" إن أردت أن تكون متفائلا ، فلا تهزأ و لا تنوح ،بل افهم "
سبينوزا
أثارت مجلة "الآداب" بفتحها ملف اليساراهتماما كبيرا لدى المعنيين بهذا
الشأن، و أعادت إلى الحياة قضية اعتقد عدد كبيرمن اليساريين "السابقين"
أنها قد ماتت و دفنت. و لكن الواقع اعند من رغباتنا. فالعودة إلىالحديث
عن ماركس و اليسار لا يعبر عن عودة "لموضة" جديدة، بفعل الأزمة المالية
العالمية، بل هي تعكسالصراعات الفعلية على ارض الواقع ، من النضالات
الاجتماعية و "الانتصارات" الانتخابية لليسار في أمريكا اللاتينية ، إلى
تصاعد اليسار والنضالات عموما في دول أوربا واسيا وأفريقيا..
ما سنطرحه في مقالتنا هذه ليس بالضرورة ردا أو نقاشا علىكل ما ورد في ملف
العدد 4-5 لمجلة "الآداب " ، إنما هي مقاربة تنطلق منموقف لا يدعي
الحيادية أو البحث من جديد عن إعادة تسمية المعاني و المفاهيم والوقائع ،
و كأنها و لادة من عدم، كما فعل ادم في تسمية الأشياء .
لأننا نعتقد انه لا يمكننا أن نفهم الحاضر و لا أن نستشفالمستقبل دون أن
يحضر فهم التجارب السابقة في كل لحظة. و أننا عندما نواجه معضلة في
مطابقة الواقع علىفهمنا النظري إنما لب المشكلة يكمن في الفهم النظري
نفسه. لهذا فان تطور النظريةالماركسية إنما تم بفضل الإسهامات الثمينة
لعدد من المفكرين الماركسيين بعد ماركس، مثل لينين و تروتسكي و روزا
لوكسمبورغ و غرامشي وغيرهم الأقرب إلى عصرنا.
كاتب هذه الأسطر ينتمي في تجربته إلى بداية تشكيلالحلقات الماركسية ، في
مطلع سبعينات القرن العشرين، في سورية. و بالتحديدالمبادرة في تشكيل
الحلقات الماركسيةالثورية أو بالتعريف الشائع " التروتسكية" ، و بالرغم
من قلة عددنا فيالبداية ، كغيرنا من الحلقات ، و جدة اطروحاتنا في الواقع
السوري و داخل يساره ، إلاأن هذه الحلقات نمت و لعبت دورا هاما في نضال
اليسار السوري الراديكالي لغايةالتسعينات ، ورغم تفكك أحوالها مع حالة
القمع المعممة التي أصابت كل تياراتالمعارضة وليس اليسار فحسب، لكن عدد
من مبادريها بقي لهم نشاط دائم على الصعيدالاجتماعي والثقافي والسياسي
إلى يومنا .
في التجربة و النظرية
قدمت الماركسية فهم عميق لتناقضات النظام الرأسمالي لمتستطع أي نظرية
أخرى أن تقدم ما يقاربها ، وقدمت أيضا هضما لتجارب النضال
للجماهيرالواسعة مع أفق لبديل عن الرأسمالية.
هذا التراث الفكري و النضالي لا يزال ضروريا و لا غنىعنه لفهم عصرنا و
لإعادة نهوض اليسار من جديد.
لم تغير الأزمة المالية الراهنة و لا واقع العولمة منحقيقة أن النظام
الرأسمالي العالمي يقوم على السعي للربح و على المنافسة . وهما
مصدراحيوية النظام الرأسمالي من جهة. و أزماته المتكررة و وحشيته من جهة
أخرى.
في المقابل، استندت الماركسية – لماركس و انجلز- فيتحليلها للرأسمالية
على التأكيد على أن التغيير والبديل الاشتراكي إنما يقوم بهماالطبقة
العاملة و جماهير المأجورين ، أي أن الأخيرين ليسوا موضوع التغيير بل
همذاته. لإقامة السلطة العمالية عبر هيئات ومجالس منتخبة مباشرة منهم،
أي إدارة المأجورين لحياتهم بأنفسهم مباشرة. مما يعني،وباختصار، تقوم
الماركسية على المقومات الأساسية التالية: ضرورة النشاط الذاتيللعمال و
المأجورين و التنظيم الذاتي لهم و الحكم(أو الإدارة) الذاتي لهم، أي
إدارةالناس لشؤون حياتها عبر مجالس و هيئات منتخبة مباشرة منهم. لهذا
السبب إنما يجب أنتكون الاشتراكية شكلا أرقى و أعمق ديمقراطية من
الديمقراطية البرجوازية.
لكن النموذج الشائع للاشتراكية "القائمة فعلا"الذي شكله الاتحاد
السوفياتي و دول أوربا الشرقية و الصين وكوريا وو.. بعد الحربالعالمية
الثانية ، و المروج له بفضل الولاء الأعمى للأحزاب الشيوعية
الرسميةالقوية على صعيد اليسار العالمي بإيديولوجيتهاالستالينية ، نسف
الأسس التي قامت عليهاالماركسية الكلاسيكية. وقدمت هذه البلدان كأنموذج –
منفر- للاشتراكية المنشودة التيناضل من اجلها وبإخلاص أجيال عدة من
اليساريين المخلصين . بل المصيبة ، أن هذهالدول وإيديولوجيتها الستالينية
مست حتى الأحزاب القومية اليسارية التي تبنتالماركسية في مخاض تطورها
مثل أقسام منحزب البعث أو حركة القوميين العرب.
و أصبح الشغل الشاغل لكل حزب شيوعي أو ماركسي أو يساريجديد هو سعيه و
لهفته للحصول على اعتراف الاتحاد السوفياتي بشرعيته . ولم تنحصرهذه
العقدة بالحصول على صك الشرعية على الأحزاب الشيوعية الرسمية
وانشقاقاتهاالمتعددة بل مست غالبية القوة اليسارية ، وعلى سبيل المثال ،
قدمت فلسطينيا،نموذجي الجبهتين الديمقراطية والشعبية.
في تلك المرحلة ، شكلت لنا " التروتسكية"سلاحا نظريا غنيا جدا و نقدي لكل
ما يجري حولنا ، يعيد الصلة بالاشتراكية الثورية، التي لفظتها
الايدولوجيا اليسارية السائدة.
قدم لنا تروتسكي ، إعادة الـتأكيد على دور الطبقةالعاملة والمأجورين
باعتبارها ذات الثورةالاشتراكية ، و أن معيار أي تغيير في المجتمع هو
الدور الذي تلعبه الطبقة العاملة فيه.
قدم تروتسكي نظريته في الثورة الدائمة وارتباط المهماتالديمقراطية
بالمهمات الاشتراكية في البلدان المتخلفة وقانون التطور المتفاوت
والمركب. وأيضا نقدا شرسا لكل أشكال التبقرط والاستبدالية.
و قدم تروتسكي لنا ، سلاحا هاما ، هو انه لا يمكن بناءالاشتراكية في بلد
واحد، لان ضغط النظام الرأسمالي العالمي سيشوه ويعيق نمو أيدولة عمالية
معزولة. ونتيجة لهذا طرح أهميةالطابع الأممي للثورة.
لذلك ، فأننا و إن لم نكن نرى في الاتحاد السوفياتي ودول أوربا الشرقية
أنموذجا للاشتراكية ، بل كنا نرى فيها أشكالا "مشوهة"أو "منحطة" للدول
الاشتراكية ،وهي استنتاجات طرحها تروتسكي قبل اغتيالهرغم استناده إلى
الأسس النظرية الأساسية للماركسية الكلاسيكية كما اختصرناها أعلاهإلا انه
حافظ حتى وفاته على تعريف هذه الدول بأنها دول عمالية رغم انتصار الثورة –
المضادة الستالينية فيها، إلا أن التيار الواسع للتروتسكيين لم يطور هذه
الاطروحاتو تمسك بها بجمود – باستثناء أقلية اعتبرت منذ الخمسينات في
القرن العشرين أن هذهالدول هي رأسمالية الدولة- ، و لهذا أخذناعن
تروتسكي ضرورة الدعوة إلى "ثورة سياسية" في هذه الدول لتستعيد
الطبقةالعاملة سلطتها.
لكن الانهيارات التي حصلت والثورات فيها ، رغم ترحيبنابها وخلاصنا من
الأنظمة الاستبدادية فيها ، لم تؤدي إلى استعادة الطبقة العاملةلسلطتها ،
كما كان مأمولا ، بل أن جزء من الفئة الحاكمة نفسها ساهمت في
هذه"الثورات" من اجل الرأسمالية .
لم تصب الصدمة فقط الأحزاب الستالينية و المواليةللسوفيات فحسب بل
أصابتنا جميعا. كيف يمكن لدول "اشتراكية"؟ أن تتحول ،دونحرب، إلى دول
رأسمالية بمطالبة و فورات شاركت فيها الطبقة العاملة نفسها؟
معايير السلطة العمالية
هل الصين دولة"اشتراكية" ، و شنغهاي تنازع الموقع الأول للبورصة
العالمية للرأسماليةاليوم؟ كما يقول عدد من اليساريين، استنادا إلى أن
الحزب "الشيوعي" هو الحاكم.هل كوريا الشمالية بل و كوبا دول اشتراكية.؟
إذا كان الجواب نعم ، فان تجارب انهيار الاتحادالسوفياتي و دول أوربا
الشرقية لم تعلم أحدا. فالبديل "الاشتراكي الذي يدعوهؤلاء إليه الناس
ليس، في هذه الحالة، أفضل من النظام الرأسمالي القائم علىالديمقراطية
البرلمانية، بل في بعض الأحيان هو أسوأ منه، هل هذه هي الاشتراكية.؟
باختصار ، يمكن القول ، انطلاقا من تجربة ما سمي بالدول"الاشتراكية" ، إن
دور الطبقة العاملة فيها هو الشرط الجوهري اللازمالوجود في تحديد
طبيعتها، وليس هذا بالقول فقط بل في الواقع تحديدا. أي أنها –الطبقة
العاملة و المأجورين- تحكم من خلال هيئاتها ومجالسها المنتخبة مباشرة
وديمقراطيا(و ليس حزبا يحكم باسمها). و أن مقولة أن شكل الملكية هو
المحدد ، لم يعدكافيا وحده ، فحتى في الدول الرأسمالية توجد ملكية
الدولة ، و في صين اليوم توجد أيضاملكية الدولة فهي ليست إلا شكل قانوني
لا يحدد حقا طبيعة الدولة. وأخيرا ، لم يعدالقول بالاقتصاد الموجه كشرط
لتحديد الطابع "الاشتراكي" للدولة صالحا ،بل الأهم هو تحديد انه اقتصاد
موجه من قبل من؟ و لصالح من؟ . و التجربة السابقة أكدتأن غياب السيطرة
والرقابة العمالية المباشرة تلغيه كمحددللطبيعة"الاشتراكية" للدولة.
لقد أثبتت أيضاالتجارب في الدول المسماة سابقا "اشتراكية" أن النظام
الرأسمالي العالميلم يمارس فقط الضغط أو يشوه الدينامية الاقتصادية في
هذه الدول"الاشتراكية" بل الحقيقة هي أن النظام الرأسمالي العالمي يحدد
قوانين حركة الاقتصاد في كل رقعة على الأرض. فالاشتراكية في بلد متخلف
ستفرض عليهعملية "التراكم " لمنافسة الرأسمالية ، ويجد نفسه في عملية
تماهي مع آلياتالنظام الرأسمالي.
إن الدرس الجوهري من التجارب السابقة هو أن مجتمع مايكون اشتراكيا بقدر
ما أن الطبقة العاملة و المأجورين والناس تحكم نفسها من خلالمجالسها
المنتخبة مباشرة و ديمقراطيا. ما عدا ذلك هو مسخ للبديل الاشتراكي
المفترضأن يكون أرقى من الرأسمالية ليس فقط على الصعيد الاقتصادي
والاجتماعي بل على الأخصعلى صعيد الحرية الإنسانية ، و أن ديمومة
الاشتراكية في هذا البلد مرهونةبانتشارها عالميا.
الإصلاح و الثورة
إنها واحدة من الخرافات البالية ، تلك التي تقول برفضاليسار الراديكالي
للإصلاحات. لأن لحظةالتغيير الجوهري (أي الثورة) إنما هي لحظة قصيرة
مقارنة بسيرورة تراكم النضالات الجماهيرية( ألم يسميها ماركس بلحظة
الولادة ، القصيرة مقارنة بفترة الحمل الطويلة؟).
الاشتراكيون الثوريون ليسوا ضد الإصلاحات . لأسبابعديدة. منها أن الوعي
السائد في أي مجتمع هو وعي الطبقة السائدة، و أن وعي شرائح العمال
والمأجورين في نضالاتها هو وعي متفاوت ، وفي نضالاتها تسعى الناس أولا
إلىالعمل على تحسين شروط عملها و حياتها ، منخلال مطالب ديمقراطية
واجتماعية ومعيشية و قومية... و لأن الاشتراكيين الثوريين لايرون التغيير
كعمل تآمري أو انقلابي لحزب أو نخبة فان واجبهم هو أن يكونوا في خضمهذه
النضالات لتجذيرها ومنع تذبذبها والاستفادة من تجارب النضالات السابقة
فيفهمها و تعميم تجارب النضالات و ربطها فيما بينها . هذا هو دور
الاشتراكيينالثوريين ، و من هنا تبرز أهمية وجود حزب عمالي اشتراكي
جماهيري.
إن مراكمة تجارب النضالات وبعض الانتصارات الجزئية وكفاحية عالية لجماهير
العمال و المأجورين – بالترافق مع أزمة سيطرة و هيمنة للطبقةالسائدة- و
بوجود أحزاب عمالية اشتراكية نضالية جماهيرية تجعل من لحظة التغيير
إمكانيةواقعية.
فالتغيير (الثورة) هو فعل تقوم به غالبية الطبقة العاملةلصالح غالبيتها.
انه فعل تحرر ذاتي، هذا هو المفهوم الماركسي للثورة.
بيد أن الوعي الشائع لدى الجماهير – بغياب أزمة ثورية-هو وعي إصلاحي .
لكن عصر الإصلاحات قد ولى . و هذا ليس كلام لفظي، انه الواقع.
نعم ، كان هنالك فسحة للإصلاحات في النظام الرأسمالي منأربعينات إلى
نهاية سبعينات القرن الماضي و هذا تجلى في جملة من الإجراءات علىصعيد
الأجور والضمان الاجتماعي و غير ذلك مما أطلق عليه بدولة الرفاه في
أوربا ، ولم تأت هذه الإصلاحات في اغلب الأحيان الا بعد نضالات جماهيرية
كبيرة . و أعطى هذاالواقع "تبريرا" لوجود أحزاب اشتراكية – ديمقراطية
جماهيرية ، لسبب بسيطهو أن الجماهير في تلك الحقبة التاريخية لمست أن هذه
الأحزاب سهلت عدد من الإصلاحاتالهامة ، فأعطتها مصداقية.
لكن الحال تغير ، و بالذات منذ ثمانينات القرن الماضي ،لم يحصل فقط توقف
للإصلاحات الكبرى في هذه الدول الأوربية بل حصل تراجع عن العديدمن
الإصلاحات المكتسبة ، مثل التراجع عن قوانين البطالة والتسريح إلى
قوانينالتعويضات الاجتماعية والتقاعد وغير ذلك من الخدمات العامة. وتجلى
دور الأحزابالاشتراكية – الديمقراطية اليوم على كونه مجرد إدارة
ليبرالية"اجتماعية" للنظام الرأسمالي مع نهاية عصر الإصلاحات. و هذا هو
مصدر أزمةهذه الأحزاب في البلدان التي تعتبر فيها أحزابا نافذة. و خصوصا
أوربا والبلدانالاسكندينافية. إنها لم تعد أحزاب إصلاحية ( أو قادرة على
الإصلاح) بل كأحزاباليمين أصبحت أحزاب إدارة ليبرالية للرأسمالية. دعاة
الإصلاح الجديين اليوم في أوربا(بل و في العالم) هم أحزاب اليسار
الراديكالي.
هذا من الأسباب التي تدعو للرثاء من رؤية بعض القوىالماركسية في المنطقة
العربية، التي اعتقدت- و توهمت- أنها تحولت إلى روح العصربتبنيها
الاشتراكية –الديمقراطية في وقت لم يعد لهذه الأخيرة أي روح.
لا يعني هذا اندثار الأحزاب الإصلاحية في أوربا و العالم،أبدا. إنها
ستبقى موجودة طالما بقي وعي إصلاحي لدى جماهير الناس ، لكن الجماهيربدأت
تدرك أن أدنى إصلاح اليوم أصبح يتطلب نضالات جماهيرية كبيرة.
والإصلاحاتالكبيرة تتطلب ثورة.
مهمة اليسار الاشتراكي الثوري اليوم هو العمل الجديواليومي من اجل ليس
فقط بناء ذاته ، بل و بناء يسار واسع ، والانخراط وإنهاض نضالات
الجماهير ، و المحدد الأساسي لعملههذا هو سعيه إلى رفع وعي و كفاحية
واستقلالية الطبقة العاملة و المأجورين .
اليسار الراديكالي و اليسار الواسع
لم تعد للخلافات الإيديولوجية السابقة بين أطراف اليسارالماركسي
أهميتها ، فلم تعد قائمة صين ماو تسي تونغ و لم يعد قائما
الاتحادالسوفياتي و دول أوربا الشرقية كمصدر الهام للستالينيين، من جهة,
ومصدر نقد صارمللتروتسكيين، من جهة أخرى.
ينقسم اليسار اليوم إلى يسار معادي للرأسمالية ويسارمناهض للامبريالية .
اليسار الراديكالي يعني يسارا واضحا في معاداته للرأسماليةوالامبريالية.
و المهمة الرئيسية هي إعادة بنائه و وحدته . و هو متنوع لأنه يشمل يسارا-
من اصول متعددة- لا يتوافق بالضرورة –عدا توافقه على معاداة الرأسمالية
والامبريالية- حول آليات العمل التنظيمي وأفاقالبديل الاشتراكي المنشود.
و المطلوب هوالبدء في فتح حوار جدي بين أطرافه و أفرادهيستند في كل مرحلة
على آليات نشاط مشتركة ، تساهم في تكوين مشتركات وثقة بين أطرافه.
و وفق حالة كل بلد ، نرى انه على اليسار الاشتراكيالثوري أن ينفتح على
أطراف اليسار الأخرى(المعنية بالنضالات الجماهيرية و المناهضة
للامبريالية و غير الحكومية) ، إنكان يسارا داعيا لإصلاح الرأسمالية أو
معاديا للامبريالية (كبعض اليسار القومي) فيالعمل المشترك لنضالات موحدة
يكون المحدد الأساسي لها –بالنسبة لنا- أن تكوننضالات و نشاطات تساهم في
"رفع كفاحية و وعي و استقلالية الطبقة العاملة والمأجورين" و ليس صفقات
انتخابية أو إعلامية فارغة.
يلعب الحراك الفكري والثقافي لليسار الراديكالي أيضادورا هاما في نهوضه،
و خصوصا في لحظات التراجع و التفكك كالتي نعيشها، فالتركيزعلى دور
المثقفين و المفكرين اليساريين هام جدا في هذه الفترة، لفتح فجوة في
نظامالهيمنة الإيديولوجية للرأسمالية.
لكن الشرط الأساسي لعودة اليسار إلى ساحة الفعل و الوجودسيكون نمو
النضالات الجماهيرية في العالم و بلداننا ، و هو ما بدأ تتجلى بوادره
فيعدد من بلدان منطقتنا ، بعد أن برز قبلا في أمريكا اللاتينية و أوربا.
هنالك دائما ما يمكن فعله و في أحلك الظروف، في هكذاظروف من التراجع
العام لليسار في بلداننا ، يمكن بناء أشكال و لو كانت جنينيةلليسار
الراديكالي تعمل وفق إمكانياتها إن كان على الصعيد الدعاوي مع الانخراط
فيالنضالات القائمة و القادمة.
عوضا عن العويل والبكاء على واقع الحال السيئ، على كلاشتراكي ماركسي أن
يبادر وان ينظم.
حول اليسار في المنطقة العربية
يتميز الشرق العربي بأنه، و منذ زمن طويل، مركز اهتمام وانتشار الضواري
الامبريالية ، والأصل فيهذا الاهتمام بمنطقة "الشرق الأوسط" هو أولا
اهتمامها الرئيسي بالنفط الذي تعج به المنطقة. وثانيا الموقع
الجيوسياسيالهام للمنطقة . وثالثا إقامة الدولة الصهيونية في قلب الشرق
العربي ومهمتها الأولىلعب دور كلب حراسة للمصالح الامبريالية في
المنطقة.
ولقد شهدت المنطقة إعادة انتشار ، بل قل هجمة امبرياليةشرسة تتوجت
بالاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام 2003 ، ولكن هذه الهجمة
الامبرياليةتواصلت بالحرب الصهيونية على لبنان عام 2006 وعلى غزة 2009 .
وفي مقابل هذاالانتشار و العدوانية الامبريالية برزت مقاومة واضحة لها ،
وان كان الطابع "الإسلامي"لغالبية القوى المقاومة هو الأبرز ، لكن الشعور
المعادي للامبريالية في المنطقة هوشعور جماهيري طاغي يتجاوز حجم و نفوذ
القوى الإسلامية المقاومة.
علاوة على ذلك ، هنالك ظاهرة كولونيالية تجلت في تحطيم وإعادة تركيب هش
لبلد هو العراق ، و سلطة فلسطينية ، رغم اندراجها في مسلسلالمفاوضات مع
الدولة الصهيونية لم تحقق لا سلاما و لا دولة فلسطينية بل تحولت إلىسلطة
عميلة للاحتلال ، مع غياب كل إمكانية عملية و واقعية لإقامة دولة
فلسطينيةبسبب سياسة القضم الصهيونية المتواصلة لما تبقى من الأراضي
الفلسطينية ، و تخلف اجتماعي واقتصادي وسياسي للمجتمعاتالعربية بفضل
أنظمة فاسدة و استبدادية معظمها تابع للامبريالية .
نجد من جهة هجمة امبريالية شرسة ، و من جهة أخرى مقاوماتمستمرة لها ، على
أرضية واقع مركب ومعقد.
يمكن القول أن الواقع في المنطقة يتميز بثلاثة عواملمترابطة هي : تفكك
المجال السياسي والاجتماعي ، مع إرادة بارزة لمقاومةالامبريالية،
ومحاولة إعادة تركيب سياسيما يزال في بداياته يتلمس استراتيجياته
وسياساته.
ينطوي الواقع الراهن على إمكانيات متعددة، فبروز الظاهرة"الإسلامية" منذ
ثمانينات القرن الماضي على حساب أفول التياريناليساري-الماركسي- والقومي
والتي ساهم فيها سلسلة أخطاء من اليسار الماركسي الذيلم تتميز غالبيته
بستالينية متخلفة فحسب بل أضاف عليها ممارسات خاطئة كان بعضهامدمرا له
مثل ارتباطاته بأنظمة استبدادية سماها تقدمية . دون ان نطيل حول
فشلالأنظمة القومية العربية نفسها ( كالبعث والناصرية..).
تتمفصل في منطقتنا عدد من القضايا ، منها المسألةالكولونيالية و الدينية
والقومية (ليس فقطالعربية بل هنالك أقليات قومية أخرى كالكردية) والقضية
الديمقراطية التي أصبحتمطلب رئيسي في كافة الدول العربية والقضية
الثقافية والقضية الاجتماعية والطبقية ،حيث تتفوق الأنظمة العربية على
غيرها بدرجة إفقار شعوبها و وتيرة استغلالها لهم.
أن تكون يساريا عربيا يعني اليوم الاهتمام ليس بالحقل الأساسيله أي
الاجتماعي و الطبقي فقط، بل أيضا بكل القضايا الأخرى المذكورة أعلاه.
أن تكون يساريا عربيا يعنى موقفا حازما من اجل العدالةالاجتماعية و
المساواة وضد الطائفية و ضد أي تمييز يقوم على العرق أو الدين أوالجنس و
من اجل العلمانية في الدولة، و نضال من اجل الحريات الديمقراطية.
أن تكون يساريا عربيا اليوم يعني موقفا حازما في معاداةالامبريالية
والصهيونية و متضامنا مع القوى الجماهيرية المقاومة و لو كانت إسلاميةمع
الاحتفاظ بحق نقدها، وليس كما فعلتقيادة الحزب الشيوعي العراقي في
تعاملها مع الاحتلال الأمريكي أو مثل مواقف بعضالقوى المعارضة السورية من
الحرب الصهيونية ضد لبنان في تموز عام 2006 حيث تبنىمثلا حزب الشعب
الديمقراطي(الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي سابقا) و حزبالعمال
العربي الموقف الرسمي للحكومة السعودية.
أن تكون يساريا عربيا يعني اليوم موقف واضح في إدانة السلطة الفلسطينية
العميلة و دعمقوى المقاومة ، وبناء يسار فلسطيني مستقل و مقاوم. و ليس
التمسك بحل الدولتين التيلم تعد له إمكانية واقعية سوى تشكيل بانتوستان
هزيل ، بل الدعوة إلى دولةديمقراطية واحدة ترد فيها المظالم للشعب
الفلسطيني لان هذه الدعوة أكثر ثورية وواقعية من دعوة الدولتين أو الدعوة
لدولة فلسطينية في الأردن. دون أن ننسى أن حلالقضية الفلسطينية يستلزم
انتفاضات جماهيرية على امتداد المنطقة وان الاشتراكية لاتقدم فقط الحل
الاستراتيجي لها بل وللقضايا القومية والكولونيالية الأخرى أيضا.
عندما يكون لليسار موقف واضح و صريح و عملي في هذهالقضايا الملحة في
منطقتنا ، يمكن أنتنفتح حقبة جديدة من النضالات يعود فيها اليسار إلى
موقع الـتأثير و الفعل .
اليسار الذي نحتاج إليه هو يسار معاد للرأسماليةوالامبريالية ومعايش
لقضايا مجتمعاتنا و يطرح إجاباته عليها مع الانخراط دوما فيهموم و نضالات