المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد 7 مايو سنة 2006م، الموافق9 ربيع الآخر سنة 1427ه.
برئاسة السيد المستشار / ممدوح مرعى رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيرى وعدلى محمود منصور وعلى عوض محمد صالح والدكتور حنفى على جبالى ومحمد خيرى طه وسعيد مرعى عمرو.
وحضور السيد المستشار / نجيب جمال الدين علما رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 56 لسنة 25 قضائية " دستورية ".
بعد أن أحالت محكمة القضاء الإدارى ملف الطعن رقم 8974 لسنة 54 قضائية.
المقام من
السيد / محمد راغب على سالمان
ضد
1 – السيد رئيس مجلس الوزراء
2 – السيد رئيس مجلس الهيئة العامة للاستعلامات
الإجراءات
بتاريخ 2/2/2003 ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف القضية رقم 8974 لسنة 54 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإدارى بوقفها وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية نص المادة (52) من لائحة نظام العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، كما قدمت الهيئة العامة للاستعلامات مذكرة طلبت فيها الحكم أصليا بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى واحتياطياً بعدم قبولها للتجهيل، ومن باب الاحتياط الكلى بعدم جواز نظرها لسابقة الفصل، وفى الموضوع برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة .
حيث إن الوقائع على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق تتحصل فى أن محمد راغب على سالمان كان قد أقام الدعوى رقم 8974 لسنة 54 قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى ضد الهيئة العامة للاستعلامات، بطلب الحكم بأحقيته فى صرف متجمد رصيد أجازاته الاعتيادية وقدرها 340 يوماً طبقاً للأجر الأساسى مضافاً إليه العلاوات الخاصة التى كان يتقاضاها عند انتهاء خدمته، قولاً منه إنه كان يعمل بالهيئة المدعى عليها إلى أن أحيل إلى المعاش لبلوغ السن القانونية فى 14/3/2000، وكان له رصيد أجازات اعتيادية قدره 340 يوماً، إلا أن الهيئة رفضت صرف البدل النقدى عن كامل الرصيد المستحق له، مما حدا به إلى إقامة دعواه المشار إليها توصلاً للقضاء له بطلباته المتقدمة، وبجلسة 30/12/2002 قضت المحكمة بوقف الدعوى وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية نص المادة (52) من لائحة نظام العاملين بالهيئة، بعد أن تراءى لها أن هذا النص يتضمن ذات الأحكام الواردة بالفقرة الأخيرة من المادة (65) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، والذى سبق أن قضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 6/5/2000 فى القضية رقم 2 لسنة 21 قضائية " دستورية " بعدم دستوريته فيما تضمنه من حرمان العامل من البدل النقدى لرصيد أجازاته الاعتيادية فيما جاوز أربعة أشهر، متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل.
وحيث إنه عن الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى المبدى من هيئة قضايا الدولة والهيئة العامة للاستعلامات، على سند من أن لائحة العاملين بالهيئة لا تندرج ضمن التشريعات التى تختص المحكمة الدستورية العليا بإعمال رقابتها الدستورية عليها، فهو مردود ذلك أن الهيئة العامة للاستعلامات هى هيئة عامة لها شخصية اعتبارية مستقلة طبقاً لنص المادة (1) من قرار رئيس الجمهورية بإنشائها رقم 1820 لسنة 1967 وبالتالى فإنها تدخل فى عداد أشخاص القانون العام، ويعتبر العاملون فيها موظفين عموميين يرتبطون بها بعلاقة لائحية تنظيمية تحكمها لائحة نظام العاملين بالهيئة، التى تضمنت نص المادة (52) المطعون فيه، ومن ثم تدخل فى دائرة التشريعات التى تختص هذه المحكمة بإعمال رقابتها الدستورية عليها، فكان جديراً بالرفض.
وحيث إنه عن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم اشتمال حكم الإحالة على البيانات التى تطلبها نص المادة (30) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، المبدى من الهيئة العامة للاستعلامات، فهو مردود بأن ما تغياه قانون المحكمة الدستورية العليا بنص المادة (30) من قانونها، هو ألا تكون صحيفة الدعوى الدستورية أو قرار الإحالة الصادر من محكمة الموضوع مجهلاً بالمسائل الدستورية المطروحة على هذه المحكمة ضماناً لتعيينها تعييناً كافياً، فلاتثير خفاءً فى شأن مضمونها أو اضطراباً حول نطاقها، ليتمكن ذوو الشأن جميعاً من إعداد دفاعهم ابتداءاً ورداً وتعقيباً فى المواعيد التى حددتها المادة (37) من ذلك القانون، ولتتولى هيئة المفوضين بعد انقضاء تلك المواعيد تحضير الدعوى، ثم إعداد تقرير يكون محدداً للمسائل الدستورية المثارة ورأيها فيها مسبباً، ومن ثم يكفى لتحقيق تلك الغاية أن يكون تعيين هذه المسائل ممكناً، وتتحقق ذلك كلما كان بنيان عناصرها منبئاً عن حقيقتها، ويؤكد ما تقدم، أن هذه المحكمة فى رقابتها على الدستورية لا تقف عند حد النص الدستورى الذى نسب إلى النص التشريعى الطعين مخالفته، بل إنها تجيل بصرها فى النصوص الدستورية جميعها على ضوء النظرة المتكاملة لأحكامها، لتحدد على ضوئها توافق ذلك النص وتعارضه مع أحكام الدستور مجتمعة، وهو ما يعنى أن الغاية من هذا الإجراء الشكلى لا تعدو أن تكون ضمان اشتمال الصحيفة أو قرار الإحالة على سبب الدعوى الدستورية بحسبانه أحد البيانات الجوهرية اللازم توافرها فيهما، لما كان ذلك، وكانت أسباب حكم الإحالة الذى اتصلت الدعوى الماثلة عن طريقه بالمحكمة، قد أبانت فى غير خفاء أن النص الطعين قد تضمن ذات الحكم الوارد بالفقرة الأخيرة من المادة (65) من القانون رقم 47 لسنة 1978 المشار إليه، وأنه مشوب بذات المثالب وأوجه المخالفة لأحكام الدستور، التى تضمنها حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 6/5/2000 فى الدعوى رقم 2 لسنة 21 قضائية " دستورية" بما يمثل تحديداً كافياً للمسألة الدستورية، والبيانات التى تطلبتها المادة (30) من قانون المحكمة.
وحيث إن المادة (52) من لائحة نظام العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم 123 لسنة 1987- قبل تعديلها بالقرار رقم 177 لسنة 2003 – تنص على أن " يستحق العامل إجازة اعتيادية سنوية بأجر كامل لا يدخل فى حسابها أيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيما عدا العطلات الأسبوعية وذلك على الوجه الآتى:
1- ................................ 2 - ...............................
3 - .......................................................
وإذا انتهت خدمة العامل قبل استنفاد رصيده من الاجازات الاعتيادية استحق عن هذا الرصيد أجره الأساسى الذى كان يتقاضاه عند انتهاء خدمته وذلك بما لايجاوز ثلاثة أشهر " .
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعى يدور حول أحقية المدعى الذى أحيل إلى المعاش فى 14/3/2000 فى البدل النقدى لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز ثلاثة أشهر وبالتالى فإن المصلحة الشخصية المباشرة للمدعى تكون متحققة فى الطعن على الفقرة الأخيرة من المادة (52) من لائحة نظام العاملين بالهيئة الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم 123 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالقرار رقم 177 لسنة 2003 المشار إليه، فيما تضمنته من وضع حد أقصى لرصيد الإجازات الاعتيادية الذى يستحق مقابلاً عنه.
وحيث إنه من المقرر فى قضاء هذه المحكمة، أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وأثاراً يرتبها من بينها- فى مجال العمل- ضمان الشروط التى يكون أداء العمل فى نطاقها منصفاً وإنسانياً ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها أو تناقض بأثرها ما ينبغى أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لآراء العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها، ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التى يتطلبها المشرع لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها عن متطلبات ممارستها، وإلا كان تقريرها انحرافاً بها عن غايتها، يستوى فى ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية.
وحيث إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة (13) منه تنظيم حق العمل إلا أنه لا يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها، وعلى الأخص تلك التى تتصل بالأوضاع التى ينبغى أن يمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق فى الإجازة السنوية التى لايجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك منها عدواناً على صحته البدنية والنفسية، وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التى لايجوز للعامل بدوره أن يتسامح فيها، ونكولاً عن الحدود المنطقية التى ينبغى وفقاً للدستور أن تكون إطاراً لحق العمل، واستتاراً بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.
وحيث إن المشرع – وفى الإطار السابق بيانه- قد صاغ بنص المادة (65) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 219 لسنة 1991 – وهو القانون العام بالنسبة للعاملين بالدولة وهيئاتها العامة- حق العامل فى الإجازة السنوية فغدا بذلك حقاً مقرراً له بنص القانون يظل قائماً ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة.
وحيث إن المشرع تغيا من ضمان حق العامل فى إجازة سنوية بالشروط التى حددها أن يستعيد العامل خلالها قواه المادية والمعنوية، ولايجوز بالتالى أن ينزل العامل عنها، ولوكان هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، إذ هى فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل وجهة الإدارة فلا يملك أيهما إهدارها كلياً أو جزئياً إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل، ولا أن يدعى العامل أنه بالخيار بين طلبها أو تركها، وإلا كان التخلى عنها إنهاكاً لقواه، وتبديداً لطاقاته، وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التى يتعذر صونها مع الاستمرار فيه دون انقطاع، فالحق فى الإجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه، وينعكس بالضرورة على كيان الجماعة، ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية والبشرية.
وحيث إن المشرع قد دل بنص الفقرة الأخيرة من المادة (52) المطعون فيه، على أن العامل لايجوز أن يتخذ من الإجازة السنوية وعاءً ادخارياً من خلال ترحيل مددها التى تراخى فى استعمالها ثم تجميعها ليحصل بعد انتهاء خدمته على ما يقابلها من الأجر، وكان ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضاه أن يرد على العامل سوء قصده، فلم يجز له أن يحصل على ما يساوى أجر هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر، وهى بعد مدة قدر المشرع أن قصرها يعتبر كافلاً للإجازة السنوية غايتها، فلا تفقد مقوماتها أو تتعطل وظائفها، بيد أن هذا الحكم لا ينبغى أن يسرى على إطلاقه، بما مؤداه أنه كلما كان فوات الإجازة راجعاً إلى جهة العمل ولأسباب اقتضتها ظروف أدائه، دون أن يكون لإرادة العامل دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها جملة، إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً عيناً، وإلا كان التعويض النقدى عنها واجباً، تقديراً بأن المدة التى امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمل، فكان لازماً أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
وحيث إن الحق فى هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل، مما يندرج فى إطار الحقوق التى تكفلها المادتان (32 ،34) من الدستور، اللتان صانا بهما الملكية الخاصة، والتى جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه عام، وانصرافها بالتالى إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها، متى كان ذلك فإن حرمان العامل من التعويض المكافئ للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (52) من لائحة نظام العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم 123 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالقرار رقم 177 لسنة 2003 – فيما تضمنته من حرمان العامل من البدل النقدى لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز ثلاثة أشهر، متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل.