[الجزء الاول] بسم الله الرحمن الرحيم تقديم الحمد لله منزّل الكتاب على قلب محمد النّبي الأمين والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين. وبعد: فإنه لم يحظَ كتاب في الوجود بعناية مثلما حظي به القرآن الكريم الذي كتبت حوله مئات الكتب وسيظل مورد العلماء وهذا بالتالي كتاب اصطفيت فيه من العلوم والمعارف والثقافات المستقاة من معين القرآن الكريم الذي لا ينضب ما هو لصيق الصلة بحاجات العصر ومتطلبات التثقيف بأسلوب جلي مبسّط وتحليل علمي شامل وتركيز على الغايات والأهداف المنشودة من تنزيل القرآن المجيد ومنهج بعيد عن الإطالة المملّة والإيجاز المخلّ الذي لا يكاد يفهم منه شيء لدى جيل بعدوا عن اللسان العربي في طلاوة بيانه وأعماق تراكيبه وإدراك فحواه وكأنهم أصبحوا- بالرغم من الدّراسات الجامعية المتخصصة- في غربة عن المصادر الأصيلة والثروة العلمية العريقة في شتى العلوم من تاريخ وأدب وفلسفة وتفسير وفقه وغيرها من العلوم الإسلامية الكثيرة الخصبة. فكان لا بدّ من تقريب ما صار بعيدا وإيناس ما أصبح غريبا وتزويد المسلم بزاد من الثقافة بعيدة عن الدّخيل كالإسرائيليات في التفسير ومتفاعلة مع الحياة المعاصرة ومتجاوبة مع القناعة الذاتية والأصول العقلية والمرتكزات الفكرية السليمة وهذا يقتضينا تمحيص المنقول في تفاسيرنا حتى إن منها
- تأثرا بروايات إسرائيلية- أحدث شرخا غير مقصود في عصمة بعض الأنبياء واصطدم مع بعض النظريات العلمية التي أصبحت يقينية الثبوت بعد غزو الفضاء واتساع ميادين الكشوف العلمية الحديثة علما بأن دعوة القرآن تركزت على إعمال العقل والفكر وشحذ الذهن وتسخير المواهب في سبيل الخير ومحاربة الجهل والتخلف. وهد في الأصيل من هذا المؤلّف هو ربط المسلم بكتاب الله عزّ وجلّ ربطا علميا وثيقا: لأن القرآن الكريم هو دستور الحياة البشرية العامة والخاصة للناس قاطبة وللمسلمين خاصة لذا لم أقتصر على بيان الأحكام الفقهية للمسائل بالمعنى الضيق المعروف عند الفقهاء- وإنما أردت إيضاح الأحكام المستنبطة من آي القرآن الكريم بالمعنى الأعم الذي هو أعمق إدراكا من مجرد الفهم العام والذي يشمل العقيدة والأخلاق والمنهج والسلوك والدستور العام والفوائد المجنية من الآية القرآنية تصريحا أو تلميحا أو إشارة سواء في البنية الاجتماعية لكل مجتمع متقدم متطور أم في الحياة الشخصية لكل إنسان في صحته وعمله وعلمه وتطلّعاته وآماله وآلامه ودنياه وآخرته تجاوبا في المصداقية والاعتقاد مع قول الله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال 8/ 24] . - إنه الحق سبحانه وتعالى ورسول الحق في هذه الآية اللذان يدعوان كل إنسان في هذا الوجود إلى الحياة الحرة الكريمة الشريفة بكل صورها ومعانيها. - إنه الإسلام الذي يدعو إلى عقيدة أو فكرة تحيي القلوب والعقول وتطلقها من أوهام الجهل والخرافة ومن ضغط الوهم والأسطورة وتحرر الإنسان من العبودية لغير الله ومن الخضوع للأهواء والشهوات ومن طغيان المادية القاتلة للشعور الإنساني السامي.
- إنه القرآن الذي يدعو إلى شريعة العدل والحق والرحمة العامة بالإنسانية ويدعو إلى منهج سليم للحياة والفكر والتصور والسلوك وإلى نظرة شاملة للوجود توضح علاقة الإنسان بالله تعالى وبالكون والحياة. وهي دعوة قائمة على العلم والمعرفة الصحيحة والتجربة والعقل والفكر الناضج الذي لا يفتر من كدّ الذهن وتشغيل المدارك والنظر في هذا الكون سمائه وأرضه برّا وبحرا وجوّا وهي دعوة أيضا إلى القوة والعزة والكرامة والثقة والاعتزاز بشريعة الله والاستقلال مع الاستفادة من علوم ومعارف الآخرين لأن العلم ليس حكرا على شعب دون شعب وإنما هو عطاء إنساني عام كما أن تحرير الإنسان وتحقيق إنسانيته العليا هدف إلهي عام يعلو على مصالح الطغاة والمستبدين الذين يحاولون مصادرة إنسانية الإنسان من أجل الإبقاء على مصالحهم الخاصة واستعلائهم على غيرهم وتسلطهم على بني البشر. ولن يتأثر الاعتقاد بأصالة دعوة القرآن الخيّرة هذه إلى الناس كافة بما يوضع أمامها من عراقيل أو يبث حول جدارتها من شكوك أمام النهضة الحضارية المادية الجبارة لأن هذه الدعوة ليست روحانية مجردة ولا فلسفة خيالية أو نظرية بحتة وإنما هي دعوة واقعية مزدوجة تضم بين جناحيها الدعوة إلى عمارة الكون وبناء الدنيا والآخرة معا وتعاضد الروح والمادة معا وتفاعل الإنسان مع كل مصادر الثروة في هذا الكون الذي سخّره الله تعالى للإنسان وحده استعمالا وانتفاعا واستنباطا واختراعا وإفادة واستكشافا مستمرا كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة 2/ 29] . والمهم من التفسير والبيان مساعدة المسلم على تدبّر القرآن الكريم المأمور به في قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص 38/ 29] .
وإذا كان هدفي هو وضع تفسير للقرآن الكريم يربط المسلم وغير المسلم بكتاب الله تعالى- البيان الإلهي ووحيه الوحيد حاليا الثابت كونه كلام الله ثبوتا قطعيا بلا نظير له ولا شبيه- فإنه سيكون تفسيرا يجمع بين المأثور والمعقول مستمدا من أوثق التفاسير القديمة والحديثة ومن الكتابات حول القرآن الكريم تأريخا وبيان أسباب النزول وإعرابا يساعد في توضيح كثير من الآيات ولست بحاجة كثيرة إلى الاستشهاد بأقوال المفسرين وإنما سأذكر أولى الأقوال بالصواب بحسب قرب اللفظ من طبيعة لغة العرب وسياق الآية. ولست في كل ما أكتب متأثرا بأي نزعة معينة أو مذهب محدد أو إرث اعتقادي سابق لاتجاه قديم وإنما رائدي هو الحق الذي يهدي إليه القرآن الكريم على وفق طبيعة اللغة العربية والمصطلحات الشرعية مع توضيح آراء العلماء والمفسرين بأمانة ودقة وبعد عن التعصب. ولكن ينبغي البعد عن استخدام آيات القرآن لتأييد بعض الآراء المذهبية أو اتجاهات الفرق الإسلامية أو التعسّف في التأويل لتأييد نظرية علمية قديمة أو حديثة لأن القرآن الكريم أرفع بيانا وأرقى مستوى وأعلى شأنا من تلك الآراء والمذاهب والفرق وليس هو كتاب علوم أو معارف كونية كالفلك وعلم الفضاء والطب والرياضيات ونحوها وإن وجدت فيه بعض الإشارات إلى نظرية ما وإنما هو كتاب هداية إلهية وتشريع ديني ونور يهدي لعقيدة الحق وأصلح مناهج الحياة وأصول الأخلاق والقيم الإنسانية العليا كما قال الله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة 5/ 15- 16] .
03c5feb9e7