Re: مقال جديد بعنوان :رسالة الى ابي تراب ا

145 views
Skip to first unread message

Mazin Salman

unread,
Sep 5, 2011, 1:39:01 PM9/5/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com


رسالة إلى أبي تراب  
بقلم مازن مريزة
 
    إلى : سيدي  أبو الحسن ، إلى يعسوب الدين ، ويعسوب المؤمنين ، إلى المرتضى الذي ارتضيناه لأنفسنا يقيناً ، وارتضاه كل مظلوم لنفسه إماما ، إلى سيدي أمير المؤمنين ، ليست المرة الأولى التي نطرق فيها أبوابك ، وإن تعددت الوسائل والسبل ،وليست المرة الأولى التي نوجه فيها رسائلنا إليك أبا تراب، وليست المرة الأولى التي تجيبنا فيها وإن لم تكن شفاها ، فمنذ قرون ونحن نطرق بابك باكين أنفسنا قبل أن نبكيك ،شاكين لك شقائنا الذي استوطن وجوهنا المتعبة ، التي نتفرسها مراراً في مرايا ضريحك الحي ، لم نكن بحاجة من قبل إلى من يحمل رسائلنا إليك ، فأنت تفهم وجعنا قبل أن نبوح به ، لقد كنت تعرفنا من أنفاسنا اللاهثة وراء كسرة خبز حلال ، ومن عباءات فجيعتنا بدنيانا ،ومن وجوهنا التي لوحتها سمرة البسطاء والمساكين ، لم تكن هناك حاجة للكثير من الكلمات ، لنفسّر لك وجعنا وألمنا ، فقد كانت بيننا لغة مشتركة ، لغةً أنت من وضعتها لنا ، وعلمتنا إياها ، لقد كنت سيدي ، تعرف ما جئنا من أجله ، من قبل أن نتمتم بما جئنا له ، ومن قبل أن نضّع أول خطانا على رخام مرقدك السرمدي ، ولكننا ضيعناك حينما بدأنا نرطن ببلادة الأثرياء مستخدمين لغة الدعوات المصطنعة بكلماتها المنمقة ، ونضع أيدينا على قلوب صلفة  لوثتها الدنيا ، وحينما بدأنا نستبدل هالات الموالين المحبين بظلامات الصمت المهين ، ضيعناك مرتين سيدي ، مرة حينما بدأنا نتوهج بآثامنا ، ومرة عندما هدمنا مُصّلانا ليس بمعولنا بل بعجزنا وجزعنا على متاعها الفاتن الفاني ، فهل لك مولاي أن تساعدنا مرة أخرى في العثور على منطقنا الذي ضيعناها في طرقات الحيرة المترامية بين دروب التعب ، تعب الباحثين عن الألقاب ، والسلطة والهوى ، هوى أنفسنا ،  تلك الدروب التي فقدنا فيها أنفسنا قبل أن نفقد لغتنا التي كنّا نفهم بها أنفسنا قبل بعضنا ، تلك الدروب التي قادتنا للبحث عن ملاذات أخرى غير ملاذك الذي فقدناه .
 
يا سيد البلغاء ، صغيرة تبدو كلماتنا التي تجمدت عند حضرة بلاغتك ، خرساء تبدو عباراتنا أمام عبرات فجيعتك ، لا تعدو كونها كلمات أجهدنا أنفسنا في صفها وتنميقها لتقف قميئة في محراب كلماتك العظيمة التي لا تشبه كلمات الجن والإنس ، موجوعة حروفنا تحيط بها جبال الصمت في محراب وصايتك ، ولكننا مضطرون للسؤال باللغة التي لا نعرف غيرها الآن : هل لك سيدي أن تعيد لنا عباءات العفة والصدق ، لنرتديها فوق ملابسنا المجهولة ونغطي بها عرينا الفاضح ، لنقف فخورين بها في محراب حبك الأبدي ،هل لك أن تعيد لنا بريق محبيك قبل أن نضيع عنواننا إلى الأبد ، هل لك أن تقبل منّا دموع ندمنا عنوانا مجردا من كل شي سوى حبك .
نحن متعبون سيدي فساعدنا ،نحن ضائعون يا مولاي فجدنا ، نحن موجوعون بفجيعتنا بتضييعك فلا تضيعنا ، نحن  تعبنا من تعبنا الأليم في كل مرة نفقد فيها أنفسنا ، يا أبا الحسن أقبل بريدنا دون وسطاء ، فهذه ليست رسالتي وحدي إليك ،فمعي الكثير ممن يبحثون مثلي عن علامات الطريق التي وضعتها لنا منذ قرون ، يحملون تعبهم فوق رؤوسهم الحاسرة إلا من شعورهم بقربك لهم وبقربهم لك ، تعبهم الذي ما عاد صغيرا مثلنا ، أيام ما كنّا نأتي مع أمهاتنا المسربلات بالسواد ، يلفهنّ حزن الأيام اللواتي سلبن أمانهن المفقود منذ عقود  .
سيدي أمير المؤمنين !!
يا تاج صلاحنا ، وعنوان طهرنا ، وعلامة عفتنا ، سامحنا إن توهمنا يوماً في بحثنا عن صلاح ظاهرنا وبطلان باطننا ،وعن سماكة جلودنا ورقة عقولنا التي نسيت عبق بخورك الأثير ، وانشغلت بعطور يومنا الإفرنجية ، دعنا نروي بخجلنا مما فعلناه بنا ،دعنا نختارك من جديد كما اخترتنا عاصمة لدولتك السماوية من دون كل مدائن الأمم، دعنا نلملم شظايا تشطّرنا المعجون بالخوف ،اسمح لنا بأن نقف على عتبتك في لحظاتنا الأخيرة، وأن نغسل قلوبنا المهجورة بماء الفرات الغامر، وأن نخرج من ساقيتنا التي ندور فيها منذ دهور، لتحول بيننا وبين ضياعنا الأبدي ، دعنا نروي لك كل انهزاماتنا ونكباتنا بلا استحياء ، ودعنا نرتوي من ينبوع حكمتك الخالد ، لنتعلم كيف نخرج من أدران المعصية ومهاوي الفساد .
فطوبى لك سيدي ، ولكل الرجال الذين مشوا على سبيلك ، ونأوا بأنفسهم عن مدارك الشقاء ، وعرفوا كيف يعجنون طينة العدل بدموع التسامح ، طوبى لك ولكل الثكالى واليتامى الذين لم يبدلوا دموعهم بكسرة خبز طعمها الندم .....طوبى للمقهورين ... طوبى للمغلوبين على امرهم ... طوبى للمساكين ... طوبى للعراقيين .
                                  



Mazin Salman

unread,
Sep 5, 2011, 1:40:30 PM9/5/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com


      

أمنيــــــات مسكين
بقلم : مازن مريزة
 
(والله أحنا خطية ) ، هذه العبارة بدأت أرددها مع نفسي بكثرة في الآونة الأخيرة ، ولمن لا يعلم معنى (خطية) باللهجة العراقية الدراجة ، أقول له بأن معناها ( مساكين ) ، نعم مساكين ، فهؤلاء المساكين تجاوز عددهم ربما الثلاثين مليون (خطية) ، ويعيش هؤلاء الثلاثون مليون مسكين منذ وضعهم الله فوق هذه البقعة المباركة ، أرض العراق ، أرض السواد لشدة خصوبة تربتها ، أرض الأنبياء والأوصياء والصالحين ، ولسوء حظهم توسدوا فوق بحار من الذهب الأسود ، وعلى حقول جبّارة من الغاز الطبيعي ، وبين شبكة من الأنهار التي حبّاهم بها الله دون غيرهم ، ويملك هؤلاء المساكين تاريخا مغرقاً في القدم تمتد جذوره إلى آلاف السنين ، يرتبط بأسماء أججت عظمته بعظمتها منهم أنبياء ومنهم أوصياء ومنهم أئمة صالحون ومنهم علماء و...... ، وهؤلاء الخطية فعلا مساكين ، لأنهم يعرفون بإتقان كيف يفكرون ويبدعون ويكتبون ويرسمون ويشعرون ، وكيف يتغلبون على محنهم ومآسيهم بابتسامة رضا من ثغورهم الطيبة التي ترك عليها الجوع آثار سياطه اللاهية بمعاناتهم ، وكيف يصبرون على مظلوميتهم المستدامُة – بفعل فاعل – وإن تعددت أسماءه وعناوينه وأشكاله ، حتى أتقن هؤلاء المساكين ، طريقة لا يتقنها أحد في هذه الدنيا سواهم ، في ابتداع خزائن جديدة في أخاديد عميقة بين جبال الذاكرة العامرة لحفظ تلكم الأسماء والعنوانين ، و هؤلاء المساكين أيضا لهم مسميات كثيرة ، مثل : العراقيين ، أبناء الرافدين ، أولاد الملحة ، ولد المظلومة ، .... ، فالمسكين الواحد من هؤلاء ، لا يعيش مثل  باقي خلق الله في باقي دول العالم الأول والثاني والرابع والخامس ، فهو يبدأ يومه البائس  باستخدام أولى حواسه بلا إرادة منه على ضجيج المولدات بدلاً من تغريد البلابل وخرير المياه ومعزوفات الطبيعة الأخرى ، وثاني حواسه على رائحة الوقود المحترق ودخان تلك المولدات المتهرئة ، بدلا من عبق الأزهار والورود ، ويمّتع أنظاره المرهقة بتلك الوحوش الحديدة المزمجرة التي لم تتمكن ألوانها البراقة المتعددة من إضفاء بعض الألفة لوجودها اللصيق جواره ليل نهار ، وحينما تنتهي المرحلة الأولى من امتلاك هذا المسكين لزمام حواسه بصورة كاملة ، ينهض لممارسة دوره التالي في المرحلة الثانية ، وهي مرحله تناوله إفطاره الصحي جداً ، والذي يتكون عادة من شاي مكّون من : ماء عكر غير صالح للشرب مغلي مع بضعة وريقات من الشاي الأسود ( المخلوط بأشياء ) لا يعرف كنهها إلا أباطرة وزارة التجارة الميمونة ، ومن خبز مليء بالحصى والشوائب ، ومن لقيمات من جبن العرب ( الذي قد يكون خاليا من حمى مالطا أو الحمى القرمزية ) وهما صديقان عزيزان لهذا المسكين منذ عقود حتى  أصبحا لا يؤذيانه إلا في الحالات القصوى ، وحينما تنتهي المرحلة الثانية بنجاح ساحق ، يبدأ بتهيئة ذهنه للولوج إلى المرحلة الثالثة ، وهي مرحلة ارتداءه لملابسه ، فهو لا يستطيع ارتداء بذلة وربطة عنق خوفا من أن تمزقها كراسي ( الكية) ، أو أن يظن به الآخرون الظنون ( علاسّة المنطقة ) وهؤلاء الآخرون هم خطية أيضا لأنهم يفتقرون لأبسط صفات الإنسان ، وبالتأكيد هم يعرفون بأنهم خرجوا من خانة تصنيف البشر ، منذ أن آثروا لأنفسهم  تلك المهنة الحقيرة التي خلقتها ظروف الحرب ، أما صاحبنا المسكين ، فهو لا يستطيع من خلال مزاولة دوره بالمرحلة الثالثة من ارتداء العديد من الأزياء التي يرغبها أو حلق لحيته بالطريقة التي يتمناها حتى لا يُحسب على هذه الطائفة أو تلك الفئة ، حتى أنه لا يستطيع لبس الخاتم الذي يشاء وفي اليد التي تريحه أكثر لذات السبب ، وحينما تجرجره قدميه خارج أبواب قفصه ، يبدأ بترديد ما تجود به ذاكرته من أدعية مأثورة وآيات قرآنية ، ويسأل الله ألف مرة بأن يبعد طريق المفخخات واللاصقات عنه ويبعده عن طريقها ، فلا ضرر ولا ضرار ، وبعد دقائق من خروجه للشارع يتضاعف وزن ملابسه بسبب العرق الذي يبدأ بالتقاطر من جميع مسامات جسمه التي أعطبت العواصف الترابية طريقة عملها الطبيعية ، وذرّات الغبار التي لم تترك مكانا في جسده إلا واستقرت في بعضه ، حتى أنها بنت قاعدة شبه إسمنتية في حواف خياشيمه ، التي باتت تعمل بنصف طاقتها بسبب الغبار والحر الخانق وعدم توافر وسائل تهوية أو تبريد مناسبة ، وبمناسبة الحديث عن الطرقات ، فأن لهذا المسكين معرفة عالية في مسالكها ومخارجها ، بسبب تجنباته اليومية ، لدكاكين الدائنين ، وصاحب البيت ، ومشغل المولدة ، ولكنه يمر بكل فخر وهامته مرفوعة من أمام دكان القصاب ( الجزار) ، لأنه الدكان الوحيد الذي لا يسأله ديناً ، فهذا المسكين أصبح من النباتيين منذ زمن ليس بالقصير ، منذ أيام الحصار المرير، وأصبح من دعاة حقوق الحيوان رغما عن أنفه المليء بروائح المياه الآسنة التي تجمعت عند أطراف محلته ، كبحيرة خالدة ، لم يعرف طريقها بعد مصوري قناة ( ناشيونال جوغرافيك ) للحصول على العشرات من براءات الاختراع  لأنواع جديدة من الحشرات والكائنات التي تنتظر من يكتشفها بعد ، وعندما يهّم بالخروج من تلك البحيرة قد تتذكر زوجته فجأة أنها نسيت تذكيره بدفع فاتورة الكهرباء التي تزورهم يوميا بمعدل سويعات شحيحة – حتى لا يتم قطعها نهائيا – ، وتمسك هاتفها الخلوي  وتحاول أن تتصل بالمسكين ، ولكن هيهات فالشبكة مشغولة دوماً وأبداً ، على الرغم من أنه لم يبتعد عنها سوى مئات الأمتار ، وحينما يصل قريبا جدا من مكان عمله ، يفاجأ بقطع الطريق لمرور أحد المسئولين بموكبه المهيب الذي يضّم عشرات المركبات منها المصفحة ومنها الفارهة ومنها التي تحمل خرطوما معدنيا ينتصب بفضاضة من بين الرؤوس المقنعة بنظارات سوداء سميكة تخفي خلفها عيون غاضبة طغت عليها نظرات  الازدراء والتحدي ، فيضطر المسكين لانتظار مرور  الموكب، وقد يأتي بعده مسئول آخر أو رتل عسكري ، ليبقى المسكين منتصبا متمنيا على  الشمس أن تضفي المزيد من سمرتها البرونزية على سحنته الصفراء من طول تعب وسهاد ، وتتكرر بالتأكيد معاناته مع المولدة والكهرباء والحر والجو الخانق في مكان عمله ، دون أن يتذكر في أي مرحله من مراحل يومياته قد وصل ، وحين يعود متهالكاً إلى بيته في نهاية يوم عادي يجلس المسكين ليلتقط أنفاسه وقبل أن يسأل زوجته إن كان لديها قدح ماء بارد تبادره باللهجة العراقية (( هاي شبيك أشو من جيت يمي قلبت خلقتك ) .
لا نعني بذلك أن كل العراقيين يعيشون تلك اليوميات المزرية ، فهناك بلا شك تباين واضح ، أفرزته ظروفا غير طبيعية ، جعل من ذلك التباين سمة واضحة من سمات المجتمع العراقي المعاصر ، يعيشها الملايين ، بلا مستقبل واضح يتكّل عليه ، وقت تبدأ ماكينته البشرية بالتراجع والتلكؤ في أدائها الطبيعي ، دون أن يدرك أن ذلك العطب السريع سببه ضعف الضوابط الاجتماعية والصحية  ولكنه بالتأكيد سوف يدرك أنه استهلك نفسه بسرعة بسبب لعبة مستمرة لا نهاية لها وُضع فيها بلا إرادة منه، ومما يرّسخ لذلك التباين وصولاً للأجيال القادمة ،وجود فئة متنعمة من مصلحتها  تراكم طبقة الأزمات فوق رؤوس أولئك المساكين ، الذين لم ينهكهم بعد ثقل تلك الأزمات إلى درجة التخلي عن المطالبة بحقوقهم في أبسط صورها ،والتي تتركز في توفير الخدمات الأساسية ، كتلك المتوافرة بلا تعقيد ولا مِنّة في الدول المجاورة للعراق أو تلك التي على شاكلته ، مثل إصلاح منظومة الكهرباء التي عجزت الحكومات المتعاقبة عن إصلاحها منذ ثمان سنوات ، وترقيع شبكات المياه النقية ، وإنشاء شبكات الصرف الصحي ، والمطلب الأكثر إلحاحا المُتمثل بتحقيق وضع أمني طبيعي ، يوفر للمواطن الحد الأدنى من الراحة النفسية في تحقيق حلمه في التخلص من القيود والإجراءات الاحترازية الكثيرة التي فُرضت عليه منذ عقود ، تحت أسباب ومسميات كثيرة ، ورفع حالة الشك العامة التي قد تتلبسه في أي لحظة ، وتمكّينه من قيادة مركبته بأمان الله  دون أن يواجه سلسلة من الحواجز الكونكريتية الصماء ، التي تستنزف منه الكثير من الوقت والجهد والمزاج ، وان يذهب إلى أي دائرة رسمية دون أن يقفز في وجهه من يطالبه بدفع المقسوم ، وأن يتخلص إلى الأبد من معاناته الشهرية دونما حاجة لاستخدام المعادلات الرياضية المعقدة في كيفية بسط أجنحة الراتب الرقيقة ومفردات البطاقة التموينية الهشة على كل أيام الشهر، وأن لا يفكّر كثيراً بان هناك الكثير ممن يعلقون على جدران مكاتبهم الفخمة العديد من الشهادات المزورّة ويتقاضون عليها ملايين الدنانير دون وجه حق ، وانه هو والكثير ممن على شاكلته لا يكفيهم ما يتقاضونه من الحكومة العراقية لسداد نفقات المولدة الأهلية ، وشراء بعض الجالونات من الوقود لمولدته المنزلية في صيفً خمسيني حارق،ولهذا المسكين طلب أخير ، فهو يتمنى على السادة المسئولين الميامين أن يتوقفوا عن إطلاق التصريحات والوعود الفارغة في الهواء إن لم يتمكنوا فعلاً من تحقيقها ، وأن يتوقفوا قليلا عن مهاتراتهم المملة ، ويتفرغوا قليلاً لخدمته كما وعدوه ، وأن يحترموا ذهابه إلى صناديق الاقتراع يوماً ،إنها مجرد أمنيات لهذا المسكين المغلوب على أمره ، وربما هناك أمنيات ضرورية أخرى غابت عن ذاكرته المتعبة بهموم يومه الطالح وهواجس غده الكالح ، ولكن بالتأكيد لن تخذله ذاكرته عن تذكر الكثير مما حل به ، حينما يفكر في تلوين أصبعه مرة أخرى ، وهو بالتأكيد لن تمنعه ذاكرته الموجوعة ، من أن يستمر بالتفكير والاستنتاج للتوصل إلى حلول مسالمة ومعقولة ، كي لا يكون هو الضحية والخاسر الأكبر مرة ثانية في المعادلة التي شارك بكتابتها .
هذا المسكين سيبقى متفائلا وملتزما وصابراً بل ومبتسما على الرغم من كل تلك الصعاب والمحن ، وسيبقى يتفكر في قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله  : (( أنثروا القمح على رؤوس الجبال حتى لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين)) .   





Mazin Salman

unread,
Sep 12, 2011, 12:03:31 PM9/12/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com
الدين مفتاح الشعوب
بقلم مازن مريزة
باحث أكاديمي
 
     ((الدين أفيون الشعوب)) ، عبارة شهيرة قالها اليهودي الألماني (كارل ماركس)، وطالما صافحت تلك العبارة أسماعنا ، بغض النظر عن الوسيلة ، فهي تُردد بمختلف الطرق والوسائل ، عبارة ربما لا يعلم قائلها بأنها ستتردد بعده ، لعشرات السنين ، وعلى ملايين الألسن والأقلام والشفاه والشعارات ، وأنها ستشُبع بحثا وتحليلاً ، وكل واحد من المشتغلين بالسياسة أو الدين ، سينظر لها من منظار مختلف ، حسب نظرته وتفسيره لها ، فهل قصد ( كارل ماركس ) فعلاً أن الدين (أي دين) له نفس التأثيرات السلبية المدّمرة لمتعاطي الأفيون ، بالمعنى الحرفي ، أم أنه قصد بذلك شيئاً آخر أكثر عمقا وأقل عموما مما أورده في تلك العبارة الشهيرة ، وهل فعلا كان الرجل ملحدا لا يدين بأي دين ؟، ولا يعترف بدور الأديان الإيجابي في حياة الشعوب ، وهل الاشتراكية التي كان يبحث عنها هي اشتراكية دنيوية تبيح المحظورات الدينية ، وتدوس بكل أريحية على كل ما له علاقة بالأخلاق والأعراف الدينية السامية لكل الديانات السماوية المعروفة ، أم كان اللغط الذي أثير حول تلك العبارة ،عبارة عن زوبعة أثارها خصوم الرجل بتحاملهم عليه، أم هو من تعمد إثارة تلك الزوبعة ، بأن حاول تشتيت الشعوب بإفراغها من قيمها الأخلاقية التي توجهها الأديان عادة ، أم إن التفسير الخاطئ لتلك لعبارة هو من أثارها ، فهل كان ماركس ضد الدين كدين ، وبصورة لا تقبل النقاش ، أم فقط ضد الأيدلوجيات الدنيوية المرتبطة بالدين ، والتي قد تمتزج بصورة سلبية بالجانب المبهم منه ، والذي يحتمل أكثر من تأويل ، مما يسمح لرجال الدين بالاستئثار بالسلطة ، وحكم الشعب بصورة مطلقة ، على أساس التفويض الإلهي الممنوح لهم ، من خلال تصورهم بأنهم تحت مستوى الأنبياء وفوق مستوى البشر ، مما يمنحهم الحق الديني والدنيوي لممارسة الطغيان الاستبدادي بكل صوره ، والسيطرة على مقدرات الشعوب بحجة إدارتها بالطرق الشرعية التي يسمح بها الدين فقط ، ودعم البيئة المثالية التي تتقبل الظلم كواقع مفروغ منه ، وأن تلك هي مشيئة الله ، وانه نوع من أنواع القضاء والقدر ، وجزء من اختبارات الله التي يختص بها عباده الصالحين ليمتحن فيهم صبرهم على البلايا ، وأن الشعب ليس بمقدوره إلا الدعاء والتضرع إلى الله لمنحه القوة والإيمان لاحتمال المزيد من الامتحانات القادمة لعباده الصابرين ، أم كان ماركس يقصد بأنه يريد منع الصراعات المحتملة بين رجال الدين ورجال السياسة والإدارة ، وكسب الوقت والجهد المهدور، ومصادر التمويل المحتملة، والقفز إلى ما بعد تلك المرحلة وتجاوزها، وفسح المجال للساسة بإدارة شؤون الشعب باستخدام العقل والأيدلوجية المرسومة سلفاً، دون المساس بعقائد الأفراد ، على أساس أن العلاقة بين الفرد وربه ، هي علاقة شخصية وروحانية بحتة ، يمارسها الفرد بدون تداخل مع واجباته تجاه مجتمعه ، ودون أن تتقاطع تلك العقائد مع المسار العام للدولة .
      فهل فعلاً الدين أفيون الشعوب ؟  أنا لا أعتقد أن مفكرا بمستوى كارل ماركس ، يضع منهجا فلسفيا واقتصاديا لاشتراكية تخدم الطبقات الفقيرة في المجتمع ، وتمنع الأثرياء من السيطرة على حاجات الفقراء لتحقيق الأرباح على حسابهم ، من دون أن يحسب حسابا للأديان ، كونها جزءاً أساسياً من حياة الفرد، بل هي حاضرة لديه حتى في حالة اللاوعي ، والفرد ما هو إلا اللبنة الأولية لنسيج المجتمع ولولاه لم تكن لتقوم له قائمة ، كما إن الأديان قدمت مبررات قوية واجتهادات حقيقية لبناء مجتمعات ذات منظومات معيارية تسودها القيم الأخلاقية العليا التي توجهها وتقودها باتجاه نفس الأهداف الاشتراكية التي تنادى بها ماركس ، فهل فاتته تلك الحقيقة ، أم انه تعمد إغفالها لسبب ما ؟
     بلا شك أن المتتبع للتاريخ منذ فجر الإنسانية سيجد بلا كثير من البحث والتمحيص ؛ أن ألإنسان منذ أن تعود العيش على شكل جماعات وإن كانت بدائية ،استأثر الدين بجزء كبير من حياته ( أديان وثنية أو سماوية) ، كرمز ورابط يجمع تلك الجماعات ، ويدفعها للالتزام بإطار ذلك المجتمع ، وبالاستمرار بتتبع التاريخ ، نرى أيضا أن معظم الحضارات المبدعة ، هي حضارات قامت على أسس دينية ، مثل حضارات وادي الرافدين العظيمة ، وحضارات وادي النيل ، وحضارات اليمن ،وحضارات الصين والهند ، وحضارة شعب المايا ، حيث نجد أن الدين كان المحفز الرئيس لتلك المجتمعات لبناء حضارات أخرجت البشر من خانة البدائية الوحشية إلى خانة التحضر والإبداع ،  فهل يمكن بعد ذلك ، أن يكون هذا المحفز مخدرا وأفيونا لتلك الشعوب والمجتمعات بالمنظور الماركسي ؟ أم أن يهودية الرجل هي من أشارت عليه بإطلاق تلك العبارة ، وساعدت على نشرها في ما بعد ، ليس عنادا للمنطق وحسب ، بل ولغاية في نفس ماركس ومن يقف وراءه، لاسيما أن قضية اضطرار أسرته اليهودية لاعتناق المسيحية بسبب الاضطهاد التي تعرض له اليهود آنذاك ، معروفة وقد أشار أليها في أكثر من موضع .
وإذا اخترنا الإسلام كنموذج للدين العالمي المحفز للبناء الحضاري المتطور ، فلا نحتاج إلى إثبات ذلك ، سوى بمقارنة حال المجتمع قبل الإسلام ، والحضارة العظيمة التي فرضت نفسها بعد الإسلام من الصين إلى أسبانيا، بكل أبعادها الإنسانية ،والثقافية ، والسياسية ، والدينية ، والحضارية ، والعلمية ، فأين مقولة (الفيلسوف اليهودي كارل ماركس) من هذه الحضارة ذات الشأن الديني المطلق ، والسياسي النسبي ، فهي قد تكون حضارة دنيوية بشكلها العام في بعض المراحل، ولكنها بذات الرمز الديني بمضمونها الخاص.
      أن الحال العصيب والخطوب المؤلمة التي نمر بها اليوم في العراق وفي باقي بلاد العرب والمسلمين ، من تشتت ، وتخبط ، وخنوع ،  ما هي إلا نتيجة مباشرة لابتعادنا عن مركز تحفيز الإسلام الحقيقي ، حتى وأن تسربل بعض الساسة بلباس الدين وادعوا بأنهم يملكون التفويض الإلهي لحكم المستضعفين المساكين ، الذين تتوالى الضربات عليهم ذات اليمين وذات الشمال ، وهم مازالوا يبحثون عن وَهَمْ الملجأ الذي سيكفيهم الغرق والضياع ، نتيجة تصارع أهواء الساسة المتصادمين في ما بينهم ، وكلٌ يدعي انه على صواب ، والشعب المكلوم يلعق جراحه لا يجد من يمد إليه يد العون ، ولا من يطبطب على كتفيه مواسيا، ويمسح عن وجنتيه دموع الفزع ،أو أن يؤمله بحل قريب ، والظاهر أن أغلب الخلاف بين الساسة ناتج عن عدم وضوح الرؤى في ما بينهم ، وأن أيدلوجياتهم الوضعية لا تلقى قبولا مطلقا عند الطرف الآخر ،بسبب افتقارها لامتدادات المفاهيم الإسلامية المطلقة ، وتبريراتها القوية ، وحججها الحاسمة ، فالإسلام قد وضع قيما ثابتة لأخلاق المسلم مثل الصدق والنزاهة وحفظ البطن والفرج من الحرام ، والإخلاص بالعمل ، ومبادئ المساواة في توزيع الثروات والعدل بين الناس وانه لا يوجد (مقدس) أو شخص فوق القانون ، وحب الخير للناس ومراعاة مصالحهم ،والحرية والمساواة والشفافية والشورى وتكريم الإنسان ، وغيرها الكثير من تلك المفاهيم التي لو استصحبها هؤلاء الساسة معهم باعتبارها همزة الوصل والدمج بين إدارة الدولة السياسية ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف ، ورسم إطار نظري متجدد لترتيب العلاقة بين الديني والدنيوي تحت ثوابت تلك المفاهيم ،وضبط المفاهيم والمصطلحات وترتيبها حسب الأولوية ، ومنها مفهوم ( فصل الدين عن السياسة ) الذي لا يعني بالتحديد فصل السياسة عن قيم وأخلاق الدين ، ولا عزلها عن مفاهيم الحرية والشفافية والعدل والشورى ومصالح الناس ، وان كل المطلوب فهمه من المعنى الحقيقي لتلك العبارة ، هو عدم اعتبار أحكام وقرارات القادة السياسيين ، مطلقة وذات صفة قطعية وقدسية لا تتقبل النقاش ، وأن هناك فرقا بين أحكام الحاكم وأحكام المفتي والإمام ، والابتعاد عن فقه الطغيان الفردي المستبد ، وأن على الساسة أن يعملوا على خلق علاقة متوازنة ومتوافقة ومتوازنة بين الدين والسياسة ، واعتبار الدين الإسلامي الأرضية الصلبة الوحيدة التي تقوم عليها أي سياسة ناجحة ، من خلال استحضاره عند كتابة الدستور كدافع وموجه ومرجع ، ومياه متدفقة تنعش جسد السياسة ، لتتيح له ممارسة السياسة الدنيوية بعيدا عن أي تسلط.
وأخيرا هل كان ( كارل ماركس ) محقا في عبارته ( الدين أفيون الشعوب ) ، أعتقد أن الجواب لا يحتاج إلى المزيد من التفكير ، إذا علمنا انه حفيد أحد أشهر الحاخامات في ألمانيا ( مردخاي ماركس) ، وأن احد أكثر أساتذته تأثرا به هو ( موسى هس ) احد رواد الصهيونية العالمية ،  وأن اليهود يعلمون جيدا أن نهايتهم ستكون على أيدي المسلمين في معركة ( هرمجدون ) كما يسمونها والملحمة الكبرى كما نسميها نحن ، وأن هذه العبارة ليست سوى أحد أسلحتهم المستخدمة ضد الإسلام والمسلمين ، وكأني بهم قد أرادوا بذلك لفت نظر المسلمين ، وإبعادهم عن التفكير في التوفيق بين مفاهيم الدين الإسلامي العظيمة ، وبين سياستهم الدنيوية ، لمنعهم من إعادة بناء حضارتهم القابلة للتجدد في كل زمان إن أحسنوا استخدام مفتاح الإسلام المناسب لكل الظروف والأوقات ،وما العداء اليهودي للمسلمين بخاف عن أحد ، وما مصائبنا ونكباتنا وتخلفنا ، إلا نتيجة لابتعادنا المفرط عن الروح الحقيقية للإسلام ، وغفوتنا العميقة تحت بطانية شعارات العلمانية ، والتحضر ، والتمدن ، والعولمة ، والعصرنة ،والدستورية ،ومفاهيم الدولة المدنية ،والسلطة الديمقراطية ،والمواطنة ، وغيرها من المفاهيم والمصطلحات ، التي لم تزدنا سوى تخلفا وجوعا وفقراً وتناحرا ، والتي فشل معظم الساسة في توصيفها وتطبيقها وربطها فعليا بالتطبيق الصحيح لمجتمعاتنا ، ليس بسبب عدم جدواها التفاعلية مع هويتنا وحسب ، بل وبسبب غرابتها وتنافيها وتعارضها مع الحالة البنيوية للمفاهيم الإسلامية ، التي تؤكد مراراً على مبادئ المواطنة وتحقيق المساواة بين المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص ، وعدم التفرقة بينهم بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو العقيدة أو المذهب ، ورسم هوية عامة واضحة للمجتمع ، لتخليصه من لعنة الصراعات الطائفية والعرقية ، التي قادتنا في نهاية المطاف نحو المحاصصة التي أفضت إلى الكثير من المواقف والأزمات والتقاطعات التي يصعب فضّها .
وختاما نقول أن معظم نظريات ( كارل ماركس ) التي وصفت بالعظيمة ، والتي صفق وهلل لها الكثيرين ، لم يثبت صحة جدواها أي دليل عقلي أو علمي أو تجريبي مطلقاً ، وأن الكثير من تنبؤاته قد جاءت خاطئة ، مثل نبوءته بأن طبقة البروليتاريا ( الطبقة العمالية الكادحة ) في العالم الرأسمالي ستزداد فقرا ، وتنبأ باختفاء الطبقة الوسطى وزوالها ، وأن أصحاب رؤوس الأموال سيفلسون بسبب تطور الآلة ، كما أن عبارته ( الدين أفيون الشعوب) أثبتت فشلها المطلق ، وفساد قيمتها ، وبطلان بينتها ، وما زوال الدول الشيوعية التي طبقت عمليا آراؤه ونظرياته إلا خير دليل وبرهان على ذلك .
 



Dr.Azer Naji

unread,
Sep 14, 2011, 4:54:59 AM9/14/11
to hamo...@googlegroups.com, ( mustafa.alsade )
 
 
احذروا بقر بطون نساءكم في مستشفى الموسوي الاهلي بالبصرة على يد المدعوة الدكتورة نادية
اخواني اخواتي اهالي البصرة الكرام
لقد ثبت لي بالدليل القاطع ان هناك انتهاك صارخ لكل القيم والاخلاق الطبية ولكل مفاهيم حقوق الانسان الخاصة بالمراة وتجنيد من لاضمير لهم من اجل فتح بطون النساء الحوامل او مايسمى بالعملية القيصرية في مستشفى الموسوي الاهلي  بالبصرة وعلى يد الدكتورة المدعوة نادية .
لقد استغلت هذه الدكتورة طيبة اهل البصرة وقلة خبرتهم عندما يبتهجون بما يرونه من نظافة واتكيت وبدلات سموكن ذات لون رمادي  يرتديها موظفوا المستشفى, ليوقعوا على اوراق قانونية تلزمهم بالسكوت على مايجري من بقر لبطون نساءهم ودفع مبالغ عالية  مقابل ولادة قيصرية تعقم النساء بعد الولادة التالية وتشوه اجسادهم دون التأني في اتخاذ القرار .
لقد اساءت هذه الدكتورة الجشعة الى مستشفى الموسوي الذي يمثل صرحا طبيا مهما في البصرة بان تجلس في بيتها وتقدم توصياتها لمن يمثلها في المستشفى عن طريق الهاتف النقال بحيث يقوم سماسرتها باقناع زوج او ذوي الحامل والتي هي على وشك الولادة الطبيعية بضرورة اجراء عملية قيصرية حفظا لسلامتها وسلامة الجنين .
ويمكن لهيئة النزاهة اومديرية صحة البصرة متابعة ملفات المستشفى بتاريخ 12-13 سبتمبر2011 ليلا حيث تم  اجراء بقر بطن (عملية قيصرية) لستة نساء من اصل سبعة دخلن المستشفى وفي حالة ولادة .
اما السابعة فهي ابنتي التي أصرت القابلة الخافرة بان تجري لها عملية قيصرية حسب توجيهات الدكتورة نادية فهرعت بها الى مستشفى الموانئ الحكومي لتلد بعد خمس دقائق من دخولها ولادة طبيعية مباركة. واتمنى ان لا ابتز منن قبل المستفيدين من الدكتورة نادية  لنشري التواريخ والاسماء لان هناك من يجرم ويسرق  وعندما تصل الامور للقضاء والمحاسبة يتبين ان المشتكي وكاشف الفساد هو المقصر وهو الفاسد وليس الجني الحقيقي !!!!!!!!!!!
لقد اصرت دكتورة نادية بضرورة اجراء العملية القيصرية دون ان تكشف على ابنتي واصرت المستشفى على التوقيع على اوراق قانونية لاتلزمهم في حالة اي طاريء سواء نجحت العملية ام لم تنجح.
لقد اصررت على عدم اجراء العملية عندما عرفت ان القابلة الموجودة في المستشفى اثناء الخفارة لم تبلغ  الخامسة العشرين من العمر وليس لديها سوى جهاز الهاتف النقال والذي تستخدمه لاخذ التوجيهات من الدكتورة نادية والجالسة في بيتها.
عادة مايحصل في نوبة الخفارة لهذه الدكتورة ,ان  المرأ ة التي يأتيها المخاض و تلد بسرعة في المستشفى لا تحتاج الى مشاورة ومخابرة الدكتورة اما اللواتي يتألمن اثناء المخاض فهن فريسة سهلة باغرائهن بسهولة العملية القيصرية وانعدام الالم اثناءها  وهو مايدفع الكثيرات ممن يتألمن اثناء المخاض وهي حالة طبيعية اثناء الولادة  الى الزام ازواجهن بالتوقيع على عدم ممانعة اجراء العملية  ودفع المبالغ الطائلة . او اخلاء مسؤولية الدكتورة في حالة رفض اجراء العملية والخروج من المستشفى .
لقد طلبت من استعلامات المستشفى التحدث الى هذه الدكتورة الفاسدة من هاتف المستشفى لكي اشرح لها حالة ابنتي لكن لا ادارة المستشفى استجابت ولا وكيلتها القابلة في الخفارة .
كل ما ارجوه من مديرية الصحة في البصرة التحقق من هذا الموضوع بشكل مهني وعلمي واتخاذ اجراءات صارمة ضد العاملين والاطباء الفاسدين, ولم اذكر ماسبق الا عندما رايت ذلك بام عيني ما حصل ولا ابريء نفسي حيث  لدغت من قبل المستشفى سابقا  بان اجريت عملية قيصرية لابنتي الاخرى قبل سنة ,واصررت على عدم اجراءها للثانية بفضل الله .لقد تناولت الموضوع مع احد زملائي في الجامعة وبدون ان اذكر اسم الدكتورة فتفاجأت عندما قال بسرعة انها دكتورة نادية طارق وقد بقرت بطن زوجتي وبدون تأني وعندما طلبت من المستشفى تغييير الدكتورة في الولادة الثانية طلبوا زيادة مليون دينار .
ماهكذا تعامل نساء البصرة يا مستشفى الموسوي ,لقد استبشرنا بهذه المستشفى خيرا لنظافتها وامنها والسمعة الطيبة لادارتها ولكن الجشع الذي يصيب بعض الاطباء والممرضيين والاداريين يفضي الى بقر بطون كل نساء العراق ,بدون رحمة او شفقة او تأنيب ضمير .
 
 
 

Mazin Salman

unread,
Sep 18, 2011, 2:07:59 PM9/18/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com

(فوبيا الإسلام)
بقلم : مازن مريزة
باحث أكاديمي
لكل منّا العديد من الهواجس التي تستقر في مكامن النفس البشرية  ، وهي تنمو كالشجرة التي تغذيها المخاوف حينما لا يتم السيطرة عليها بصورة كاملة ، وإن كانت بدرجات متفاوتة تختلف من شخص لآخر ، وصولا إلى المستويات العادية في حدودها المقبولة ، قبل أن تتحول إلى هواجس خطيرة ، قد تنشر بظلالها القاتمة ألوان الرعب المرضي على تفاصيل الحياة اليومية بصورة مستمرة ، وهو ما يطلق عليه علماء النفس أسم (( فوبيا )) ، وهي كلمة يونانية ، وتعني الخوف من شيء ما ، لذا لزم وصلها مع كلمة أخرى ، تبين ما يراد وصفه من حالة مرضية بصورة مفصّلة ، مثل : ( فوبيا الظلام ، وفوبيا الأماكن الضيقة ، وفوبيا الحشرات ، وغيرها الكثير من المخاوف المرعبة التي تعود أسبابها إلى محيط وغريزة الإنسان ) ، ومن خلال هذه المقدمة البسيطة عن الفوبيا ومعانيها وأنواعها ، نستطيع أن نقول بأن الكثير منا قد يكون مبتلى بدون رغبة منه ، بأحد أو بعض أنواع تلك المخاوف المرضية ، والتي تصل حد الوسواس في بعض الأحيان ، مما يدعو لمناقشة الحالة مع الآخرين ، للتوصل إلى حلول وعلاجات معقولة ومناسبة ، ولكن القليل منا قد يكون ناقش نوعا آخر من الرهاب أو الفوبيا  المتعلقة بالدين الإسلامي ، مما يسمونه اليوم (اسلاموفوبيا - Islam phobia)  ، أو رُهاب الإسلام ، أو فوبيا الإسلام ، وهي من المصطلحات الحديثة جدا التي شاع استخدامها نهاية القرن المنصرم وبداية القرن الحالي ، ويقال أن الإنجليزي (( رونيميد تروست )) هو أول من عرفها في العام 1997م ، بقوله (( الإسلام دين يتسم بالعنف والعدوانية ، تهديدي ، غير عقلاني ، يدعم الإرهاب ، وفعال في حرب الثقافات ، ولكن يبدو أن الكاتب الفرنسي (( ماليت إيميل )) ، كان قد سبقه باستخدام لفظ ( فوبيا الإسلام) بسنوات ، حينما نشر في جريدة (اللي موند ) الفرنسية ، في مقاله " ثقافة ووحشية " في العام 1994م ، وتحدث عن نوع من أنواع الإسلاموفوبيا الزاحفة ، وقبل ذلك بعام واحد كتب أستاذ العلوم السياسية الأمريكي  ( صأمويل فلبس هنتنجتون  ) مقالته  الشهيرة " صراع الحضارات " في مجلة العلاقات الخارجية ، والتي تحولت فيما بعد إلى كتاب ، نشر بعد أعوام ، سلك صامويل هنتنجتون مسلكا جديدا في نظريته من خلال بلورة إدارة الصراعات العالمية ، باتخاذه من الحضارات والثقافات سببا ودافعا قويا للصراعات والحروب اللاحقة ، وليس الدول أو الايدولوجيا ، و يرى أيضا أن الحضارات والثقافات وليس الدول هي من سيحدد مستقبل الصراعات الكونية ، و ركز هنتنجتون على التحديات التي ستواجه الحضارة الغربية ( الأمريكية والأوربية ) ، وركز بشكل خاص على حضارتين ربما تكون متناقضتين في الكثير من الرؤى والثقافة ، وهي الحضارة الإسلامية ( حضارة روحانية عقائدية ) ، والحضارة الصينية ( حضارة مادية اقتصادية ) ، وركز بشكل لافت على الحضارة الإسلامية ، مستفيضا في الحديث عنها بمقالات أخرى أكثر تفصيلا ، أهما مقالته المنشورة في مجلة (النيوز ويك ) في العام 2001 م ، بعنوان (( عصر حروب المسلمين )) ، مصمما على نظريته والتي أعتبر أن جزءا مهما منها  ، قد تحقق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر ،  مكررا رؤيته التي سبق أن طرحها في كتابه السابق ، شارحا بإطناب ؛ أسباب وأبعاد هذا الصراع ، والذي سيغدو من أبرز ملامح القرن الجديد .
وبالطبع لم يكن فقط هؤلاء من تحدثوا ، عن (( فوبيا الإسلام )) ، بهذا الشكل من الوضوح والتمادي ، ولكني سقت أسمائهم كنماذج بارزة ، ذات ملامح واضحة ، ورؤية فلسفية أكاديمية  ، دون أن نغفل النظر عن نظريات أخرى للعديد من المفكرين الغربيين ، والتي تأخذ نفس المنحى والنظرة للدين الإسلامي ، ومنهم ريتشارد نيكسون في كتابه :(( انتهزوا الفرصة )) ، وفرانسيس فوكوياما في كتابه : (( نهاية التاريخ  ))  ، ولكن حرصا على عدم تشتيت القارئ الكريم ، سنكتفي بالأبرز من بين هؤلاء لنتمكن من خلالهم من مناقشة عنوان المقال ، بصورة أشد عمقا ، وأكثر بساطة ، للوصول إلى الحقيقة المجردة ولا شيء غير الحقيقة .
أن الباحث في التأريخ المعاصر ، سيجد بغير كثير من التمحيص ، أن صراع الكتلتين الكبريتيين ، أثناء الحرب الباردة ، قرابة النصف قرن الأخير من القرن المنصرم ، كان السبب الرئيس والدافع الأبرز ؛لحث الكتلتين على التطور والاستمرار تحت ضغط التوتر والصراع الشديدين ، للوصول إلى التكافؤ العلمي ، والعسكري ، والتقني ، والثقافي ، بين المعسكرين ، ابتداءا من السباق إلى التسلح وانتهاء بغزو الفضاء ، ومرورا بالكثير من المراحل ، والأحداث ، والنظريات ، والمظاهر ، والنتائج التي تمخض عنها هذا الصراع الذي انتهى بتفوق ساحق للطرف الغربي ، مقابل انهيار مدوي للطرف الشرقي ، بصورة رسمية في نوفمبر – تشرين الثاني من العام 1990 م ، في قمة باريس للأمن والتعارف ، مما خلق فراغا مخيفا في معادلة الصراع المستدام ، والتي تقود لاستمرار التطور العالمي للكتلة الأقوى الغالبة ، مما أدى إلى ظهور حاجة ملحة لاختلاق عدو أو أعداء جدد ، لتمكين معادلة الصراع الداعم للتطور والاستمرار من العمل مجددا ، مما يمهد لنا الطريق لفهم أشمل ، ونظرة أوسع ، للأسباب الحقيقية لمعاداة الإسلام ، ووضعها ضمن إستراتيجية جديدة تستند إلى تدعيم نظرية ( صراع الحضارات) ، ونشر ثقافة ( فوبيا الإسلام) ، بخلق صور مختلقة ، ورؤية مشوهة للعالم الغربي عن الإسلام والحضارة الإسلامية ، وتغذية مخاوفهم من عدو جديد ، يسعى لنشر رايات العنف والخراب ، ونشر ثقافة الموت لأسباب معقدة ، تستند إلى تبريرات حضارية شاذة عن المنطق الصحيح ،  مما ينذر بتدهور كوارثي في العلاقة بين الإسلام والغرب ، يبقي بذور الحضارة الإسلامية في سباتها الطويل ، حاشرا إياها في دوامة الصراع السلبي الذي يضمن طول فترة غفوتنا الخالدة منذ ألف عام ، ما لم نسع إلى الإقرار بوجود المشكلة ، ومن ثم التوجه نحو دراستها والتعرف على أبعادها ، بهدوء وروية ، وعقلية علمية مستنتجة وباحثة ، للتوصل الى العلاجات الناجحة والحلول الأكيدة ، وإيجاد الأجوبة الصحيحة المعارضة والمفندة لنظرياتهم تلك ، بالحجة والمنطق وبدون تشنجات أو خطب كلامية تعتمد على الإنشاء والإملاء ، وأن نبيّن بصورة متوازية ومتوازنة ، الوجه المغيّب للإسلام الحقيقي ، دين السلام ، والتسامح ، والحب ، دين الإعلاء من شأن التعاون والإخاء والمودة والتناصر والتراحم، دين التكافل ونبذ التمييز  بين  الأفراد أو بين الطبقات ، دين مكارم الأخلاق الذي يحارب كل بضائع الشيطان ، كالبغضاء والشحناء و سوء الظن، والتجسس، والغيبة والنميمة، وقول الزور، والسب واللعن، والنهي عن قتل النفس المحرمة التي كرّمها الله أيّما تكريم ، والتركيز على أن أوجه الاتفاق بين الحضارة الإسلامية وبين حضارة الغرب ، أكثر بكثير من أوجه الخلاف ، وان الخلاف الموجود ، ليس في منتهى الخطورة ، وانه مازال في حدوده المعقولة ، وانه مجرد خلاف حضاري ، لا تتخلله أي تقاطعات أو تناقضات مع حضارة الغرب ، ومهما  كان اتجاهه الحضاري والثقافي  لا يجب أن يقود إلى صراعات تروج للعداء المستميت بين الإسلام والغرب .
وفي مجمل الحديث عن دراسة المشكلة والتعرف على أبعادها عن كثب ، تقول حقائق الدراسات العلمية ، أن من أهم الخطوات الواجب إتباعها ، هي التعرف على الأسباب أو المسببات ، التي تساهم في نضوج المشكلة ، والترويج لها ، وفي رأيي أن هناك أربع مسببات رئيسة أو أربع فئات من الناس تساهم بصورة مباشرة ، في الترويج للعداء بين الإسلام والغرب ، وإذكاء جوانب التخوف والرهبة من الإسلام والمسلمين ، الفئة الأولى : هي ثلة من المنظرين والمفكرين الغربيين ، الذين يدعون إلى أفكارهم ، في نظريات ومؤلفات وكتب ، لها تأثيرها السلبي على المتلقي الغربي ، في رسم صورة مفترضة للعدو القادم الجديد ، على شكل تنبؤات ونظريات ، تتحدث بصراحة ، عن الإسلام كعدو حتمي للغرب ، بعد سقوط الإمبراطورية الشيوعية ، وزوال خطرها، ويكفي أن نقرأ نص ما قاله صامويل هنتنجتون ، لندرك التأثير السلبي البالغ الأثر، للترويج للتفرقة والكراهية ليس بين الإسلام والغرب ، بل بين شعوب العالم وحضاراتها المتباينة ، يقول صامويل وصفه لملامح العنف الإسلامي الآتي : (أن حدود الإسلام دموية وكذا أحشاءه ويقول في مكان آخر ما نصه : الإسلام يمجد القتال وقد انتشر بالسيف، ونبي الإسلام محمد كان مقاتلا وقائدا عسكريا ماهرا وأن تعاليم الإسلام تنادى بقتال غير المؤمنين، كما أن مفهوم اللاعنف غائب عن الفكر والممارسة الإسلامية ) ، يجب أن نعي جيدا براعة الكاتب في استثارة مشاعر الكراهية ضد المسلمين ، كما يجب أن نعي أن الحل يكمن في الحجج والبراهين الدامغة التي تناقض وتدحض هذا الرأي ، الفئة الثانية التي تروج لتلك المفاهيم والأفكار ، هي آلة الإعلام الغربية الجبارة ، والتي تُدار من قبل أطراف يهودية أو ذات ميول يهودية معروفة ، سواء كانت بصرية أو إيحائية ، والتي رسخت صورة المسلم ، بلباسه التقليدي ، ولحيته الكثة ، ووجهه الغاضب ، وولعه الأزلي ، بالجنس والمال والسلاح ، وصورة البلاد الإسلامية التي تعج برؤوس المآذن الصاروخية ، والإبل ، وغرف الحريم ، وتصوير المسلم كإرهابي وضيع لا يتورع عن قتل الأطفال والشيوخ والأبرياء ، في سبيل لفت الأنظار ، مما يتطلب منّا ، وضع ستراتيجية طويلة الأمد ، لتغيير وتحسين تلك الصورة المستفزة ،  أما الفئة الثالثة ، فهي الفئة التي تروج للنصوص المجتزأة من القرآن والسنة ، والتي تتعمد بتر نصوص قتال المعتدين من الأعداء ، وتعمد بعثرة تلك النصوص ، بمعزل عن الأبعاد التاريخية والجغرافية والزمنية الحقيقية لتلك النصوص ، موحيا بأن شجرة الإسلام ، لا تنمو إلا بين برك الدماء ، ولا تورق إلا موتا ودمارا وعنفا ، وهنا يجب التركيز على رفع الركام بصورة تدريجية عن الصورة الواقعية لحقيقة الإسلام ، أما الفئة الرابعة ، وهي الأخطر والأصعب علاجا ، وهي فئة المهووسين دينيا ، والمنغمسون بجهلهم المطلق بجوهر الدين ، من التكفيريين والإرهابيين الذين لا يمتلكون زمام المنطق الحر الصحيح ، ويتمسكون بالقشور لأصوليات مزيفة لا قيمة لها، ويتسربلون برداءات الهمجية اللاعقلانية ، التي تجرهم لإتباع فكر ثقافي أصولي متخلف ومرفوض ، والأدهى من ذلك أنهم يدعون التمثيل الرسمي والوحيد للدين الإسلامي وهو منهم براء ، وهم يخدمون بعلم أو بغير علم ، ثقافة كراهية الإسلام ، ويرسخون مبدأ معاداة الإسلام ، برسم صورة حرفية لفكرة أن الإسلام هو العدو الحتمي المتخلف للحضارة الغربية ، وللأسف لا يمكن مكافحة هذا النوع بسهولة ، لأنه يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد ، وتنفيذ دقيق على شكل مراحل متدرجة ، تبدأ بزيادة الوعي ، وردم منابع فتاوى التحريض والقتل والتكفير ، ومكافحة مبدأ التبعية المطلقة أو القطيعة المطلقة ، وتغليب الحوار وفكر التسامح والتعايش مع الآخر ، وإعطاء الدين وزنا أكبر في المناهج الدراسية ، وفي وسائل الإعلام المختلفة ، وفق إستراتيجية معدة سلفا من قبل ذوي الاختصاص من المفكرين والمنظرين من أصحاب الفكر الإسلامي غير المتطرف ، وهؤلاء يجب أن يكون لهم دور أكبر ونافذة أوسع ، في واجهة الإسلام الإعلامية ، فالمفكر العربي ، لا يقل ثقافة ولا شأنا عن المفكر الغربي ، إن أتيحت له الفرصة الكاملة للترويج لهويته وفكره الحقيقي ، بدلا من ارتهانه لدى السلطة لخدمة مصالح وسياسات ضيقة ، لا تقدم في أغلب الأحيان أي حلول أو نظريات للخلاص مما نحن فيه من أنواع الأمية الثقافية والجهل الفكري المحدق بمجتمعاتنا الإسلامية ، الذي يغلب عليها طابع الرقود والسبات والتراخي ، وتغليب مصالح الحكام والساسة ، كملوك أسطوريين يرفلون بالمسرات والملذات ، على حساب شعوب فقيرة مغلوبة على أمرها ، تتثاءب في مكانها بكسل منذ قرون ، مقابل شعوب انطلقت بسرعة البرق إلى الأمام ، وهي لا تملك ربع مقومات التقدم المادي والروحي والفكري ، الذي نمتلك مفاتحه منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة سنة . 
لنعد من حيث بدأنا في ما يخص موجة ( الفوبيا الإسلام ) وتزايد مشاعر الكره للإسلام والمسلمين ، والعلاقة المتأزمة الحالية - التي إذا ما استمرت - ستقود إلى الكثير من الصراعات والاحتدامات ، والتي ستخلف الكثير من القضايا الصعبة التي ستعصف بنا ، كوننا الطرف الأضعف في المعادلة ، ففي رأيي أن الوقت قد حان للبحث عن حل جوهري، يحررنا من تهمة الإرهاب والفكر التآمري الذي يقوم على مبدأ الصراع والكراهية ، لنحظى بفسحة كافية من الوقت ، لحل قضايانا ومشاكلنا الداخلية فيما بيننا ،ولنعيد لأنفسنا الثقة في مقدرتنا مجددا على النهوض بحضارة جديدة ، تتعاون مع حضارة الغرب لا أن تصطدم بها ، لتساهم من جديد في نهضة العالم ككل ، وأخيرا أختم مقالي بقول الله تعالى : ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) .
 


Mazin Salman

unread,
Sep 29, 2011, 2:31:00 AM9/29/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com
صناعة الإصلاح
بقلم مازن مريزة
باحث أكاديمي
 
من أشهر تعريفات الفساد السياسي وأكثرها تداولا وشيوعا هو الذي يقول : بأنه إساءة استخدام السلطة الحكومية لأهداف غير مشروعة وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية ، وممارسة النفوذ ومحاباة الأقرباء ، وبما ان القوانين تختلف من بلد لآخر ، فمن الطبيعي أن تختلف النظرة والتوصيف لمفهوم الفساد السياسي باختلاف البلدان والقوانين ، مما يدعّم النظرة النسبية لهذا النوع من الفساد ، ويصعّب عملية وضع حدود فاصلة بين حرية ممارسة الساسة للصلاحيات الممنوحة لهم وبين السير باتجاه الفساد السياسي ، ويتشابك الفساد السياسي بصورة مفصلية عادة مع نوعين مهمين من الفساد ، هما الفساد المالي والفساد الإداري ، لتمثل تلك المفصلية الجهنمية تحديا خطيراً ، يضرب بيد خارقة وجه التنمية ويقوّض أساساتها ومصادرها الأخرى ، كديمقراطية اتخاذ القرار السياسي ، واستقلالية القضاء ، والتوزيع العادل للثروات والخدمات ، ويعرض هيكلية البناء المؤسساتي إلى الخطر ، بسبب تأثيرات الفساد على مرونة القدرة الحكومية في استحداث طرق جديدة للتطور والتنامي ،عن طريق تعطيل قدراتها المؤسساتية في تجاوز الروتين والبيروقراطية ، وتحديث إجراءاتها كلما دعت الحاجة لذلك ، وعلاوة على ذلك فأن الفساد السياسي يخلق انحرافات اقتصادية مقلقة في طريق استثمارات الملكيات والأموال العامة بصورة مباشرة وغير مباشرة ، عن طريق وضع المزيد من العراقيل والتعقيدات السياسية والإدارية والفنية ، مما يؤدي إلى خلط الأوراق ونشر الكثير من الضبابية المحبِطة بدلا من الشفافية المطلوبة لخفض معدلات هدر استثمار المال العام وتردي الخدمات العامة وضعف التوزيع العادل للثروات ، والخروج من الأنماط التقليدية في تخطيط وتنفيذ وتوزيع مشاريع البنى التحتية الكبرى إلى أنماط جديدة تدعم التحرر من أنواع الجمود الذي قد يطغي في أي مرحلة من مراحل التخطيط أو التنفيذ أو الرؤية ، والتخلي عن أي تنمية قد تكون منقوصة من خلال عمليات التقييم والتقويم المستمرة ، وقد لا يحتاج أي كاتب إلى الكثير من المهارة في ربط موضوع الفساد السياسي بالوضع الراهن في العراق ، فكلما دار الحديث عن الوضع السياسي في العراق كلما تزامن الحديث عن الفساد السياسي والإداري والمالي فيه، فالعراق ومنذ خمسينات القرن الماضي أبتُلي بقادة هم مزيج من النموذج العثماني – الستاليني ، وعلى طريقة القائد الأوحد والحاكم بأمر الله ،والمطلقة يده في أمور الرعية حسب رؤيته الشخصية ومستواه العلمي والثقافي، ضاربا بعرض الحائط كل حقائق ونظريات السياسة والاقتصاد والإدارة والاجتماع ، منشغلا بتثبيت كرسي الحكم بحد السوط وأحيانا بحد السيف ، واحتكار السلطة من قبل أحزاب لا هم لها سوى تأليه قادتها ، واختزال كلمة الشعب أجمعه ، بكلمة واحد من القائد ، كقطيع يعبر النهر بإشارة من عصا راعيه ، ليختار له المكان والزمان الذي يحدده وحده ، متجاهلا إرادته وحقه المطلق في بناء دولة مدنية تسودها الحداثة والرفاهية ، والتحكم المباشر بالمال والسلطة والفكر والبلاد وما تحتويه فوق وتحت أرضها المباركة ، ولكن بقي هذا الحق المطلق محض خيال ، في ظل انشغالات الشعب العراقي بأزمات مفتعلة وحروب مفروضة ، ما إن تنتهي إحداها حتى تبتدئ التي تليها ، وهلم جرا ، في ظل هذه الأجواء غير الطبيعية التي استمرت لعقود ، استفاق الشعب العراقي يوما ، ليجد نفسه على أعتاب مرحلة جديدة من الفوضى السياسية التي عصفت بالبلد ، بعد سقوط النظام السابق على يد قوات التحالف التي آذنت ببدء مرحلة جديدة ، من مراحل احتكار السلطة والمال والسياسة ، ومرحلة جديدة من مراحل الفساد السياسي ، المتكئ مع وعلى الفساد الإداري والمالي ، وظهور نوع جديد من الأحزاب في العراق ، وهي الأحزاب الدينية ، التي رفعت في البدء شعارات غاية في المثالية ، والفكر السامي ، ومكارم الأخلاق ، ومكافحة الفساد بكل أشكاله ، ولكنها سرعان ما رفعت سوط القمع الفكري ، وتفننت في إيجاد الأسباب والمسببات ، لتبدأ بتكميم الأفواه ، وممارسة ذات القوانين والقيم والممارسات التي مارستها أحزاب القطب الواحد ، وتغلب السياسة والمصالح الذاتية ، والتخلي عن مثالية شعاراتها المرفوعة سلفا ، ومن ثم انقادت لمسارات السياسات النمطية السابقة في غض الطرف ، عن الأمواج العاتية لبحر الفساد المتعاظم يوما بعد يوم ، في ظل فرض صنوفا جديدة من الشرعية الدينية التي لا تعارض بصورة مباشرة ، انجرار العراق المحتوم إلى مستنقع الفساد السياسي ، واحتكار السلطة بلا شراكات حقيقية ، بل أنها تسببت وساهمت في خلق مفاهيم سلبية جديدة ، أسوءها المحاصصة الطائفية البغيضة التي تبنت لغة الأرقام والإحصائيات ، لا الكفاءات و الاستحقاقات الوطنية والشراكات الحقيقية ، التي تمثل كل موزائيك وفسيفساء المجتمع العراقي المُغرق بالتناقضات والرؤى المتضادة ، والاختلافات الفكرية من الأساس ، ليمتلئ وعاء الفساد السياسي ، بأسماء ومسميات جديدة ، لا تقود إلا لمزيد من الاستغراق المخزي من الفساد السياسي والإداري والمالي ، وبالتالي يرجع المواطن العراقي للدائرة الأزلية ، التي ظل يدور بها منذ عهود ، وهي دائرة البحث عن حل للخلاص من مأزقه الدائم كونه جزء من صراعات لا شأن له بها ، مدركا بيأس المغلوب على أمره بأنه سيلعب دورا واحدا لا غير ، وهو دور جندي الشطرنج الذي لا قيمة له ، سوى كونه رقما في سجل ما  ، ليغرق بالمزيد من ثقافة الانشغال الحثيث في البحث عن لقمة العيش ، والتخلص بأقل الأضرار من أكوام الأزمات المحيطة به من كل صوب ، ليغض النظر عن تشظي الخزينة العامة المركزية ، إلى خزائن وزارية تحاكي الرؤية الفردية أو المناطقية ، يسيطر أفراد وعشائر وأحزاب وفئات معينة ، وضعف الخدمات العامة ، وباقي حقوقه التي ابتلعتها مسارات السياسة المثقلة بحجم الفساد الهائل وضغط الصراعات الحزبية والشخصية ، وآخر ما تجرعه المواطن العراقي المسكين من تلك المسارات ، ما سمعه وسمعناه بأسف وأسى من زيارة فخامة رئيس الجمهورية العراقية ، السيد جلال الطالباني ، أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها السادسة والستين ، والتي كلفت خزينة الدولة أكثر من مليوني دولار – بحسب وكالة أور نيوز- مما يشير إلى أن الفساد المالي في العراق قد وصل إلى مستويات خطيرة بوصوله إلى قمة الهرم الرئاسي العراقي ، رمز الدولة العراقية ، وممثل سيادتها العليا ، والقائم بنقل كلمتها وشرف تمثيلها ، مما يطرح الكثير من علامات الاستفهام التي تطرح نفسها ، حول تلك الأموال المهدورة ، بسبب وبلا سبب ، وعن جدوى تلك الزيارة وما الذي قدمته للعراق الفيدرالي الموحد ، إن كان فخامة رئيس الجمهورية قد ركّز في حديثه عن إقليم كردستان ، والانجازات التي قادتها حكومة الإقليم ، مقابل إشارات فضفاضة عن الوضع العراقي ككل ، وعزوفه عن الحديث عن تفاصيل كثيرة لا مجال لذكرها في هذه العجالة ، ومما يثير الاستغراق بالكثير من الدهشة والألم ، تفاصيل تبويب مبلغ المليونين دولار أمريكي – حسب المستقبل العراقي – والتي توزعت بين أجرة نقله البالغة ( 600 ألف دولار) بطائرة خاصة ، وبين تكاليف إقامته ، وتكاليف فحوصات وعلاج في أحد المصحات الأمريكية ، ونثريات الهدايا البالغة حوالي نصف مليون دولار ، والتي تكفي لبناء سبعة مدارس من نوع البناء الجاهز الحديث ، تتسع لأكثر من ألف ومائتين طالب  ، أو بناء خمسة ملاجئ للأيتام ، أو إنشاء محطة كهرباء صغيرة ، أو إنشاء أي مشروع خدمي في ظل تفاقم أزمة الخدمات والكهرباء والماء والمجاري وغيرها ، ولكن أسلوب الإقطاع السياسي ، واستشراء ظاهرة الفساد المالي ، في ظل عجز القانون عن محاسبة أفراد معينين في الدولة العراقية ، وضعف المساءلة والشفافية ، وسيطرة النخب الحزبية المنغلقة ، في ظل فداحة التناحرات والصراعات الفئوية والمناطقية والحزبية ، وتركز كل تفاصيل صناعة القرارات بيد الساسة فقط ، لا بيد الإداريين من ذوي الخبرة والاختصاص ، وعدم مثالية تطبيق الديمقراطية الملائمة التي تساعد وتؤسس لبناء مجتمع ديمقراطي حديث تسوده قيم اجتماعية راقية ، سيؤدي بالتأكيد إلى تقويض دور المجتمع المدني ، ودوره في فرض صوته على كل مفاصل الدولة وجميع موظفيها بلا استثناء ، ومنهم فخامة رئيس جمهورية العراق ، كونه موظفا جاء بتفويض من البرلمان ، لتأدية مهام وفروض وواجبات معينة ، أبسطها توقيع أحكام الإعدام على من ذَبَحَ الشعب العراقي المغلوب على أمره ، من الوريد إلى الوريد ، وتنفيذ قصاص السماء لمن قَتلوا وما زالوا يقتلون العراقيين بدم بارد ، تحت شعارات شتى ، وفي هذا الشأن يحضرني مقال قرأته قبل فترة في أحد المواقع الالكترونية – ولا أعرف مدى مصداقيته – عن عمدة ستوكهولم التي استخدمت بطاقات حكومية لمليء خزان مركبتها الشخصية بالوقود ، حيث ساهم الإعلام الحر النزيه في الكشف عن تلك القضية ، مما أثار انتقادات عنيفة ، أدت في النهاية إلى تقديم استقالتها من منصب حاكم المدينة ، وعضوية البرلمان ، وقد وُصمت فعلتها علناً  : بالتصرف الفاسد والمشين ، وفي النهاية تحملت تلك الموظفة المسؤولية كاملة ، وتقبلت كل النتائج ، فما أحوجنا اليوم إلى مثل تلك الموظفة ، والتي من سوء حظنا ، أنها لم تولد في العراق ،ولست هنا بصدد الحديث عن المليونين دولار التي أهدرت في سفرة لم تستغرق سوى بضعة أيام ، والتي لم تقدم أي منفعة أو فائدة للعراق ، بقدر حديثي عن الرغبة الكامنة في أعماق أي عراقي مسكين ، في وضع تشريعات حاسمة لقياس وتوصيف الفساد السياسي والمالي والإداري ، ووضع المعايير الواضحة القابلة للتجديد والتحديث بصورة مستمرة في مجال محاربة الفساد بكل أنواعه ، و بضمنه الفساد السياسي ، والاستفادة من تجارب وتشريعات الدول الأقل فسادا في العالم ، حسب تقارير المنظمة الدولية لمكافحة الفساد ، وتقوية الدور الرقابي لمنظمات الشفافية والمجتمع المدني ، والصحافة الحرة غير المسّيسة ، باعتبارها ضمير المجتمع النابض الذي يستطيع لفت أنظار السلطة والمجتمع في نفس الوقت ، والكشف عن رواتب كبار المسئولين ومساعديهم ونوابهم ، بدلا من أن تتداولها الإشاعات بأرقام أقل ما يقال عنها أنها فلكية ، وإخراج إقرار ذممهم المالية إلى العلن ، في بلد فيه أكثر من خمسمائة حزب وكيان سياسي ، وفيه الكثير من المشاكل والأزمات والتحديات ، وبالطبع ليس من المنطق حلها كلها دفعة واحدة في ذات الوقت ، ولكن على الأقل البدء في جدولة تلك المشاكل حسب أهميتها ، والشروع فورا في حل المهم منها ، ولا شك أن مشكلة الفساد السياسي تحتل سلم القائمة ، مما تسببه من إضرار كبير بالبلد ونظامه الديمقراطي الفتي ، وتهديد للوضع الأمني الداخلي ، والمزيد السياسات الخارجية الضعيفة ، مما سيؤدي إلى انتقاص كبير في استقلاله السيادي ، وزيادة معاناة المواطنين ، وتشتت لبنة المؤسسات الحكومية ، إلى مؤسسات ووزارات تخدم أفرادا وأحزابا وطوائف بعينها ، وهي من أسوأ وأهم أعراض الفساد السياسي المتمثل بالخروج عن الثوابت الوطنية العليا للوطن والمواطن ، والابتعاد عن مسارات الحكم الرشيد المفترضة ، حيث أن مليارات الدولارات قد تبخرت في غضون السنوات القليلة الماضية ، دون امتلاك الجهات المختصة القدرة المناسبة على استرجاعها ، أو محاسبة المتسببين بها ، بما يريح ضمير المواطن ، ويزرع الثقة فيه من جديد بمؤسسات الدولة ، وتنمي فيه الأمل بأن العراق سيكون يوما ما جزءا من العالم الحر المتقدم ، الخالي من الفساد المالي والسياسي والإداري ، وأن عائدات الوطن لن تكون إلا له ، ومسخّرة فقط لخدمته هو وأقرانه من أفراد الشعب العراقي الصابر، منتظرا معالجات قد تكون مؤلمة ، ولكنها ستكون بالتأكيد قرارات شجاعة من قبل القائمين بالأمر ،وسيقدر المواطن العراقي كثيرا تلك الجرأة والشجاعة ، في الإجابة عن تساؤلاته المستمرة : إن كان سيرى يوما هيئة وطنية مستقلة ومحايدة ونزيهة ولها من الصلاحيات والإسناد الحكومي والشعبي ، ما يمكنّها من رفع صخرة الفساد السياسي الهائلة من طريق التقدم نحو بناء دولة ديمقراطية حقيقية ، ووضع قانون مصيري حاسم يؤطر فيه العمل الوظيفي والإداري ، ويعزله عن العمل الحزبي والسياسي ، ويضع حدودا فاصلة واضحة المعالم بينهما ، وينظم عمل الأحزاب السياسية ، ويفحص بعين الرقيب مصادر تمويلها الحقيقية ، لتجنب تنفيذ أجندات طائفية داخلية كانت أم خارجية ، مادامت مصادر ذلك التمويل يشوبها الكثير من الغموض والإبهام ، في ظل عدم طرح السؤال الأزلي : من أين (لك – لكم) هذا ، وكأني بهم لم يقرأوا  أو يعقلوا قوله تعالى (( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )) . القصص: 77
 
 
 
 
New Microsoft Office Word Document (14).docx

Mazin Salman

unread,
Sep 29, 2011, 7:23:05 PM9/29/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com

Mazin Salman

unread,
Oct 6, 2011, 2:47:07 AM10/6/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com

مزاد الكلمة – الجزء الثاني

بقلم مازن مريزة

باحث أكاديمي

من الدروس الأولى التي يجب على الإعلامي أن يعيها حينما يضع قدمه على أول طريق الكلمة ، أن لديه وظيفة ليس كباقي الوظائف ، وأن لديه مهام مقدّسة في التعبير الصادق عن روح الجماهير وضميرها وفق المعايير الاجتماعية والوطنية ، وأن يكون لها لساناً بليغاً في التعبير الموضوعي ، عن رغباتها وميولها واتجاهاتها الحقيقية ، وتسليط الضوء على مشاكلها ومعاناتها ، بلا تفريط أو إفراط ، وأن لا يكتفي هذا اللسان بتلك المهمة ، فعليه أيضا أن يزوّد تلك الجماهير بالقدر الممكن من المعلومات الصحيحة ، والحقائق الصافية ، بدون مزايدات أو مغالاة ، ولا بأس أن يقدم رأيه الشخصي من باب التنوير والإيضاح ، ونشر ثقافة العقول لا المشاعر ، ثقافة المنطق لا الغرائز ، ثقافة التأثير الإيجابي لا ثقافة التأثير السلبي ، وأن يدلي بدلوه كلما عرض مشكلة أو أزمة أو عقبة تمّر بالمجتمع ، وتقديم الحلول المشروعة والمعالجات المناسبة في ضوء ما يحمل من ثقافة ووعي ومعارف تؤهله للاستمرار في مخاطبة العقول والثقافات والسلوكيات والشخصية الحقيقية لتلك الجماهير التي تنتظر منه الكثير . 

وعلى الرغم من مرور ثمان سنوات على غروب شمس الإعلام الرسمي المُسّيس ، للنظام الشمولي السابق في العراق ، والذي كان يلزم دوما وأبدا جانب السلطة الحاكمة آنذاك ، ويعبّر عن سياستها غاضّا الطرف عن مدى جديتها ونزاهتها وشفافيتها ، عادّا جميع أنواع الحريات – ومنها حرية الصحافة – خصما دائما للسلطة في ضوء النظرة السلبية لحرية الصحافة ، من باب وضعها تحت دائرة الشك ، في إمكانية استهدافها لتماسك المجتمع وسيادة الدولة العراقية ، الممثلة برموز محدودة وأساسية وحاسمة في كينونة الدولة العراقية ، في ظل نظام المجتمع المغلق الذي خضع له العراق ، والذي استمر قرابة الأربعة عقود الأخيرة من القرن الماضي، والذي أضطر فيه الجمهور من جانب واحد ، إلى الإصغاء إلى صوت النظام السياسي الواحد الذي لا تعرف لسلطته حدود ، والذي يسعى ببساطة إلى تسيير كل مظاهر الحياة العامة والخاصة ، وإدارة شؤون الجمهور ، والهيمنة المطلقة على مجريات الأمور اليومية – ومن ضمنها الإعلام -  في محاولة مستمرة منه لتأمين استمرار وإدامة النظام ، وإضفاء الصيغة الرسمية بصورة دائمة على كل الظواهر الاجتماعية والثقافية والفكرية للجمهور، واحتكار التعبير عنهم بما يتناسب مع فعالياته وفكره ، من خلال السيطرة التامة على جميع وسائل الاتصال الفعّالة من صحف ومجلات وإذاعات وأجهزة الاتصال المرئية ، وعدم السماح لأي تعبير فعلي أو معنوي من خلال تلك الوسائل أو غيرها ، بالتعبير بحرية عن أي معارضة ، حتى لو كانت ايجابية ، أو أن تتجاوز تلك المعارضة حدود سلطاتها الشمولية التقليدية ، ومع هذا نجد اليوم أن الصحافة والإعلام في العراق ، ما يزال يعاني من ظروف غير مثالية ، يساعدها في الانعتاق النهائي من مسارات السياسيات الحكومية والحزبية ، بل وأضيفت إليها تشابكات ومسارات جديدة ، تمثلت في تعقيدات العلاقة بين الجمهور والدولة من جانب ، وبين الجمهور ومواقفه من الكم الغير مسبوق من الأحزاب السياسية والعلمانية والدينية والمناطقية ، التي ظهرت في بداية العقد الحالي ، واعتبارها منصات جديدة ينطلق منها الإعلام ، للتعبير عن فكر وأيدلوجية ووجهات نظر تلك الأحزاب والمنظمات ، وأداء أدوار ضيقة ، أقل شأنا مما هو مطلوب منه ، ليساهم كثيرا في إضعاف دوره الحقيقي ، في مواجهة التحديات الأساسية في دعم البلد للوصول إلى الحكم الرشيد ، وتوثيق العلاقة بين المواطن والدولة ، وتسليط الضوء على أي نوع من أنواع الفساد الذي قد يطرأ أثناء عمليات البناء والتنمية ، وكشف أي تهاون حكومي في حقوق الجمهور أو سيادة الوطن ، وصيانة تلك الحقوق ليس من خلال تصوير الإعلام خصما للدولة ، بل من خلال تقمصه دور الرقيب الناصح والعقل المنفتح على مواجهة الحقائق المجردة ، وبالتأكيد أصبح عمل الإعلامي اليوم أقل مشقة من ذي قبل وإن كان أكثر تعقيدا، في خضم ثورة تدفق المعلومات وحرية تنقلها وسهولة الحصول عليها ، وتطور وسائل الاتصالات والمواصلات وشبكة الانترنيت ، النافذة الحرة الجديدة للمحيط الداخلي والخارجي ، مما يدفع إلى توقع دور أوسع للإعلام في دعم تشكيل الدولة المدنية الحديثة ، والتركيز على ثقافة القواسم المصيرية والثقافية المشتركة بين أفراد الوطن الواحد ، وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية في حق الفرد في العيش فوق أرض العراق والتمتع بخيراته ، بغض النظر عن انتمائه القومي أو الديني أو المذهبي ، وإقصاء التباينات السلبية التي شوّهت كثيرا المنظر الديمقراطي الفتي بين مكونات الشعب الواحد ، وفض الاحتقانات السياسية والعرقية والطائفية ، من خلال استحضار الشعور الوطني للأفراد والأحزاب ، وإنماء صيغ جديدة للترويج لثقافة الاختلاف السلمي بين الطوائف والأحزاب ، واستشعار آليات مشتركة للحوار الأخوي للتعبير الحر الذي يحترم وجهة نظر الآخر من دون المساس بثوابته ، أو استهداف وجوده ، أو السعي لتهميشه ، أو المطالبة بإقصائه ، ووضع أولويات وأهداف جامعة للكل ، ودعم السعي الحثيث لبلوغها دون التوقف طويلا والاستغراق في مناقشة أمور جانبية ، وقضايا هامشية ، من خلال الدفع نحو زيادة الوعي الثقافي الجماهيري ، واستخدام الكلمة الراقية النابعة من واقع حاجات واهتمامات الجمهور، والفكرة الهادفة الملونة بكل ألوان الطيف السياسي والوطني العراقي ، لتكون مقنعة ومقبولة للمتلقي بتوازنها وصدقها وعفويتها ، حتى يتبين له الرشد من الغي.

ومع هذا نجد البعض من أدعياء الإعلام ممن توصفوا بهذه الصفة ، ممن حالوا الاستظلال تحت خيمته الناصعة ، والاندساس بين رجالاته الشرفاء ،  يعرضون أقلامهم وصحفهم وقنواتهم التلفازية ، ومواقعهم الالكترونية لما يشبه المزاد الغير معلن ، لمن يدفع أكثر ، ليسمحوا لأنفسهم بالتغاضي عن مبادئهم الفكرية والدينية والأخلاقية ، مقابل حفنة من المال السحت في سوق نخاسة الكلمة ، الذي لا يجرأ حتى بالتفكير بدخوله ، أيا من الإعلاميين الذين يحمون نزاهة أقلامهم  خلف قلوب صادقة، وعقول عارفة ، وضمائر حية نابضة بحب الوطن ، من الذين يرتجى منهم كل الخير ، على العكس ممن عرضوا كلمتهم في مزاد الكلمة ممن حالوا افتراش دربها ، ورفع إحدى راياتها ، متوهمين إمكانية الحصول عليها كأي سلعة رخيصة بواسطة نشر المزيد من الأكاذيب والضلالات وإثارة شهوة الحقد والقتل غير الطبيعية عند المتابعين لها ، معتمدة بشكل أساسي على الخداع والتزييف وتشويه الحقائق ، لدفع الناس إلى أزقة الضلالات المظلمة ، ومهاوي الانحلال والتفكك ،المتشابكة بشكل غير محدود مع تعقيدات الكثير من الدوائر المتقاطعة في ما بينها .

ومازالت الكثير من وسائل الإعلام اليوم تقوم على تقديم المزيد من تلك الضلالات للناس ، فتحط من مستوى تفكيرهم ، فكلما قررت أن لا أشاهد قناة ((الرأي)) ، كلما غافلني فضولي وأغرى أصابعي بالضغط على أزرار (الريموت كنترول ) ، ليغرق وجهي بعدها بابتسامة فاغرة لا أعرف لها معنى ، كلما أطل علينا صاحب القناة السيد مشعان الجبوري ، وهو يطوح بالكلمة هنا وهناك ، ويسمح لنفسه بالهبوط إلى أدنى المستويات ، من خلال استخدامه أسلوبا باهتا وخليطا من الأفكار السطحية والشتائم البذيئة ، ولم يتوقف الأمر إلى هذا الحد بل لجأ أخيرا إلى استخدام لغة الشتائم العامية ، بإصرار عجيب في الاستغراق في الإساءة والتجريح للملايين من أبناء شعب ليبيا الحر ، واصفا إياهم باللصوص والحرامية ، وأخيرا وصفهم بال( سختجية) و ( الكلاوجية ) في محاولة منه للخروج على المألوف كعادته ، ولكنه سجل سقوطا مصورا جديدا ، وانحدارا هزيلا : في برنامجه المُمل (على المكشوف ) ، الخالي من أي إبداع أو أبهار ، حيث لا يعدو كونه يقوم بعرض شخص يجلس على كرسي أسود فخم ، يتلفت يمنيا ويسارا بلا انقطاع ، وتدور عينيه في محجريها في كل الاتجاهات بلا توقف ، ليقوم طيلة وقت البرنامج بسب الآخرين وتجريحهم والإساءة إليهم ، مستخدما لغة لا يستسيغ تذوقها سوى شريحة محدودة جدا من الجمهور المتطلع إلى المزيد من ثقافة التعرية والتطبيل ، وفك الارتباط بكل ما هو مثالي وجميل ، والمهووس بإعلام الباذنجان القائم على التضليل والتزييف وتصفية الحسابات الشخصية ، بدلا من الإعلام الهادف البناء ، الذي يحاول أن يقود الجمهور إلى منابع الحقيقة الصافية ، والنقد الهادف البنّاء ، بلا شخصنة أو تصفية حسابات ذاتية ، وعدم السماح للهواة والطارئين على مهنة الإعلام بالانحدار سواء بالمحتوى أو باللغة ، كونها السلطة الرابعة المفترض وجودها في أي نظام ديمقراطي حقيقي ، بل وربما يمكن اعتبارها العمود الفقري للحضارة المعاصرة ، كونها تؤدي واجبات النقل والشرح والتكامل الحضاري كأهم طريقة من طرق تفسير الفكر المحلي ، وإعادة صياغته بطريقة ملائمة ليندمج مع الفكر العالمي ونقل المعلومات إلى  المجتمع الإنساني أجمعه، وبالتالي المشاركة الفعالة في صياغة الحضارة الإنسانية ، فهي كتراتيل مرمزة للأزمنة والأمكنة لها نكهتها المميزة ، أو كالعدسة الملونة التي ينظر من خلالها إلى العالم وحضارته، وهكذا تصبح لغة الإعلام لغة حضارية راقية ، تربط المجتمع التقليدي بباقي العوالم المتقدمة ، لا بتكنولوجيتها وعلومها وحسب ، بل وبرقي أجهزتها الإعلامية المحايدة والشفافة .  

وأخيرا ، دعونا نكرر دعوتنا في الجزء الأول من هذا المقال المتواضع للقائمين على هذه القناة وأمثالها من القنوات التي لا تلتفت سوى لرغبة وسلطة الأثرياء ، وأعلموا يا هؤلاء أن الكلمة أمانة في أعناقكم رجالا ونساء إلى يوم الدين ، وأن الكلمة سراج ينير الدرب للماشين في طريق الفضيلة ، وكلما صلُحت وزاد صدقها كلما أضاء نورها ، وكلما زاد زيفها كلما خبثت نارها وازداد دخانها الأسود، وأعلموا أن رسالتكم تشبه رسالة الأنبياء والمرسلين في جانب مهم منها ، هو جانب الكلمة الصادقة ،والتبليغ وإيصال الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة ، وفي الحديث: "بلغوا عني ولو آية"، أي أوصلوها لغيركم وأعلموا الآخرين، كما يتجلى الحديث عن الكلمة الصادقة التي تأبى أن تُطرح في أي مزاد بأبهى صوره بقول الله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ), في إشارة واضحة وصريحة إلى ثمرات ونتائج هذه الكلمة الطيبة ، وتصويرها كشجرة عالية شامخة تصل عنان السماء بثمراتها الطيبة ، وآثارها الطيبة في توحيد المجتمع ووأد الفاحشة في مهدها ، وسد أبواب شرورها، أما الكلمة الخبيثة فقد قال تعالى عنها في السورة نفسها (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ) ، وتصويرها كشجرة قميئة خبيثة ، لا جذور لها ولا منطق سوى منطق الشعارات الجوفاء، والكلمات الفارغة ، التي تتقيؤها الأفواه كأخبث ما تكون من لغة كريهة ملوثة بأدخنة الكذب والتضليل ، تلقيها تلك الأفواه اللاهثة وراء اللقيمات الحرام ، لتخرج تلك الكلمات بلا جذور ولا أصول ولا ثمرات ، هذا كلام القرآن عن الكلمة الطيبة ، أما الكتاب المقدس، فيبدأ إصحاحه الأول بقوله : في البدء .. كان الكلمة..والكلمة كان عند الله.... (إنجيل يوحنا – الإصحاح الأول )، فطوبى للصادقين الذين لا تكفي كل أموال الدنيا لشراء كلمتهم وضمائرهم ونقاء سريرتهم ، وطوبى للمخلِصين الذين لم يخونوا حبهم وعشقهم وانتمائهم لشعبهم المغلوب على أمره، طوبى لهم ولرايات مضايفهم المتوهجة في عمق دياجي الحسد والكراهية والبغضاء ، شامخة كالشجرة الطيبة العالية التي تجذب الباحثين عن البيرق الناصع للكلمة الصادقة والكلم الطيب ، وعن خبز الأمهات المعجون بالنخوة والطيبة وماء دجلة والفرات ، طوبى للأوفياء الذين عشش الحب في أعماقهم وأورد زهرا على ألسنتهم وشفاههم ، وعرّش الطهر من بين أناملهم ليتساقط كحبات الهيل التي تعطر قهوتهم الفوّاحة بعطر الانتماء الخالد للوطن قدس الأقداس .  
New Microsoft Office Word Document (15).docx

Mazin Salman

unread,
Oct 15, 2011, 8:51:50 AM10/15/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com
 
قصة قصيرة بعنوان : الغـــــــريب
بقلم : مازن مريزة
باحث أكاديمي
كنت أصادفه في كل صباحاتي  ، بظهره المحني وعصاه غير المشذبة ، ملابسه العتيقة على نظافتها ، ومسحة حزن تعتلي ابتسامته الباهتة ، كلما رد عليّ تحية الصباح ، ينتابني شيء من الشعور بالرثاء لحاله ، وتغزوني الرغبة في تقديم يد المساعدة إليه ، أي مساعدة مهما كان نوعها ، سكان الحي لا يذكرون بالضبط ، منذ متى ماتت زوجته ، وتركه أولاده ، ولا أحد بالضبط يعرف إلى أين يذهب في كل صباح ، أعود مساءا مثقلا بهمومي ، تحاصرني عوالم كبيرة من الأحلام عما سيكون عليه الحال إن تغير حاكمنا الرمز ،فيشغلني ذلك عن البحث عن وجهه من بين الوجوه المتعبة العائدة إلى بيوتها  بعد انتهاء يوم حافل،  صادفته أحد الأيام يدخل قسم الشرطة ، ولم أهتم كثيرا للأمر ، فربما لديه أي سبب معقول يدفعه لذلك ، إلا سبب واحد لم يخطر على بالي  قط ، حينما رأيته أمامي في القسم....قسم الشرطة ، ليلة اقتادني المخبرون وهم يكيلون إلى أقذع أنواع السباب ، ويصفونني بأبشع الصفات ، وحينما انهالت علي رقبتي أولى الصفعات ، التفتُ لا إراديا ، لأرى نظرة حادة تغزو وجهه الغاضب غير تلك التي تعودتها ، أقترب مني ، وقال لي ناصحا ، أستاذ من الأفضل لك أن تعترف ، وتتجنب المزيد من الضرب والاهانات ، تحرياتنا تفيد بأنك تعمل ضد الحزب والثورة منذ مدة ، والاعتراف سوف يكون على إيقاع الألم إن لم تبادر ، وضعوني في زنزانة تفوح من جوانب ساديتها الصامتة رائحة الأفواه الجائعة التي ربما قبعت طويلا بين جدرانها الرطبة ، وضعت يدي بين رأسي متأملا ما هي تهمتي ، وبعد أيام واجهوني بتهمتي الحاضرة الغائبة ، مناهضة النظام ، رجال لهم هيئات الرجال ، ولكن وجوههم متشابهة ، بشواربهم الكثة ، وسحنتهم الغاضبة ، وبشرتهم السمراء ، وأصواتهم الباردة ، ولباسهم المتشابه بلونه الزيتوني ، وأحذيتهم البنية يعلوها غبار الأروقة المظلمة ، التي لم تعرف طعم النظافة منذ سنين ،  أقتحم غرفة التحقيق ، بقامة لم تكن منحية هذه المرة ، وعصاه التي كان بتوكئها يسير ، أصبحت طيعة في قبضته يلوح بها يمنيا ويسارا ، في فضاء الغرفة الضيق ، وجوها الخانق ، وجدرانها المزينة بقطرات داكنة ، من حبر أحمر مر عليه زمن طويل ، حتى أنها حطت على جسدي الجائع ، المملوءة مساماته بعرق الخوف البارد ، مرات ومرات ، حتى امتلأ فمي بطعم القيء المر ، وناجتني رغبة حقيقية بإفراغ ما في جوفي الفارغ مرارا ، وأنا أتلقى الصفعات والركلات ، وفنونا من الشتائم والسباب ، لم أسمع بها في أي شارع من شوارع بغداد القديمة من قبل ، ولم أقرئها ضمن مئات الكتب التي تناولتها أصابعي المرتعشة الآن ، حاولوا معي أياما بلياليها ، لم يحصلوا مني سوى على الصمت الحانق ، وبضع دمعات حارة كانت تغافلني كل مرة يعتريني فيها اليأس ، منسابة على خدي المطرز باللون الأزرق والوردي ،ولو أن أحدا قال لي قبل اعتقالي ، أنك ستشعر بكل سعادات الدنيا ،وتستحضر كل أفراح العالم ، حين تجرك رجليك المهدودتان ، إلى تلك الزاوية الدافئة من زنزانتك ، لتقبع فيها ساعات طويلة ، لما صدقته ،ولكنني كنت أشعر فعلا بطعم السعادة وألوان الفرح ، حينما انزوي فيها على نفسي ، وأحضن ركبتي بيدين متهالكتين ، لأوفر ملاذا آمنا وبقعة صغيرة فيها القليل من الدفء ، لأخبئ فيها رأسي الذي شاركتني فيه بضع قميلات ، تركهن لي رفيق الزنزانة السابق ، كتذكار ودليل على مروره الحزين في نفس الأجواء ، مرت الأيام ثقيلة كسنين عجاف ، تأبى أن تفنى في عالم الزمن المتحرك في كل الاتجاهات ،وجاء الفرج بعد أشهر من العذابات اللامتناهية، قويا حادا وبلا مقدمات ، قدموا لي بعجالة ورقة صفراء أتعهد فيها بحسن السير والسلوك ، كلص وضيع ، يسرق الناس أقواتهم ، وشطبوا من تاريخي الشخصي ، كل شهاداتي وقراءاتي وكتاباتي ، ليختزلوا أكثر من ثلاثين عاما كانت فيها الشمس تشرق بالنسبة لي من الغرب ، بورقة صفراء طواها صاحبي ذو العصا الأثيرة ،الذي لم تبد ذاكرتي الكثير من الجهد في حفظ أسمه الرنان إلى آخر العمر : الرفيق عدنان ،  بعد أن ألح تارة بالوعيد وأخرى بالرجاء الممزوج بالتهديد ، بضرورة الالتزام بالصمت المطبق ، ليضعها في ملف أكتظ بالعديد من مثيلاتها ، التي تختصر كل واحدة منها مصير إنسان له عائلة وتاريخ والكثير من المشاعر والأحاسيس ، وربما لديه حبيبة يكتب لها الشعر وبعض الخواطر ، كما كنت أفعل مع حبيبتي قبل عشرين عاما .
خرجت وأنا أعي بيقين تام ، بأنها لن تكون الزيارة الأخيرة ، وأن أهدار الكرامة سيستمر إلى ما شاء الله ، تابعت سيري مضللا بيدي اليمنى عيني اللتين لم تألفان النور من مدة ، وتوكأت بالأخرى مستندا عليها بالكثير من الجدران التي مررت عليها بطريقي ، لأن هيئتي ببساطة لم تقنع أي سائق أجرة بأن يقلني بسيارته ، ربما تصورني البعض منهم بأنني مخبول أو ربما أدركوا بطريقة ما بأنني خارج مع قسم الشرطة القريب من الشارع العام ، وصلت البيت بعد مساعي حثيثة ومحاولات مستمرة لإقناع رجلي في كل مرة كانت توشك فيها على الانهيار ، فتحت أمي الباب وسقطت باكية متمتمة بالشكر لله والأولياء الصالحين ، تناولت مثل ما لم أتناول من قبل يدها التي صافحتها يد السنين ، وطبعت عليها أعمق قبلة قبلتها لأحد في حياتي ، لم تسعفني أمي بالمزيد من الوقت لألملم شتات نفسي ، حينما أغرتني بعد ساعات من وصولي ، وقبل أن أُشبع تماما معدتي الخاوية من طعامها الدافئ بضرورة مغادرة البلاد ، لم استطع مقاومة أرقي ليلتها ، بقيت ساهرا إلى ساعات الصباح الأولى متأملا مكتبتي العامرة ، متفكرا بإغراءات الهجرة ، ولذات العيش بعيدا عن الألوان الترابية والزيتونية ، مرتميا بين أحضان التمدن والرقي والإنسانية ، وزهو الألوان وخضرة الروح ، جمعت ما تبقى من شظايا روحي المكومة في قعر جسدي الملون بألوانه الجديدة ، الأزرق والوردي والبنفسجي والأسود ، وحشرت بعضا من ملابسي في حقيبتي الجلدية الوحيدة ، وحملتُ نفسي التي لا يمثلها بقاموسهم سوى دفتر أخضر صغير ، يسمونه جواز سفر ، وتركت كل ما أملك خلفي ، أمي وحبيبتي التي انتظرتني عشرين عاما دون أن تدرك بأنها كانت تنتظر القطار الخاطئ في المحطة الخاطئة ، تهتُ في دروب المنافي دهرا ، أمضغ خبز الغربة المحّلى بصورة أمي  ، وأشرب خمر أيامي من كف حبيبتي المعروقة التي ما زال أثرها في يدي ، وأجتّرُ طعم الماء في كأس ذكرياتي الأليمة ، حتى صفعني صوت التلفاز في إحدى مساءات المنفى الباردة ، ولسعني صوت المذيع كألف أفعى أفريقية ، وهو يكرر بإصرار ، أن زمن الترابي والزيتوني  والأسود المرير في وطني قد ولى بلا رجعة ، وأن عهدا جديدا قد بدأ اليوم ، حاولت أن أخلع عني عباءة النعاس ، وفركت عيني مرارا لأدرك بأنني لا أحلم ، وأن تلك الأفاعي الأفريقية ،حقيقية كحقيقة الخبر الذي التجأ أخيرا إلى  قعر مسامعي ، زاحفا بلذة إلى قسمات وجهي لينشر عليها انفراجا لم أعهده منذ سنين ، ينصحني الأصدقاء بالتريث ، كلما حزمتُ حقائبي ووضعتُ جوازي الغريب عني ، في جيبي ، مستعدا للعودة إلى الوطن ، متهيئا بتيمن للمشاركة في رسم المشهد الجديد ، ولكنني كنت أصدم في كل مرة ، أرى فيها طفلا مذبوحا ، أو أمرآة تندب زوجا أو ولدا ، والعشرات من المركبات المحروقة التي يتصاعد من الدخان ،على شاشات التلفاز التي باتت تتسابق في ما بينها لنقل المزيد من الأخبار الساخنة والصراعات اللا متناهية  ، وفي كل مرة كنت أنجح في كبح جماح نفسي ، إلا تلك الأمسية التي سمعت فيها بوضوح نادر أنفاس أمي المتلاحقة ، وهي تحاول أن تخفي صوتها المتعب ، وسعالها المتتالي ، لم تمزح معي ذلك الصباح ، حينما عاودت الاتصال بها بعد تلك المكالمة المسائية ، كما كانت تفعل في كل مرة ، ومن المرات القليلة في حياتي ، ضغطت على زر إيقاف العقل ، وأعطيته راحة تامة ، معتمدا على التصرفات الآلية التي اعتاد الجسم أن يقوم بها  ، في حال خروج العقل عن نطاق التغطية أو حتى السيطرة ، وحشرت مرة ثانية بعضا من ملابسي في حقيبتي التي لم تكن وحيدة هذه المرة ، ووضعت جوازي في جيبي والذي لم يكن أخضرا هذه المرة ، وتكومت في أول طائرة متجهة إلى الوطن ، لم أنم كثيرا كباقي المسافرين على الرغم من طول المسافة ، حلمت بأشياء كثيرة ، بنخلتنا التي تتوسط حديقة البيت ، ومكتبتي المليئة بكتب لم أقرأها بعد ، وبوجه أمي الطيب وكيف أصبح الآن ، بقبر أبي اللائذ بقبر أحد الأولياء الصالحين ، في حبيبتي التي تجنبت السؤال عنها بمرارة لسنين طويلة ، بعد أن سمعت بأنها قد تزوجت من أحد أقربائها ، وبشارع المكتبات ، وبالمقهى البرازيلية ، وبأصدقائي ، ...... ، فتحت عيني المملحة على أصوات أزيز مؤلم ، وصرير خشن ، وأدركت أن الطائرة تهبط في أحد المطارات القريبة من الوطن ، لأبدأ رحلة برية ثانية للوصول إلى الهدف الأخير ، لم أتمالك نفسي عن البكاء حينما بدأت عجلات المركبة تلامس أول بقعة من تراب الوطن ، وودت أن أسأل السائق بل أن أتوسل إليه وأقبل يديه ، أن يتوقف للحظات حتى أستطيع الترجل لأشم رائحة التراب ، ولكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة ، لأتمكن من أن آخذ وقتي لاحقا في ممارسة تلك الطقوس التي رتبت لها منذ وقت طويل ، بقيت مرتميا في حضن أمي كطفل صغير ، وجربت في حضنها كل أنواع النحيب والبكاء ، مرة بكيت بصمت ، وأخرى بكيت بنشيج عالي حتى تصورت بأني روحي ستفارق جسدي ، حتى أنني أذكر بأنني بكيت ضاحكاً ، وضحكت باكيا ، وحينما بدأت غشاوة البكاء واللهفة والتعب تنقشع عن عيوني ، وبدأت أنفاسي تستقر مع أول استكان شاي أعدته لي ، حتى رأيت بان نخلتنا الباسقة لم تعد موجودة ، وأن مكتبتي قد تخطفتها أيادي الصغار الذين كبروا بغيابي ، وما بقي منها أتلفه الغبار والزمن ، على إني لم أحزن على المكتبة بقدر حزني على حبيبتي التي روت لي أمي كيف تمزق جسدها الفارع الطول بإحدى العمليات الحربية ، في المساء الثاني التقيت بما تبقى من أصدقائي ، الذين أقنعوني بالاستقرار النهائي ، والعمل بإحدى الجامعات المرموقة ، لحاجة الوطن الماسّة للكفاءات في هذا الوقت العصيب ، مرت أيام قبل أن أتمكن من إقناع نفسي نهائيا ، بالعودة النهائية إلى الوطن ، وفي إحدى الصباحات  الصيفية الحارقة ، خرجت أمّني النفس بالحصول على جولة دافئة في الحي الذي قطّعته الجدران الخراسانية إلى أقسام وأقسام تحت مسميات شتى ، ابتعدت قليلا عن البيت ، حتى استوقفني ثلاثة من الشبان المسلحين ، وسألوني عن هويتي التي لم يدر بخلدي قط أن أحملها ،وكانت أسئلتهم استفزازية إلى حد كبير ، حينما أدركوا بأنني لا أحمل أي شيء يعّرفهم بنفسي ، ولاسيما أن لهجتي البغدادية الأصيلة قد شابها شيء من الصدى ربما ، فطلبوا من بلهجة آمرة التوجه معهم إلى رئيسهم ، ولم أجد بدا من ذلك ، سرنا قرابة العشر دقائق ، لندخل مكتبا متوسطا يجلس فيه شخص في منتصف الستينات ، وسلاحه اللامع مركون في زاوية المكتب ، والعلم الجديد يحتل مكانا مميزا في الزاوية الأخرى من المكتب ، وعصاً مرمية بلا مبالاة على الطاولة القريبة  ، شرح أحد الشبان المسلحين باقتضاب حذر مشكلتهم معي ، وطلبوا منه الأمر والمشورة في ما عليهم أن يفعلوه بي ، وأخيرا التفت إلى وسألني ببشاشة ، عن بطاقتي الشخصية ، لقد شعرت بأنني أعرف هذا الكهل ، ولكن ذاكرتي المثقوبة لم تسعفني بالكثير من الإجابات ، تفرست وجهه مرارا علّي أتعرف على هذا الوجه الملتحي بلحية خفيفة ، ولكني أعترف بأنني كدت أفشل ، قبل أن يخاطبه أحدهم باسمه (الحاج عدنان) .............. ( الحاج عدنان) ........ ماجت الأرض تحت رجلي ، وتلوت كراقصة غجرية ، بحركاتها العنيفة ، وسقطت متهالكا بعد أن تخطى طعم القيء المر في فمي مرة أخرى كل الحدود الطبيعية ، لأجد نفسي بين أحضان أمي مرة أخرى وهي تمسح قطرات العرق البارد من جبيني ، ودعت أمي وأنا أحمل حقيبتي ، واعدا إياها بأنني سأعود لرؤيتها قريبا ، وأنا أعلم بأنني أكذب عليها للمرة الأولى ، وبأنني لن أعود يوما ما دام أمثال الرفيق الحاج عدنان الذين بتُ أعرفهم من سحنتهم يسرحون ويمرحون في أرض الله ، ومازلت عصيهم مسلطة على رقاب العباد وهم مازالوا يتساءلون في جنون  نحن موجودون في هذا الكون منذ قرون …  فمن  يا ترى نكون…. ؟
 
 
الغريب.doc

Mazin Salman

unread,
Oct 29, 2011, 5:47:48 AM10/29/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com
 

أكبر ميزانية بتاريخ العراق

بقلم مازن مريزة
باحث أكاديمي

    أوشك العملاق الحديدي الهادر على الوصول إلى مبتغاه الأخير، ليُسدل الستار على رحلتنا الأخيرة إلى إمارة دبي ،حينما بدأت أضواء الطائرة بالتراقص على وجوهنا الناعسة ، وكلمات قائد الطائرة المرّحبة بلكنته البريطانية وهجّت فينا الرغبة للتطلع من النافذة إلى وجهتنا القادمة ، لتأسر النفوس المسافرة وراء الأفق إلى تلك المدينة الساهرة على خد الخليج العربي ، تداعبه بنغماته الحالمة ، ورماله الندية ، وقد أوشك اليوم على نزع عباءة الليل السوداء المطرزة بأضواء المدينة الملونة ،لتنتابني كما دوما تلك المشاعر المتناقضة ، التي تراودني في كل مرة أزور فيها دولة الإمارات العربية المتحدة ، وإمارة دبي بالتحديد ،مشاعر متقلبة ومختلطة ما بين الفرح والأمل ، السرور والحنين ، الاعتزاز والحرمان ، تتجمع لتفضي في النهاية إلى شعور لذيذ بالبهجة الممزوجة بالفخر العميق كوني مواطن عربي أعتز بعروبتي كثيرا، وبكل ما هو عربي ، وأفتخر كثيراً بما وصلت إليه هذه الدولة العربية المعاصرة ،على الرغم من حداثة تأسيسها ، وأزهو مبتهجا بتلك المدينة المعجزة التي خرجت من رحم الصحراء القاحلة ، لتحيلها جنة عملاقة من جنان الأرض ، وما رافقها من نجاحات حقيقية في تحقيق نسب نمو متقدمة على كافة المستويات، مكنتها بجدارة من منافسة  كبريات المدن العالمية ، لتنظم لاحقا إلى قائمة أجمل وأفضل عشر مدن بالعالم، وأصبحت باستحقاق تاج المدن العربية ، ومن الأخطاء الشائعة لدى الكثير ، الافتراض المسبق بأن اقتصاد الإمارات هو اقتصاد نفطي ، وأن مصدر الدخل الرئيسي هو النفط ، فالنفط مثلا لا يشكل سوى أقل من 6%  كمورد للدخل في الميزانية العامة لحكومة دبي ، بينما تشكل الموارد الذاتية للوزارات والهيئات الاتحادية ، أكثر من خمسين بالمائة من الموازنة العامة للإمارة ، بينما تُعد تعد قطاعات التجارة والتصنيع والسياحة والاستثمار والضرائب والخدمات ، القنوات المالية الرئيسة المكمّلة لإيرادات الإمارة  ،التي استقلت في العام 1971م ، واتحدت مع باقي الإمارات ، لتنطلق في سباق التطور مع الزمن في بناء تجربتها الاقتصادية الخاصة،بطريقة مدروسة ومخططة بعناية ، تقوم بالأساس على فكرة تقليل الاعتماد على النفط كمكون حاسم للتمويل الرئيس للاقتصاد ، وتنويع مصادر الدخل ،وإيجاد البدائل المناسبة لإثراء مصادر التمويل وتنميته والتركيز على الاستمرار في تطوير محفزاته ، مع الاحتفاظ بإيرادات النفط كأحد الأنشطة الاقتصادية الغنية العديدة ، التي يدّر باستمرار مدخولات إضافية لا بأس بها ،  في خطوة ناجحة لتجاوز الحجم الجغرافي وتحفيز الحجم الاقتصادي ، لتحتل حجما عالميا مرموقاً ، باعتبارها ثالث أكبر مركز في العالم للتبادل التجاري والتصدير وإعادة التصدير ، في ميناء جبل على الذي تأسس في العام 1979 م ، وافتتاح منطقته الحرة بعد ذلك بست سنوات ، لينجح في استقطاب استثمارات محلية وإقليمية وعالمية هائلة ، ليصبح نقطة ضوء بارزة ساهمت بشكل مباشر في صنع المناخ السليم لنجاح التجربة الإماراتية ، ومنظومتها الاقتصادية المتميزة ، على أني لا أنكر دهشتي وأنا أعيد تصّفح إحدى الصحف الرسمية المحلية مراراً ، لأتأكد من الخبر الذي أثار في نفسي مكامن الدهشة ، ومعاقل الاستغراب ، وأنا أقرأ عن اعتماد الموازنة الاتحادية العامة لدولة الإمارات العربية المتحدة ،للعام 2012م ، والتي أقرّتها الحكومة في الحادي عشر من أكتوبر – تشرين الأول ، بواقع ( 41,4 مليار درهم ) والتي تعادل فقط ( 11,5 مليار دولار أمريكي) ، فقد كنت أفترض خطأ ؛ بأن ميزانية دولة لها تلك البنية التحتية العريضة ، مع كل مرتكزاتها الرئيسة والثانوية ، تتجاوز هذا الرقم بكثير ، مع كل ما تتمتع به تطور ،يشمل الهيئات الاتحادية ،والمنشآت العامة ،والطرق والجسور والأنفاق ،والسكك الحديدية والموانئ البحرية العملاقة ،بالإضافة إلى الخدمات الراقية في مجالات الماء والكهرباء والاتصالات ، مما أهلّها لتحل في المركز السادس عالميا في مجال جودة البنية التحتية من ضمن 133 دولة تنافست في ما بينها ، بحسب تقرير التنافسية العالمي للعام 2009 – 2010 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي ، حيث أن البنية التحتية تُعد أحد العناصر الأساسية لقياس التنافسية الاقتصادية لأي دولة ، وبتلك الموازنة التي لا تتجاوز الاثني عشر مليار دولار ، تستمر تلك الدولة المعاصرة ، بتنفيذ سلسلة عملاقة من مشاريع البنية التحتية ، تشمل السكك الحديد ، والمزيد من طرق المواصلات المتطورة ، وإنشاء محطة كهرباء جديدة تعمل بالطاقة النووية ، بالإضافة إلى مئات المشاريع الأخرى في مجالات الخدمات والتعليم والأمن والثقافة والإسكان ، مما دفعني لإعادة النظر والتأكد مرة أخرى من الأرقام المنشورة في الصحيفة مرارا وتكراراً - من مصادر رصينة أخرى- ، لأصل بعدها لتلك القناعة النهائية لأطمأن من صحة الخبر وصحة ما ورد فيه من أرقام ، مما دفع تفكيري دفعا بطريقة عفوية لا إرادية ، للمقارنة بين الموازنة العامة لدولة الإمارات العربية المتحدة مع كل ما ذُكر ، والموازنة العامة لجمهورية العراق لنفس العام 2012 م ، والبالغة ( 112 مليار دولار) ، بحسب وكالة ( شفق نيوز) ، لا أجد وصفا مناسبا للفارق بين موازنة البلدين الشقيقين سوى بالقول بأنه : هائل ، حيث تعادل ميزانية العراق عشرة أضعاف ميزانية الإمارات ، والفارق ضخم أيضا بل ومهول على أرض الواقع ، في حال المقارنة بين جودة البنية التحتية وواقع الخدمات بين البلدين ، أدرك جيدا أنه ليس من الإنصاف بمكان ، مقارنة دولة تتمتع بكل عوامل الاستقرار منذ تأسيسها إلى يومنا الحاضر ، ببلد كالعراق عصفت فيه الحروب والصراعات العسكرية الخارجية ، والاحتدامات السياسية الداخلية ، والاحتقانات الطائفية والعرقية ، التي أدت إلى خلق المزيد من التعقيدات والمشاكل ذات الحلول الصعبة إن لم تكن مستعصية ، وأدرك أيضا أن سائلاً ما قد يطرح تساؤلا منطقياً عن جدوى المقارنة بين بلدين ، يفوق أحدهما الآخر بمساحته الشاسعة مقارنة بالأصغر جغرافيا أضعافا مضاعفة ، ويفوقه بنفس النسبة بعدد السكان ، ولكن دعونا نضع مشاعرنا وعواطفنا جانبا لبرهة من الوقت ، ودعونا نتحدث بلغة الأرقام والمنطق الذي يحكم فهم الجميع ، بقناعات جلية لا لبس فيها ولا شك ، باعتبار تجربة دبي الإيجابية إنجازاً لكل العرب ، وأملا مفتوح النهاية لكل الطامحين في تجاوز محنة العراق ، من خلال النظرة الإيجابية البنّاءة بعيدا عن التطرف والتشنج ، والبدء بتشخيصها والحديث عنها بروية وصراحة ، كي نفهم بعضا من الحقائق البسيطة التي قد تغيب عن الأذهان في خضّم الضوضاء المُضَخمة ، التي اعتدنا سماعها في حلبة الصراعات الحالية ، بين الكتل السياسية المتصارعة .

دعونا نبتدئ بالمنطق الأول ، وهو فارق المساحة الجغرافية بلغة الأرقام المجردة ، وأن مساحة العراق تبلغ  ( 435,052 كم مربع) ، وأن مساحة الإمارات تبلغ ( 86,716 كم مربع)  ، وبعملية حسابية بسيطة نجد أن مساحة العراق الجغرافية أكبر بخمس مرات فقط من مساحة الإمارات، ولكن ميزانية العراق أكبر بعشر مرات ، وليس خمس مرات من ميزانية الإمارات التي أسفرت عن حصولها للمرتبة الثالثة عالميا في مجال جودة البنية التحتية ، أي أن لدينا ( 56 مليار دولار ) إضافية من الممكن توجيهها نحو المشاكل الإضافية التي يعانيها العراق بصورة خاصة ، في ما يتعلق بالجوانب الأمنية والعسكرية والديون وغيرها من نماذج المعضلات العراقية ذات الخصوصية البحتة ، مع إمكانية توجيه الباقي ( 56 مليار دولار) ، بصورة مباشرة وحقيقية لوضع اللبنات الأولى  في مجال إنشاء بنية تحتية جديدة ، ولا بأس أن يستغرق إنشاؤها عددا من السنين ، ولكن على الأقل يستطيع المواطن العراقي المغلوب على أمره ، أن يتتبع قليلاً من الأمل ممزوجا ببعض الضوء في نهاية النفق، وأن تطمأن نفسه المرتابة ،بان هناك بداية ونهاية لمعاناته الأليمة ، المستمرة منذ عقود ، فهو لا يطلب في أي حال من الأحوال ، نفس العنوان النموذجي الساحر للحياة في دبي ، ولا أن تنافس البنية التحتية العراقية في جودتها المراكز الأولى للبنى التحية العالمية ، وأن أحلامه المشروعة ببساطة ، لا تتجاوز رغبته في استغلال كل أو معظم الموارد المتاحة ، وتوجيهها بطريقة صحيحة وواضحة وشفافة ، لتصب في قنوات خدمته أولا وأخيراً ، و تحسين الأحوال المعيشية، وتوفير الحياة الحرة الكريمة ، لكل أفراد الشعب العراقي بلا تحيز أو تمييز ، وتوفير القدر المعقول من الأمن ليستطيع أن يتنقل بين ربوع العراق بكل حرية وأمان ، وتوفير فرص العمل من خلال إتاحة الفرصة للإسهام المباشر و غير المباشر في المشاركة في تنفيذ منظومة البنية التحتية ، ومشروعاتها التنموية والإستراتيجية ، وتقديم الخدمات والحاجات الضرورية في مجالات المياه والصرف الصحي والطاقة وشبكات النقل المتطورة بريا وبحريا وجويا ، بالإضافة إلى  دعم الأنشطة الصناعية والزراعية ، وإدخال التكنولوجيات الجديدة في مجالات شتى ، مثل التعليم و المعلومات والاتصالات ، والتي ستساعد كثيرا على تشجيع النمو، كما ستؤدي قطعا إلى تحسين خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية وغيرها من الخدمات الأخرى، وتوسيع نطاق التعليم، ومساندة التقدم الاجتماعي والثقافي .

أما المنطق الثاني ، الذي أود التطرق إليه ؛ فيتمثل بمقارنة رقمية أخرى بسيطة ، بين عدد ساكني العراق البالغ قرابة ( 30 مليون نسمة ) ، وعدد نفوس ساكني دولة الإمارات ( 8,2 مليون نسمة ) من المواطنين والمقيمين ، الذين يتمتعون سواسية بكل روائع تلك البنية التحتية غير التقليدية ، والخدمات الراقية ، ولكن يجب أن لا نغفل جانبا مهما نستطيع من خلاله النظر إلى المقارنة بين البلدين من منظار آخر ، تكون فيه المعادلة من جانب العراق ، بما يتوافر لديه من موارد وروافد إضافية غنية ، قد لا تتوافر في الإمارات العربية المتحدة ، كالمساحات الزراعية الشاسعة ، وغزارة مصادر المياه العذبة ، والكثير من الموارد الطبيعية الأخرى ،قد يصعب حصرها في هذه العجالة ، وباختصار فأن العراق بلد غني متعدد الثروات ، وأنه إن أحسن استغلال ثرواته ، وحسّن من جودة إدارة خيراته وموارده، وبدأ بتبديد حالة الغموض والجمود التي تنتاب النشاط الاقتصادي منذ سنوات طويلة أمام المستثمرين المفترضين ، فسيدخل لا محالة في مرحلة رخاء اقتصادي ،ونجاح تنموي ،وتحقيق مكاسب تنموية واقتصادية ضخمة ، يتبعها استقرار وازدهار دائم ، قد يتخطى حدوده المحلية في فترة زمنية قياسية لأسباب براغماتية محضة ، من خلال توافر إمكانيات زراعية ومرتكزات صناعية فريدة يستطيع العراق من خلالها تحقيق الاكتفاء الذاتي ، وزيادة الصادرات الغذائية ، والاستفادة من الزيادات الكبيرة التي تطرأ على الأسعار العالمية للغذاء ، وحيث إن معظم بلدان المنطقة تعتمد اعتمادا كبيرا على الواردات الغذائية، وخاصة الحبوب ، فإن هناك إمكانية كبيرة في تقليص فاتورة الواردات ، والاتجاه نحو تخفيض  التضخم المحلي ، وزيادة الأرصدة المالية في حالة قيام الحكومة بدعم الاتجاه نحو الاكتفاء الزراعي والصناعي الذاتي ، وفرض الواقع المثمر لأي نتائج إيجابية عملية في نطاق محيطه خلال سنوات قليلة، عن طريق صياغة معايير واضحة وحاسمة  لقياس نسب النجاح والتقدم ، من خلال وضع سياسة مثالية واضحة مستقرة قائمة على حقيقة واحدة ، وهي أن العراق قادر على النهوض وتحقيق طفرة مميزة ، والوصول إلى مستويات متقدمة في تشكيل وبناء هيكل اقتصادي معرفي غزير الإنتاجية ، بما يمتلكه من مقومات فريدة ، وموارد أكيدة ، وحوافز محتمّة تساعده للوصول الأكيد نحو الأفضل ، وأنه من شأن سيطرة القانون وسيادته أن يشجع السير حثيثا نحو الاستقرار السياسي – العامل الأهم للاستقرار الاقتصادي – ليدفع نحو جذب الاستثمارات المحلية والإقليمية بوتيرة متسارعة ، تدعم تسريع النمو المستدام الذي يبتدئ بخطوة ولا ينتهي عند أي عدد محدد من الخطوات ، وعلى المنوال نفسه يساعد على ارتفاع أصوات المجتمع المدني دون المساس بعدالة تطبيق القواعد والأنظمة والقوانين ، كما تؤكد ذلك كل الأمثلة السابقة للأنظمة الشمولية التي تحولت إلى أنظمة ديمقراطية في بلدان أخرى من العالم ، وتوضح تلك الأمثلة والدلائل من البلدان الأخرى أن بعض التراجع في النشاط الاقتصادي يستمر في العادة سنة واحدة أو أكثر ، ولكن في النهاية سيبدأ النمو في اكتساب قوة دفع سريعة إذا أُحسن إدارة الفترة الانتقالية ، وأن بوادر الإصلاح السياسي وما يتبعه من استقرار اقتصادي سرعان ما سيؤتي بثماره.

ولا أرى أي  ضير أو انتقاص لكرامة العراق في حال وضع تجربة الإمارات الفريدة ، التي تقدمت في مجال التنافسية الاقتصادية على دول مثل  : ماليزيا والصين وايرلندا وايطاليا والبرازيل والهند والعملاق الروسي ، مثالا يُحتذى به ، للوصول إلى ما وصلت إليه، في ظل توافر نفس العناصر والأسباب والمقومات الذاتية للعراق ، وربما أكثر بكثير، والتي يمكن بواسطتها من تحقيق نتائج ايجابية مذهلة ، في ظل ميزانية تُعد الأكبر في تاريخ العراق الحديث ، ولن يضير الإمارات ومدنها العالمية على الأرض العربية القاحلة ، بتجربتها الغنية بالدروس والعبر التنموية الايجابية منها والسلبية إن اقتدت بها أي دولة عربية ، وخصوصا العراق ، الذي سيشكل تطوره واستقراره خيرا لكل العرب ، والإمارات قبل أي بلد آخر ، ولن يضير القائمين بالأمر على العراق من تأمل النموذج الإماراتي ودراسته ببعض التعمق والتأني ، عل وعسى أن نحقق بعض ما حققته من نجاحات ، هي أو غيرها من الدول ذات التجارب المشابهة كماليزيا ، وكوريا الجنوبية ، وهونك كونك .

ولا شك أن هناك فرصة تاريخية أمام العراق بتلك الميزانية الضخمة ، للسير قُدما نحو تعزيز النمو وتحسين مستوى المعيشة ، وزيادة الانفتاح وجذب الاستثمار ومشاركة المواطن ، ومواجهة التحديات القائمة ، واستغلال الفرص المتاحة ، وإن ثمة انحيازا مطلوبا من قبل القائمين على الأمر في العراق ، للنزول قليلا من قمة جبلهم العاجي ، في بغداد الجوهرة التي ستبقى إلى آخر الزمان رمزا لسحر الشرق المهيب ، وشرفه ، وكعبة للكون ،وعنوانا للعلم في كل الأزمنة ، ومن الأسرار العظام لدوام بقاء الأمم واستمرارها في هذه الدنيا ، أن تتحرك الشعوب وكل الكائنات الأخرى عفويا ، باتجاه النور لا باتجاه الظُلمة ، وباتجاه القمم العالية الشامخة التي تُرى من بعيد لا باتجاه سافل الوديان ، ذلك هو سرّ أسلافنا الأولين الذين كانوا لا يرون ضيرا في التعلم من تقدم الغير ، معتبرين ذلك من كرامة التواضع ،وكرم الموقف ، ورجاحة العقل ، وبغية المشتاقين للوصول بأمتهم إلى شامخات الجبال العوالي ، وإلى العبور لما وراء أسوار الجمود والتحجر ، متسلحين بقيّمنا العراقية الخالدة ، وتاريخنا الذي كان للكون منارة ، وبرجال ونساء يسيرون نحو الركب السابق مرددين : موطني موطني . 
 
أكبر ميزانية في تاريخ العراق.doc

Mazin Salman

unread,
Nov 8, 2011, 6:27:57 PM11/8/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com

أخلاقـــــنا هويتنــــا

بقلم مازن مريزة
باحث أكاديمي

      في ستينات وسبعينات القرن الماضي  ، حينما كنا نسبح سعداء في نهر طفولتنا الصافي ، بمائه الرقراق متجهين نحو شاطئ المرحلة التالية ، كنّا نستمتع بكل مرحلة وفترة نمّرُ بها ، من مراحل بناء وتشكيل أولى اللبنات التكوينية لشخصياتنا وثقافتنا العراقية الأصيلة ، التي كنا نستقي مكوناتها الأساسية من مصادر متعددة ، أولى تلك المصادر وأهمها هي المدرسة كونها فرضت نفسها كعنصر حاسم في تشكيل البناء الأساسي لشخصياتنا المستقلة ، بما قدّمته لنا من تربية أخلاقية بجانب العديد من العلوم واللغات والمعارف الأخرى ، وفي غرس القيم الصالحة ، والمفاهيم النبيلة ، في شخصياتنا البضّة التي ستكون يوما جزءا أصيلاً من نسيج البناء الكبير للمجتمع ، بمساعدة ما كان يقدمه المعلم آنذاك ، من صيانة مستمرة للقيم الاجتماعية والإنسانية والوطنية ، إلى جانب قدرته الرصينة في نشر الوعي وإكساب المعارف والخبرات ، بتأثيره الحر والمسئول ، ووعيه التام لدوره كمربي لا كملقن ، وفي مهارته على مزج ودمج جميع المعارف والأنشطة التعليمية المدرسية لتلك القيم وتضمينها في مجمل النظام التربوي المدرسي برمته ، مما دفع الكثير من المختصين إلى القول في أن تأثير المدرسة قد يفوق تأثير العائلة نفسها ، وإن كان لا يمكن بمكان ما إنكار دور العائلة الفعّال في وضع الحجر الأساس لمصفوفة أخلاقياتنا وقيمنا ، التي سنسير على خطاها في ما بعد ، وسنستمر في تقديمها إلى أبناءنا جيلا بعد جيل ، من خلال الأبوين وما قدّموه لنا من تنوع غني في رفد الجوانب المعرفية والوجدانية ، بما كان يتوافر لهم حينها من فسحة ووفرة دائمة للوقت ، وُجهت في معظمها في متابعتنا وتوجيهنا في أدق تفاصيل الدراسة والحياة اليومية والتصرفات المصاحبة لها ، وتعليمنا الموروث اللغوي والأعراف المصاحبة له ، وكيفية الإفادة من مواقف الحياة المختلفة وفنون التحدث والاستماع ، وسلسلة متينة من العلاقات الاجتماعية المترابطة ، مما ساعد كثيرا  في إشباع الحاجات المعرفية الكثيرة ،عن طريق تعدد مصادر الإجابة على الأسئلة الدائمة الآتية من الفراغات الناجمة عن تواصل تشكل ونمو الشخصية ، دون الشعور بالملل أوالنقص من تلك المتابعة الدقيقة والتوجيه المتواصل، أما المصدر الثالث المباشر ، الذي خلق تأثيرات بالغة على عملية تكوين الشخصية وبناؤها ، فهو المحيط والبيئة ، بالمعنى الشامل للكلمة ، بما في ذلك من ظروف المناخ ، وأجواء المخالطة خارج البيت ، والأوضاع الاقتصادية ، والطبائع الاجتماعية العامة ، والأبعاد الثقافية للمجتمع العراقي ، ذي الأعراف السليمة المتوارثة جيلا بعد جيل ، والتي ساعدت كثيرا على التقليل من تأثير الأوضاع السياسية الرديئة السائدة آنذاك ، وإزالة الكثير من البقع القاتمة التي خلّفتها سلبيات الظواهر الفردية والجماعية التي حاول النظام الشمولي في ذلك الوقت استثمارها وتنميتها - إن لم يقم بنفسه على اختلاقها بصورة متعمدة – إذ أن تأثيرات البيئة الموبوءة تصطدم دائما ، بالصفات والقيم الايجابية المركبة التي تحيط بالمجتمع ، كفلتر تصفية لكل السلبيات و الأدران الطارئة ، لتحيلها إلى ظواهر ذات تأثيرات محدودة مهما طال بها الزمن أو قصر ، ويعد التلفاز من أهم الوسائل المباشرة للمحيط والبيئة التي تستطيع عن طريقها فرض واقعها الفعلي، وترك بصمات دائمة في ذاكرة الحواس الظاهرة والخفية في عالم الشخصية الذي لا يعرف حدودا معينة تتوقف عندها عملية اكتساب المزيد من الصفات والخصائص ، يتميز التلفاز بشدة تأثيراته المباشرة على المتلقي بغض النظر عن فئته العمرية ، ومدى استغراق شخصيته في السير نحو مقياس التشكل النهائي ، بسبب تعدد وسائله وإمكانياته المختلفة التي تتيح له أن يكون سلاحا ذو حدين ، حسب الأهداف الكامنة وراء المقاصد الظاهرة والخفية لهذا البرنامج أو ذاك ،وإمكانية استخدام هذا السلاح المدهش للمساعدة في تهذيب الشخصية وتنقيتها من رذائلها ، وصيانة فضائلها ، وغرس أرضيتها النقية؛ بأنواع القيم والمُثل السامية ودعم الأخلاقيات الفاضلة النابعة من نفس المجتمع ، وتعزيز الفطرة السليمة للفرد ، رغبة في دفع المزيد من الرقي إلى المجتمع عن طريق شحن الفرد المتلقي لتلك البرامج بالمزيد من البرامج الممتعة الهادفة ذات التوجهات التربوية بشرط عدم تخليها عن عوامل الجذب والتشويق للحفاظ على شريحة عريضة من المتلقين  ،وقد يكون الحد الثاني لهذا السلاح ، نموذجا مثاليا  لأبشع الوسائل وأمضاها في نشر الرذائل وتعزيزها ،وفرض نماذج تافهة وقميئة من البرامج والفنون تشوه شكل الفضائل الجميل الذي لا تخلو منه أخلاقيات أي شخص مهما كان طوعا أو اختيارا ، والتهاون في حقوق الآخرين وتنمية التوجهات ذات الصفات الذاتية المنبثقة عن الاهتمام بالجمال الخارجي للخلقة والجسد ، وخلق فراغ داخلي جسيم ، يفتقر إلى الكثير من الخصائص الأخلاقية المتعلقة بذات الشخص ، مما يجعل منه شخصا سلبيا لا يبالي إلا بنفسه وبمحيطه الضيق ، يعيش يومه لنفسه فقط مع مستوى عالي من الهامشية المطلقة ، معززا بذلك خلق شريحة متزايدة من الناس ليس لها الكثير من المعايير الدينية والأخلاقية ، مما يجعلها غير منسجمة مع محيطها وبغير ذي فائدة تجاه المجتمع ، بسبب افتقارها إلى روح الرفعة والوعي الحقيقي الذي يوجهها بصورة مستمرة إلى التوحد العام في خدمة أهداف المجتمع الراقية ، بمساعدة تلك البرامج التلفازية الهابطة ، والأغاني الماجنة ، والمسلسلات التي تبيح المحظورات ، من خلال تكرار بث المزيد من الأفكار الجديدة الملوثة بشتى أنواع الانحرافات ومخاطبة الغرائز بصورة علنية ، وبلغة رخيصة تكاد تكون غريبة عن معايير السلوك العام للمجتمع العراقي ، في محاولة مستميتة لجعل تلك الأفكار مألوفة ،بعد أن كانت مرفوضة بصورة قاطعة إلى ما قبل سنوات معدودة ، كما أن الإصرار على بث برامج مستنسخة بكل ما تحمله من إفساد من مجتمعات إباحية تألف تلك المخاطبات الغريزية ، سيؤدي بلا شك إلى تشجيع تفكيك منظومة الأخلاق العامة التي بُنيت على مر القرون ، والمزيد من الانفلات السلبي للأعمار التي مازالت شخصياتها وثقافتها وأخلاقياتها طور التكوين والبناء والتطور،من الأطفال والمراهقين والمراهقات ، الذين لم تتشكل هوياتهم الحقيقية بصورة نهائية بعد ، في خضم العشرات بل المئات من القنوات التلفازية ، التي انتشرت بصورة غير مسبوقة في خضم الأحداث والمستجدات الأخيرة خلال العقد الماضي ، مما يجعل مهمة حصر تأثير تلك القنوات على النشء الجديد شبه مستحيلة ، في ضوء ارتفاع شعبية التلفاز بين مختلف الفئات العمرية للناس ، الذين يختلفون اختلافا جوهريا في مدى حصانتهم الأخلاقية والثقافية والفكرية ، ومقدرتهم على فرز السلبي من الإيجابي ، والتمييز بين الضار والنافع ،والقدرة على التعاطي بصورة أخلاقية صحيحة مع تلك القنوات دون الانجرار وراء الغرائز الوضيعة والعواطف الرخيصة ، ومما يزيد من صعوبة الموقف ، أن هناك بعض القنوات العراقية التي كانت تُعد من ضمن قائمة القنوات الرصينة والتي تتمتع بنسب مشاهدات عالية ، بدأت تتقبل بث بعض البرامج التي قد تتمكن يوما من جرها إلى شواطئ الجانب المظلم ، إذا استمرت في غض النظر ببساطة عن سلوكيات بعض برامجها التي تبث حاليا ، بعد أن نجحت باستحقاق في أن تقدم خطابا إعلاميا شفافا متوازنا على مدى سنوات طويلة ، وأن تفرض برامجها المحترمة على شريحة واسعة من العراقيين بكل فئاتهم العمرية وأطيافهم المتنوعة ، وان تقدم برامجها بصورة هادفة لا ينقصها الكثير من عوامل الجذب والتشويق والمتعة العاطفية البريئة ، وأن تترك بصمة مميزة في عالم الدراما العراقية الجادة بقوالب جديدة ، تحاكي بجدارة مزاج المشاهد العراقي الصعب ، وتتكئ بصورة غير معقدة في اختيار مفردات برامجها المتعددة  بما يناسب الذوق الملتزم واللفظ السليم ، والفكرة الهادفة بعيدا عن الجمود والتكرار ، مثل مسلسل غرباء الليل ، وطائر الجنوب ، وغيرها من المسلسلات التي تركت أثراً طيبا ورصيدا عاليا ، يسجل للقناة لا عليها ، كما سيسجل عليها كنقطة ضعف البرنامج الهزلي الهزيل بإخراجه ومقدميه ومعديه وبمحتواه (( أكو فد واحد )) ، الذي فاجأني ظهوره وبثه على تلك القناة التي كنت أعدّها من القنوات الانتقائية ببرامجها النوعية المميزة ، فهذا البرنامج في أغلبه ينجرف بصورة سلبية وإصرار غريب ، على تقديم نكات هابطة ، لا أجد لها وصفا مناسبا غير أنها (شوارعية) ذي توجهات صريحة لممارسة الرذيلة وشرب الخمور ، تخاطب الغرائز الجنسية الرخيصة ، والحاجات الإنسانية الأخرى التي لا يصح الحديث عنها تأدبا والتزاما بمستوى أخلاقي راقي ، يفرضه الذوق العام ، مما لا يصح التصريح به ، والتعاطي باستهزاء وازدراء للمشكلات والظواهر التي يعانيها المجتمع العراقي ، وبطريقة فجة ومؤلمة ، واستخدام رموز لغوية مستهجنة بدلا من الكلمات الصريحة لخلق مفردات بذيئة جديدة ، ستتسبب بلا شك في الكثير من التخريب للذوق العام ، نعم ، لا شك في أننا بحاجة إلى فرجة ملحّة من الشعور بالمرح ، والتمتع بروح الفكاهة وممارسة الضحك ، كسلوك اجتماعي تعبيري ، وانفعال عاطفي طبيعي يرتبط بالنشاط الإنساني دونا عن باقي المخلوقات ، وتشترك فيه كل اللغات ، كلغة مشتركة موحدة بين كل البشر حتى أن مادة الضحك قد وردت عشر مرات  في القران الكريم ، وفي أكثر من دلالة وغرض ، أهمها التعبير عن حالة السعادة والفرح ، وعنوان للمزاج العام للشخص ، كقوله تعالى : ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ)) ، وقوله تعالى ((فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا)) ، وقوله تعالى ((وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ )) ، وغيرها ،وربما يكون تعبيرا عن الاستهزاء والاستخفاف ، كقوله تعالى ((  إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ )) ، وقوله ((فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ  )) ، وقد أسهب المختصون والمفسرون واللغويون في تفسير مادة الضحك في القرآن ،والسنة ، والتراث العربي ، فيما لا يتسع الوقت في هذه العجالة لحصره ، ولكن ما يجب التوقف عنده في ما ذُكر ، أن أهم أغراض ودلالات الضحك ، هي التعبير عن السعادة ، والدخول في حالة من المرح والفكاهة والفرح ، أو للتخلص من حالة الاكتئاب والسأم والملل ، التي قد يمر بها الإنسان بشكل يومي ، وهذا هو بالضبط ما يحتاجه المشاهد العراقي ، مع كل ما يعانيه من مشاكل ومصاعب ، وهموم ، أصبحت جزءا من حياته اليومية ، ومعاناته المستمرة ، مما يتطلب إيجاد محطات للتوقف والترويح وطرد الغم عن القلوب ، ودفع العبوس من الوجوه ، ومحاولة رسم الضحكة العفوية الصادقة على شفاهه ، بشتى الوسائل المشروعة ، والإفادة من مواد الفكاهة التي تُعد من أقرب المواضيع ، تقبلا من المشاهدين ، لاسيما أن معظم الآداب في مختلف الحضارات قد اهتمت بطريقة أو بأخرى بما من شأنه جعل الحياة باسمة مرحة وجديرة بالعيش ، بعيدا عن هموم الوجود وهاجس السفر الحتمي إلى حفرة الطين ، ولا بأس أن يكون البحث عن تلك البسمة  شعارا يسعى إلى تحقيقه أي مقدم أو مخرج أو معد برامج  ، وليس معيبا أن يبحث هؤلاء عن الطريقة المناسبة لتنظيم برنامج أو ملتقى ، يسعى إلى زرع الابتسامة والضحكة وإزالة التوترات التي من شأنها أن تجعل المرء متبرّما ومتشائما من ظروف الحياة ومكابداتها اليومية ، بل المعيب هو الإصرار على الإساءة للذوق العام ، والاستمرار في خدش حياء العائلات العراقية الكريمة ، المعروفة بالتزامها بمصفوفة قيمية قديمة ، وتمسكها بمنظومة أخلاقية عتيدة ، ولاسيما أن الأدب العربي يزخر بالكثير من عمالقة كتّاب النوادر والفكاهات من دون الإساءة لشخوصهم أو مكانتهم العلمية والفكرية  ، فالجاحظ مثلا من أبرز مفكري المعتزلة ، توقف طويلا عند النكتة والطرفة لإثبات حضوره ، فكان أن نجح في خلق أسلوب فكاهي جديد يمزج الجد بالهزل  ، في رائعته ( كتاب البخلاء )  المليء بالطرافة ، والنكتة المؤثرة من دون إسفاف أو انحطاط ، بالإضافة إلى عشرات الكتب ، التي تناولت مواد الفكاهة والضحك والنوادر الطريفة ، التي تتعدى بوظيفتها إثارة الفكاهة المرح وحسب ، بل وتسعى إلى تثقيف الناس ونشر المزيد من الحكم والأمثال وأخبار الحمقى والمغفلين والبخلاء والطفيليين ، مما يصعب حصره ، وتكفينا الإشارة إلى كتاب (( نثر الدر)) لمنصور بن الحسين الآبي ، الذي جاء في سبع مجلدات ، مليئة بالطرائف والنكات لمختلف فئات المجتمع العربي ، مما سيفيد الجادين في بحثهم عن الطرفة الصادقة والنكتة البريئة المؤثرة  ، وربما  ستغري القائمين على تلك النوعية من البرامج أن يتأملوا طويلا قبل طرح أي  نكتة أو فكاهة مستقبلا ، لئلا تلقي بأي إساءة لتلك القيم والمعايير ، وان يكون الضحك لغرض المرح وبث روح الفكاهة البريئة ، لا الإصرار على الاستهزاء والاستخفاف ، والدعوة إلى الانحلال والرذيلة والقفز فوق كل الخطوط الحمراء للمجتمع ، عن طريق ممارسة أنواعا مبتذلة من الصخب والتهريج ،وإلقاء النكات التافهة المفتقرة لكل وزن و قيمة ، وهو ما دأب عليه مقدِمَيّ البرنامج المترهل بشتى أنواع البذاءة (( أكو فد واحد )) ، بطريقتهم المملة في التطويح وإلقاء الكلام بلا أي ضوابط أو منهجية ، بأسلوب رخيص ، تصاحبه عاصفة من الحركات الخالية من الحشمة التي ربما يسمونها في قاموسهم الجديد رقصا ، حينما  يتحفنا أحد مقدمي البرنامج الذي يفتقر لأبسط المهارات كمقدم برنامج ، كالمهارات الحوارية ، ومهارات الثقافة والحضور الشخصي ، بل ويفتقر حتى لسلامة مخارج الألفاظ ، وهو برأيي لا يتمتع بأي مهنية تُذكر ، أو حرفية مهمة تؤهله للقيام بتقديم أي برنامج تلفازي حتى وإن كان هابطا بمستوى (( أكو فد واحد)) ، وأن كل ما يقوم به هو عبارة عن حركات اهتزازية تهريجية بجسمه المترهل ، وكرشه المنتفخ يمينا ويساراً بداعي إضحاك أكبر عدد من الناس ، وكان الأجدى به أن يتعلم الفرق الشاسع بين الفن الساخر والاستهزاء ، وبين الكوميديا والتهريج ، وبين إدارة حوار في برنامج تلفزيوني وإدارة حديث شخصي في ملهى ليلي ، والأهم أن يتعلم كيف أن يضحك الناس لا أن يدعهم يضحكون عليه ،وأن يقرأ بعض الشيء عن المهارات الحقيقية الواجب توفرها في أي مقدم برامج ، ويبدأ في اكتسابها فورا ،  أما قائدة ما يُسمى ال ((  DJ ))  ، فلم أستطع بفهمي الثقيل أن أستوعب بعد ، سبب حشرها في البرنامج ، أو دورها الحقيقي أو الهدف منه ، أو أن أدرك بعد الغاية من تلك الحركات الهستيرية المصطنعة ، لا شك أن هذا البرنامج سيستقطب الكثير من المشاهدين ، ربما لأسباب مختلفة ، قد تكون بدواعي الفضول ، أو لشريحة معينة من الناس ، أو لفئة عمرية محددة ، أو لأسباب أخرى ، وربما سيستمر نجاح البرنامج ، ولكن ليس لكثير من الوقت ، وستكون تأثيراته السلبية أكبر بكثير من نتائجه الإيجابية على القناة على المدى الطويل ، ولا أظن أن هذا البرنامج الهابط  سيتمكن من إلغاء تأريخ ووزن تلك القناة الموضوعية التي استطاعت أن تثبت وجودها في فترة ليست بالطويلة ، إن استطاعت تدارك الأمر بسرعة ومهنية ، والتريث قليلا قبل بث الحلقة القادمة ، والتركيز على بث كوميديا هادفة ، واختيار نكات راقية ، خالية من الألفاظ البذيئة والسوقية التي تشجع الانفلات الأخلاقي والتسيب والانحراف .

فالمشاهد العراقي يستحق أكثر بكثير من تلك البرامج التي لا شك من أنها ستترك الكثير من الآثار المؤذية مستقبلا ، والتي ستنعكس فيما بعد على سلوكه الشخصي وذوقه العام، وهي دعوة لجميع القائمين على القنوات العراقية ، لإعادة صياغة الأهداف العامة والخاصة ، للوصول إلى الهدف النهائي ، لا مجرد قنوات بأهداف عشوائية ، تستسيغ عرض أي برنامج بغض النظر عن تأثيراته اللاحقة في سبيل تحقيق المزيد من الأرباح ، أو أن تقوم بدور الطفيليات التي تغزو جسم الإنسان ، وكل غرضها هو الاستمرار وتحقيق أهدافها ومنافعها الشخصية ، بغض النظر عن الدور التدميري التي تقوم به لجسم المضيف وأخلاق الناس على حد سواء ، والتجاوز الشاذ على الأعراف ومعايير البناء الاجتماعي الأخلاقي ، وتشجيع المراهقين والمراهقات للتمادي و التمرد على المجتمع ، وإغرائهم بكسر وتحطيم قيود القواعد الأخلاقية ، التي جهد في وضع أسسها أسلافنا العظام ، ومن المنتظر أن تساعدنا في الصمود في وجه الغزو الفكري والثقافي الحالي ، والتقليد الأعمى لبعض القنوات العراقية والعربية ، للقنوات الأجنبية التي تشجع  على الانفلات الأخلاقي والتسيب وربما حتى الانحراف ، ولا أظن أن تلك الأهداف تحتاج إلى الكثير من التفسير والإيضاح في تأثيراتها القاتمة على الأجيال الحالية وما بعدها ، في ظل الوضع المتأزم والمستجدات والأحداث الأخيرة ، إلى جانب انشغال أرباب العوائل بهموم تحصيل الرزق ، وانعكاسات الوضع الأمني والاجتماعي والبيئي على مجمل النشاطات الاجتماعية والإنسانية ، مما أجبرهم على الانشغال أو ربما التقاعس  عن متابعة سلوك أبنائهم بالصورة المعروفة سابقا ، فالجيل الذي ينشأ بعيدا عن عيون العائلة ومتابعتها ، وفي ذات الوقت الذي لم يعد من أولويات المؤسسة التعليمة الاهتمام المطلق ببناء مجتمع أخلاقي معرفي ، بسبب انخفاض نسبة يقظتها وإصرارها السابق في شد أزر طلبتها بردود الفعل المناسبة ، في مواجهة بيئة مليئة بالتناقضات وشتى التباينات ، التي تتجلى في ما تجود به الآن العشرات وربما المئات من ماكينات الأعلام ، والقنوات المرئية والمسموعة والمقروءة ، ونوعية ما تبثّه من برامج ، وما يصاحبها من قفزات غير محدودة في وسائل الاتصال ، ووسائل الانفتاح التكنولوجية الحديثة ، وسهولة استخدامها والحصول عليها ، مما يضع جميع الآباء والمربين والقائمين على توجيه مسار المؤسسات التربوية ، وغيرهم أمام مسؤولية أخلاقية خطيرة ، في حماية الأجيال من الإعلام السائر في طريق الشبهات ، والشروع فورا في التفكير في وضع حلول مضادة ، ومسالك صحيحة ، لتكون بها الطرف الأقوى في هذا الصراع ، ووضع استراتيجيات طويلة الأمد للحد من تأثيرات  تلك التربية السلبية  بمناهجها الفاسدة وأهدافها المزدوجة ذات التوجهات المدمرة ، وإعادة النظر في جدولة أولوياتهم ، والالتفات إلى خطورة المشكلة ، والإقرار بها ، وتأدية الأدوار الحقيقية المناطة بهم ، كوحدة علاج موحدة ، تمارس سياسة متكاملة ، تتوزع بين الأسرة والمدرسة والمحيط البيئي ، ووضع أهداف موحدة من خلال توزيع الأدوار ، في عملية إعادة وضع وتوجيه الأجيال الحالية وما بعدها ، ودعمها بقوة نحو الصمود الواعي بوجه ما أفرزته ظروف الواقع الحالي من تناقضات ومتاهات ، وشتى أنواع الاتجاهات المغرية ، والهجمات الشرسة للغزو الفكري والأخلاقي ، عن طريق تربيتهم في أحضان مجتمع أخلاقي ، والتأكيد على العادات والأعراف والتقاليد السامية ، وتسديد هفواتهم وأخطائهم ، بحرفية ومهنية وهدوء ، على اعتبار أن تلك الأجيال ، ستأخذ دورها يوما في إعادة دورة بناء مجتمع تسوده الرفعة والتضامن والصفاء والأخلاق السامية ، بما سيتكفل بحتمية تطوره ورقيه وسموه وكرامته ، في عالم أنشغل بفك تشابكات استغراقه في مخاضات وتناقضات ترديه وأنانيته وضغائنه ، وأخيرا أذّكر بقول أمير الشعراء :

               وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت         فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا 

Mazin Salman

unread,
Nov 29, 2011, 1:29:28 PM11/29/11
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com

مطلوب مواطن

بقلم : مازن مريزة

باحث أكاديمي

دفعتني لسعات الهواء الليلي القارص ، بملابسي الخفيفة ، للبحث عن مكان يُقدَم فيه الدفء قبل أي طعام أو شراب ، قبل أن أجد على مقربة مني أحد المقاهي الأنيقة على الطراز اليوناني ، وإن لم تتغلب كثيرا حركة زبائنه المستمرة على شعوري بالوحدة والبرد ، ولكنها منحتني بعض الألفة الخاضعة للتأمل والاكتشاف بجدرانه الخشبية المزدانة بالكثير من الصور العتيقة ، المأخوذة من فيلم زوربا اليوناني ، الذي مثله أنتوني كوين في ستينات القرن الماضي ، جلت بنظري بين الوجوه المتشابهة  ، ولم استوعب في البداية وجها بدا لي حاضرا في لفائف الذاكرة ، وشعوري الحاد بمعرفتي بصاحب ذلك الوجه المتورد من البرد مثلي، الذي كما يبدو قد سبقني للطاولة المقابلة بدقائق قليلة ،  أعدت عملية البحث مرات ومرات بين سجلات الزمن دون أن أشعر بالملل ، دخنت الماضي مرّا مع سجائري الرخيصة ، لتحوم سحبه البيضاء فوق طاولتي المنزوية باستحياء ، ليهطل بخفة بعدها مطر الذاكرة واضحا صافيا ، مع ومضات عديدة من برق الواقع المتجلي الموجوع ، لتتشكل صورته ببطء سابحةً خلال ركام الذكريات الحبيسة منذ عقود ، وهو يدخل علينا حجرة الصف ، ببذلته الأنيقة وشاربه الكث ، كان في بداية الثلاثينات حينها ، حيث فرض وجوده بيننا كأحد أفضل المدرسين الذين لم يسقونا العلم نقيا وحسب ، بل شارك في مساعدتنا لكشف الكثير من الحقائق الغير خاضعة للفهم ، لشباب في مثل أعمارنا ، كنّا نكتشف الجيد ، فننبهر بطريقته العفوية في جعلنا نفهم ما علينا أن نفهمه بكلمات راقية ، وكنّا نكتشف السيئ فيقودنا إلى العديد من الطرق لنتجنبه ونتجاهله  ، لم يكن مدرساً للغة الإنجليزية وحسب ، كان رساما تشكيليا ، وشاعرا مفوّها ، ومربيا فاضلاً ، وكان يفتخر بعراقيته أولا ، وبقوميته الكردية ثانيا ، كان يحدثنا دائما بفخر عن قريته في شمال العراق (( ...... )) ، حينما كان يدعو البعض منّا إلى المقهى البرازيلية ، في شارع الرشيد ، ليقوم بإعطائنا دروسا إضافية مجانية في ما كان يُشكل علينا في قواعد اللغة الإنجليزية ، لم يكن يكتفي بتلك الدروس المجانية ، بل كان كثيرا ما يدفع ثمن ما كنّا نتناوله من المشروبات الدافئة والباردة ، كانت دوما رائحة الدخان تفوح من ملابسه ، ولكننا لم نره قط وهو يدخن ، كانت طريقته البسيطة في التربية ، أن يدعك بنفسك تجرب الوصول إلى المطامح والمتاعب معا ، علمنا كيف نحب الوطن ، وأن نحفره كمحبوب أوحد في صدورنا ، كان كثيرا ما يسمعنا شعره المزدحم بالكثير من المفردات الجميلة في حب الوطن ، باختصار لم يكن من النوع الذي يمر مرور الكرام في حياة أي واحد منا ، حتى وإن طال الزمن، عدت إلى نفسي ولكني لم أنتبه قط كيف قادتني قدميّ مباشرة إلى طاولته لا شعوريا ، صارخا بلهفه : أستاذ رمزي كيف حالك ؟ ،  تفرّس وجهي المبرود قليلاً ، ليفاجئني بعدها ببرودة أقسى مما كنت أشكوه خارج المقهى ، بدعوتي إلى الانضمام إليه  ، مرددا أسمي ، معلنا أنني مازلت أحتل بقعة مهما كانت صغيرة ، في وديان ذاكرته الخصبة ، تكورت على المقعد المقابل له ، كتلميذ يواجه معلمه في أول يوم له في المدرسة ، متناسيا عن غير وعي أنني في منتصف الأربعينات ، وربما أحمل من الشهادات نوعا وكما أكثر مما يحمل هو بكثير ، فقد كنت ما أزال أعده معلمي الأول ،  سألني بهدوء غير معهود عن أحوالي وأوضاعي ، بطريقة الأسئلة المتدرجة والمفتوحة بحرفية الأساتذة الذين يعلمون بالضبط كيف يديرون حوارا من طرف واحد ، بدأ استغرابي من هدوءه يدفعني لأن ألملم شتات نفسي ، وأعود شيئا فشيئا إلى امتلاك زمام بعضا من الحوار الذي لم يسحرني البتة ، منتبها في الواقع لأول مرة لما طرأ عليه من تغيير ، في طريقة الكلام واللباس ، سرقنا الوقت وتحدثنا في الكثير من الأمور ، حدثني عن هجرته إلى ألمانيا  في بداية التسعينات ، وعن كفاحه المستميت هناك ، وكيف انخرط في أعمال متواضعة ، ليوفر الضروري فقط من احتياجاته المعيشية ، كان يتحدث عن ألمانيا بنفس طريقته القديمة حينما كان يتحدث عن الوطن ، إلا انه هذه المرة كان يدعم حججه وبراهينه بالكثير من المفردات الإنجليزية والألمانية ، مما أفقده تلك اللغة الجميلة الراقية التي كان يسحرنا بها ، مبدلا إياها بلغة هجينة خالية من أي تناسق أو جمالية ، كانت نوبات السعال كثيرا ما تمنعه عن مواصلة كلامه ، معللا لي أن التدخين ومكوثه في بدروم رطب لفترة طويلة ، قد سرقا من صحته الكثير ، امتلأت الطاولة بالعديد من أكواب القهوة الحلوة ، وتناثرت حبات السكر الأبيض هنا وهناك ، ولم استمع منه سوى عن سنوات كفاحه واضطهاده وتشرده إلى أن تمكّن أخيرا من الحصول على وظيفة مساعد أمين المكتبة في المدينة الصغيرة التي كان يقطنها ، وكيف أن القدر أبتسم له قبل بضع سنوات بموت أمينة المكتبة الألمانية الأصل والمولد والنسب  ، وأنه احتل مكانها بكثير من الحظ  ، للمرة الأولى في حياتي أشعرني معلمي الأثير بألوان من الملل والسأم ، وتمنيت أن قدماي لم تحملني إلى طاولته قط ، على إني لم استطع أن أفهم سر تفاخره الشديد بجنسيته الجديدة ، ولم يستطع هو أن يقنعني أو أن استوعب بنفسي أبدا حججه في شرح سبب تمسكه المستميت بمحبوبه الجديد ونبذ محبوبه القديم ، وقد أكون قد فاجأته بسؤالي عن مصير عشقه العتيق لما علّمنا أن نحب ونعشق ، فأجابني بغير اكتراث مكتفيا بتلويحة يائسة من يده ، بأنه قد طلّق بلا رجعة ذلك الحب العتيق المرتبط  بذكريات أحلاها مُر على نفسه ، وأنه لم يشعر بالانتماء الحقيقي سوى بوطنه الجديد ، مطنبا في محاولة إقناعي أو ربما إقناع نفسه المتغربة ، بأنه يشترك مع الألمان في أصله الآري ، وأنه قد عاد أخيرا إلى أصوله الحقيقية ، وبقعته الطبيعية ، غادرت المقهى بعد ساعات قضيتها في الخوض في نقاشات عقيمة خلتها دهرا ، بدا الجو في منتصف الليل أكثر برودة ووحشة ، لم ينقذني منها سوى عادتي القديمة في استدرار بعض الدفء عن طريق حلب ذاكرتي المكدودة ، وإطلاق العنان لذكرياتي مع محبوبي الأول ، الذي لا تغار منه حتى زوجتي الحبيبة ، حينما أقول لها بأنك محبوبتي الثانية من بعده ، مما جرني إلى مقارعة أرق مدمر في تلك الليلة الموحشة ، مستعرضا ألوانا شتى من محاولات الرقود الفاشلة ، التي لم تثر ولا واحدة منها ملاك النوم لتغريه بالقدوم إلى مخدعي ، على أني لا أنكر أني استفدت كثيرا من ساعات الخلوة تلك للتفكير في الأسباب الحقيقية التي دعت ذلك المعلم الفاضل ، في قلب ولاءاته رأسا على عقب ، ضاربا بعرض الحائط كل تلك المبادئ التي سقانا إياها يوما ما ، وهل العيب في العراق أم فينا ، وهل المشكلة في طريقة الزراعة أم في طريقة تسويق الحصاد  أم في نوعية التربة وخصوبتها  ؟

للوصول إلى إجابة حصيفة لهذا السؤال ، علينا الخوض مجددا في جدل سفسطائي يشبه ذاك الجدل العقيم حول أيهما وجد أولا البيضة أم الدجاجة ؟ ، فإن كان جدلا فلسفيا فسيقودنا لا محالة إلى استحالة الحصول على جواب غير عقيم ، وإن وجهّنا جدلنا باتجاه النقاش المنطقي الممتزج بنكهة التفكير الإسلامي المعتدل ، سنجد أن الجواب أبسط من أن يستغرق الكثير من التفكير ، بقوله تعالى (( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)) الذاريات _ الآية 49 ، التي تخبرنا بصورة مطلقة عن أهم قاعدة من قواعد الخلق ، والناموس الوحيد لبدء الوجود، بالإضافة إلى أن جميع كشوفات المنطق البديهي تشير إلى أن البيضة وغيرها ، خاضعة لمبادئ ارتباط الأشياء ببعضها ، وأن كل الأشياء التي تعتريها الحياة ، قائمة من خلال كونها أجزاء في تركيبات ، وارتباطات ، وتوازنات ، تؤكد نقصها وافتقارها  لغيرها على نحو يستحيل معه فقس البيضة لوحدها ، من دون الحاجة إلى الدفء والاحتضان من قبل الدجاجة نفسها ، ولعلنا نصل بنفس تلك البساطة إلى  الجواب الحقيقي الذي يدفع شخصا على شاكلة الأستاذ رمزي ، وغيره عشرات الآلاف وربما أكثر لإعادة توجيه مبادئهم وعواطفهم إلى بلد ثاني غير الذي ولدوا ونشأوا فيه ، وإعادة صياغة منهجياتهم الفكرية والأخلاقية والثقافية ،فما فعله الأستاذ لم يكن تصرفا شاذا أو فرديا مما يدفعنا إلى دراسة تلك المشكلة بالكثير من الموضوعية والمرونة الفكرية ، للتعرف على الأسباب الدافعة لنشوء ظاهرة جديدة تنتشر وتتمدد ، كالفيروس الذي يدخل ببساطة لينتشر بعدها بسرعة فائقة ، مسببا الكثير من المآسي والمشاكل ، وخشية أن تصبح هذه الظاهرة من أخطر الأمراض التي قد تهدد هوية الأمة وثقافتها في القريب العاجل  ، ومثلما توصلنا ببساطة إلى أن البيضة من الدجاجة ، بحكم الرجوع إلى القاعدة الأصلية ، بمؤداها الواضح أن الأشياء الجديدة ، لا يتم إنتاجها إلا من خلال ارتباط وتزاوج العناصر الحيوية الأولية ، قد نستطيع التوصل أيضا ، أن البحث في نتائج التقاء وتراكب وتزاوج الأفكار والثقافات ، قد يؤدي إلى تلمس الأسباب الكامنة التي دفعت بالبعض ، إلى تعمدهم في التسبب بضياع الهوية الحقيقية ، وذوبان الشخصية والانسلاخ التام ، وقطع كل الارتباطات السابقة مع قيم ومبادئ مجتمعاتهم الأصلّية ، ومحاولة الاستغراق الكامل في محاولة التكيف مع مجتمعات جديدة بكل أجزائها الصالحة والمعطوبة ، فالكثير ممن غادروا أوطانهم لأسباب قد تكون مختلفة ، إلا أنها تشترك في الهدف والرغبة الموحدة في البحث عن حياة جديدة تحقق لهم إشباعا نسبيا لقناعات شخصية فردية ، وتجاوز مرحلة سلبية ، والانتقال إلى أخرى إيجابية ، تسودها إغراءات الإثراء وتحقيق الذات ، مع نسبة انبهار عالية بما لمسوه من تقدم علمي وتقني وتنظيمي، يلقي بظلاله على مختلف جوانب الحياة اليومية هناك ، ولكن ذلك لا يعني أن المجتمعات الغربية مثالية إلى الحد الذي يقودهم إلى تجاهل العديد من جوانبها السلبية ، وأجزائها المعطوبة ، التي لا يستبعد أن تكون يوما سببا حاسما في انهيارها ، وأفول نجمها ، وسقوطها نحو الحضيض .

كما أن من الإنصاف أن نعترف بأن الحضارة الغربية الحديثة : ليست سيئة بذاتها ولا هي شرا مجردا ,وأنها تزخر بالكثير من الجوانب الإيجابية ، وخصوصا الجوانب العلمية والتقنية والتنظيمية ، وقضايا حقوق الإنسان ، وممارسة الحريات – التي مازلنا نعاني من إشكالية فهمهما وتطبيقها واستيعاب دلالاتها المختلفة وربما المتقاطعة من مجتمع لآخر - . فلا مجال بمكان ما لإنكار ما في حضارتهم من محاسن رائعة ، وانجازات مبهرة تتفرع منها الكثير من مباهج الحياة وزخرفها مما يجعلها مصائد لا حدود لها ، لإبهار الزائرين والمهاجرين، في ما تتميز به من تطاول بنيانها , وتعدد حرياتها واتساع مساحة رقعتها ، وبهرجة أضوائها , وفخامة مدنها ،وضخامة جسورها وشوارعها , وزخارف دورها، وجمال طبيعتها , ومباهجها ومتعها التي لا يحدها نصل خيال ،  ولكنها في ذات الوقت فيها الكثير من المخازي والسلبيات والخطايا والتشوهات ، مما يجعلها حضارة جامدة ، ذات فكر مادي محض ، يفتقر بشدة إلى الكثير من الجوانب الروحية ، والأهداف الإنسانية المعنوية ، في تركيبة غير متجانسة من الأشياء الجيدة والسيئة ، الحسنات والسيئات ، الصواب والخطأ ، ولكن لا الصواب عندهم يصّوب الخطأ ، ولا الخطأ يخطّأ الصواب ، وبالنهاية لا يستطيع أحدهما إلغاء الآخر ، كما هي حال الخير والشر منذ بدء الخليقة ، لذا ؛ لا يمكن القول بأي حال من الأحوال ؛ أن كل إفرازاتها وانعكاساتها قابلة للتبني والأخذ الكامل ، أو الترك الكامل ، كما إن احتكاك وتلاقح الثقافات والهويات والأفكار والمناهج المختلفة قد يكون سلاحا ذي حدين ، حسب درجة نضج الوعي الشخصي ، فأما أن يكون عنصر انحسار وذوبان للهوية الوطنية والقومية ، كأداة هدم وتمزيق للنسيج الأوّلي ، وفك عوامل الارتباط الرئيسة مع المجتمع الأصلي، أو أن يكون منعطفا حاسما لتصحيح المسارات ، وعاملا مهما للإثراء والتنمية والتطوير، والأهم من ذلك نوع الخلفية الثقافية ، والنظرة العامة للفرد من خلال طريقة فهمه واستيعابه لمعايير وشروط وظروف ذلك الاحتكاك والتلاقح ، وإذا ما تمكّن مفكرونا ومنظرونا ، من صياغة مفاهيم جديدة ، ومعايير حديثة تجتهد في الخروج بنظرة وسطية بين فكرة الانهماك التام في تقليد الماضي ، والإصرار على ممارسة أنواعا قاصرة من التغريب الفكري والثقافي والعلمي ، وبين الاستماتة في التقليد الأعمى للغرب ، واعتباره النموذج الأمثل للإقتداء ،والإفراط في التشبع بجميع قيمه وسلوكياته ومبادئه دون تمييز ، على أن تعمل تلك النظرة الجديدة ، على توطيد الفهم الصحيح للطريقة المثالية في التعامل بمرونة وانفتاح مع الأفكار والثقافات المعاصرة ، والاستفادة منها ، وتقّبل كل ما هو عصري وحديث بعد تنقيحه وموائمته مع خصوصيات المجتمع ومتطلباته ، لنتجنب أي تشوهات قد تلحق في خصوصياتنا الدينية والفكرية والثقافية  ، على أن تمارس تلك الفكرة الوسطية أيضا لدورها الجوهري في سلوك أوضح الأساليب وأقصر الطرق في التأكيد على أن الثبات على المبادئ والقيم ، ليست جمودا أو حدودا مانعة للتطور والتغيير الإيجابي الحسن ، ولكنها أداة فاعلة لإبقاء ذلك التغيير تحت السيطرة ، وتوجيه أي انحرافات فجائية قد تطرأ عليه ، وإبقاءه دوما في الاتجاه الصحيح ، إذ أن الجوهر قد ينخر بعض جوانبه الصدأ والعطب ، مما يدفع باتجاه التخلي عن بعض الأجزاء المعطوبة التي ما عاد بعضها اليوم يواكب حاجات الأمة المُلّحة ، وكذلك التأكيد على مبدأ ((الحكمة ضالة المؤمن، فخذ ضالتك حيثما وجدتها)) ، فلا ضرر من انتزاع الجزء الجيد وترك الجزء الضار ، كفكرة استخلاص العنبر الخام من قيء الحوت الذي يخرج من جوفه ، أما أن يخرج علينا كل يوم العشرات من هؤلاء المتمادين في التخلي المهين عن هوياتهم الحقيقية ، ممن هم على شاكلة صاحبنا ، رافعين معاولهم الهدّامة ، مجتهدين في نشر نموذجا شديد السمّية لفكرهم المهزوم ، ومبادئهم المحدودبة بثقل الانبهار المخزي ، والتبعية المطلقة لحضارة الغرب , وفكر الغرب, وعادات الغرب, وتقاليد الغرب, وتقاليع الغرب ، وسلوكيات الغرب ، ممن يؤمنون بأن أخذها كما هي بخيرها وشرها ضربا من ضروب الحداثة والعصرنة والتقدم ، وتركها بمجملها ، وتجنّب بعضا من أجزائها ، مدخلا مظلما من مداخل التخلف والجمود والضعف  ، فهذا برأيي الخطر عينه ، وعلى مفكرينا ومنظرينا أن ينيروا لأجيالنا المعاصرة سبل التعلق ببنائهم الأصلي القائم على أعمدة راسخة وعظيمة من مبادئ حضارتنا العربية الإسلامية ،  ليدركوا  من خلالها أن أية مدّنية معاصرة ، أو حضارة مُبهِرة - مهما كانت متقدمة - ولكنها تفتقر إلى الجوانب الروحية والأخلاقية ، ولا تتحلى بالسامي من المبادئ والقيم  ، فأنها لا تستحق أن نكشف عوراتنا من أجلها ،وأن نختبئ خلف بريقها الزائف ،وجاهليتها الحديثة ، وفنائها القادم آجلا أم عاجلا ، بأدلة السياقات التاريخية ، بوقائعها الدامغة التي جرت على أمم وحضارات سابقة انهارت وتبخّرت ، وانضمت إلى قوائم الأمم الفانية ، بسبب إعلائها الجوانب المادية والاستهلاكية على حساب الجوانب الأخلاقية والروحية .

 لا شك أن مشاعر انتماء الفرد لمجتمعه ، ومضامين حبه لوطنه ، تُعَدُ من أكثر العواطف قوة وفورة ووضوحا ، وأن مفهوم حب الوطن والتمسك به ، لا يعني فقط أنه ذلك المكان الذي نولد ونسكن فيه إلى حين رغما عنّا ،بل هو مسؤولية جسيمة يحملها المرء على عاتقه لحظة ولادته ، وليس الوطن كأي شيء ممكن أن نفقده أو نفرط به أو نتخلى عنه ، الوطن امتداد خفي وارتباط متغلغل في النفس البشرية يصعب وصفه أو حصره في مفهوم ، وأن العيب ليس بالوطن ، بل العيب في ترك المفاهيم الخاطئة على عواهنها لتقود لاحقا إلى سلوكيات مدمرة ، العيب في عقليات لم تربى جيدا على مفهوم الانتماء الوطني الراسخ ، والمضامين الحقيقية لمعنى الولاء المسُتحق لحمل حقوق وواجبات المواطنة المُثلى ،وسيبقى السؤال مطروحا : هل سنتمكن من إيجاد الحل المناسب في الوقت المناسب ، قبل تعالي تلك الأصوات النشاز ، إلى الدرجة التي سيصعب معها إخراسها وإسكاتها ؟ ، لنخسر المزيد من العقول والكفاءات التي تترك البلد بالمئات يوميا ، تحت عنوان البحث عن طريقة جديدة لرسم مستقبل أفضل ، وصورة جديدة لوطن مستقبلي يمكّنهم من الاقتراب من منابع الثروة وأماكن إعادة بناء الذات والتمتع بمباهج الحياة ، وحسب، وأخيرا دعونا نوحد أصواتنا لنقول لكل أولئك المسحورين والمهووسين بالتنكر لأهلهم وعروبتهم : أنهم سحروكم بتلك النظارات الضبابية ، التي لا ترون من خلالها  سوى سفينة أنيقة ، تعلوها زينة فارهة ، فيها من الزخارف والمباهج الكثير ، ولكنها تسير على غير هدى في بحر الهوى ، لا هدف لها ولا مرسى ، وأنهم بلا شك سيأخذون منكم أضعاف ما سيقدمون لكم ، وتذكروا قول الله تعالى : ((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ))،لا تبخلوا على أوطانكم ، بعلمكم وعلومكم وعقولكم المستنيرة ، انزعوا عنكم نظاراتكم السوداء ومدّوا يديكم لمن مدّها لكم ، فلولا الوطن ما كنّا ولا كنتم ، والله المستعان على ما تصفون .

 

 

Mazin Salman

unread,
Jan 2, 2012, 4:56:47 PM1/2/12
to ( mustafa.alsade ), hamo...@googlegroups.com
 
الإتجاه المعاكس والبوصلة الضائعة
بقلم : مازن مريزة
باحث أكاديمي

من سخرية القدر أن تضحك شفاهك ، وقلبك يقطر دما ، وأن تتوسد الضحكة متربعا فراش المرارة ، ويدك على خدك لا تدري ما تفعل بها ، أتخفي بسمة ساخرة أم تمسح بها دمعة عابرة ، فظروف عافيتي الأخيرة منعتني عن ممارسة هواية الضحك البريء لفترة ، وشغلتني عن البحث في أوانيها الزاهرة ، المتناثرة بين خبايا وزوايا مملكتي الصغيرة ، المطلة على جبال باسقات ، بهوائها المنعش ، وليلها الصافي ، وابتسامات أهلها البسطاء التي لا تفتر ، فحينما يشعر الإنسان بالعلل تحاصر جسده المعطوب ، تنتابه هواجس شتى ، ويجول السأم بين حنايا صدره المتعب ، و يتسرب الملل إلى خبايا نفسه تسرب الماء وسط صحراء عتيقة ، مما يضطره إلى البحث عمّا يبعد ذلك الضيق والضجر عن حياته المأزومة ، ومن أبسط وأسرع تلك الطرق ، ممارسة العزف العشوائي على أزرار ( الريموت كنترول ) ، والتنقل بين نوافذ البلازما المطلة على دنيا الواقع الرازح تحت حراب الأمزجة المتقلبة ، في بناء الرؤى الأولية لفواجع ومحن الأمة الحبلى بملايين المسحوقين والمظلومين ، المهرولين خلف أي بارقة أمل مهما كانت بعيدة المنال ، ليأتي دور تلك القنوات على اختلاف مشاربها ومذاهبها وأجنداتها  ، في ممارسة دور الوسيط ، بين المتأملين بنرجسيتهم والمتألمين بفاجعتهم ، بين الناشرين غسيلهم على حبال الميدان بترويجهم لشتى الأفكار بصدقها وزيفها ، بجدها وهزلها ، بجودتها وركاكتها ، وبين أولئك الباحثين عن رشفة باردة يروون بها عطشهم المستديم للحقيقة المجردة ،ولتّبرد بها نفوسهم الحائرة بين أغلفة الفضيلة البراقة بمحتوياتها المبهمة ، ولتصل بأنفاسهم المدهوشة إلى واحات الواقفين على سواد النقاء الأعظم  ، ليتحرروا من شمس الباطل الواجمة ، التي تصّر بفضاضة على لسع وجوههم اللاهثة بكل سياط  البشاعة ، وعصي الصلافة المدهونة بكل عهر الكون ، في استغراق منقطع النظير في ممارسة  قباحاتها  الفاضحة في تقريب البعيد وتغريب القريب.
ومن تلك النوافذ ، التي يحلو لي دوما التفرج عليها – لا التطلع منها – قناة الجزيرة الإخبارية وبعض القنوات الفضائية المعروفة ، لمتابعة أحوال الدنيا ، واستقراء بعضا مما سينزل بتلك الأمة المسكينة من ألوان الهوان والرزايا ، وبغض النظر عن الإشاعات المتداولة  بين من ينكرون عليها حياديتها  ، وسعيهم الحثيث في تقديم المزيد من الأدلة على ذلك ، وانبرائهم الواثق للتأكيد على تدخلها المباشر وغير المباشر في صياغة الخبر ، قبل بثه على الأثير ، ربما لغايات غير معروفة ، وتعاطيها بالكثير من الازدواجية في التعامل مع الحدث في انسياق مطلق نحو تضخيم أحداث معينة بصورة قد تكون مقصودة ومنهجية ، وتداول معلومات ربما لا تكون موجودة على أرض الواقع ، على غرار تداولها للأحداث الجارية حاليا في كل من سوريا والبحرين ، ففي حين ُيلاحظ أنها في حالة استغراق كامل في حملة تحريض مكشوفة ضد سوريا ، التي لم تهرول قط للانبطاح تحت شعارات التطبيع والاستسلام ، تحت سراب السلام المزعوم ، والتي بقيت صامدة كآخر القلاع الحصينة ، كما كانت أول الأعداء الممانعين لوجود للكيان الصهيوني ، وبقية الحلم العربي الذي لم يتلوث ، في زمن سقوط الأقنعة ، وانكشاف الوجوه على حقيقتها ، في حين تتعاطى مع نفس الأحداث في البحرين، بعبارات خجولة ، وبالكثير من التعتيم الإعلامي ، مما يطرح الكثير من التساؤلات غير البريئة ، حول هذه الازدواجية الصريحة ، والمنهجية المتعمدّة ، ومن يقف وراءها ؟ وكيف تتم عملية ضبط وتقييم مهنيتها وموضوعيتها ؟ وهل فلسفة وأهداف قناة الجزيرة مبنية على أسس سياسية أو طائفية ؟ أم على أسس مهنية محضة ، تقدس نقل الخبر كما هو ، وتجيز التعليق عليه بحرية بحتة ؟
وبغض النظر عن تلك التساؤلات غير البريئة التي تقود لاحقا إلى الكثير من التحفظات ، وبغض النظر عن تسريبات (وكيليكس) التي أطاحت بمديرها السابق وضاح خنفر بالضربة القاضية ، على خلفية الوثيقة رقم ( 05DOHA1765  ) ، وبغض النظر عن تسرب شريط فيدو مصور  للدكتور عزمي بشارة وهو يتلقى تعليمات حرفية واضحة من احد المذيعين في قناة الجزيرة ، وبغض النظر عن شهادات المشتغلين بالتجديف في بحر كواليسها الغامض لسنوات طويلة ، أمثال المذيعة لونا الشبل ، والمذيع غسان بن جدو ، وغيرهم ، نجد أن أيا من المتابعين المنصفين لا يستطيع إنكار دورها الكبير في سرعة نقل الخبر ، ومثابرتها الجادة في متابعة الأحداث ، ونقل تطوراتها المتلاحقة أولا بأول ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال جمهورها العريض المتحفز للتفاعل معها في شتى أصقاع الأرض ، في عصر باتت فيه المعلومة تنتقل أسرع من الصوت ربما  ، وفي زمن تتلاحق فيه الأحداث بطريقة غير مسبوقة ، مما يضعها رغما عنها تحت طائلة مسئولية أخلاقية خطيرة ، من خلال دورها الشديد الفاعلية في المساهمة في توجيه دفّة الأحداث النازلة  بتلاحق عجيب على هذه الأمة المضطهدة منذ قرون ، وشئنا أم أبينا فإن هذه القناة – على الرغم من اللغط الدائر حولها – لها من الإمكانيات المادية والمعنوية ، والقدرة النوعية للقيام على أكمل وجه بدور تصحيحي ، للكم الهائل من الانحرافات المتوالدة بتسارع متزامن بتناغم شديد الغرابة مع الانفلات النهائي عن الأفلاك المنطقية ، والمسارات الطبيعية لهذه الأمة الخيّرة ، التي لا تستحق قطعا ما يحل بها من هوان ، صار يُمارس ضدها بانتظام وتعمد كلما سنحت الظروف لذلك ، وليس ما يعنينا في مقال اليوم طريقة نقل الحدث وحسب ، بل ونوعية البرامج التي تقدمها تلك القناة ، فكثير من تلك البرامج لا ينقصها النجاح ولا المصداقية ، وترتكز على مقدمين يتمتعون بقدر كاف من الحرفية والمهنية ، وليس بكثير من التأمل والتفكير نستطيع فهم الأهداف العامة والخاصة لتلك البرامج ، فمنها ثقافي وآخر فكري ، وثالث تاريخي ، الخ ، ولكن البرنامج الذي قادني إليه عزف أصابعي العشوائي تلك الليلة على أزار موجه القنوات ، لم يكن أبدا من ضمن تلك البرامج الواضحة الأهداف ، أو على الأقل استعصى فهمي العليل ليلتها ، على إدراك الدافع أو  الدوافع الحقيقية لبرنامج ( الاتجاه المعاكس ) الذي شاهدته بصبر حسدت نفسي عليه ، ليستحلب معه بآهاته المؤلمة ، كل مرارات الدنيا في فمي المرّ أصلا من طعم الوجع ، حتى تفاجأت بنفسي انفجر ضاحكا ، ملوحا بيدي من غير سبب ، مطلقا تنهيدة مريرة لم أتعودها ، للزمن الرديء الذي يدفع مقدما ناجحا مثل فيصل القاسم ، للتمادي في استفزاز مشاعر الناس ، واستنفار مشاعر الكراهية بين أبناء الجلدة الواحدة والوطن الواحد والمصير الواحد ، والإصرار على نكأ جراح قد تكون في طور التماثل إلى الشفاء أو في طريقها لذلك ، فقد تساءلت مع نفسي مرارا ؛ عن الهدف الحقيقي لهذا البرنامج ، وما الذي سيقدمه إلى المجتمع ، فمن المعروف أن أي برنامج مرئيا كان أم مسموعا ، يبتغي في النهاية تقديم منفعة ما للمتلقي ، متوسلا شتى الوسائل المشروعة لتحقيق هدف فضيل ، أو غرض نبيل ، أو لتقديم معرفة إيجابية ، أو على قدر معقول منها  ، ليخرج المتابع في نهاية المطاف وهو يحمل بين جوانحه : فكرة جديدة ، أو رأي سديد ، أو تصحيح مسار أو تعديل انحراف ما  ، من خلال الإقناع ، وبذل ما يلزم في سبيل ذلك ، فأين يمكن وضع برنامج ( الاتجاه المعاكس ) من كل ذلك ، وما الذي سيجنيه المشاهد المسكين ، غير المزيد من التشويش والتخبط بين هذا وذاك ، وما الذي سيحصل عليه مقابل ساعة كاملة من وقته الثمين سوى المزيد من الشعور الخانق بطعم الكراهية ، متبلاً بالكثير من نكهة الفتن والأحقاد ، من إنتاج مطبخ فيصل القاسم .
والأدهى من ذلك ، يبدو جليا بلا لبس ، للمتتبعين لبرنامج ( الاتجاه المعاكس ) ، أن المستوى العام لضيوف البرنامج ، الذي يحرص السيد فيصل القاسم ، على إظهارهم كفرسان الميدان ، وحماة الفكر ، وحملة نبراس الكلمة ، والمدافعين عنها ، ليصولوا ويجولوا فيه كما يحلو لهم دون رادع أو وازع ،قد بدأ بالانحدار التدريجي ، لكن بصورة مثيرة للانتباه هذه المرة ، فلا شك أن صفوة القوم من المثقفين الحقيقيين ، وحملة الفكر الحر ، من الذين يحترمون أقلامهم ونظرياتهم ، ممن يحسبون ألف حساب وحساب للكلمة قبل إطلاقها على عواهنها ، يرفضون حتما استخدامهم بامتهان تحريضي كديوك الحلبة ، التي تتعارك في ما بينها بوحشية ، باذّلة كل ما تملك من قوة وجلافة ، مدفوعين باستفزاز القائم على الحلبة ، وركلة من هنا ، وصفعة من هناك ، وتنتهي المعركة بخسارة أضعفهم حظا ، وأقلهم شراسة ،  ولكنها على غير ذلك في حلبة السيد فيصل القاسم في الفعل ، على أنها لا تخطيء المعنى غالباً ، ففي الحلقة التي جاهدت نفسي على إكمالها حتى النهاية في تلك الليلة الكئيبة ، بدا الانحدار متجليا في كل كلمة وفكرة و شتيمة أطلقها ضيف البرنامج (( نوري المرادي)) ، بعنترياته المملة ، وكلماته المكررة التي يجترها في كل مقال و مقام ، بمناسبة وبغير مناسبة ، والتي على ما يبدو لا يحفظ غيرها ، وسبابه المقذع ، وكلماته النابية ، التي لا يصح مطلقا أن تُذاع على الهواء مباشرة في قناة لها وزن قناة الجزيرة ، مثل ( بياع الكلاسين ، والغلمان ، والحمار ، ...  ) ، مما دفع المذيع إلى  التوسل به مرارا لقول شيء مفيد ، أو فكرة مفهومة ، بقوله : ((الناس تتوقع منك أن تقول شيئاً أرجوك أن تقول شيئاً كيف ترد بالمنطق وليس بهذا الكلام؟ )) ، وتارة بقوله : (( يا أخي راح الوقت وأنت بتحكي كلام أستغفر الله  )) ، ومن ثم يعود ليصف كلامه بالتهريج بقوله : ((  الوقت يداهمنا يا نوري الوقت يداهمنا مش عم بنهرج هون تفضل أسرع لي شوية ؟ )) ، وبعد الكثير من التهريج ، والأفكار المفككة ، والكلمات الركيكة ، وممارسة ألوانا سقيمة من استعراض الفراغ الفكري والأخلاقي ، استفز حتى فيصل القاسم نفسه ، لينفجر في وجه ضيفه قائلا بالحرف الواحد : (( هذا الكلام سمعته منك من 9000 سنة عندك شي جملة مفيدة غيره ؟ ))
 فإذا كان معد ومقدم البرنامج نفسه يصفه بالمهزلة، ((مهزلة والله العظيم يا أخي كمل، كمل..)) ، فما الذي يتوقعه على لسان حال المتلقي ليصف حقيقة وواقع برنامجه التحريضي ؟ المبني على أسس متينة من الارتكاز الحاسم على تبادل الشتائم ، وبأحسن الأحوال تبادل الاتهامات .
فضيف البرنامج أصر على الانغماس في إخفاقاته الأخلاقية المستمرة ، مستخدما منطقا ضعيفا ،وفكرا واهيا ، ولغة في غاية الرداءة ، تجاوزت حدود المعقول بمراحل ، متجاوزا كل نواميس المهنة ، وأدبيات الحوار السوي ، وأخلاقيات حاملي شرف الكلمة ، الذين يسحرون لباب الناس بكلماتهم الراقية ، ومنطقهم الجميل ، متمترسين عادة في دفاعهم عن قضيتهم ، خلف أسوار الأدب والذوق العام ، ودفء الحوار ، وحميمية النقاش الذي لا يجب أن يفسد للوّد قضية في أي حال من الأحوال ......
 
أليس من أبسط حقوقنا أن ننتظر من برنامج يبث على قناة إخبارية- بوزن قناة الجزيرة - أن يحترم عقولنا ، وينزّه مسامعنا - التي ضاقت من بطش الكلمات القبيحة - عن سماع الغث من الأفكار والسمج من الكلام ، ويوّقر قناعات السواد الأعظم من جمهور أشقته دفوف الشقاق ، وأتعبته أبواق التحريض الآثمة بحق نافخيها ، قبل سامعيها ، اتقوا الله فينا ، ولملموا شتات شملنا ، ما دام في الوقت من متسع ، وحاولوا أن تضيقوا هوة شقنّا ، لا أن تزيدونا تناحرا واقتتالا ، وأطفئوا بماء المحبة الرقراق جذوة نارنا ، بنشرها على رماد تشعثنا وتغربنا ، كل يوم وساعة ودقيقة ، لا أن تتعمدوا سقايتنا معسول الكلام مسموم المرام ، على يد ضيوف ؛ لا يعبرّون إلا عن قناعات فردية ، تؤججها أسبابا شخصية ، من الذين استمرئوا مواساة أنفسهم ،واستسهلوا محاكاة صناديقهم المغلقة بما تحمله من أفكار لا تنتمي إلى أي منطق معروف ، ممن يتأبطون طبلة مشاعرهم الشخصية  أينما حلّوا وارتحلوا ، ناقرين عليها بتطرف ، متغافلين أبسط أبجديات الحوار الفكري المقبول ، في وقت ركب غيرنا قطار الحضارة والتطور ، وتركونا هائمين نبطش بعضنا ببعض ، ونمارس في ما بيننا ألوانا من القمع الفكري والأدبي والأخلاقي .
 
فإذا كان السيد فيصل القاسم ، مصّرا على المزيد من شد حبال التوتر والإرهاق الفكري ، وعدم التجديد ، والبقاء مراوحا في مكانه دون تنويع أو تطوير ، أو انه لا يرغب في تغيير قواعد اللعبة في برنامجه  ، والمضي قدما في إثارة المزيد من الزوابع الإعلامية ، والمهاترات الكلامية ، والعنتريات الفضفاضة بخوائها الأجوف ، فعلى الأقل عليه الاهتمام مستقبلا ، بالتدقيق الحاسم  بمستوى ضيوفه الفكري والأخلاقي بصورة نوعية ، قبل دعوتهم للحوار المباشر أمام الملايين ، وأن يضع بعض  القواعد الصارمة ، والحدود الفاصلة ، للتمييز بين العبقرية والجنون ، وبين المحاججة والسفاهة ، والضياع بين منطق التبعية المطلقة أو القطيعة المطلقة ، وأن هناك حدودا مشتركة بين كل الأفكار والقيم والمبادئ ، تصلح نسبياً بأن تكون أرضيات محايدة ، يمكن الانطلاق منها ، على ضوء حتمية احترام الواقع والتأثر به ، دونما مكابرة عابثة وعناد أخرق ، علّنا ننجح في الخروج من مأزق العنف ، ولغة الشحن الطائفي ، قبل فوات الأوان ، والوصول  إلى محطة الانزلاق النهائي في مشهد الذروة ، في ظل تلك النوعية من البرامج التي ترعى وتغذي السائرين في طريق التطرف السياسي والطائفي ، الذي أصبح سمة من سمات عصرنا الميمون ، بوجود مثل هذه النماذج من البرامج  التي لا يسعني إلا أن أصفها كما وصفها السيد فيصل القاسم بنفسه : بالمهزلة  .
 
وأخيرا أدعو السيد فيصل القاسم بخالص المودة ، وكل العاملين في حضرة الكلمة المقدسة ، إلى التمعن في قوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ))  آل عمران .
 
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages