مصر الثورة في خطاب قناة العربية: حتى نعرف أكثر.. د.أحمد بن راشد بن سعيد

25 views
Skip to first unread message

عبدالله البرغش

unread,
Jun 4, 2012, 4:12:43 AM6/4/12
to


تعاملت قناة العربية مع ثورات الربيع العربي بتوجس ونفور بدءاً بتونس مرورراً بمصر واليمن وليبيا، وانتهاءً بسوريا. وكان هذا الموقف ناجماً عما يمكن أن تثمره هذه الثورات من ميلاد ديموقراطيات تعبر عن إرادة الشعوب وقد تتناقض مع المصالح الأميركية في المنطقة.
اتسم التناول الإخباري للقناة بالانحياز إلى الدكتاتوريات أو التوازن المصطنع، ما أوقع هذا التناول في كثير من التخبط وفقدان البوصلة. وبالرغم من أن الأدلة على هذا الخط كثيرة جداً في تناول جميع الثورات العربية، إلا أنني سأقتصر هنا على الثورة المصرية وعلى ثمرتها: الانتخابات الرئاسية.
ثورة 25 يناير 
عندما تفجرت ثورة 25 من يناير 2011، أحجمت العربية عن وصفها بالثورة، كحالها مع جميع الثورات العربية. وحتى يوم الأحد الذي تلا الثورة (30 يناير) استمرت تصف الثوار بالمحتجين. وحاولت القناة طوال الوقت "تلميع" مبارك، وتخفيف اللوم عنه، والحديث عن "إصلاحات" ينوي القيام بها، أو قام بها وتؤتي أكلها. من العناوين التي ظهرت على شاشة القناة: مبارك يكلف الحكومة بتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مبارك يأمر بإزالة الأضرار والخسائر التي تعرضت لها المرافق، هيئة السلع التموينية: السلع الأولية في مصر وضعها آمن. وهي عناوين تحمل دلالات سلبية، وتشي بأن الثورة "تخريبية" ومضرة بالاقتصاد وحياة الناس. كما تشي بأن هناك من يقوم بإصلاح الضرر وهو مبارك.
في 29 يناير اعتدى بلطجية على المتحف المصري وأتلفوا بعض محتوياته، فيما يبدو أنها محاولة لتشويه الثورة، والتقط التلفزيون المصري الحدث ليطالب بالحفاظ على مصر وحماية مكتسباتها وآثارها. ومضى التلفزيون المصري في الحكاية المفبركة ليبث مقطعاً تقبض فيه قوات الأمن على "المخربين"، وبالطبع ظهروا جميعاً ملتحين، وبثياب أو "دشداشات". لم يكن مستغرباً أن يبث تليفزيون مبارك كل هذا الهراء، ولكن المستغرب أن تتجاهل قناة العربية احتجاجات الثورة، وتحصر تناولها الشأن المصري في حادثة الاعتداء على المتحف، متباكية على "الآثار" النفيسة التي لا تقدر بثمن، والتي أتلفها المخربون. ثم تنقل العربية ( ويا للدهشة) بثاً مباشراً مشتركاً مع التلفزيون (المباركي) يُظهر صور الملتحين وهم في السجن، وضحكت كثيراً وأنا أشاهد "المخربين" الذين بدوا نظيفي الهيئة و "مرتبين". هذا التناول يعرفه دارسو الدعاية بأنه نموذج  لـ "خلط الأوراق" أو "التلاعب بالأوراق" ((card stacking، تنتقي خلاله الوسيلة الإخبارية أو الميديا وجهاً واحداً للقصة، وتغفل أوجهاً أخرى (للتعرف أكثر على هذه القصة وتداعياتها في الصحافة السعودية تحديداً، انظر مقالي في صحيفة المصريون: "البلطجية في الصحافة السعودية: فص ملح وداب" على هذا الرابط)  http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=49759
في 31 يناير، أي بعد الثورة بأيام، قدرت العربية عدد المتظاهرين في التحرير بـ 10 آلاف، بينما قالت الجزيرة وغيرها إنهم 150 ألفاً، وتقليل الرقم تكتيك دعائي آخر يهدف إلى النيل من شعبية الثورة واتساعها.
 في يوم الخميس الذي تلا الثورة نشرت العربية على صدر شاشتها هذا العنوان: مؤيدون ومعارضون يتوافدون على ميدان التحرير، وهو عنوان "مؤطر" ((framed يختزل الثورة في صراع بين مؤيدين ومعارضين، ويفرغ الهبة الشعبية من مضمونها.
 في يوم الأحد 6 فبراير أشارت القناة على صدر شاشتها إلى أن مئات المتظاهرين يخرجون في الإسكندرية، بينما كان العنوان على صدر الجزيرة: ربع مليون متظاهر في الإسكندرية. في اليوم نفسه نشرت العربية هذا العنوان: "عودة مظاهر الحياة الطبيعية في القاهرة باستثناء ميدان التحرير". هنا تستخدم القناة ما يعرف في تحليل الخطاب بالتعريض أو التلميح (insinuation)، فليس ثمة ثورة، إنما هم "شوية عيال" مجتمعون في ميدان في مدينة.
في اليوم نفسه، التقت العربية بإبراهيم كامل، عضو الحزب الوطني البائد، الذي أبلغ مذيعة القناة أن أغلبية الشعب تؤيد مبارك، وأن الشباب في التحرير لا يمثلون هذه الأغلبية، وأن الشعب ليس كله موجوداً في الميدان، ولم تنبس المذيعة ببنت شفة. انتقاء الضيوف، في كثير من الأحيان، يصب فيما يُسمى "الدعاية الاستشهادية"  (testimonial) التي تقوم على توظيف نص أو تصريح لخبير ما من أجل دعم إيديولوجية الوسيلة.
في يوم الأحد أيضاً سأل المذيع طالب كنعان مراسل القناة محمود عبد الكريم: ألم تعد الحياة إلى طبيعتها في الإسكندرية؟ فأجاب المراسل: بلى..إلى حد كبير. كنعان: أليس هذا دليلاً على أن وعود الرئيس بالإصلاح قد أسهمت في عودة الحياة إلى طبيعتها وتطمين الناس؟ المراسل: صحيح..وقد تحدثت إلى كثيرمن المتظاهرين، وأخبروني أنهم مرتاحون ومطمئنون إلى الوعود، لكنهم مصرون على التظاهر لكي يضمنوا حقوقهم.
في يوم الإثنين 7 فبراير قالت معلقة العربية إن الحياة تعود إلى طبيعتها في القاهرة، مضيفة:  دع من يتظاهر يتظاهر، ودع الباقين يعيشون في سلام (يا سلام!..تلميح آخر). ويظهر على الشاشة مواطن مصري يقول: البنوك فتحت..هنعمل أزمة ليه؟ ويقول آخر: دول خونة..عايزين يعملوا مصر زي لبنان والعراق. وتختم المعلقة بالقول: يبدو أن الأمور تجري كالمعتاد، خصوصاً أن هؤلاء يشعرون أن النظام قدم تنازلات بما يكفي.
وعندما تسربت أنباء عن تعيين محمود وجدي وزيراً للداخلية خلفاً للحبيب العادلي حاولت العربية استغلال ذلك لتشكيل انطباع بأن الأمور تنفرج، مستضيفة محمد علي إبراهيم رئيس تحرير صحيفة الجمهورية الذي قال للقناة: محمود وجدي يمكن أن يلم المجرمين الذين فروا إذا أصبح وزيراً للداخلية، والمصريون لا يريدون إسقاط النظام، بل استعادة الأمن والأمان،  ومخزون القمح يكفي المصريين إلى يوليو. كما استضافت القناة صحافياً اسمه نبيل شرف الدين أسبغ المديح على الوزير الجديد قائلاً: وجدي رجل محترف وغير مسيس وطاهر اليد (من هم "المجرمون" الذين فروا من السجون؟ في إحدى نشراتها تحدثت العربية عن فرار معتقلين من حركة حماس وصورت ذلك بوصفه خطراً).
في غرة فبراير عادت الشرطة إلى الشوارع بعد اختفائها، وحرصت العربية على تقديم الحدث بوصفه تمهيداً لعودة الأمور إلى طبيعتها. أظهر تقرير للقناة من القاهرة ترحيب الناس بالشرطة، وعلق مراسلها بالقول: منذ غياب الشرطة انتشر السلب، بينما قال مواطن التقت به القناة: "البلد لازم يكون لها كبير..والكبير هي الشرطة".
في مساء ذلك اليوم استخدمت العربية شعار: مصر التغيير، بينما كان شعار قناة الجزيرة: الشعب يريد.
في يوم الخميس التالي استضافت القناة فناناً اسمه مصطفى كامل ليبق الكلمة السحرية: "مبارك بطل". وفي اليوم نفسه قبض المعتصمون في ميدان التحرير على  ما وصفته القناة بـ "عناصر أمنية"، وصوروا بطاقاتهم الرسمية، وتوسل أحد هؤلاء "العناصر" إلى المتظاهرين ألا يسلموه للجيش بحسب رواية مراسل القناة مازن عباد الذي أكد أنه اطلع على الأمر بنفسه. لكن المذيع يسأله: هؤلاء مؤيدون لمبارك.. فيرد المراسل: هم تابعون لوزارة الداخلية..فيصر المذيع أنهم مؤيدون لمبارك..فيقول المراسل: أنا رأيت بنفسي هوياتهم الأمنية. انتهى المشهد هنا، ولم أر مازن بعد ذلك على شاشة القناة.
عندما اقتحم البلطجية ميدان التحرير وعاثوا فساداً فيه، اختارت العربية مصطلح "مؤيدو مبارك" في مقابل "معارضي مبارك"، وأغفلت الحديث عن البلطجية (تأطير للمشهد بوصفه صراعاً أهلياً لا ثورة تنتظم السواد الأعظم من الشعب). كانت القناة تحاول تخفيف الضغط على مبارك الذي يترنح وتفشل كل محاولات إنعاشه.
وجاء يوم الرحيل، أو جمعة الرحيل (4 فبراير) وكتبت العربية على شاشتها هذا الخبر: 
رئيس الوزراء (أحمد شفيق) للعربية: "بقاء مبارك رئيساً لمصر مصدر أمان".
وتحدثت القناة عن امتلاء ميدان التحرير بمحتجين "فيما وصفوه بيوم الرحيل"، والتعبير للقناة. والتقت ريما مكتبي بضيف (اختارته بالطبع ليقول ما تريد أو ما تريد القناة) فقال: يجب أن يترك هؤلاء الميدان. فتسأله ريما: إنهم شباب عاطفي، كيف نقنعهم؟ فيقول الضيف: لا بد أن يذهب إليهم علماء ليقنعوهم.
ويتحدث مراسل العربية في ميدان التحرير عن قضية هامشية جداً، ولكنها تعني الكثير لقناة العربية. يقول: الإخوان رفضوا الائتمام بالإمام في ميدان التحرير، وأصروا على الصلاة خلف إمام منهم..فتسأله المذيعة اللبنانية نجوى قاسم: شو يعني؟ انقسم المصلين هيك! لا أدري ما هي أبعاد هذه القصة الغريبة، وهل حدثت بالفعل، أم أنها (وهو الأرجح) من بنات "شياطين" العربية.
في اليوم نفسه، يلتقي مذيع القناة سابقاً حافظ الميرازي بصحافية فاسدة من أعمدة الدعاية المباركية هي صفاء حجازي التي قالت: الشباب يتحملون مسؤولية تلويث الثورة التي تم اختطافها. وتضيف حجازي: يجب أن تتوقف حرية التعبير إذا اصطدمت بالأمن القومي، ويجب ألا نرضخ للضغوط الأميركية التي تطالب بتغيير الرئيس.
كما يستضيف الميرازي منى مكرم عبيد التي صوّرت الثورة خطراً داهماً فقالت: المطلوب من الشباب هو التهدئة؛ لأن البلد في خطر..من أجل مصر ارجعوا إلى بيوتكم. ويعلق الميرازي قائلاً: "الآلاف يهتفون لبقاء مبارك إلى الأبد، لكن مبارك لا يريد كل ذلك، هو فقط يريد إكمال الأمانة..هل يمكن أن يشتبك الطرفان؟".
في جمعة الزحف (12 فبراير) التقت العربية بالداعية معز مسعود، من مؤسسة أهل البيت للفكر الإسلامي، لتسأله عن خطاب مبارك الأخير الذي فوض فيه صلاحياته لنائبه عمر سليمان، فأجاب الضيف بطريقة مستفزة: هذا فتح..ويجب على الشعب السكينة والحكمة. سأله المذيع: هل تحث الناس على العودة إلى بيوتهم؟ رد معز بحماس: نعم..أنا مبسوط جداً جداً...لا أدري هل كان مبسوطاً أم كان (متولياً) يوم الزحف؟
في 13 فبراير انتصرت الثورة، لكن العربية ظلت تربطها بالفوضى، فظهر على شاشتها عنوان يقول: الجيش يحذر مثيري الفوضى، طبعاً من دون وضع كلمة "الفوضى" بين مزدوجين. وقالت مراسلة العربية رندا أبو العزم في اليوم نفسه إن "الجيش سيصدر بياناً شديد اللهجة ضد المحتجين، فالاقتصاد المصري لم يتحمل مزيداً من الخسائر". هكذا، حتى بعد تنحي مبارك، ظلت الثورة المصرية في خطاب قناة العربية مجرد تظاهرات شغب وتخريب للمؤسسات ونزيف اقتصادي. لا حديث عن معاني الحرية والكرامة التي انتفض المصريون لأجلها.
الانتخابات الرئاسية:
تناول العربية للانتخابات البرلمانية والرئاسية هو امتداد لتخبطها في تناول الثورة. لكن يمكن أن نأخذ الرئاسية أنموذجاً. حرصت القناة على البحث عن الانقسامات في الصف الإسلامي، وتشويه صورة الإسلاميين بوصفهم غير صالحين لقيادة دولة مدنية، وملتزمة بالاتفاقات الدولية (والمقصود تحديداً كامب ديفيد). مثلاً في  12 مايو 2012 قالت القناة إن الإخوان شنوا هجوماً ضارياً على السلفيين لتأييدهم المرشح المستقل أبو الفتوح، وإن السلفيين وصفوا هجوم الإخوان بالهمجي. هكذا يبدو المشهد: جيشان يهم أحدهما بالتهام الآخر. بالطبع قد يكون أصل القصة صحيحاً، لكن "التلوين" والتشوية يكونان عادة في الصياغة، بحيث تنتقي الوسيلة الإعلامية مصطلحات مؤدلجة أو مشحونة بالعواطف، من أجل تقديم انطباع ما، أو رسم هالة ما. تعبير "ضارياً" يسمى في تحليل الخطاب "الإبراز" (foregrounding)، ويعني استخدام "كلمات مفتاحية" من أجل "الإبراز النصي"، كما يحمل أيضاً دلالة لفظية (connotation)، تتضمن استعارة أو كناية تهدف إلى تشكيل صورة ما. 
في اليوم نفسه، قالت ريما صالحة، وهي مذيعة الموت في قناة العربية (برنامج صناعة الموت) إن محمد مرسي أعلن عزمه تطبيق شرع الله. قد يبدو التعبير عادياً ومقبولاً. ولكن، مرة أخرى، من منظور تحليل الخطاب، هناك نوع من التعريض أو التلميح (insinuation)، حيث يتلفظ منتج الخطاب بعبارات تبدو عادية، ويستطيع إنكار دوافع سيئة لها. كان بإمكان القناة، لو كانت متوازنة وغير مؤدلجة، أن تقول: "أعلن مرسي عزمه على تطبيق الشريعة الإسلامية"، بدلاً من "شرع الله" العبارة التي تحمل في إيقاعها إيحاءً بخطاب ديني تقليدي (مصطلح "شرع الله" يردده علماء الدين عادة لا السياسيون أو المرشحون الانتخابيون). وبالرجوع إلى نص خطاب مرسي، بحسب ما نشرته رويترز، فإننا نجد مرسي قال التالي: "نحن قادرون على تطبيق الشريعة الآن، وإننا لن نرضى بديلاً عن الشريعة الإسلامية". وهو ما توقعته قبل أن أبحث عنه في رويترز (ريما صالحة لديها مشكلة في اللغة أيضاً، فهي لم تنطق عبارة "شرع الله" بطريقة صحيحة، إذ نطقت لفظ الجلالة (الله) مفخماً، مع أن الحرف الذي قبله كان مكسوراً، وكان يجب ترقيق اللفظ).
في 12 مايو أيضاً، كتبت العربية على صدر شاشتها هذا العنوان المفخخ: : "الانتخابات تشق صفوف السلفيين في مصر". ونتعرف على الإجابة في ثنايا النشرة حيث يقول المذيع إن الرمز السلفي محمد عبد المقصود أيد مرشح الإخوان مرسي. كيف يكون هذا التأييد "شقاً" في الصفوف؟ كان يمكن للقناة أن تنأى بنفسها عن "التفكير الأمنياتي" وتقول مثلاً: الداعية السلفي محمد عبد المقصود يؤيد مرسي..من غير انشقاق ولا شقاق..و "يا دار ما دخلك شر". لكن القناة المؤدلجة حتى الأسنان تصر مرة أخرى على هذا التلوين الدلالي (connotation) مستخدمة استعارة أو مجازاً يحمل معنى ثقافياً ذا مغزى لدى الجمهور- ممارسة غير مهنية، لكنها قد تقلب العقل غير الناقد رأساً على عقب.
في 22 مايو وصفت العربية أحمد شفيق بالمرشح "المستقل"، بينما وصفت أبو الفتوح بالمرشح الإسلامي. هذا تصنيف وصفي وليس إيديولوجياً؛ لأن شفيق ليس مستقلاً، بل هو البندقية التي استأجرها مبارك في آخر عهده ليجهض الثورة، بينما يصدق وصف "المستقل" على أبو الفتوح الذي لا ينتمي إلى أي تيار بعد استقالته من جماعة الإخوان المسلمين (هذا التصنيف تأطيري أيضاً (framed)، يستند فيه وصف قضية أو شخص أو شيء ما إلى الثقافة أو الرؤية الكونية لمنتج الخطاب). 
وفي 22 مايو أيضاً ناقشت منتهى الرمحي في برنامجها "بانوراما" (اسم أجنبي في قناة اسمها العربية) الانتخابات المصرية، وظهر هذا العنوان على الشاشة: "مخاوف من الانقسام في المجتمع المصري بسبب الانتخابات". السبب؟ يقول بعض الضيوف: احتمال وصول إسلاميين يحتكرون الفضيلة والحقيقة وحدهم. يبدو الحديث عن الانقسام خبراً، ولكنه "افتراض مسبق" (presupposition)، كما يعلّمنا التحليل النقدي للخطاب، وكان بإمكان القناة طرح تصور مختلف يناقش مثلاً فرص توحيد الانتخابات للمجتمع المصري بدل تقسيمه.
في 23 مايو استضافت القناة الكاتب المصري سعد هجرس الذي زعم أن "الرشاوى جاءت بهذا البرلمان الذي يزيف إرادة الأمة، وسيتكرر الشيء نفسه في الانتخابات الرئاسية". 
وفي اليوم نفسه، استعرضت العربية ما قالت إنها شكاوى المواطنين المصريين في موقع تويتر، واختارت لنا منها شكوى أحدهم من فتوى لبعض أنصار أبو الفتوح تقول إن: "من لم يصوت لأبو الفتوح فهو آثم"، وشكوى أخرى يزعم صاحبها أن "الإخوان يشترون الصوت ب 200 جنية وكيس رز وزيت". هذا مثال آخر لتكتيك خلط الأوراق ((card stacking، الذي تنتقي خلاله الميديا أخباراً تمثل وجهاً واحداً للقصة، وتغفل أوجهاً أخرى.
في 24 مايو تعود القناة إلى دعاية الاستشهاد (testimonial)، فتلتقي بالمغني هاني شاكر في برنامج (صباح العربية)، وتسأله السؤال "الصحيح": هل أنت خائف من الإسلاميين على الفن؟ أجاب: نعم.. مش معقول أغني أغنية ما تعجبهومش.. ثم يحبسوني؟ سأله المذيع: هتعمل ايه؟ أجاب: أبطل غناء..ما عنديش استعداد انحبس على آخر الزمن. وتلتقي مذيعة القناة رندا أبو العزم بالممثلة يسرا وتسألها: "أنت خايفة من تيار بعينه؟"، فتجيب: "أنا خايفة من الكلام الي بيتقال..حرام التمثيل..حرية الإبداع..التماثيل مش عارفة ايه".  وتسألها رندا: "قالوا: الفن النظيف  والفن الهادف".. فتقول يسرا: "الفن فن..أنت حرة في خيالك..أتقبله أو لا أتقبله..أنا حرة..". وهكذا تدور قناة العربية على الفنانين لتسألهم عن "المصير الأسود" الذي ينتظرهم إذا ما وصل إسلاميون إلى الحكم بإرادة شعبية. لم تسأل القناة الناشطين والإسلاميين والحقوقيين عن مخاوفهم من وصول الفلول إلى الحكم، ولا غرو، فالعربية جزء من الماضي؛ من إرث مبارك، وهي تتجاهل، كالطغاة العرب تماماً، أن حركة التاريخ ماضية وستكنس الواقفين أمامها، بمن فيهم أبواق الدعاية.
وإمعاناً في هذا التهويش الدعائي، تلتقي القناة في 24 مايو بناخبة تقول: "أنا عايزة رئيس كويس، مش مهم مسيحي والا مسلم". ويقول ناخب آخر: "أنا ما صوتتش للرموز الدينية؛ لأن الدين ما فيهوش سياسة". طبعاً، العينة بينة، ليس على الناخبين، بل على العاطفة الجياشة لدى قناة العربية، والتي تشبه الهوس. لم تشاهد العربية 70٪ من الشعب المصري صوتوا للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية، كلهم يرى السياسة جزءاً من الدين. ذهبت "تنقب" عن هواها..وأضلها هواها.
في اليوم نفسه تخرج العربية بخبر يشبه الوقيعة أو الدسيسة، فزعمت المذيعة سهير القيسي أن "مناصرين للمرشح الإخواني مرسي "اعتدوا" على أنصار صباحي بالضرب". هكذا اعتدوا. وأوردت الخبر من دون ذكر مصدره، وهو ماهر تليمة من حملة صباحي في لجنة الفرسان، بحسب ما نشرته صحيفة اليوم السابع. المضحك أن العربية بعد تقديم الخبر بصورة درامية التقت بمندوب من حملة مرسي وسألته عن "الاعتداء" بوصفه حقيقة مسلمة، فأنكر المندوب الحدث "جملة وتفصيلاً". لكن الخبر حقق مراده، أما "الترقيع" في آخر الخبر، فكان مجرد تظاهر بالتوازن، ومحاولة تجميلية مكشوفة. نصبت القناة نفسها حكماً وقررت أن هناك معتدياً ومعتدى عليه، في مشهد لم تحضره. ربما حدث اعتداء متبادل، وربما اختلط الحابل بالنابل، لكن القناة تسف إسفافاً، لأن إناءها ينضح بما فيه، ولأن التحامل أعيا من يداويه.
في 24 مايو أيضاً، أوردت سهير القيسي خبراً مشابهاً يذكرني بأفلام عادل إمام عن "الإرهاب"، أو بعض الأفلام الأميركية التي تقولب العرب والمسلمين في صور نمطية تهدف فقط إلى السخرية. تقول المذيعة: "امرأة منتقبة اعتدت على امرأة أخرى بالضرب واتهمتها بالكفر والإلحاد لأنها رفضت التصويت لمرسي". طبعاً، لا يمكن تصور مشهد كهذا في مصر ولا في أي مكان في العالم، فلا إكراه في الانتخاب، فضلاً عن التكفير بسبب الامتناع عن التصويت. لم أجد حاجة لاستقصاء الخبر، لأني أعرف خيال "العربية".. وأعرف "بنات" الهوى من أفكارها.
في 25 مايو، استخدمت العربية هذا العنوان على صدر شاشتها: "الإخوان يستبقون النتائج ويعلنون تقدمهم". والعبارة تعريض آخر (insinuation)، وهي رأي أكثر منها خبراً.  "يعلنون تقدمهم" خبر، و "يستبقون النتائج" رأي، أو تلوين..لكننا نعذر العربية المصابة بالذعر والألم. 
في اليوم نفسه، استضافت منتهى الرمحي في "بانوراما" سامح سيف اليزل (ضابط سابق في المخابرات المباركية) الذي قال لمنتهى:  كثير من المصريين يرفضون تولي الإسلاميين كل مقاليد الحكم في مصر (يقصد البرلمان والرئاسة معاً)، وأعادت القناة نشرهذه العبارة على شاشتها مرات عدة.
والتقت القناة في مساء يوم 25 مايو مع يمني الحماقي، رئيسة قسم الاقتصاد بكلية التجارة بجامعة عين شمس، التي قالت إن كثيراً من المصريين يميلون إلى شفيق؛ لأن انتخابه سيقود إلى "الاستقرار". 
وفي مساء 29 مايو (بعد ظهور نتائج الانتخابات) استضافت العربية في (بانوراما) محمد نور فرحات، أستاذ القانون بجامعة الزقازيق، ناقلة عنه قوله إن الإخوان "وعدوا بعدم تقديم مرشح للرئاسة لكنهم أخلفوا وعدهم" - مقتطف من حديث الضيف ظهر مرات على صدر الشاشة... هل كانت العربية تلطم؟
وبالرغم من أن القناة تحاول أحياناً أن تظهر بمظهر التوازن، فتستضيف ممثلين للتيار الإسلامي، أو تستخدم عبارات موحية بأنها لا تنحاز إلى طرف بعينه، لكنها تخفق كثيراً، وتعود مرة أخرى إلى الغرق في التحامل. لا تستطيع العربية إلا أن تكون وفية لأجندتها المتصهينة، الساعية أبداً إلى تشويه المتدينين، وإظهارهم دائماً بمظهر الخطر المنذر بتدمير الحضارة والسلام والديموقراطية.
الحقيقة أن قناة العربية تتخبط، فلا هي أفلحت في تقديم صحافة مهنية متسقة مع نفسها، ومتناغمة مع قواعد الصحافة وأخلاقياتها، ولا هي أفلحت في تشويه صورة الإسلامي وتنفير الناخبين منه في عصر الربيع العربي.
لكن يبدو أن الربيع العربي أصاب القناة في مقتل، فكشف عوارها، وتركها على قارعة الطريق، تمضغ خطابات باهتة مكرورة لم تعد تقنع أحداً. وفي رأيي أن العربية غير قابلة للإصلاح أو التأهيل، تماماً كنظام بشار الأسد الهمجي، لا سبيل لإصلاحه إلا باقتلاع النظام.

*أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، صحافي، وكاتب


________
للتواصل عبر تويتر
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages