المسؤولية عن الذنب والضريبة الاجتماعية:
محمد طبيب ملتزم, مجتهد , و خلوق. يعامل مرضاه بكل حب واحترام, ويوليهم أفضل رعاية. يساعد مرضاه الفقراء بمعاينتهم مجانا وربما أعطاهم ثمن الدواء من جيبه. بتعامل بكل عطف وتسامح مع أهله وجيرانه وأصدقائه. وهم يبادلونه نفس المعاملة. يقسم كل وقته بالتساوي بين عمله وبين رعاية شؤون أسرته. لم يسبق له أن آذى أحدا أو كان له خصوم أو أعداء.
خنجر , سليل عائلة معروفة بمشاكلها: إجرام وتجارة مخدرات و سرقة. والده مدمن على الكحول . ترك خنجر المدرسة وهو في المرحلة الابتدائية. لم يستمر في عمل أكثر من عدة شهور. كان فظا وعدوانيا في تعامله مع الناس. في مرحلة المراهقة , شكل مع بعض الفتيان عصابة للسرقة . ومع الوقت أصبحت أعمالها تزداد تواترا وعنفا ....
في إحدى الليالي قام خنجر بمهاجمة منزل الدكتور محمد , فقتله وسرق ما استطاعه وأحرق المنزل!
هذا الجرم الذي حدث يجب أن يتحمل مسؤوليته أحد ما. واعتقد انه من البديهي أن يتحمله خنجر كاملا. ولكن ألا يمكن أن ندافع عنه فنخفف المسؤولية؟
خنجر منذ ولادته, بل وقبل أن يولد يحمل في مورثاته جينات تحدد طبيعته النفسية الأساسية (أو ما يسمى temperament ) هذه الطبيعة النفسية قد تجعله نزقاً و ذا طباع حارة وشديدة, و غير قادر على أن يتحكم بدوافعه ونزواته بسهولة. طبعا تأثير المورثات ليست قدرا لا يمكن الهروب منه . إنها عامل واحد فقط من العوامل المكونة للشخصية.
ربما كان خنجر قادرا على التخلص من الآثار السيئة لمورثاته لو توفر له جو أسري يعرف التعامل مع ذوي الطباع الصعبة. ولكن لسوء حظه فقد عاش في كنف عائلة سيئة؛ ولنا أن نتصور كيف ستكون تربيته. فإذا كان والده مدمنا على الكحول وكانت أمه جاهلة علميا وأخلاقيا وتتلقى الضرب و الإهانة ليل نهار من زوجها فمن أين ستأتي التربية الأخلاقية لهذا الشخص.
وأخيراً, إن وجود شخص كخنجر بهذه الصفات ضمن مجتمع غير قادر على تامين الرعاية الكافية لمثل هؤلاء الأشخاص غالبا ما سيؤدي إلى وضع مأساوي. فالأولاد والفتيان المهذبون والمحترمون (كأمثال محمد عندما كان فتى !!) لا يرغبون , أو لا يسمح لهم بمرافقته أو تكوين صداقات معه, ومن ثم لن يجد خنجر من الرفاق إلا من هم على شاكلته. كما أن شخصيته النزقة العدوانية ستستثير ردود فعل سلبية من قبل الناس الذين يحتك بهم . وهذا ما يفاقم شعوره بالاضطهاد ويجعله أكثر عدائية.
إن مرافعتي السابقة لا تهدف إلى منح خنجر صكاً بالبراءة , ولكن يكفيها تخفيف مسؤوليته . ولنقول إنها أصبحت 70 بالمئة. إذا, بقي لدينا 30 بالمئة من المسؤولية علينا أن نجد من يتحملها !
هناك حقيقة مهمة تغيب عن أذهان الكثيرين؛ وهي أن تجمع الناس مع بعضهم لتكوين مجتمع ما له الكثير من الايجابيات ولكن له سلبيات أيضاً. والمشكلة أن الناس تستفيد من الايجابيات ولكنها لا تدفع ما يجب من جهد لكي تعالج السلبيات. ويمكن أن نذكر من إيجابيات وجود احدنا في المجتمع: توفر الحماية للفرد, و توفر الدعم المادي والمعنوي من قبل الأسرة والأصدقاء والجيران. ومن السلبيات التي تنشأ : الجرائم , وعدم عدالة توزيع الثروات والاضطهاد والتنافس على الموارد. وبالتالي على المجتمع أن يعمل الكثير لكي يتخلص من هذه السلبيات. واعتقد أن من واجبه أيضا أن يتحمل مسؤوليته في تقديم الرعاية وتعويض الحرمان الذي يتعرض له أشخاص مثل خنجر. إنها مسؤولية المجتمع أن يتحمل الـ 30 بالمئة التي بقيت من المسؤولية عن تلك الجريمة البشعة.
إلى هنا ربما يوافق البعض معي على تخفيف المسؤولية عن خنجر. و ربما يوافق بعض أقل عدداً على تحميل المسؤولية للمجتمع. ولكنني أرغب بالسير في المحاجة إلى أبعد من ذلك.
إن تحميل المسؤولية للمجتمع كلمة فضفاضة وغالبا ما تكون خاتمة مريحة للحوار لا يترتب عليها أي تصور عملي. وحتى نخرج من هذه المشكلة علينا أن نحدد بقدر ما نستطيع من هم في المجتمع الذين يتحملون المسؤولية؟
أعتقد انه من العدل أن نقول أن من يجب عليه تحمل المسؤولية هم الأشخاص أو المجموعات من الناس التي استفادت من إيجابيات المجتمع أكثر من غيرها. وهكذا نرتب المسؤولية وفق المنفعة على مبدأ الغرم بقدر الغنم. فمن من استفاد من الدعم الأسري والاجتماعي والمادي الذي يقدمه المجتمع عليه أن يدفع ضريبته الاجتماعية ويتحمل جزءا من مسؤولية المجتمع يتناسب مع ما استفاده. وحتى تتضح الأمور أكثر نقول , إن من كانت مورثاته جيدة , وبيئته الأسرية جيدة , وظروفه الاجتماعية والمادية جيدة بحيث جعلت منه شخصا منتجا ومواطنا صالحا, عليه أن يتحمل جزءا من المسؤولية عن الأخطاء التي يرتكبها أولئك الذين لم يقدر لهم أن يحصلوا على مثل هذه الظروف. باختصار على الفريق الأول أن يدفع ضريبة اجتماعية لصالح الفريق الثاني. وهكذا نجد أن الطبيب في بداية القصة قد حصل على الكثير من الامتيازات , ونال الكثير من الهبات . فعليه لذلك أن يتحمل جزءا من المسؤولية. وإذا افترضنا أن هناك مئة شخص مثله في مجتمع ما فإن المسؤولية عن هذا الذنب ستتوزع عليهم, وستتوزع عليهم أيضا مسؤولية الكثير من الجرائم والأخطاء التي ترتكب في المجتمع من قبل أولئك الذين لم يحصلوا على ما حصلوا عليه. إن من بدا شخصا طيبا ومثاليا يؤدي واجبه على أكمل وجه قد ظهر انه قد قصر في واجبات أخرى ربما لم تكن تخطر في باله, ولم يخبره بها احد. و لأنه لم يعمل على تأدية واجبه في علاج أسباب الجريمة فإنه دفع الفاتورة كاملة وكان كبش الفداء الذي خلص المائة الآخرين من مسؤولياتهم. للأسف هذه هي الحياة وعلينا أن نكون أكثر حكمة في التصدي لها.
إن ما كتبته أعلاه قد يثير الكثير من الاعتراضات والرفض , لذلك أجد من الواجب أن أوضح بعض الأفكار المهمة:
أولاً –
أعتقد أن أول ما سيعترض عليه هو فكرة مسؤولية الإنسان عن تصرفاته, هل هو يمتلك الحرية الكاملة أم انه مجبر عليها بسبب المورثات! واعتقد أن هذا الاعتراض يمكن تفهمه بسهولة , فكثيرون أولئك الذين يريدون التخلص من المسؤولية عن ذنوبهم و إلقائها على القدر. وحتى أوضح اللبس هنا أحب أن أوضح الفرق بين أمرين هما, القدرة الكامنة على ممارسة حرية الاختيار, والممارسة الفعلية لهذه الحرية . إن الله سبحانه وتعالى قد خلق فينا القدرة على الاختيار وعلى أساس هذه القدرة سيحاسبنا عن أفعالنا. ولكن المشكلة أننا لا نكون منصفين في تقييمنا لممارسة هذه الحرية حين نعتقد أن جميع البشر ينطلقون من نفس المستوى الأساسي. وربما يفيدنا هنا استخدام مصطلح " الوسع " " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" . فالوسع هنا هو الفرق بين المستوى الأساسي الذي يكون عنده الإنسان وبين المستوى المثالي الذي يستطيع أن يصله ضمن ظروفه وإمكانياته. وهذا يوضحه حديث درهم سبق ألف درهم , درهم تنفقه وأنت بحاجة إليه , أفضل من ألف درهم تنفقها وأنت لست بحاجة لها. فمن كان ذو طبيعة هادئة متوازنة , ونشا في بيت علم وتربية وأخلاق كريمة وتوفر في الإمكانيات المادية , جدير بان يكون مواطنا صالحا نافعا دون أن يعاني من التوتر النفسي المصاحب لتغيير النفس ومقاومة الظروف الداخلية والخارجية الصعبة. هذا على خلاف صاحبنا الذي ذكرناه والذي كانت كل الأمور ضده . و ما أكثر أولئك! لقد اختلف العلماء وما زالوا في تحديد العامل الأكثر أهمية في تكون شخصية المرء وبالتالي تحديد نمط سلوكه؛ فبعضهم رجح العامل الوراثي والآخرون أكدوا على العامل البيئي التربوي. ولكن أي كان السبب فالنتيجة في موضوعنا واحدة , فسواء كان محدد الشخصية هي المورثات أم هي البيئة أم مزيج معقد منهما , فإن الشخص لا يصل إلى مرحلة البلوغ والتكليف إلا وقد تحدد جزء كبير من معالم شخصيته. وهنا تبدأ رحلته الشاقة في إدراك عيوبه ونواقصه ومحاولة تجاوزها. وللأسف فإننا لا نقيم الأشخاص على ما بذلوه من جهد في تغيير أنفسهم , ولا نقدر الفروق النسبية , وإنما نقيمهم على القيمة المطلقة التي هم فيها .
ثانياً,
إن آخر ما أسعى إليه في كلامي هو وضع قوانين قضائية تراعي الفروق بين الناس. فالقوانين القضائية تأتي تحصيل حاصل , وتعكس الفلسفة السائدة في مجتمع ما . إن ما أسعى إليه هو الضرب عميقا في جذور أساليب التفكير التي نستخدمها. إن الفكرة السائدة هي أن واجب الإنسان في هذه الحياة هو أن يفعل الخير. وللأسف فمهمة كهذه يستطيع أي شخص أن يدعي انه قد نفذها على أكمل وجه. إن ما يجب أن نعرفه هو أن مهمة الإنسان في هذه الحياة ليست فقط أن يفعل الخير وإنما الأهم من ذلك أن يمنع الشر من الحدوث. إن الطبيب الذي ذكرناه قد قام بواجبه في فعل الخير على أكمل وجه, ومع ذلك فقد تحمل جزءا من المسؤولية من الناحية النظرية ( وللأسف من الناحية العملية قد تحمل النتيجة كاملة!!). اعتقد انه كان عليه أن يفكر بتلك الشرور الكامنة في أجزاء كثيرة في المجتمع . كان عليه أن يسعى إلى علاجها, قبل أن يكتوي بلظاها( رغم انه قد قام بكل ما عليه, حسب ما كان يعتقد). كان عليه أن يتقي فتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة. وهنا أؤكد على تهافت فكرة إصلاح المجتمع انطلاقا من إصلاح الشخص لنفسه ثم أسرته , ومن ثم بنقلة سحرية يصلح كل فرد نفسه وأسرته ويتحقق إصلاح المجتمع!. إن إصلاح أسرتك لا يكفي ما لم تسعى في إصلاح باقي اسر المجتمع وكثير منها لن يجد من يصلحه. وإن تربية أبناءك لا تكفي ما لم ترب أبناء حارتك ومدينتك ومجتمعك. وكما يقول الأستاذ جودت سعيد , إن الحساب في الآخرة فردي , ولكنه في الدنيا جماعي
ثالثاً,
ربما يكون التصدق بفضل المال أمرا معروفا , ولكن التصدق بفضل الأمور المعنوية أمر يحتاج إلى التنويه . لقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله في إحدى الغزوات : "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" وربما أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم نقول : من كان لديه فضل أخلاق فليعد على من لا أخلاق له , ومن كان لديه فضل علم فليعد على من لا علم له , ومن كلن لديه فضل مورثات وتماسك أسري فليعد على من حرمهما" . إنني اعتبر هذا النوع من التصدق هو نوع من الضريبة الاجتماعية التي يجب أن يدفعها أصحاب الامتيازات لأولئك الذين كانوا كبش فداء. فإذا كانت نسبة مرض السرطان مثلا واحد من عشرة , فعلى التسعة الباقيين أن يدفعوا الضريبة المستحقة لمن أصيب بهذا المرض وكان منقذا لهم.
رابعاً,
لقد دأبت على أن أسأل أصدقائي حول ما يجب أن يفعله شخص يشعر بأنه "ثقيل دم " و"غليظ ", وانه منذ أن وعي على هذه الدنيا وهو يجد في نفسه هذه الصفة , والناس تنفر منه بسب ذلك , وهم يصفونه بهذا الوصف , وهو في قرارة نفسه يؤمن بذلك. ترى ماذا عساه أن يفعل؟ طبعا قد يتبادر إلى ذهان جواب سهل: عليه أن يغير نفسه ويتعلم كيف يصبح خفيف الظل, وأقول " ما أقسى وعظ الأغنياء في قلوب الفقراء ". وحلا لهذه المشكلة وصلت إلى حل مبدئي, وهو أن أي شخص لديه خطا أو صفة معينة عليه أن يقوم بأمرين اثنين حتى يزيح عن كاهله مسؤوليتهما: أولا عليه أن يعترف بوجود هذه الصفة لديه , فإنكاره لها سيمنع حلها , وبالتالي سيكون هو المسئول عنها شاء أم أبى. أما الأمر الثاني فهو أن يأخذ العلاج الموصوف له من قبل المجتمع لهذه المشكلة , وبعد ذلك سواء تحسن أم لا فهو غير مسئول وإنما المسئول هو المجتمع الذي يتبرع بالنصائح المجانية. إن على هذا المجتمع أن يكون على قدر المسؤولية وأن يبحث ويظل يبحث عن الأدوية والعلاجات الناجحة للمشاكل الكثيرة التي تنتشر في فيه.
وأخيرا أريد أن انوه أنني اخترت الاسمين الواردين في القصة لأشير إلى أن هناك الكثير من الأمور التي تختارنا أو تختار لنا ولا نختارها , ومع ذلك ربما تعطينا تفضيلا أو تقصيرا عن غيرنا.
هذا ما لدي, واعتذر عن الإطالة وأرجو أن أكون قد أفدت في طرح جديد يستحق الوقت الذي أنفق في قراءته.
وبالله التوفيق
محمد أبو هلال
الرياض
5 – 6 - 1429
لدي تعليق على رد حامد:
أرى أن الأولى في التعاطي مع الأفكار الجديدة أو الناشئة المختلفة أن نعطيها أكبر فرصة ممكنة للتعبير عن نفسها وأن تأخذ مداها
فالفكرة لن تنمو وتصمد على أية حال ما لم تكن تحمل مقومات البقاء
وذلك أولى من مجابهتها فورا بأمثلة ظاهرية لا تتعاطى مع الفكرة العميقة (مع إقراري بأهمية الأمثلة في تجلية الأفكار)
وأنا مطمئن أن أي فكرة جديدة ستجد من العوائق وطغيان الأفكار السائدة ما يكفل القضاء عليها ما لم تكن جديرة حقا بالحياة وهناك من يعمل لتنميتها
وأيضا قد يكون في تفاصيل الطرح أفكار قيمة حتى إن لم نوافق على الطرح العام
ولا بد من مساحة نعطيها للطرح حتى يتميز الغث فيه من السمين بدل نسف الطرح كله
وإن سقطت الفكرة أو ثبت عقمها بعد أن منحت فرصتها فنكون قد تجاوزناها عن بينة بعد أن استفدنا من بعض تفاصيلها أو حتى من العملية نفسها: عملية استقبال الفكرة وتمحيصها وتجاوزها
شغلة أخيرة: شعرت أن رد حامد جاء شبيها بأسلوب الكثير من الخطباء الذين يريدون التسويد على فكرة ما فيجدون - أو يخترعون - لها إسقاطا ما على أمور أو أشخاص لهم قدسية عند الناس، ويكون ذلك كافيا لدى الكثيرين لرفض الفكرة (فطلاع من هالبواب :-) م
ملاحظة: التعليق على رد حامد أرسته إلى هذه المجموعة فقط
والسلام
بسم الله الرحمن الرحيم:أخي وصديقي حامد
شكرا على ردك .
لا أدري أخي حامد إذا كنت فعلا قد قرأتني جيدا وكونت فكرة واضحة عن فكري. وافهم " قراءتي " على انك قد راجعت كل ما كتبته خاصة خلال السنتين الماضيتين , وراجعته مراجعة منهجية ومن ثم خرجت بالنتيجة التي تحدثت عنها. هكذا افهم الدراسة التي سميتها واقعية. وإذا كان هذا هو فعلا ما تم , فأنا مدين لك بهذه الخدمة التي أسديتها لي . فانا بهذه الرؤية اعرف الآن كيف سيكون اثر فكري عند الآخرين وكيف سيبدو فيما لو نشرته بشكل أوسع. أما إذا كانت قراءتك لي تعني مجموع الانطباعات التي تكونت لديك خلال علاقتك بي وخلال قراءتك لما اكتبه. فإنني لا اعتقد أن ذلك سيعطيك صورة واضحة عني. وعلى فكرة , فأنا شخصيا لا املك صورة واضحة عن فكري , وإن أهم سبب لمشاركاتي هو صياغة أفكاري كتابة يبحث استطيع تقييمها بشكل أكثر موضوعية ومنهجية.
اقر بأنني يوما ما كنت اعتبر نفسي لا عنفيا . ولكنني الآن لست كذلك . وهذا لا يعني أنني أتنكر لفضل الأستاذ جودت . ولكن فقط للتوضيح .
أتمنى أن أقدم شيئا متميزا , والاهم من ذلك عندي أن يكون ما أقدمه مفيدا. وأنا لا أتقمص النظرة الغربية, ولكنني استفيد منها. وأنا ارفض تأليه العلم , لأنه لا إله إلا الله. محمد رسول الله وهذا ما يجعل مصادر التشريع التي أؤمن بها هي كتاب الله وسنة نبيه, وإجماع علماء المسلمين , حتى لو كان إجماعهم يخالف ما أتمنى أن تكون عليه الأمر. وما علي إلا أن اسلم واستسلم.
إنني فعلا أعمل على أن انتقد وجهة النظر النفسية الغربية , ولكن لا ادري إذا كان يمكنك أن تقيم عملي هذا . فتقيم هذا العمل يحتاج أن تطلع على وجهة النظر الغربية , ووجهة النظر الإسلامية التقليدية. ومن ثم تطلع على وجهة نظري كاملة (وهي حتما لم تكتمل بعد ) ومن ثم سأكون شاكرا لك في تقييمك لنظريتي. أم إذا كنت تنظر أن تكون نتيجة عملي هي مطابقة تصور لديك , فانا لا استطيع أن أعدك بتحقيق ذلك.
بالنسبة للمعايير , اعتقد أن المشكلة هي الفرق في النظر إليها , فهي عندك فكرة أما عندي فهي منهج . وهي تقوم على أن أي عمل فكري عند شخص ما يجب على أن يقوم على منهج واضح موضوعي يقيم فيها كل المواضيع بما فيها أفكاره هو. أو على الأقل إذا كان لا يريد أن يضع معيارا , ولا يريد أن يعتمد على مقياس موضوعي . فليكن احتماليا في حكمه على الآخرين.
أنا شخصيا ضد انسنة الإسلام , بل على العكس أنا مع اسلمة الإنسانية! وأنا اعترف أنني كنت مخطئا عندما كنت أقول انه" إذا كان قتل المرتد من الإسلام فسأعيد النظر بانتمائي إليه". وأنا أقول الآن : إذا ثبت أن قتل المرتد من الإسلام فأنا أول المؤمنين.
وعود على موضوعي الذي طرحته, اعتقد انك حتى تعرف بالضبط ما الأثر العملي لمثل هذه الأفكار , فربما عليك أن تنتظر المزيد من الكتابات لتتضح لك الصورة أكثر . هذا مع العلم أن كل فكرة يكتبها الإنسان ربما تساهم في إعادة نظره بما كان يعتقد به سابقا. وعلى كل حتى أوفر بعض الوقت أقول :
إن الله سبحانه وتعالى هو من سيحاسب الناس الحساب العادل المطلق. وأنا ما كنت أبدا لأبرا شخصا يعتبره الإسلام مخطئا. فهذا الأمر هو على المحور العقائدي. والإنسان هنا مسئول مئة بالمئة. حتى على المحور النفسي , الإنسان مسئول عن أخطائه وعليه أن يبذل الجهد في تلافيها . ولكن ما أريد أن أقوله هو أن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا ووهبنا الكثير من النعم التي ميزنا بها عن غيرنا وعلينا أن ندفع زكاتها أو ضريبتها . وهذه الزكاة لا تقتصر على المال فقط وإنما على أشياء كثيرة أردت أن أنبه لها.
وأخير أريد أن أشكرك على وقتك الذي أنفقته على قراءة مقالي وردي. وشكر خاص أيضا على عبارة:
هذا ما لدي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأ ت فمن نفسي , ولا حول ولا قوة إلا بالله
والسلام عليكم