|
|
فالفرقتان كذوبتان على القضا
وبعلم غيب الله جاهلتان |
وقال الهروي في منازل السائرين عن مقام التفويض: هو ألطف إشارة وأوسع معنى من التوكل، فإن
التوكل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهو عين الاستسلام والتوكل شعبة منه. اهـ.
وقد شرح ابن القيم ذلك وناقشه ورده فقال في مدارج السالكين: يعني أن المفوض يتبرأ من الحول والقوة ويفوض
الأمر إلى صاحبه من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه، بخلاف التوكل فإن الوكالة تقتضي أن
يقوم الوكيل مقام الموكل.
فيقال: وكذلك التوكل أيضا، وما قدحتم به في التوكل يرد عليكم نظيره في التفويض سواء، فإنك كيف
تفوض شيئا لا تملكه البتة إلى مالكه، وهل يصح أن يفوض واحد من آحاد الرعية الملك إلى ملك زمانه،
فالعلة إذن في التفويض أعظم منها في التوكل، بل لو قال قائل: التوكل فوق التفويض وأجل منه وأرفع
لكان مصيبا، ولهذا كان القرآن مملوءا به أمرا وإخبارا عن خاصة الله وأوليائه وصفوة المؤمنين بأن حالهم
التوكل، وأمر الله به رسوله في أربعة مواضع من كتابه، وسماه المتوكل كما في صحيح البخاري عن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قرأت في التوراة صفة النبي: محمد رسول الله سميته المتوكل
ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل وبه انتصروا على
قومهم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم أهل
مقام التوكل، ولم يجئ التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي
إِلَى اللَّهِ {غافر: 44}، وقد أمر الله رسوله بأن يتخذه وكيلا فقال: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا {المزمل: 9}.
إلى أن قال: فالذي نذهب إليه أن التوكل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع. اهـ.
وقال في موضع آخر: التوكل جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضا لا يتصور وجوده بدونها. اهـ.
و تمثيلا للمعنيين نذكر حديثين الأول في معنى التوكل و الثاني في معنى التفويض
عظم خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفضل تعامله، وحلو منطقه، وذلك أنه لم يقل لمن سأله الجنة بعد عكاشة: أنت لست
مؤهلاً لدخول الجنة، أو لن تكون ممن يدخلها بغير حساب ولا عذاب، أو ما أشبه، وإنما راعى خاطره، وجبر قلبه
فقال له: "سبقك بها عكاشة" مع علمه -صلى الله عليه وسلم- بأن حاله لا تؤهله لأن يكون من
أولئك السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
==================================================
و بهذا نكون بفضل الله و منته ختمنا هذه السلسلة المباركة بإذن الله راجين من الله
العلي القدير القبول و العفو و أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم و ألا يجعل لأحد غيره
فيها شيء إنه خير مسؤول و إنه بكل جميل كفيل، و أن تكون لنا جميعا نورا في
موازين حسناتنا إنه ولي ذلك و القادر عليه.
ما كان من صواب فمن الله و ما كان من زلل فمني و من الشيطان
ما رأيتموه حقا على نور من الكتاب و السنة فاخذوه و إلا فاطرحوه
{ كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: (اقبلوا الحق من كل من جاء
به، وإن كان كافراً -أو قال فاجراً- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف
نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً)} صححه
الألباني رحمه الله موقوفا على معاذ رضي الله عنه.
و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه و أزواجه أمهات
المؤمنين و من تبعهم بإحسان و اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته