بين حبٍّ ضائعٍ وآخر يائس بين حبٍّ آثمٍ وحبٍّ بالإكراه تقبع نفوسٌ معلَّقة خيالاتٌ وأطياف وانسياباتٌ للفن القصصيِّ الذي أبدعه عميد الأدب العربي وجعل منه مرآة للنفس البشرية بقوتها وضعفها عنفوانها واهترائها فأتت قصصه متتبعة لما يظهر أو يخفى من طبائع الناس ودقائق علاقاتهم الاجتماعية. وفي القصة الأطول والتي تحمل المجموعة اسمها يحكي لنا طه حسين حكاية الخيانة والإخلاص على لسان فتاة فرنسية سلبت الحربُ عائلتَها الفرحةَ والأبناءَ فما كاد الحبُّ يطرق قلبها حتى عاد إلى روحها الإشراق بعد انطفاء وعاشت سنوات زواجها الأولى هانئة ناعمة حتى كان أن لُطِّخت اللوحة الجميلة بلونٍ دخيلٍ لم يناسب صدقها وصفاء روحها ولم تستطع مادلين موريل أن تتسامح مع سارقي بهجتها فاختارت أن تنهي حياتها فلعل في ضياع الروح مهربًا ومنجاةً من ضياع القلب.
طه حسين: أديبٌ ومفكِّرٌ مِصريٌّ يُعَدُّ عَلَمًا من أعلام التنوير والحركة الأدبية الحديثة امتلَكَ بَصِيرةً نافذة وإنْ حُرِم البصر وقاد مشروعًا فكريًّا شاملًا استحقَّ به لقبَ عميد الأدب العربي وتحمَّلَ في سبيله أشكالًا من النقد والمُصادَرة.
وُلِد طه حسين علي سلامة في نوفمبر ١٨٨٩م بقرية الكيلو بمحافظة المنيا. فَقَدَ بصرَه في الرابعة من عمره إثرَ إصابته بالرمد لكنَّ ذلك لم يَثْنِ والِدَه عن إلحاقه بكُتَّاب القرية حيث فاجَأَ الصغيرُ شيخَه محمد جاد الرب بذاكرةٍ حافظة وذكاءٍ متوقِّد مكَّنَاه من تعلُّم اللغة والحساب والقرآن الكريم في فترة وجيزة.
وتابَعَ مسيرته الدراسية بخطوات واسعة حيث التحَقَ بالتعليم الأزهري ثم كان أول المنتسِبين إلى الجامعة المصرية عامَ ١٩٠٨م وحصل على درجة الدكتوراه عامَ ١٩١٤م لتبدأ أولى معاركه مع الفكر التقليدي حيث أثارَتْ أطروحتُه ذكرى أبي العلاء مَوجةً عالية من الانتقاد. ثم أوفدَتْه الجامعة المصرية إلى فرنسا وهناك أَعَدَّ أُطروحةَ الدكتوراه الثانية: الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون واجتاز دبلوم الدراسات العليا في القانون الرُّوماني. وكان لزواجه بالسيدة الفرنسية سوزان بريسو عظيم الأثر في مسيرته العلمية والأدبية حيث قامَتْ له بدور القارئ كما كانت الرفيقة المخلِصة التي دعمَتْه وشجَّعَتْه على العطاء والمُثابَرة وقد رُزِقَا اثنين من الأبناء: أمينة ومؤنس.
وبعد عودته من فرنسا خاض غِمار الحياة العملية والعامة بقوة واقتدار حيث عمل أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني بالجامعة المصرية ثم أستاذًا لتاريخ الأدب العربي بكلية الآداب ثم عميدًا للكلية. وفي ١٩٤٢م عُيِّن مستشارًا لوزير المعارف ثم مديرًا لجامعة الإسكندرية. وفي ١٩٥٠م أصبح وزيرًا للمعارف وقاد الدعوة لمجانية التعليم وإلزاميته وكان له الفضل في تأسيس عددٍ من الجامعات المصرية. وفي ١٩٥٩م عاد إلى الجامعة بصفة أستاذ غير متفرِّغ وتسلَّمَ رئاسة تحرير جريدة الجمهورية.
أثرى المكتبةَ العربية بالعديد من المؤلَّفات والترجمات وكان يكرِّس أعمالَه للتحرُّر والانفتاح الثقافي مع الاعتزاز بالموروثات الحضارية القيِّمة عربيةً ومصريةً. وبطبيعة الحال اصطدمت تجديديةُ أطروحاته وحداثيتُها ببعضِ الأفكار السائدة فحصدت كبرى مُؤلَّفاته النصيبَ الأكبر من الهجوم الذي وصل إلى حدِّ رفع الدعاوى القضائية ضده. وعلى الرغم من ذلك يبقى في الذاكرة: في الأدب الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر والعديد من عيون الكتب والروايات فضلًا عن رائعته الأيام التي روى فيها سيرته الذاتية.
رحل طه حسين عن دُنيانا في أكتوبر ١٩٧٣م عن عمرٍ ناهَزَ ٨٤ عامًا قضاها معلِّمًا ومؤلِّفًا وصانعًا من صنَّاع النور.
مؤسسة هنداوي مؤسسة غير هادفة للربح تهدف إلى نشر المعرفة والثقافة وغرس حب القراءة بين المتحدثين باللغة العربية.
بعد نحو 45 عامًا من وفاته لا يزال الحديث عن عميد الأدب العربي طه حسين حديثًا شيقًا وذا شجون وما زلنا بحاجة ماسّة للبحث والتنقيب في أعماله الأدبية الكثيرة خاصة تلك التي لم يلق عليها الضوء بشكل كبير ولم تحظ بجماهيرية أعماله المعروفة مثل الأيام أو دراساته النقدية الرائدة مثل في الشعر الجاهلي أو حتى دراساته التاريخية مثل على هامش السيرة وغيرها من المؤلفات. من هذه الأعمال مجموعة قصصيّة حملت اسم الحب الضائع التي صدرت أواخر عام 1943 وتحتوي على ثماني قصص أطولها وأشهرها الحب الضائع كما نجد فيها قصة تحمل عنوان الحب المكره.
تنبع أهمية هاتين القصتين من أنهما يطرحان بشكلٍ واضح نموذجًا للمرأة الغربية كما يراها طه حسين ومن المعروف أن طه حسين تعرّف في سنوات صباه وشبابه على نماذج عديدة للمرأة المصرية واستطاع أن يعبر عنهم ويتناول شخصياتهم بشكلٍ دقيق سواء كانوا من الجيل القديم في صعيد مصر أو نساء أحياء القاهرة القديمة وكنّا نجد أثر ذلك واضحًا في رواياته الأيام وشجرة البؤس وحتى المعذبون في الأرض وكان يغلب على تلك الروايات نموذج المرأة المستسلمة القانعة بدورها الاجتماعي المحدد لها سلفًا نجد ذلك في الأيام في تلك الأم التي تساهم في تربية ابنها الكفيف وتتراوح علاقتها به بين الحنان والقسوة ولكن الفتى يكبر ويصبح شابًا ويسافر إلى باريس فيتعرّف هناك على نماذج مختلفة للمرأة التي تحاول أن يكون لها دورٌ المجتمع ويكون لها صوت يوازي ويقارب صوت الرجل فيتأثر بها ويسعى للتعبير عن حالها.
لذلك جاءت هذه النماذج المختلفة التي عرضها في قصتي الحب الضائع والحب المكره لتعبِّر أصدق تعبير عن رؤيته لذلك النموذج الغربي الذي لم يقف منه موقف الدائن أو القاضي الذي يحاكم تصرفات البطلة أو يدينها بل استطاع أن ينفذ وعبر قصة وسرد متماسك إلى أغوار شخصيته النفسية ويتحدث بلسانها وكأنما هي الغربية الغريبة عنه التي تتحدث بلسانها.
في الحب الضائع نحن أمام نموذج للمرأة الشابة المثقفة مدلين التي نبدأ معها حكايتها من تلك المذكرات التي تفضي بها إلى كتابها فتفشي له أسرارها وتحكي له كل شؤونها وهي منذ البداية كاتبة ملمّة بقدرٍ لا بأس به من الفلسفة إذ تتحدث عن كون الفرنسيين مولعين طوال حياتهم بأمور التعليل والتحليل شأنهم في ذلك شأن فيلسوفهم الأكبر ديكارت وهي إذ تحكي لدفترها حكايتها وترصد يومياتها أثناء فترة شبابها حتى زواجها إذ بها تريد أن تقف من ذلك كله على أكثر موقفٍ مؤثر في حكايتها تلك وهو أمر خيانة صديقتها لها وكيف وقعت في حب زوجها!
ربما كان من الممكن عرض الحكاية على هذا النحو من الإيجاز ثمّة قصة خيانة بين طرفين زوجة مكلومة وزوج مفرطٍ ومستهتر ولكن الكاتب أراد أن يعرض الحكاية بطريقة مختلفة ولذا كان الأمر من البداية باللجوء إلى حياتها بالتفصيل في مذكراتها حيث يلجأ المرء في هذا الطقس من الكتابة الاعترافية إلى الإفاضة في الحديث وعرض تفاصيل كثيرة توضح أثر كل حددثٍ وكل موقف على نفسه أولاً وهو ما نجح فيه طه حسين هنا إلى حدٍ كبير ولكن المشكلة تتبدى حينما يكون عرض هذه الشخصية وتلك التفاصيل على حساب تفاصيل أخرى وشخصيات معروضة بشكلٍ عابر في الرواية لا يفهم القارئ تصرفاتهم ولا الدوافع التي جعلتهم يسلكون ذلك السلوك رغم إدراكهم ويقينهم بفداحة ما يفعلون وعواقب ذلك التصرف المشين على الأسرة الصغيرة التي لا تزال في طور التشكل!
268f851078