باسم الشعب
المحكمة العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة 3 من يوليو سنة 1971 م .
برئاسة السيد المستشار/ بدوى إبراهيم حموده رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين:- محمد عبدالوهاب خليل وعمر حافظ شريف نائب رئيس المحكمة وحسين حسين قاسم وحسين زاكى وأحمد طوسون حسين ومحمد بهجت عتيبة أعضاء
وحضور السيد المستشار/ عادل عزيز زخارى نائب رئيس المحكمة رئيس هيئة مفوضى الدولة
وحضور السيد/ سيد عبدالبارى إبراهيم أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة العليا برقم 4 لسنة 1 قضائية عليا " دستورية " .
" الوقائع "
تتحصل الوقائع -على ما يبين من الأوراق- فى أن محمد محمد أحمد الشحات وهدان أقام الدعوى رقم 511 لسنة 1969 كلى أسوان ضد الشركة المصرية للجباسات والمحاجر والرخام وقال فى صحيفتها أنه يعمل بالشركة فى وظيفة رئيس منطقة الرخام بدهميت بأجر شهرى قدره 25 جنيهاً و812 مليماً، وفى 16 من فبراير سنة 1969 فوجئ بالقرار رقم 20 الصادر من الشركة بمجازاته بخصم خمسة عشر يوماً من راتبه وعدم إسناد أى عمل إليه من الأعمال التى يحتل فيها مركز القيادة . ولما كان هذا القرار قد شابه البطلان لعدم إعلانه بالمخالفة المنسوبة إليه قبل توقيع الجزاء خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ كشفها، ولخلو القرار من الأسباب التى استند إليها فى توقيع الجزاء. ولما كان القضاء المدنى رقيباً على صاحب العمل فى استعمال سلطة تأديب العمال والتحقق من توافر الشروط الشكلية والموضوعية لتوقيع الجزاء التأديبى فقد طلب المدعى الحكم ببطلان الجزاء سالف الذكر وإلزام الشركة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة .
وقد دفعت الشركة الدعوى بعدم اختصاص المحكمة بنظرها إستناداً إلى أن القرار الجمهورى رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بالقرار الجمهورى رقم 802 لسنة 1967 هو الذى ينظم جزاءات العاملين بالقطاع العام، كما دفعت بعدم قبول الدعوى لأن القرار المطعون فيه قد تحصن بفوات مواعيد الطعن فيه .
وردّ المدعى على هذا الدفاع فى شقه الأول بأن طعن بعدم دستورية القرار الجمهورى رقم 2309 لسنة 1966 فيما تضمنه من تعديل فى طرق التظلم من الجزاءات التأديبية الموقعة على العاملين .
وفى 5 من مارس سنة 1970 حكمت المحكمة بوقف الدعوى حتى يفصل فى الدفع بعدم دستورية القرار الجمهورى رقم 3309 لسنة 1966 من المحكمة العليا وحددت للمدعى مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر من تاريح الحكم ليرفع الدعوى أمام المحكمة العليا وإلا اعتبر الدفع كأن لم يكن وأبقت الفصل فى المصروفات.
وفى 6 من يونيو سنة 1970 أقام المدعى هذه الدعوى، وقيدت بجدول المحكمة برقم 4 لسنة 1 قضائية عليا "دستورية" طالباً الحكم بعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بالقرار رقم 802 لسنة 1967، فيما تضمنه من تقرير اختصاص القضاء الإدارى بنظر الطعون فى الجزاءات الموقعة على العاملين بالقطاع العام مع إلزام الشركة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقدمت الحكومة مذكرة دفعت فيها أولاً: بعدم قبول الدعوى لعدم رفعها إلى المحكمة العليا خلال الثلاثة الأشهر التى حددتها محكمة أسوان الإبتدائية مما يترتب عليه اعتبار الدفع المقدم أمام تلك المحكمة كأن لم يكن وثانياً: بعدم قبول الطلب لأن المحكمة العليا لا تختص إلا بالفصل فى دستورية القوانين دون غيرها من القرارات واللوائح، وفى الموضوع دفعت الدعوى بأن لائحة العاملين المطعون فيها صدرت من رئيس الجمهورية بمقتضى الحق المخول له دستورياً فى إصدار اللوائح التنظيمية واللوائح المنفذة للقوانين ولم تتضمن أحكاماً تخالف قانون العمل رقم 91 لسنة 1959. لأن القضاء العادى لم يكن مختصاً بإلغاء الجزاءات الموقعة على العاملين، وأضافت أن المحاكم التأديبية ليست جهات قضاء .
وقدمت هيئة المفوضين تقريراً انتهت فيه إلى طلب رفض الدفع الأول بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد لأن ذلك الميعاد يضاف إليه ميعاد مسافة كما طلبت رفض الدفع الثانى بعدم قبول الدعوى لأن اختصاص المحكمة العليا بالفصل فى دستورية القوانين يشمل القوانين الصادرة من مجلس الأمة كما يشمل اللوائح التفويضية ولوائح الضرورة وهى قرارات جمهورية لها قوة القانون .
وفى موضوع الدعوى انتهى التقرير إلى أن المادة (60) من القرار الجمهورى رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بالقرار الجمهورى رقم 802 لسنة 1967 فيما تضمنته من تعديل اختصاص الفصل فى التظلمات من الجزاءات التى توقع على العاملين فى القطاع العام تخالف المادة (153) من الدستور .
وتحدد لنظر الدعوى جلسة 2 من يناير سنة 1971 وتداولت بالجلسات حيث نُظرت على الوجه المبين بمحاضرها ثم أجلت للنطق بالحكم لجلسة 5 من يونية سنة 1971 وفى هذه الجلسة قررت المحكمة مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم .
" المحكمة "
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة.
عن الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد:
من حيث أن مبنى هذا الدفع أن المدعى أقام الدعوى بعد انقضاء ميعاد الثلاثة الأشهر المحدد لرفعها بحكم محكمة أسوان الإبتدائية المتقدم ذكره.
ومن حيث أنه من المقرر فى حساب المواعيد أنه إذا كان الميعاد محدداً لحصول إجراء فيه وكان مقدراً بالشهور فلا يحسب منه يوم التكليف أو حدوث الأمر المعتبر فى نظر القانون مجرياً للميعاد، وأنه إذا صادف آخر الميعاد عطلة رسمية امتد الميعاد إلى أول يوم عمل بعدها.
ومن حيث أن حكم محكمة أسوان الإبتدائية الذى يعتبر مجرياً للميعاد قد صدر فى 5 من مارس سنة 1970، بتحديد ميعاد ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره لرفع الدعوى أمام هذه المحكمة. ومن ثم فإن هذا الميعاد يبدأ من اليوم التالى لصدور الحكم وهو يوم 6 من مارس سنة 1970 وينتهى فى يوم 5 من يونية سنة 1970، ولما كان هذا اليوم يوافق يوم جمعة وهو يوم عطلة رسمية، فإن الميعاد يمتد إلى يوم العمل التالى وهو يوم 6 من يونية سنة 1970، وإذ أقام المدعى دعواه أمام المحكمة فى هذا اليوم الأخير فإنه لم يجاوز الميعاد المحدد بحكم محكمة أسوان الإبتدائية ويكون الدفع غير قائم على أساس سليم متعيناً رفضه.
عن الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى:
من حيث أن مبنى هذا الدفع أن اختصاص المحكمة العليا بنظر الدعاوى المتعلقة بدستورية القوانين مقيد بأن يكون التشريع المطعون فيه قانوناً صادراً من الهيئة التشريعية، ولما كان الطعن المطروح على المحكمة غير موجه إلى قانون بالمعنى الشكلى بل إلى قرار جمهورى فإن ولاية المحكمة لا تتناوله.
ومن حيث أنه يبين من استقصاء تاريخ رقابة دستورية القوانين فى مصر أنه رغم خلو الدستور والقوانين من أى نص يخول المحاكم سلطة رقابة دستورية القوانين فإنها قد أقرت حق القضاء فى التصدى لبحث دستورية القوانين إذا دفع أمامها بعدم دستورية قانون أو أى تشريع فرعى أدنى مرتبة يطلب أحد الخصوم تطبيقه فى الدعوى المطروحة عليها، واستندت فى تقرير اختصاصها هذا إلى أنه يعتبر من صميم وظيفتها القضائية القائمة على تطبيق القانون فيما يعرض عليها من منازعات فإذا تعارض القانون المطلوب تطبيقه فى الدعوى مع الدستور، وجب عليها أن تطبق حكمه وتغفل حكم القانون. وذلك إعمالاً لمبدأ سيادة الدستور وسموه على التشريعات الأخرى وقصرت ولايتها فى هذا الصدد على الامتناع من تطبيق القانون المخالف للدستور، ولم يكن قضاؤها فى موضوع دستورية القوانين ملزماً لها ولالغيرها من المحاكم، فكان لها أن تنقض فى الغد ما تبرمه اليوم وكان القانون يعتبر فى آن واحد دستورياً تطبقه بعض المحاكم وغير دستورى تمتنع من تطبيقه محاكم أخرى. ونظراً لما يترتب على اختلاف وجهات النظر بين المحاكم فى هذا الموضوع الخطير من اضطراب وعدم استقرار فى المعاملات والحقوق والمراكز القانونية فقد أنشأ المشرع المحكمة العليا بالقانون رقم 81 لسنة 1969، وخولها دون سواها ولاية الفصل فى دستورية القوانين (الفقرة الأولى من المادة الرابعة من القانون المذكور) كما أوجب نشر الأحكام الصادرة من المحكمة العليا فى الجريدة الرسمية وقضى بأن تكون هذه الأحكام ملزمة لجميع جهات القضاء ( المادة (31) من القانون رقم 66 لسنة 1970 بإصدار قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا)، وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 81 لسنة 1969 المتقدم ذكره تعليقاً على المادة الرابعة من هذا القانون أن المشرع قصر ولاية الفصل فى دستورية القوانين على المحكمة العليا دون سواها حتى "لا يترك البت فى مسألة على هذا القدر من الخطورة للمحاكم على مختلف مستوياتها حسبما جرى عليه العرف القضائى وحتى لا تتباين وجوه الرأى فيه".
وبذلك حسم المشرع الخلاف المترتب على تعدد جهات القضاء التى كانت تنظر على الشيوع بينها موضوع دستورية القوانين على الوجه المتقدم ذكره وكفل وحده النظام القانونى واستقراره وسد ثغرة عميقة فى نظامنا القضائى والقانونى.
ومن حيث أن رقابة دستورية القوانين تستهدف صون الدستور وحمايته من الخروج على أحكامه باعتباره القانون الأساسى الأعلى الذى يرسى الأصول والقواعد التى يقوم عليها نظام الحكم، ولما كان هذا الهدف لا يتحقق على الوجه الذى يعنيه المشرع فى المادة الرابعة من قانون إنشاء المحكمة العليا وفى مذكرته الإيضاحية إلا إذا انبسطت رقابة المحكمة على التشريعات كافة على اختلاف أنواعها ومراتبها، وسواء أكانت تشريعات أصلية صادرة من الهيئة التشريعية أو كانت تشريعات فرعية صادرة من السلطة التنفيذية فى حدود اختصاصها الدستورى، ذلك أن مظنة الخروج على أحكام الدستور قائمة بالنسبة إليها جميعاً، بل إن هذه المظنة أقوى فى التشريعات الفرعية منها فى التشريعات الأصلية، التى يتوافر لها من الدراسة والبحث والتمحيص فى جميع مراحل إعدادها مالا يتوافر للتشريعات الفرعية التى تمثل الكثرة بين التشريعات، كما أن منها ما ينظم حرية المواطنين وأمورهم اليومية مثل لوائح الضبط، يؤيد هذا النظر أن التشريعات الفرعية (كاللوائح) تعتبر قوانين من حيث الموضوع وإن لم تعتبر كذلك من حيث الشكل لصدورها من السلطة التنفيذية وهذه الوسيلة أكثر ملاءمة لمقتضيات أعمال السلطة التنفيذية وتطورها المستمر، ولو انحسرت ولاية المحكمة عن رقابة التشريعات الفرعية لعاد أمرها كما كان إلى المحاكم تقضى فى الدفوع التى تقدم إليها بعدم دستوريتها بأحكام قاصرة غير ملزمة يناقض بعضها بعضاً، وأهدرت الحكمة التى تغياها المشرع بإنشاء المحكمة العليا والتى أفصحت عنها المذكرة الإيضاحية لقانون إنشائها كى تحمل دون سواها رسالة الفصل فى دستورية القوانين.
ومن حيث أنه على مقتضى ما تقدم، يكون الدفع على غير أساس سليم من القانون متعيناً رفضه.
ومن حيث أن الطلب استوفى أوضاعه المقررة قانوناً .
عن الموضوع:
من حيث أن المدعى ينعى على المادة (60) من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بقرار رئيس الجمهورية رقم 802 لسنة 1967 مخالفة المادة (153) من الدستور، وقال فى بيان ذلك أن قانون العمل رقم 91 لسنة 1959، قد خول القضاء العادى سلطة الفصل فى تظلمات العاملين من القرارات الصادرة بتوقيع جزاءت تأديبية عليهم، كما أن القانون رقم 32 لسنة 1966 بإصدار قانون المؤسسات العامة وشركات القطاع العام لم ينقل هذا الاختصاص إلى القضاء الإدارى، ولما كانت المادة (60) سالفة الذكر قد عدلت قواعد الاختصاص بنظر هذه التظلمات، إذ أسندته إلى القضاء الإدارى "وهو يقصد القضاء التأديبى التابع للقضاء الإدارى" فإنها تكون مخالفة للمادة (153) من الدستور التى تقضى بأن يكون ترتيب جهات القضاء وتحديد اختصاصها بقانون فلا يجوز كلاهما بأداة أدنى منه.
ومن حيث أن الحكومة دفعت الدعوى قائلة أن القرار الجمهورى المطعون فيه لا يتضمن أحكاماً مخالفة للدستور، إذ أن جهات القضاء العادى لم تكن مختصة بالفصل فى تظلمات العاملين وإنما كان اختصاصها فى هذا الصدد مقصوراً على منازعات مالية فى الأجر، كما أن المحاكم التأديبية التى أولاها المشرع سلطة التأديب بالقرار المطعون فيه لا يصدق عليها وصف الجهات القضائية ولا علاقة لها بالقضاء الإدارى، كما أن التنظيم التشريعى الموضوع لتأديب العمال وما يتضمنه من تقرير طرق الطعن والتظلم من الجزاءات التأديبية لا يتصل بالنظام القضائى، ومن ثم فهو لا يمس ولاية القضاء ولا ينطوى على اعتداء على اختصاصه المقرر قانوناً .
ومن حيث أن ما أثارته الحكومة حول طبيعة المحاكم التأديبية، مردود بأن المشرع سواء فى قانون العاملين المدنيين الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1964 أو فى القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية أو غيرهما من التشريعات التى تناولت موضوع تأديب العاملين قد عالج هذا الموضوع علاجاً تشريعياً مستهدياً فى ذلك بالتشريعات الجنائية، واستبدل بمقتضى القانون الأخير بمجالس التأديب التى كانت تتولى تأديب العاملين ويغلب على تشكيلها العنصر الإدارى محاكم تأديبية نظمها تنظيماً قضائياً، وغلب فيها العنصر القضائى لتوفير الثقة والضمانات للعاملين عند محاكمتهم تأديبياً، وقد كان هذا هو الهدف الأصيل من إصدار القانون المذكور لإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، ونظراً لهذا الطابع القضائى الذى أضفاه المشرع على هذه المحاكم التى أخضع أحكامها للطعن أمام المحكمة الإدارية العليا، فقد أصبحت ملحقة بالقسم القضائى بمجلس الدولة الذى يتولى اليوم كافة شئونها، ومن ثم تعتبر المحاكم التأديبية جهات قضائية فى مفهوم المادة (153) من الدستور .
ومن حيث إن المادة (153) من الدستور الحالى تنص على أن " يرتب القانون جهات القضاء ويعين اختصاصها". وقد نقل هذا النص عن المادة (176) من دستور سنة 1956 والمادة (21) من دستور سنة 1958 ومؤداه ومقتضاه أن يكون ترتيب جهات القضاء وتحديد اختصاصها بتشريع صادر من السلطة التشريعية وليس بأداة أدنى من ذلك، وليس من شك فى أن الأمور التى احتجزها الدستور بنص صريح ليكون التشريع فيها بقانون صادر من السلطة التشريعية لا يجوز تنظيمها أو تعديل أحكامها أو إلغاؤها بأداة تشريعية أدنى من القانون، وإلا كانت مخالفة للدستور.
ومن حيث إنه فى ظل هذا النص فى الدساتير المتعاقبة صدر قانون العمل رقم 91 لسنة 1959 وخول العاملين الخاضعين له حق الطعن أمام المحاكم العادية فى الجزاءات التى يوقعها أرباب الأعمال عليهم وهذه المحاكم تختص ببحث شروط الجزاء وتراقب سلطة رب العمل فى توقيعه وكافة ما تبنى عليه صحته وإعمال أثره أو تجاوزه لحدوده ورده إليها، أو بطلانه ومحوه وغير صحيح بعد ذلك القول بأن اختصاص هذا القضاء يقتصر على المنازعة فى الحقوق المالية المترتبة على هذا الجزاء لأن تلك المنازعة لا تكون إلا فى الجزاءات المالية والفصل فيها يستلزم وجوباً الفصل أولاً فى ماهية الجزاء وكنهه وحدوده حتى يمكن تحديد ما يترتب عليه من آثار مالية تصفى على أساسها حقوق الطرفين، هذا بالإضافة إلى اختصاص هذا القضاء صراحة بإلغاء جزاء الفصل من العمل إن ثبت أنه كان بسبب النشاط النقابى .
ومن حيث أن المشرع نظم بعد ذلك وبالقوانين أرقام 117 لسنة 1958 و19 لسنة 1959 و55 لسنة 1959 جهات القضاء المختصة بتوقيع الجزاءات على العاملين فى الهيئات والمؤسسات العامة وموظفى الجمعيات والهيئات الخاصة التى يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية وموظفى الشركات التى تساهم فيها الحكومة بنسبة لا تقل عن 25% من رأسمالها أو تضمن لها حداً أدنى من الأرباح وذلك فى الأحوال المبينة فى تلك القوانين، وأجاز لهؤلاء العاملين الطعن فى الأحكام الصادرة من المحاكم التأديبية أمام المحكمة الإدارية العليا . هذا بالإضافة إلى ما هو مقرر للعاملين فى المؤسسات والهيئات العامة من حق الطعن أمام القضاء الإدارى فى الجزاءات التى توقع عليهم من الجهات الإدارية فى غير تلك الأحوال .
ومن حيث أن لائحة نظام العاملين بالقطاع العام صدرت بعد ذلك بالقرار الجمهورى رقم 3309 لسنة 1966 الذى عدل بالقرار الجمهورى رقم 802 لسنة 1967 ونصت فى المادة (60) منها على ما يأتى:
"يكون توقيع الجزاءات التأديبية المبينة فى المادة السابقة وكيفية التظلم منها أو الطعن فيها وفقاً لما يأتى:
أولاً:- بالنسبة لجزاءات الإنذار أو الخصم من المرتب، أو الوقف عن العمل مع صرف نصف المرتب، أو الحرمان من العلاوات أو تأجيل موعد استحقاقها .
1- تكون لرئيس مجلس الإدارة أو من يفوضه سلطة توقيعها على العاملين شاغلى الوظائف من أدنى الفئات حتى الفئة الثالثة، ويكون التظلم من هذه الجزاءات إلى رئيس مجلس الإدارة أو إلى جهة التظلم التى يحددها قراره بالتفويض بتوقيع الجزاء وذلك خلال خمسة عشر يوماً من إخطار العامل بالجزاء الموقع عليه .
2- وتكون لرئيس مجلس الإدارة سلطة توقيعها على العاملين من الفئة الثانية وما يعلوها، على أن يصدق على هذه القرارات من رئيس مجلس إدارة المؤسسة المختصة أو الوزير المختص حسب الأحوال، ويكون التظلم من هذه الجزاءات للجهة التى قامت بالتصديق خلال خمسة عشر يوماً من إخطار العامل بالجزاء الموقع عليه .
ثانياً:- بالنسبة لسائر الجزاءات الأخرى عدا جزاء الفصل من الخدمة :
1- تكون لرئيس مجلس الإدارة سلطة توقيعها على العاملين شاغلى الوظائف من أدنى الفئات حتى الفئة السابعة، ويكون الطعن فى هذه الجزاءات أمام المحكمة التأديبية المختصة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إخطار العامل بالجزاء الموقع عليه.
2- وتكون لرئيس مجلس الإدارة سلطة توقيعها على العاملين شاغلى الوظائف من الفئة السادسة حتى الفئة الثالثة، على أن يصدق على هذه القرارات من رئيس مجلس إدارة المؤسسة المختصة أو الوزير المختص حسب الأحوال. ويكون الطعن فى هذه الجزاءات أمام المحكمة التأديبية المختصة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إخطار العامل بالجزاء الموقع عليه .
3- وتكون للمحكمة التأديبية المختصة سلطة توقيعها على العاملين شاغلى الوظائف من الفئة الثانية وما يعلوها .
ثالثاً:- بالنسبة لجزاء الفصل من الخدمة :
1- تكون لرئيس مجلس الإدارة سلطة توقيعه على العاملين شاغلى الوظائف من أدنى الفئات حتى الفئة السابعة، ويكون الطعن فى هذا الجزاء أمام المحكمة التأديبية فى خلال ثلاثين يوماً من إخطار العامل بالجزاء الموقع عليه .
2- ويكون للمحكمة التأديبية المختصة سلطة توقيعه على العاملين شاغلى الوظائف من الفئة السادسة وما يعلوها .
رابعاً: فى جميع الحالات السابقة تكون القرارات الصادرة بالبت فى التظلم وكذلك أحكام المحاكم التأديبية نهائية وغير قابلة لأى طعن ما عدا الأحكام التى تصدر بتوقيع جزاء الفصل من الخدمة على العاملين شاغلى الوظائف من الفئة السادسة وما يعلوها فيجوز الطعن فيها أمام المحكمة الإدارية العليا خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعلان العامل بالحكم " .
ومن حيث أنه يبين من مقارنة هذه النصوص بالنصوص المتعلقة بموضوع تأديب العاملين الواردة فى القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية المعدل بالقانون رقم 19 لسنة 1959 وبنصوص قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 ما يأتى :
أولاً:- أنه طبقاً لنص المادة الثانية من القانون رقم 19 لسنة 1959 بسريان قانون النيابة الإدارية المشار إليه على موظفى المؤسسات العامة والشركات والجمعيات والهيئات الخاصة، كان اختصاص الجهات الرئاسية بالمؤسسات العامة والوحدات الاقتصادية التابعة لها مقصوراً على توقيع عقوبتى الإنذار والخصم من المرتب مدة لا تجاوز خمسة عشر يوماً، وذلك بالنسبة إلى العاملين الذين تجاوز مرتباتهم خمسة عشر جنيهاً، أما العقوبات الأشد فإنها تدخل فى اختصاص المحاكم التأديبية دون غيرها، وقد عدلت اللائحة من اختصاص المحاكم فى هذا الصدد بأن نقلت هذا الاختصاص إلى السلطة الرئاسية فى الحدود المبينة بالمادة (60) المشار إليها .
ثانياً:- أسندت المادة (60) من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام إلى المحاكم التأديبية الاختصاص بنظر الطعون فى بعض القرارات التأديبية الصادرة من السلطات الرئاسية بالنسبة إلى هؤلاء العاملين، وقد كان هذا الاختصاص منوط بجهتى القضاء العادى والإدارى وأياً كان الرأى فى شأن الجهة القضائية المختصة بنظر تلك الطعون فإن تعديل اختصاص الجهات القضائية يجب أن يكون بقانون .
ثالثاً:- منع البند "رابعاً من المادة (60) سالفة الذكر الطعن فى القرارات الصادرة بالبت فى تظلمات العاملين فى أحكام المحاكم التأديبية ( عدا الأحكام الصادرة بعقوبة الفصل ) وبذلك تكون قد ألغت اختصاص جهات القضاء بنظر الطعون فى القرارات التأديبية النهائية للسلطات الرئاسية، كما ألغت اختصاص المحكمة الإدارية العليا بنظر الطعون فى أحكام المحاكم التأديبية فى هذا الخصوص، وهو الاختصاص الممنوح لها طبقاً لنص المادة (3) من قانون النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1958 والمادة (15) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 55 لسنة 1959 .
ومن حيث أنه يبين مما سلف أن المادة (60) من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام، قد عدلت اختصاص جهات القضاء سالفة الذكر بقرار جمهورى، ولما كان هذا التعديل لا يجوز إجراؤه بغير القانون تطبيقاً للمادة (153) من الدستور، ومن ثم يكون نص المادة (60) من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام سالفة الذكر مخالفاً للدستور على الوجه المتقدم بيانه .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:-
أولاً:- برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد .
ثانياً:- برفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى .
ثالثاً:- وفى الموضوع : بعدم دستورية المادة (60) من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بقرار رئيس الجمهورية رقم 802 لسنة 1967 فيما تضمنته من تعديل فى قواعد اختصاص جهات القضاء على الوجه المبين بأسباب هذا الحكم، وألزمت الشركة المدعى عليها المصروفات ومبلغ 20 جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
منقول عن موقع المحكمة الدستوريا العليا