هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزبَه(3) الجعفي البخاري. وقد اختلف المؤرخون حول أصله عربي أم فارسي أم تركي فأخذ بعضهم كأبي الوليد الباجي[16] والخطيب البغدادي[17] والنووي[18] وابن ناصر الدين[19] والذهبي[20] وغيرهم برواية أبي أحمد بن عدي الجرجاني في كتاب الكامل أن جدّه الأكبر بردزبه كان فارسي الأصل عاش ومات مجوسيّاً.[21][22] ويقال جدّه المغيرة قد أسلم على يد والي بخارى: يمان المسندي البخاري الجعفي. فانتمى إليه بالولاء(4) وانتقل الولاء في أولاده وأصبح الجعفي نسباً له ولأسرة البخاري.[22]وقيل أنه تركي أصله من الأوزبك وهو ما لمح له عدد من المؤرخين مثل حمد الله المستوفي وأبو سعيد الجرديزي وعبد الرزاق السمرقندي وإغناطيوس كراتشكوفسكي وفاسيلي بارتولد.[23]وقيل أنه عربي أصله من الجعفيين.(5) فذكر عدد من العلماء أن جدّه الأكبر هو الأحنف الجعفي وأن بَرْدِزبَه صفة وليس اسماً وتعني الفلاح وهو ما تعود العرب عليه في البلدان الأعجمية[24] وممن اعتمد هذا الرأي ابن عساكر[25] وابن حجر العسقلاني[26] وتاج الدين السبكي[27] وزين الدين العراقي[28] وابن تغري[29] ورجّحه عدد من المعاصرين منهم مصطفى جواد وناجي معروف وعبد العزيز الدوري وصالح أحمد العلي وحسين علي محفوظ وفاروق عمر فوزي ولبيد إبراهيم أحمد العبيدي.[30][31]
تعددت رحلات الإمام البخاري العلمية للأخذ عن الشيوخ والرواية عن المحدّثين فزار أكثر البلدان والأمصار الإسلامية في ذلك الزمان للسماع من علمائها. وابتدأ طلبه للعلم في بلده بخارى بعد خروجه من الكتّاب فسمع من شيوخ بلده ثم توسع ورحل إلى الأقاليم المجاورة ليسمع من شيوخها فرحل إلى بلخ ومرو والريّ وهراة ونيسابور.[44] وكان عمره أول مرة دخل نيسابور خمس عشرة سنة. قال الحاكم النيسابوري: أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام.[45] ثم ارتحل إلى الحجاز فدخل مكة ثم رحل إلى المدينة النبوية فاستقرّ بها مدّة ثم انطلق في الأمصار حتى شملت رحلاته أغلب الحواضر العلمية في وقته. فرحل إلى العراق فدخل بغداد وواسط والكوفة والبصرة وبالشام: دمشق وحمص وقيسارية وعسقلان كما رحل إلى مصر.[46]
قال الخطيب البغدادي: رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق كلها وبالحجاز والشام ومصر.[17] قال البخاري: دخلت بغداد آخر ثمان مرات كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل. فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان! وقال: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر لقيتهم كرات قرناً بعد قرن ثم قرناً بعد قرن أدركتهم وهم متوافرون أكثر من ست وأربعين سنة أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين وبالبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد وبالحجاز ستة أعوام ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد.[47] وأراد الرحلة إلى اليمن ليسمع من عبد الرزاق الصنعاني فلم يُقدّر له ذلك. قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: قدم البخاري ببغداد سنة عشر ومائتين وعزم على المضي إلى عبد الرزاق باليمن فالتقى بيحيى بن جعفر البيكندي فاستخبره فقال مات عبد الرزاق ثم تبين أنه لم يمت فسمع البخاري حديث عبد الرزاق من يحيى بن جعفر.[48]
أتاحت للإمام البخاري رحلاته الكثيرة وتطوافه الواسع في الأقاليم لقاء عدد كبير من الشيوخ والعلماء حتى بلغوا أكثر من ألف رجل. قال البخاري: كتبت عن ألف وثمانين نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث.[49] وقال: دخلت بلخ فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ.[50] ولم يكن البخاري يروي كل ما يأخذه أو يسمعه من الشيوخ بل كان يتحرى ويدقق فيما يأخذ فقد سئل مرة عن خبر حديث فقال: يا أبا فلان تراني أدلس! تركت أنا عشرة آلاف حديث لرجل لي فيه نظر وتركت مثله أو أكثر منه لغيره لي فيه نظر.[51]
وقد اهتمّ العلماء بذكر شيوخ البخاري فسمّاهم بعض العلماء ورتّبهم على الأقطار ورتّبهم بعضهم حسب الطبقة ورتّبهم بعضهم حسب عدد الروايات ورتّبهم بعضهم على حروف المعجم. قال النووي: هذا الباب واسع جداً لا يمكن استقصاؤه فأنبه على جماعة من كل إقليم وبلد ليستدل بذلك على اتساع رحلته وكثرة روايته وعظم عنايته.[52] ومن أهم وأبرز شيوخ البخاري الذين أّثروا في تكوينه العلمي ومنهجه الحديثي: علي بن المديني وهو من أكثر الشيوخ الذين تأثر بهم البخاري قال: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.[53] وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين والفضل بن دكين. ومن أهمّ شيوخه الذين سمع منهم في البلدان:[52][54]
بمكة: أبو الوليد أحمد بن محمد الأزرقي وعبد الله بن يزيد المقرئ وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي وأقرانهم. وبالمدينة: إبراهيم بن المنذر الخزامي وأحمد بن القاسم الزهري[55] ومطرف بن عبد الله بن الشخير وإبراهيم بن حمزة وأبو ثابت محمد بن عبيد الله وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي وأقرانهم. وبالشام: محمد بن يوسف الفريابي وآدم بن أبي إياس وأبو اليمان الحكم بن نافع وحيوة بن شريح وأقرانهم. وببخارى: محمد بن سلام البيكندي وعبد الله بن محمد المسندي وهارون بن الأشعث وأقرانهم. وبمرو: علي بن الحسن بن شقيق وعبدان عبد الله بن عثمان بن جبلة ومحمد بن مقاتل وأقرانهم. وببلخ: مكي بن إبراهيم ويحيى بن بشر البلخي والحسن بن شجاع وقتيبة بن سعيد وأقرانهم وقد أكثر بها. وبنيسابور: يحيى بن يحيى التميمي وبشر بن الحكم وإسحاق بن راهويه ومحمد بن رافع ومحمد بن يحيى الذهلي وأقرانهم. وبالريّ: إبراهيم بن موسى الرازي. وببغداد: محمد بن عيسى الطباع وسريج بن النعمان وأحمد بن حنبل وأقرانهم وبواسط: حسان بن عبد الله بن سهل وسعيد بن عبد الله بن سليمان وأقرانهم. وبالبصرة: أبو عاصم النبيل وصفوان بن عيسى الزهري وعفان بن مسلم الصفار وسليمان بن حرب وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن الفضل عارم وأقرانهم. وبالكوفة: الفضل بن دكين وإسماعيل بن أبان والحسن بن الربيع وطلق بن غنام وقبيصة بن عقبة وأقرانهم. وبمصر: سعيد بن أبي مريم وأصبغ بن الفرج ويحيى بن عبد الله بن بكير وأقرانهم.
تتلمذ على البخاري وسمع واستفاد منه عدد كبير جداً من طلّاب العلم والرواة والمحدّثين قال أبو علي صالح بن محمد جزرة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد وكنت أستملي له ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفاً.[57] وروى الخطيب البغدادي عن محمد بن يوسف الفربري أحد أكبر تلاميذ البخاري أنه قال: سمع الصحيح من البخاري معي نحوٌ من سبعين ألفاً.[58] وروي أن عدد من سمع منه كتابه الصحيح بلغ تسعين ألفاً.[59] ولم يكد يشتهر بين الناس بسعة حفظه وتثبّته وإتقانه حتى أقبل طلاب الحديث يسعون إليه ويتحلّقون حوله طلباً للرواية عنه والسماع منه قال محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري: كان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شاباً لم يخرج وجهه.[60] وقال يوسف بن موسى المروروذي: كنت بجامع البصرة إذ سمعت منادياً ينادي: يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري. فقاموا في طلبه وكنت فيهم فرأيت رجلاً شاباً يصلي خلف الأسطوانة فلما فرغ أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء فأجابهم. فلما كان من الغد اجتمع كذا كذا ألف فجلس للإملاء وقال: يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكل: حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد بلديكم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن منصور وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس أن أعرابياً قال: يا رسول الله الرجل يحب القوم... الحديث. ثم قال: هذا ليس عندكم إنما عندكم عن غير منصور. وأملى مجلساً على هذا النسق.[45]
03c5feb9e7