بين دوافع الدين وكوابح السياسة
بقلم: د. امحمد جبرون (*)
يظن الكثيرون في العالم العربي سواء انتسبوا للنخبة أو للعامة أن إشكالية الدين والسياسة هي إشكالية العلمانيين العرب مثقفين وساسة في المقام الأول، الذين أنهكتهم محاولات تأصيل العلمانية في البيئة العربية، وإعادة ترتيب العلاقة بين الدين والسياسة في الواقع العربي على النحو الذي هو موجود في الغرب الأوروبي وخاصة في المجال الفرانكوفوني، أما الإسلاميون فقد حسموا أمرهم منذ زمان مع هذه الإشكالية، واعتقدوا بالصلة القوية والمباشرة بين الدين والسياسة في الإطار الإسلامي، وأن لا مجال للفصل بينهما وإقصاء الواحد عن الآخر. وخلافا لهذا الظن أظهرت التطورات السياسية والتجربة العملية للحركة الإسلامية في العقد الأخير، بعد قرابة قرن من الزمان، أن الجواب الإسلامي عن هذه الإشكالية بحاجة إلى مراجعة، وأن الصورة التي كان يوظف بها الدين في السياسة، أو الطريقة التي تدخل بها السياسة على الدين من الناحية العملية في الحالة العربية لم تعد مأمونة العواقب في جانب الدين والدنيا.
إن الحركة الإسلامية العربية تقدم نفسها على أنها حركة إصلاح ديني بالدرجة الأولى جاءت لتصحح لعموم المسلمين الفهوم السيئة والسقيمة للدين، التي رسخت وتمكنت من الواقع العربي على مدى قرون من التخلف والانحراف، فوجدت نفسها في نزال قوي وحاد مع تيارات الضلال وأغلال الإرادة والفعالية في العالم العربي، فانبرت لتصحيح العقائد ومحاربة الشعوذة والخرافة والعقلية القبورية والاتكالية...، وقد جعلت هذه الطبيعة من الحركة الإسلامية حركة تحريرية تتحمل أعباء النهضة والتقدم من الناحية الدينية. ولم تضطرها هذه الرسالة أو الوظيفة إلى سلوك سبيل المهادنة والاحتياط في علاقتها بقوى التخلف الديني بل عبرت عن نواياها وغاياتها في هذا المجال بكل وضوح، ونفذت أجندتها بكل جرأة.
وفي هذا السياق انتهجت الحركة الإسلامية لتحقيق أهدافها أسلوب السياسة، فدخلت معتركها من نواحي مختلفة؛ من خلال أحزاب، وجمعيات دعوية، وفي بعض الحالات أفراد...، واستطاعت حيثما أتيحت لها الفرصة اختراق المؤسسات السياسية الرسمية، وممارسة قدر من السلطة. ومن المسبقات التي كانت تحدوها في هذا الباب أن الأمة قاطبة رهن إشارتها، ومستعدة للاصطفاف وراءها في الاستحقاقات التي تواجهها، والتحديات التي تقابلها في الطريق، غير أن التجارب أبانت العكس، فكثير من الناس لم تثرهم الشعارات الإسلامية، أو في بعض الحالات خضعوا للتقليد وإرادة الاستبداد، وفي حالات أخرى أداروا ظهرهم لها متأثرين بشبهات الإرهاب وغيرها.
لقد أدت الضغوط التي مورست على الحركة الإسلامية في المجال السياسي بشكل مباشر وغير مباشر إلى تلطيف لغة الإسلاميين اتجاه الانحراف الديني، وتراجع دينامية الإصلاح الديني على صعيد الواقع لصالح ديناميات أخرى، ولعل الذي يفسر هذا التحول هو الرغبة الأكيدة للحركة الإسلامية في تأليف الشارع والاستقواء به لمواجهة عسف الاستبداد والعلمانية، ومحاولات العزل الرسمية والشعبية التي تمارسها الأنظمة العربية موظفة مطالب الإصلاح الراديكالية. فالمشاركة السياسية الإسلامية بمختلف صيغها أكرهت التيار الإسلامي على تأجيل معاركه الإصلاحية والتجديدية، وبالتالي طفت على السطح مشاريع جديدة من قبيل مشروع "الجبهة الدينية" الذي بلوره الإسلاميون المغاربة، والذي يقتضي شكلا من أشكال التحالف بين مختلف الأطياف الإسلامية بما في ذلك التيار السلفي والتيار الصوفي والتيار التقليدي...، في سياق مواجهة التطرف العلماني ومشاريع التغريب. ولا يخفى أن مثل هذا التطور في العمل الإسلامي المغربي تقف وراءه أسباب سياسية بالدرجة الأولى.
لقد أصبح من الواضح في التجربة العربية أن النجاح السياسي للإسلاميين سيكون على حساب مشروع الإصلاح الديني الذي سوغ من أحد الوجوه الوجود الحركي الإسلامي، وفي المقابل تحقيق نجاحات على طريق الإصلاح الديني قد تعني – هي الأخرى- انكسارات على الصعيد السياسي، الشيء الذي يستدعي التدخل العاجل لإنقاذ كل من مشروع الإصلاح والسياسة الإسلاميين في الآن نفسه، ذلك أن الصيغة النافذة اليوم في العمل الإسلامي لا تسمح بالنجاح على الصعيدين معا، فنزوع الإسلاميين العرب نحو الشمولية واستصحاب جميع الأبعاد في كل عمل، كاستصحاب "الإصلاح الديني" في العمل السياسي، أو استصحاب السياسة في الإصلاح...إلخ، يفوت عليهم فرصة الفوز باستحقاقات كل منهما.
فللخروج من هذا المأزق لابد من تحرير إرادة الإصلاح الإسلامي، ودعم استقلاليتها عن السياسة تحديدا، وذلك بتفرغ جزء من الحركة الإسلامية إلى وظيفة الإصلاح الديني، بصورة تغنيها عن مهادنة الضلال والفساد الديني بكافة مظاهره العقدية والمعاملاتية والأخلاقية. فالعمل الإسلامي في كثير من البلاد العربية بحاجة إلى استعادة مفرداته الأولية التي انبثقت عن لحظات التأسيس، وعلى رأسها مفردة الإصلاح، واستعادة – كذلك- رسالته النهضوية ودوره التاريخي، فليس هناك بين الحركات الاجتماعية والإصلاحية العربية أقدر منه على القيام بهذا الدور، وتحرير إرادة الإنسان المسلم وتهييئه للمساهمة الحضارية. وإذا كان ولابد للإسلاميين من الخوض في السياسة فيجب – والحالة هاته- أن يتم ذلك بعيدا عن "إطار التجديد"، وفي اختلاف عنه، ولا ينقض هذا نظرية العمل الإسلامي في أصلها، ولا يعود عليها بالسوء، بقدر ما يؤهلها للتوافق مع الواقع بصورة أكثر إيجابية، فالصلة بين الدين والسياسة على المستوى النظري ثابتة لكنها لا تعني بالضرورة اتصالا وارتباطا على مستوى المؤسسة وأشكال العمل. فالصيغة العملية السائدة اليوم في أغلب التجارب الإسلامية في العالم العربي فقدت مشروعيتها التاريخية وفاعليتها العملية والإجرائية وبالتالي وجب الاجتهاد في تطويرها، وإعادة تصميم معمارها بصورة تخدم أغراض الإصلاح الديني في المقام الأول.
(*) للتواصل: mjeb...@yahoo.fr