهذا المعنى لن تكون لغة القرآن الكريم (حمّالة اوجه) كما هو شائع احيانا بطريقة سلبية ، بل سيكون تعدد المعاني مرتبطا ببنية داخلية عميقة ، كما ترتبط حافات متعددة لبلورة واحدة..خاصية اللغة العربية هي انها تكون بمثابة موشور للألفاظ : يقدم معان متدرجة دون تناقض..
كل ما سبق سيكون مجرد تنظير انشائي ان لم يات بأمثلة توضيحية لعلها لن تكون كافية هنا لكنها امثلة عملية على الخاصية الموشورية هذه..
أوضح مثال على ما اقول هو أول لفظ انزل من القرآن الكريم : كلمة "إقرأ" التي شكلت نقطة الانطلاق لمسيرة التنزيل كما شكلت علامة مهمة حضاريا و نهضويا خاصة انها تداخلت مع لفظ القرآن و شكلت الجذر الاساس للكتاب الذي صار الركن الاساسي لكينونة الأمة..
اللفظ" قرأ" له معان و استخدامات قد تبدو مختلفة للوهلة الاولى مثل : الجمع و الضم ، الحمل بالجنين ، الحيض ، الجهر، الابلاغ، الفقه ، التنسك..و كلها استخدامات لها شواهد في لغة العرب و بعضها لها شواهد قرآنية.
قد تبدو هذه المعاني مختلفة للوهلة الاولى ، قد تبدو مجرد اشتقاقات مختلفة لجذر واحد- فما دخل "القراءة" بالحمل او بالحيض؟ ..لكن التعمق بالنظر عبر قراءة مجهرية _تلسكوبية..سيؤدي فعلا الى اعطاء افق متدرج للمعاني : أفق يحقق التكامل و الانسجام دون ان يلغي كل معنى المعنى الذي سبقه..
فالقراءة بحسب هذا التدرج تصير جمعا و ضما..هل من معنى يوحي بالقراءة الشمولية التي تتجاوز القراءة الجامدة الحرفية – الى ما بين السطور و ما قبلها و ما وراءها أكثر من هذا ؟- انها القراءة التي تجمع النصوص مع بعضها و تضمها دون ان تنفرد بنص معين- دون ان تقتصر على نص واحد ..
أليس هذا الجمع او الضم- هو الذي يؤدى الى ان القراءة تحمل ناتجا ما؟ اليس "الحمل" هو الذي ينتج عن تزاوج ( جمع- اقتران) بين فردين اثنين؟ اليست القراءة الحقيقية هي ذلك التزاوج بين النصوص بمجملها الذي ينتج فكرة جديدة او فهما جديدا يكون مثل الجنين أول الامر ، ثم تكبر لتصير مولودا بعد انقضاء الحمل؟ اليس هذا هو عين الفقه؟ اليس الفقه هو هذه القراءة الجامعة التي تنتج فهما جديدا تسعى لبناء واقع جديد..و هل يمكن لذلك كله أن يتحقق الا بالجهر- بأبلاغ كل ذلك الى الآخرين-بنقل تلك الفكرة من عقل فرد واحد لتصير جزءا من منظومة عقل جمعي كامل؟
هل يمكن الآن ان نعتبر ان معان مثل الحمل و الحيض في اشتقاقات الفعل "قرأ" بعيدة حقا عن المعنى العميق للقراءة..أي بالمعنى الذي يريده القرآن الكريم..و الذي كانت اللغة العربية بخصوصيتها هذه ، الوعاء الذي تمكن من حمله؟ ألا نجد بهذا كل معان الاشتقاقات من الفعل "قرأ" التي تبدو افقيا متباعدة ، و تبدو الآن مرتبطة في عمق ما بشكل يثري المعنى الاصلي و يزيده خصوبة و عطاءا؟
مثال آخر مماثل ، جذر الفعل "فلح" الذي يعني في مفهومنا السائد "الفوز" لكن استخداماته و اشتقاقاته في لسان العرب لها معان قد تبدو على المستوى الافقي غير مرتبطة بمعنى الفوز : مثل القطع- الشق- البقاء..متابعة المعاني مجهريا و تلسكوبيا سيوضح لنا المعنى العميق للفوز : بالذات المعنى القرآني للفوز ، حيث يعتمد ذلك اساسا على بذل الجهد في ألارض ( القطع و الشق مثالا على ذلك و هو المعنى الذي انتج ارتباط الفعل بالفلاحة و الزراعة و لكن القطع و الشق سيرتبط حتما بكل استثمار لكل ثروة موجودة في باطن الأرض..هل يحتاج ألامر أن نذكر ان الفلاح الدنيوي للأمم ارتبط بشق ما في الارض و استثماره – و ان الفلاح الاخروي مرتبط حتما بفلاح دنيوي مع منظومة أخلاقية..و هل يحتاج ألامر ان أذكر ان الامم لا يكتب لها " البقاء" الا عبر ذلك كله؟ الا تبدو اشتقاقات الفعل " فلح " الآن مترابطة؟ الا تعمق معنى "الفوز" دون ان تحذفه ؟ الا تجعل من فلاح المؤمنين في " قد افلح المؤمنون" ( 1-المؤمنون) مخططا للعمل و النجاح يربط الدنيا بأخرة دون ان يمس المعنى السائد الذي يجعل من فلاح المؤمنين ذهابهم الى الجنة؟..
هذه عجالة تحتاج حتما الى المزيد من التأصيل و من الامثلة و ألاستنباط لكي لا نظل اسرى لنظرة احادية و وجه واحد من حافات البلورة متعددة الوجوه، تلك البلورة التي التي لو أحسنّا استخدامها لصارت موشورا يقدم من المعاني القرآنية مثنى و ثلاث و رباع..
و كذلك لكي لا نصر ان كل نظرة جديدة عليها ان تلغي كل ما سبق..
المعاني تتصادم احيانا – لكن ذلك ليس حتما مقضيا..انها احيانا تتراكم و تتكامل و لا تثمر الا بهذا..لا تعطي المعنى الكامل الا بتفاعلها المتراكم هذا..و هذا كله خصوصية مميزة للغة العربية ، و لعله السبب الاساسي الذي جعل تلك اللغة وعاء تلك المعجزة..المعجزة التي يجب ان تكون مستمرة..التي نستطيع أن نجعلها مستمرة..
أو بالاحرى : يجب ان نجعلها كذلك...
|