القاضي حمد الرزين: عيسى الغيث يمثل نفسه ولا يمثلنا

109 views
Skip to first unread message

ابراهيم الحقيل

unread,
Apr 13, 2013, 10:55:30 AM4/13/13
to

سألني أحدُ الإخوة هذا الصباح : أين دوركمْ في الدفاعِ عن المحتسبين !؟

فأجبته : نحن مشغولون بمقاضاة الدعاة !!

افسح الطريق رجاءً لا تشغلنا ، وقتنا من ذهب!!

عندنا مهمةٌ عظيمة ، سننطلقُ للمحكمة يوم السبت لنطالب بسجن شيخ فاضل و أكاديمي يحمل شهادة دكتوراه "حقيقية" حيث سيسجن سنة كاملة و يغرّم خمسمائة ألف ريال .. زعمنا !!

و قد اخترناه قصدا من بين كل العالمين، ومن بين كل  من أساء لنا وضربنا صفحاً عن المسيء الأول وعن الآخرين..

بل إننا - و لا تضحك -  قمنا بنشر نفس الإساءة عن أنفسنا قبل أن ينشرها الدكتور، وقبل حتى أن تنتشر بين الناس !!

و لو تركناها - و أحذرك من الضحك - لما عرف بشأننا أحد!!

هل رأيتم سخرية أعظم من ذلك !؟

     في يوم من الأيام قام محسوبٌ على الدعاة بالتهجم على القضاة بمقالٍ سخيف أسماه "تجاوزات القضاة" و هذا المحسوب لم يكن سوى مسحوبٍ جيد للركوب ، امتطى صهوته من أراد أن يضرب القضاة و يفرّقَ صفّهم، فألقى فقاعات انفجرت في وجهه، وأساء لي إساءاتٍ شخصيةً بالغة ، كما أساء لزملائي إساءات كانت أشدّ ألما في خاطري مما نالني منه، و هو و إن كان لا يمثل الدعاة فقد رفضت أن أرفع دعوى ضده حينها مع إلحاح كثيرٍ من الزملاء، و مع أنها كانت قضية رابحةً مضمونة، كل ذلك حتى لا يقال :

( قاضي يحاكمُ داعية)  و يطالب بإيقاع عقوبة " السجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين! " و من أحسن ما تعلمته في هذا المجال ما قاله لي قاضي فاضل و أستاذٌ من قضاة محكمة النقض في مصر إذ قال: لا يليق بالقاضي أن يُقاضي، لو قاضيته فعند من ستقاضيه؟

عند زميلك القاضي !

لو حكم لك زميلك لاتُّهم بالمحاباة!!

و لو حكم عليك احتقرك الناس!!

قاضي يحاكم داعية !!

قضية خاسرة من البداية لا غالب فيها و لا مغلوب و إنما مكاسبها يجنيها من امتطى صهوة البغلة ، يدفعها في كل اتجاه بغير هدى سوى أن يلمّع نفسه ويكدر النفوس ويضعف الثقة في قلوب الناس تجاه قضاتهم  وعلمائهم ؛ إذا رأوا تشاغلهم عن واجباتهم و تصارعهم في المحاكم في دعاوى تافهة متهافتة تبعث على الضحك والشماتة..

انتهينا من مشكلة ذلك الواعظ ، و لم يفلح من حرضه في أن يضرب الدعاة بالقضاة، فبدأ العمل على الجبهة الأخرى لضرب القضاة بالدعاة و تفريق صفّهم .. و لعله التاريخ القصير يعيد نفسه، وسيقيض الله من ينصرُ الحق ، إن الله لقوي عزيز..

و أما في التاريخ الوسيط فقد استعرضتُ تاريخَ القضاء الحديث في المملكة العربية السعودية و تحديداً في الفترة التي رأس القضاةَ فيها سماحةُ مفتي عام المملكة وأبو القضاة في العصر الحديث الشيخ الراحل محمد بن إبراهيم ،رحمه الله رحمة واسعة، وما بعدها ، فلم أجد ما يؤيد فكرة أن يحاكِم قاض مهما كان مصيباً داعيةً مهما كان مخطئا، و ليس لعدم وجود مماحكات بين الجانبين ، بل لأن الشيخ رحمه الله كان يحلّ المشاكل داخلياً فينصر المظلوم و يعاقب الظالم داخل المؤسسة القضائية أو المؤسسة الدينية ، و ليس نشراً أمام الملأ مما يفقد الثقة بالجانبين.

و على هذا استمرت القيادة القضائية في مراعاة الانسجام بين القضاة و العلماء ، حتى لا ينفك جانبٌ عن جانب..

لكنّ يوم ١٤٣٤/٥/٢٨ هـ كان يوماً مشهوداً في تاريخ القضاء السعودي إذ يتقدم فيه محسوبٌ على القضاة ليطالب بمحاكمة داعية يزعم أنه أخطأ عليه، و يعلن أمام الملأ أنه يواجه بسببه عقوبة السجن و الجلد !!

حقيقة لا أعلم عن قائل العبارة الأخيرة ؛ كم عانت عضلات لسانه، أو فقرات أصابعه أو لوحة مفاتيح حاسوبه و هو يقول إن الداعية يواجه عقوبة السجن و الجلد، نظير اختلافه مع قاض خلافا شخصيا!!

هذا كله مع التسليم بخطأ الداعية و أحقية القاضي..

لكنّ المسألة ، في أسوا أحوالها ، لم تكن سوى صراع فكري ، مكانه الكتابات و الردود و قرع الحجة بالحجة ، و ليس الهرب من المواجهة المتكافئة ، إلى قرىً محصنة أو من وراء جُدر، ثم  التباكي و النحيب هناك ، وادعاء الإساءة ، والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور !!

و لمن سأل عن رأيي الخاص أقول: هو نقاشٌ قديمٌ جديد،  إن أردنا تلخيصه ، بين فكرة محافظةٍ يدعو لها الداعية، و فكرة مضادة يتبنّاها القاضي مدعياً أنّ في نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ما ليس له علاقة بالدين ، و أن ثمت ما هو قانونيٌ لا علاقة له بما هو شرعي !!

إنّ حاجتنا إلى التقنين لا خلاف فيها، والتقنين هو  الحل الأنجع لكثير من مشاكلنا ، وهذه وجهة نظرٍ لي أنصرها و لا أخفيها، بل إنني أزعم أن سببَ كثير من الانتقادات الموجهة للمؤسسة القضائية هي من وراء عدم اكتمال منظومة التقنين لدينا  !

لكن التقنين الذي أعنيه هو التقنين الشرعي القائم على نصوصِ الكتاب و السنة، و لا أؤمن أبداً أن في المملكة ما هو قانوني لا علاقة له بالشرع!

كيف و المملكة العربية السعودية دولةٌ دينية بامتياز ، كما يؤكد ذلك شرّاح القانون الدستوريّ ، بل إنها و منذ أن قامت الدولةُ السعودية الأولى بعد انهيارِ الدولة العثمانية بسنوات قليلة، جمعت بين الدين و السياسة، فكانت أولَ دولة عربية إسلامية في العصر الحديث تقوم على أساسٍ ديني، و استخدمت فيها المصطلحات الإسلامية .. و إذا قيل إن القانون أو الحكم في أي دولة يقوم على أساس فكرة سياسية، أو رؤيةٍ سياسية تستنجدُ بقوانين تصدرها الدولة و تفرض قواعدها على المواطنين ؛ فإن الحكم في المملكة العربيةِ السعودية لا يقوم على رؤية سياسية أو فكرة سياسية لدى السلطة الحاكمةِ في المملكة ، بل إنه يقوم على فكرة دينية للحاكم و المحكوم، تستمد أصولها وقواعدها من الشريعة الإسلامية، فالحكم في المملكة يقوم على قواعدَ دينية إسلامية تتضمن الأفكار السياسية.

و أما الدعوة إلى أن تكون قضيةٌ ما قانونية و أخرى دينية ، و أنّ ما هو قانوني لا علاقة له بما هو شرعي فهي شنشنة معروفة من أخزمَ في قديم العصر و حديثه، إذ هي تقوم على أساس أن الدين لله و الوطنَ للجميع، و هي العلمانية التي هي في حقيقتها حركةٌ اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الدنيوية بدلاً من الاهتمام بالشؤون الأخروية.

لا بد هنا أن ننوه أن " العلمانية"  كمصطلح ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الانجليزية ، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلماء ولا العلم ومشتقاته على الإطلاق والترجمة الصحيحة للكلمة هي : "اللادينية" أو "الدنيوية" لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخصّ هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.

تقول دائرة المعارف البريطانية في تعريف مادة (secularism) هي : " حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها.."  و تعد العلمانية جزءًا من النزعة الإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة الداعية إلى إعلاء شأن الإنسان و الأمور المرتبطة به بدلاً من إفراط الاهتمام بالعزوف عن شؤون الحياة و التأمل في الله واليوم الآخر، فبدلاً من تحقيق غايات الإنسان من سعادة و رفاهية في الحياة الآخرة سعت العلمانية إلى تحقيق ذلك في الحياة الحالية..

لن أطيل في هذا فالدعوة للفصل بين ما هو شرعي و ما هو قانوني نظرية علمانية، و الدعوة لتطويع القانون للشريعة هي الموافقة للنظام العام لدولة عربية إسلامية تحتضن الحرمين الشريفين، ذات سيادة تامة ؛ دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم..

إن المحاكم الشرعية حرة ونزيهة ولا يمكن لأحدٍ أن يختطفها لأجل شهرته الإعلامية أو يقحمها في خلافاته الخاصة مع الآخرين ثم يذهب ليتحدث ببطولاته تلك في كل مجلس ونادٍ، وإن التشهير بالتبليغ أو نشر أسرار المداولات والمحاكمات الخاصة جناية يعاقب عليها النظام، وكثرة حضور المرء الإعلامي وخصامه وسبابه مع الناس في عرف المحاكم لا تورثه إلا سقوطاً في أعين الناس وفي المحاكم ما يكفيها من القضايا العالقة والخصومات والسجناء والسجينات ونزاعات الورثة والأزواج حتى يأتي شخصٌ ليقاضي آخر لأنه عمل رتويتا لتغريدة في موقع تواصل اجتماعي .. يا ضيعة الأعمار ..

و أخيرا  فإنني أدعو الأخ عيسى الغيث للعودة إلى جادة الصواب في تنظيره وتفكيره وفي الكفّ عن أذية الناس والتشهير بالإساءة لهم ، فإن أبى فإنني أقول و باسم كافة زملاء المهنة : عيسى الغيث لا يمثلنا و إنما يمثل نفسه !!

 

و الله من وراء القصد.

حمد بن محمد الرزين ،،

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages