فجرها البوعزيزي في تونس
، أضرم النار في جسده ، فانبعثت رائحة شواء اللحم في الهواء لتنتقل من حيز جسده
إلى كامل التراب التونسي ثورةً عامّة ، بارك الناس النتيجة ونسوا المقدمة ،
احتفلوا بالنهايات فماذا عن البدايات ؟
بسرعة البرق انتقلت
العدوى سريعاً كعادة التقليعات والموضوات التي تذهب بألباب العرب ، وتخلبها لنسمع
عن حريق في مصر ، ونشتم شواءً آخر بالجزائر وموريتانيا ، وعواصم أخرى .. هكذا وجد
الغاز وعود الثقاب في الأجساد البائسة اليائسة فضاءً رحباً وسوقاً رائجة بعد أن
انقطع استعمالهما حتى في البيوت !!
لو كان الانتحار جائزاً
، لو قُدِّر أن قتل النفس مباحٌ لكان اختيار النار سفهاً في العقل وانحطاطاً في التفكير
.. نعم ، كيف لإنسان أن يتجرع الألم ، -وأي ألم- ، حتى آخر نَفَسٍ من أنفاسه ؟!
عقلاء المنتحرين – إن
صح التعبير – هم الذين يختارون أسرع الوسائل موتاً وأقلها
إيلاماً ، أمّا النار فحسبك أن الله اختارها لتكون العذاب السرمدي لمن كفر به وجحد
ألوهيته .
فرح الناس بالعاقبة ،
وقطف التونسيون ثمرة الشرارة التي أضرمها البوعزيزي في جسده ، ولكن ماذا عنه ؟
ماذا عنه والله يقول :
(ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نُصْلِيْهِ
ناراً وكان ذلك على الله يسيراً) ؟
ماذا عن البوعزيزي
والنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول : (ومن قتل نفسه بشيء عُّذِبَ به في نار
جهنم) ؟
إن الداخل في النار
طوعاً أو حتى كرهاً بأمر أمير يوشك إن اقتحمها ألاّ يخرج منها ، بعث النبي صلى
الله عليه وسلم سرية فاستعمل عليها رجلا من الأنصار ، وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب ،
فقال : أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى ، قال :
فاجمعوا لي حطبا ، فجمعوا ، فقال : أوقدوا نارا ، فأوقدوها ، فقال : ادخلوها ،
فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا ، ويقولون : فررنا إلى النبي صلى
الله عليه وسلم من النار ، فما زالوا حتى خمدت النار ، فسكن غضبه ، فبلغ النبي صلى
الله عليه وسلم ، فقال : ( لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة ، الطاعة في
المعروف ) .
نسي الناس مع نشوة
النتيجة أن ما أقدم عليه البوعزيزي كبيرة من الكبائر ، وأكبر منها أنّ الأمر بات
سنة سيئة يتكرر فصولاً في عالمنا العربي ، فعلى مَنْ وزرها ، وتلحق مَنْ تبعتها ؟
كم أنا حزين وأنا أسطر
هذه الكلمات التي لولا التبعة الشرعية ، وواجب البيان الذي أخذه الله على من عندهم
مسكة من علم ما كتبته ، كم آسف على الرجل الذي لا تبرر مظلمته أياً كانت أن يفعل
بنفسه ما فعل .. كم آسى عليه ، لا هو بالذي سلم من التبعة ، ولا هو بالذي أدرك
الظفر !!
كتبت هذه الكلمات
طالباً أن يضع الناس حداً لهذه الرائحة ، رائحة الشواء المنبعثة من الأجساد في
عالمنا العربي ، أن يضعوا حداً لقتل النفس ، فالله يريد لها الحياة لا الموت ،
والغاية لا تبرر الوسيلة ولا تمررها .. وإنا لله وإنا إليه راجعون