المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال كتاب للإمام أبي حامد الغزالي كتب فيه تجربته الروحية والفكرية مع الفلاسفة والباطنية وأهل الكلام والصوفية.[1]
إِنَّ هذَا الكتابَ المسمَّى: المُنْقِذُ مِنَ الضَّلَالِ والمُفْصِحُ عنِ الأَحْوَالِ هو خلاصةُ تجربةِ العالم المسلم الإمامِ الغزاليّ وهو خُلاصةُ جهدهِ في طلبِ الحقِّ ولا سِيَّمَا وقد كتبهُ في سنواتِ عمرِهِ الأخيرة بعد أن أمضَى سنينَ حياتِهِ في العِلمِ والتَّعلُّمِ والتَّعلِيمِ والتَّدريسِ ويُبيِّنُ لنا الإمامُ الغزاليّ في مقدِّمةِ الكتابِ أنَّ سببَ تأليفهِ لهذا الكتاب هو: أنَّه قد وردَ عليه سؤالٌ يطلبُ فيه السَّائل أن يخبره عن غايةِ العلوم وأسرارها وغائلةِ المذاهب وأغوَارِهَا ويحكي له ما قاساهُ الإمامُ في استخلاصِ الحقِّ من بين اختلاف الفِرَقِ الإسلامية وكيف ارتفع عن التَّقليد إلى الاجتهادِ والبصيرةِ وما استفادَهُ من علم الكلامِ وما كرههُ من مذهب التَّعليميَّةِ وما ازْدَرَاهُ من مذهب الفلسفة وما ارتضاه من طريق التَّصوُّفِ وما ظهر له أثناءَ تفتيشِهِ عن أراء هذه المذاهب ويسألُهُ أيضاً عن سببِ انصرافِهِ عن نشر العلم ببغدادَ مع كثرةِ طلابِهِ ثُمَّ معاودته للتَّدريس بنيسابور بعد فترةٍ طويلةٍ من الانقطاعِ.
ولما رأى الإمامُ الغزاليُّ صِدْقَ رغبةِ السَّائِلِ أجابَهُ إلى طلبِهِ وصنَّف له هذا الكتاب في الإجابة على أسئلتِهِ.
فذكرَ له في البداية الجُهد الَّذِي بذلَهُ في سبيلِ تمحيصِ الأفكارِ وكيفَ كانَ ديدنُهُ التَّعطُّشَ لإدراكِ حقائِقِ الأمورِ فلمْ يزلْ منذ صباه حتَّى بلوغه العقد الخمسين يخوضُ غمار العُلومِ ويَدْرُسُ أراءَ كلِّ فرقةٍ وأسرارَ كلِّ مذهبٍ حتَّى انحلَّت عنهُ رابطةُ التَّقليدِ وارتفعَ إلى الاجتهادِ والبَصيرَةِ.
ثُمَّ ذكرَ له ما هو العلم الَّذِي يُورِثُنَا برْدَ اليَقِينِ والَّذِي ينبغي الاعتمادُ عليهِ والركونُ إليه ثمَّ ذكرَ له كيف اتَّبع منهجَ الشَّكِّ في علومِهِ فانتهى به طولُ التَّشكِيكِ إلى أن أصبَحَ على مذهبِ السَّفْسَطَةِ وجحدِ العُلومِ وبقيَ على ذلك مُدَّة شهرين ثمَّ هداهُ اللهُ وشفاهُ من ذلك المرض وعادتِ العلومُ العقليَّة مقبولةً وموثوقاً بها.
ثمَّ حصرَ أصنافَ الطَّالبين للحقِّ في أربعِ فِرَقٍ: المتكلِّمون والفلاسفة والتَّعليميَّة والصُّوفيَّة ثمَّ تكلَّمَ عن كلِّ فرقةٍ منهم فبدأَ بالمتكلِّمينَ ثمَّ الفلاسفة فذكرَ ما يُذمُّ من الفلسفةِ وما لا يُذمُّ وما يُكفَّرُ قائله فيها وما لا يُكفَّر وما يُبدَّعُ فيه وما لا يُبدَّع ثم بين ما سرقَهُ الفلاسفةُ من كلامِ أهلِ الحقِّ ومَا مزجُوهُ بكلامِهِم لترويجِ بَاطلهِم وكيفيَّة استخلاصِ الحقِّ الخالصِ من الزَّيفِ والبهرجِ من جملةِ كلامِهِم ثُمَّ تحدَّثَ عن أقسامِ علومِهِم وهي ستَّةُ أقسامٍ: رياضيَّةٌ ومنطقيَّةٌ وطبيعيَّةٌ وإلهيَّةٌ وسياسيَّةٌ وخُلقيَّةٌ ثمَّ تكلَّم عن مذهب التَّعليميَّة وغائلتهم ثُمَّ عن طرقِ الصُّوفيَّة وذكرَ أنَّ طريقَتَهُمْ إِنَّمَا تَتِمُّ بعلمٍ وعملٍ وأنَّ حَاصِلَ علومِهِمْ قطعُ عقباتِ النَّفسِ حتَّى يُتَوصَّلُ بهَا إِلى تخلِيَةِ القلبِ عن غيرِ اللهِ وتحلِيَتِهِ بذكرِ اللهِ.
ثُمَّ ذكرَ حقيقةَ النُّبوَّةِ واضطرارَ كافَّةِ الخلقِ إليها ثم ختمَ الكتابَ بكلامِهِ عن أسبابِ نشرِهِ للعلمِ بعدَ العُزلةِ والخلوةِ قريباً من عشرِ سنينَ وكيفَ عادَ للتَّدريس ونشرِ العلمِ ولِكَشْفِ شُبَهِ أهلِ الضَّلالِ وفي النِّهايَةِ ذكرَ أسبابَ ضعفِ الإيمانِ عندَ الخلقِ وكيفيَّةَ علاجِهِمْ.[1]
ولد أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي عام 450 هجرية في طوس وهي ثاني كبرى مدن خراسان حينذاك بعد نيسابور وكانت عامرة صاخبة بالنقاشات الدينية لكثرة المسلمين والمسيحيين فيها وتعدد المذاهب بين ساكنيها وقد بقيت على حالها حتى هدمها المغول فلم ترجع من يومها إلى ما كانت عليه ولم يبق منها إلا أطلال وآثار على مسافة 24 كيلومترا من مدينة مشهد الحالية في شرق إيران.
وللقبه الغزالي في روايات كتاب ترجمته تفسيران أحدهما أنه بتحفيف الزاي نسبة إلى قرية غزالة وهو قول يرويه عنه غير واحد والثاني بتشديد الزاي نسبة إلى عمل والده في غزل الصوف.
كان والده متنسكا يأكل من عمل يده متجنبا مواطن الشبهات مقبلا على مجالس المتفقهة وخدمة أهل العلم روي أنه كان يتضرع لربه أن يرزقه ولدا فقيها واعظا ولكن أجله انقضى حين كان ولداه محمد وأحمد في سن الطفولة المبكرة بعدما أوصى وهو في مرضه صديقا متصوفا متجردا للعبادة بتعهدهما وتعليمهما الخط وإنفاق ميراثه القليل في ذلك وإن نفد فلما عمل صاحبه بالوصية وذهب المال نصح الولدين اليتيمين بالنزول في مدرسة تكفلهما ويتعلمان فيها.
في طوس بدأ محمد طلب العلم في سن مبكرة مع عناية بتعلم الفارسية والعربية فأخذ شيئا من الفقه على أحمد بن محمد الراذكاني الطوسي وطرفا من التصوف على يد يوسف النساج.
وبعد مدة غير معروفة عاد إلى طوس ومكث فيها 3 سنوات ثم استأنف برحلة أخرى في طلب العلم فقصد نيسابور في رفقة جماعة من الطلبة وفيها لقي معلمه الأشهر الذي لازمه ولم يفرق بينهما إلا موت الأستاذ وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني شيخ المدرسة النظامية بنيسابور فقرأ عليه الفقه والأصول والمنطق والكلام.
والمدارس النظامية حركة تعليمية أسسها وعني بها وزير السلاجقة الشهير قوام الدين أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي الملقب بنظام الملك وكان هدفها تعليم المذهب السني في وقت انتشرت فيه المذاهب الشيعية حتى ملأت الآفاق وكانت المدارس النظامية تتمتع بنظام تعليمي مبني على التخصص وحضور الطلاب المنتظم بدل الحضور الاختياري في حلقات العلماء وقد بلغ عددها 10 أهمها مدرسة بغداد ومدرسة نيسابور ثم مدارس الموصل وأصفهان وتسخور (داغستان) وبلخ والبصرة وآمل وهرات.
ويصف أبو حامد هذه المرحلة في مذكراته "المنقذ من الضلال" قائلا "وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا".
وأعانته على ذلك قوة همته ونشاط عقله وذكائه الحاد مع حضور بديهة وسيلان ذهن وطموح فاستطاع اكتساب المعرفة من كل باب وشغف وتعلم كل فن غير متهيب ولا متحفظ على عادة أهل زمانه من الخوف والحذر والتحوط في قراءة بعض العلوم خاصة علوم الأوائل وأخطرها عليهم الفلسفة.
أما الغزالي فيقول عن نفسه "ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين أقتحم لجة هذا البحر العميق وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور وأتوغل في كل مظلمة وأتهجم على كل مشكلة وأتقحم كل ورطة وأتفحص عن عقيدة كل فرقة وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محق ومبطل ومتسنن ومبتدع لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته".
03c5feb9e7