يعالج ابن القيم من خلال هذا الكتاب قضايا النفس البشرية وأدوارها ورسم سبل إصلاحها وتزكيتها فبين معنى المعصية وأسبابها وآثارها على النفس والمجتمع ومآلاتها في الدنيا والآخرة ثم عرض لبيان الدواء الناجح لهذا الداء مستلهماً توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية في إصلاح النفوس والمجتمع. وقد اتسمت معالجته لهذا الموضوع بالدقة والموضوعية البالغة فكان العالم الاجتماعي والمربي الحريص الذي يعرف مكنونات النفس البشرية وطبائعها وميولاتها ويحدد أسباب الداء الذي أصابها ثم يشرع في وصف الدواء الملائم من خلال أحكام الشريعة وفضائها.
كان نصف هذا السؤال مسموعاً لي ولها. أما نصفه الآخر فكان مرفقاً ببحة طرأت فجأة على صوتي وسط العبارة هكذا من دون أي سبب فاستغربتها وأعدت السؤال لكنها استمرت.
شعرت حين قال إن السبب قد يكون ورماً بأن الأمر جدي وحساس فأسرعت الى الكمبيوتر لأقرأ بالعربية عن البحة وأسبابها وعن أورام الحنجرة فتعبت وما عثرت على ما يلبي الفضول سوى فقرات من هنا وهناك وموضوعات متكررة وغير مترابطة وتبث فيك القلق من دون سبب طبي حقيقي بل إن مئات الموضوعات والدراسات المختصة بالبحة في الانترنت لا تذكر أنها قد تكون من أهم الأعراض المشيرة الى أن الحبال الصوتية تبرعم فيها السرطان مع أنه الارهابي الأول في هذا العالم اذ يستوطن سنوياً في 12 مليون انسان ويفتك بحوالي 8 ملايين أي أكثر من نصف قتلى الحرب العالمية الأولى في 4 سنوات.
وقرأت بالانجليزية أيضاً وبغيرها فوجدت محتوياتها أفضل بكثير مما في العربية لكنها كانت طبية بحتة وناقصة الشرح المبسط المفيد للقلقين من الناس العاديين فتابعت السعي وراء المعلومات ما استطعت ولكن من دون جدوى دائماً لذلك عانيت حقيقة وأنصح من يشعر بأي قلق سرطاني بالحنجرة وما جاورها أن لا يعتمد على الكتب ولا على ما يقرأ في الانترنت وغيرها وفي مقدمتها ما أكتبه في هذه الحلقات بل يمضي الى طبيب مختص وماهر يدرس حالته بدقة ثم ينظم له العلاج المناسب لكي ينجح معه العلاج كما نجح معي الى الآن.
قرأت 8 كتب أحدها من 650 صفحة وعلى رأس قائمة المبيعات الانجليزية ومعه قرأت عشرات الكتيبات من جمعيات مكافحة السرطان ومثلها من المقالات والتحقيقات والدراسات بلغات عدة على الانترنت الى جانب أسئلة بالعشرات طرحتها على الأطباء وغيرهم ما جعلني أصاب بالغرور لشعوري بأني أصبحت متخصصاً بسرطان الحبال الصوتية وعلاجه الاشعاعي لكثرة ما قرأت وسألت الى درجة أن باستطاعتي تأليف ما تحتاجه المكتبات العربية المفتقرة الى كتاب عن مرض استوطنت خلاياه المتسرطنة بالملايين في حنجرتي بعد أن اقتحمتها متسللة اليها كالعصابات طوال أكثر من 16 شهراً من دون أن أدري حتى فاجأتني بحة في الصوت لتعلمني بأن حنجرتي وهي بعرض وطول 5 سنتيمترات تقريباً كانت ساحة قتال شرس بين ملايين الخلايا المتسرطنة ونظيرتها الصحية ومن دون أن أشعر بشيء على الإطلاق بل كنت آخر من يعلم.
وحاولت وأنا أعاني من غموض المعلومات عن سرطان الحبال الصوتية أن أكتم ما حدث عن الآخرين لأنها نكبة شخصية مؤلمة ولها امتدادات متسائلاً في الوقت نفسه عما يدفع بالصحافي لأن ينسى نفسه حين يتحول هو بالذات الى خبر فيستمر بالكتابة عن الأحداث والناس من دون أن يكتب ولو كلمة شخصية عن جديد طرأ على حياته خصوصاً اذا كان الطارئ أهم ما فيها على الاطلاق
إنها عبارة أنهي بها هذه الحلقة التمهيدية الأولى عن سرطان أمسك بي من العنق متمنياً على الزميل الأول أن لا يقوم بحذفها أو تعديلها كي لا تبقى حبة حصى في الحلق مؤلمة.
عندها راحت زوجتي وابنتي تبكيان كما وكأني فارقت الحياة فقمت أهدئ مما أصابهما من هلع وسط استغرابي من شعور أحسست به وقد انتابني في تلك اللحظة فجأة.. شعرت بعزيمة نادرة حلت في كياني كله وزودتني بشجاعة مطلقة تقريباً. بعض الأطباء فسرها لي بأن الجسم حين يواجه خطراً حاسماً حل عليه فجأة فإنه يتسلح بدفاعات تخفف من أثر الصدمة على ما يبدو لذلك لم أشعر بأي خوف بالمرة حين أخبرني البروفيسور الهندي الأصل بأنه يشك بوجود ورم سرطاني في حنجرتي. أما أنا فمازلت مقتنعاً بتفسير ما بعده تفسير: إنها نعمة تنساب إلى الفؤاد المؤمن بالمبدع الخالق فيستكين أمام الخطر الأكبر.
وأعترف بأن شعوراً بعيداً عن الخوف انتابني وإلا لكنت من اللامبالين بالحياة نفسها.. شعرت بامتعاض وخيبة أمل غريبة من شيء لم أزل إلى الآن أجهله تماماً كما لا أعرف إلى الآن سبباً غير الذي ذكرته حملني على أن لا أشعر بأي خوف حين تأكدت فيما بعد من أن السرطان الذي استمد اسمه من سرطان البحر بسبب شبه الخلية السرطانية به تماماً تمكّن مني.
عودة للأعلى
في اليوم التالي قام البروفيسور ديللون بانتزاع اللحمية عبر عملية خفيفة بمرافقة الكاميرا من الداخل واستغرقت 25 دقيقة بعد تخدير كامل فعاد صوتي إلى ما كان عليه من بعدها مباشرة لأن اللحمية التي نمت وتضخمت سنتيمتراً واحداً من تكاثر الخلايا السرطانية هي التي كانت سبب البحة في الصوت ثم قال: أنا مسافر إلى الهند لأسبوعين وسأتصل بك بعد 3 أو 4 أيام لأخبرك بنتيجة الفحص عند ورودها من المختبر.
أما أهم العوارض التي يعلمك عن طريقها بوجوده في تلك المنطقة فهي متنوعة كألم شديد في الأذن أو رائحة كريهة في الفم أو سعال لا يتوقف مع أي دواء أو إحساس بالاختناق ليلاً أو فقدان بالوزن من دون سبب وهي أعراض مشتركة مع أمراض عادية أخرى. لكن أوضح الأعراض هي بحة في الصوت طارئة تأتيك فجأة من دون مقدمات.. بحة عادية تظنها كالتي مرت بك سابقاً بعد صراخ أو نقاش حاد مثلاً لكنها كانت لي هذه المرة بحة من دون سبب بالمرة.
بهذا العلاج الإشعاعي تموت الخلايا السرطانية ومعها تموت الخلايا الصحية أيضاً إلا أن الأخيرة تعود وتتوالد صحية من جديد فيما لا تعود المتسرطنة ثانية فيحدث الشفاء وتعود الأعضاء بعد 3 أو 4 أشهر إلى وظائفها كما كانت من قبل الإصابة بنسبة 99% تقريباً. أما نسبة الشفاء الكلي بعد نجاح العلاج الإشعاعي فهي 85% تقريباً لأن خطر عودة التسرطن أو انتقاله إلى عضو آخر كالعنق أو الرئة مثلاً وارد ولو بنسبة ضيئلة لا تتجاوز 15% والسبب أن الخلية السرطانية خبيثة كالعقرب وداهية كالثعلب.
حين يهاجم الجسم الخلايا السرطانية بالمضادات أو خلال تعرضها للعلاج الاشعاعي أيضاً أو أي علاج فإن بعضها يختفي من ساحة المعركة كله لينجو بنفسه كما يبدو فتكر الخلايا وتفر كما وكأنها عصابة للجريمة المنظمة فارة من مطاردة العدالة أو كما حركة مقاومة تقاتل بأسلوب العصابات جيشاً نظامياً جنوده مضادات يقوم الجسم بتجييشها بالكامل لمحاربة التسرطن. هو يهاجمها بجيش نظامي من الخلايا الصحية والمضادات وهي ترد على الهجوم بالاحتيال وحرب العصابات. وقد أعجب د. ناتينغ بهذه التعابير التي سمعها مني ولم يكن قرأها قبل الآن لأنها ليست طبية بل صحافية لكنها تصور برأيه حقيقة ما يجري في الموقع المتسرطن من عراك.
03c5feb9e7