(الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية) (عبيد بلا أغلال) (30) الحلقة الأخيرة (الخليجيون والثورة العربية)

11 views
Skip to first unread message

مجموعة الدكتور حاكم المطيري

unread,
May 25, 2011, 4:38:52 AM5/25/11
to hakemal...@googlegroups.com

(الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية)

(عبيد بلا أغلال)

(30)

الحلقة الأخيرة

 (الخليجيون والثورة العربية)

                                                                    بقلم د0 حاكم المطيري

Omma...@yahoo.com

 

لقد أصبح العرب الخليجيون في جزيرة العرب اليوم أكثر إدراكا لأزمة الهوية التي يعيشونها، وأكثر شعورا بآثارها الخطيرة على واقعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحقوقي، فهي التي أدت إلى:

1-    ترسيخ الواقع الطبقي حيث تستأثر الأسر الحاكمة وحاشيتها ومن حولها بكل شيء، بالقرار السياسي والنفوذ الاقتصادي والمالي والإعلامي والوظيفي!

2-    ارتهان الخليج والجزيرة العربية وشعوبها وأرضها وثروتها لصالح الاحتلال الأجنبي وقواعده العسكرية ونفوذه الاستعماري، من خلال تحالفه ودعمه للأسر التي فرضها لتحكم شعوب المنطقة! ففرطت باستقلالها وأمنها، بدعوى أحقيتها المزعومة في الحكم دون إرادة شعوبها!

3-     استلاب الحرية السياسية، وانتقاص الحقوق الإنسانية، وتهميش الإنسان الخليجي، ليظل رعية تحت حكم الراعي، لا مواطنا له كما لأفراد الأسر الحاكمة كل حقوق المواطنة!

4-    تكريس تجزئة المنطقة الواحدة والشعب الواحد، ليسهل على القوى الخارجية التدخل في شئون كل بلد خليجي، وتعريض أمن المنطقة كلها للخطر، بعد أن فقدت حكوماتها أي قدرة على اتخاذ قرار سيادي تاريخي يعيد للمنطقة وحدتها وقوتها لمواجهة الخطر الخارجي، وتأمين شعوبها التي باتت في مهب الريح أمام الصراع الدولي والإقليمي (الغربي - الإيراني) على المنطقة!

لقد أصبح الخليجيون أشد رفضا لهذا الواقع وأشد إصرارا على تغييره نحو واقع أفضل يقوم على قيم إسلامية وإنسانية حيث يتساوى فيه الجميع في الأرض والسلطة والثروة والمواطنة والحقوق والواجبات، كما كان عليه واقعها قبل الاستعمار البريطاني حتى في عصور انحطاطها وتخلفها، حيث كانت العلاقة قائمة بين مكونات المجتمع الخليجي على أساس قبلي يتساوى فيه الجميع، تقوم فيه رابطة الدم بفرض قيم المساواة، ورابطة الانتماء والمدافعة عن القبيلة بفرض قيم الحرية والمشاركة بالرأي، إذ لا استبداد في ظل النظام القبلي الذي يستطيع الفرد فيه الارتحال حين تنتهك كرامته، فقد كانت القبيلة العربية تمارس حقها في اختيار من يرأسها إذا توافرت فيه صفات السيادة، كما قال الأعرابي (لا يسود فينا الرجل حتى يحل لنا عرضه، ويوطئنا فراشه، ويملكنا ماله)، فلا يسود فيهم بخيل بماله، ولا جبان لا يستطيع القتال دونهم وحمايتهم بنفسه، ولا جهول لا يصبر عليهم بحلمه وسعة صدره، ولا أناني لا يؤثرهم بمكانه ومجلسه!

كما لا تعرف القبيلة نظام التوارث في المشيخة، بل لا يشيخ فيهم إلا من اختاروه شيخا لهم لكفاءته، حتى إذا ضعف وعجز عن القيام بمسئولياته، وتصدى لها من هو أكفأ منه انتقلت المشيخة إليه، فتنتقل من بيت إلى بيت، ولهذا يتقدم لقيادة القبيلة العربية الأكفأ والأقدر حين ترضاه القبيلة!   

لقد حطم الاستعمار البريطاني تلك العلاقة ليقيم علاقة طبقية يفرض فيها الاستعمار الأسر التي تتحالف معه  -بقوة الطيران والمدافع - على المجتمع، ليخلق واقعا طبقيا خطيرا شبيها بالطبقية الهرمية الهندية، كما يؤكد الدكتور اليوسف (إن النظام القبلي أقرب إلى النظام الديمقراطي المعاصر من حيث المدافعة والمساءلة والحفاظ على حقوق الأفراد، فابن القبيلة كان يمارس دورا في قبيلته، وقبيتله كانت تمارس دورا في تجمع القبائل، فلم تكن هناك هيمنة لأحد، حتى وإن تفاوتت موازين القوى بين القبائل، فالكل كان له صوت وحق، أما النظم الخليجية الحالية فهي عبارة عن اختزال للنظام القبلي في أسرة واحدة، تخلت مع ظهور النفط والوجود الأجنبي عن بقية القبائل ماليا وأمنيا، وأصبحت - بتحالفها مع الأجنبي - تستفرد بالثروة والقرار إلى يومنا هذا، وأصبحت شبيهة بالنظام الطبقي في الهند، هذا الاختلال الذي حصل في موازين القوى بين شعوب المنطقة والأسر الحاكمة يؤكده الباحث علي الكواري بقوله : أدت تلك التغيرات إلى انتقال نظام الحكم في دول المنطقة من التحالف القبلي التقليدي حيث يكون الشيخ هو الأول بين متساوين، إلى حكم أسر يقوم على الغلبة، بسبب المعاهدات التي أبرمتها بريطانيا مع شيوخ المنطقة، وقد أدت إلى تراجع المشاركة السياسية بشكل عام، عندما ضعفت القبائل والعائلات، وقوي مركز الأسر الحاكمة).[1]

لقد أصبح الخليجيون اليوم يتطلعون إلى تتحرر أوطانهم وشعوبهم من الاحتلال الأجنبي والوجود العسكري الاستعماري، وهو ما تعبر عنه حركات الرفض والاحتجاج التي تشهدها المنطقة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وكما يقول فرد هاليداي حين تحدث عن ضعف النظم السياسية في الخليج العربي خاصة(هشاشة ما تبقى من حلفاء للغرب في المنطقة، فكل حلفاء الغرب حول الخليج عبارة عن أنظمة ملكية تحكم دون موافقة شعوبها بفساد هائل وتوزيع للثروة غير متكافئ، وقد أوضحت أحداث إيران أن الأنظمة التي تبدو مضمونة في الظاهر قد يطاح بها بسرعة عندما تبدأ الحركة الشعبية في النمو) [2].

 لقد صار المشروع الاستعماري البريطاني المتمثل في دويلات الطوائف كله عرضة للتغيير بعد أن ظهرت آثاره الكارثية، فلا هو حافظ على الوضع القائم لشعب الجزيرة والخليج العربي يوم أن خرجت الدولة العثمانية من المنطقة، حيث كان الجميع يمثلون شعبا واحدا، في منطقة جغرافية واحدة، وكانت كل مدينة وكل قبيلة تمثل جزءا لا يتجزأ من هذا الشعب العربي الواحد في أصله ولغته وتاريخه ودينه وثقافته، لا تحول بينهم الحواجز والحدود، ولا تفرق بينهم الألقاب والرسوم، بل كانوا أحرارا في جزيرتهم كما كانوا منذ وجودهم عليها إلى أن وحدهم الإسلام، وجعل العلاقة بينهم علاقة قائمة على الأخوة والمساواة!

 ولا هو بالذي أقام واقعا جديدا تكون العلاقة فيه قائمة على أساس المواطنة التي تقتضي المساواة في الحقوق والواجبات كما هو الحال في الدولة الحديثة المعاصرة!

 ولا هو بالذي حررها من الاستعمار وحماها من الخطر الأمني الخارجي!

 وقد أدى ذلك كله إلى تنامي حركة الرفض لهذا الواقع الطبقي الاستبدادي الاستعماري الممسوخ الذي لن يكتب له الدوام أبدا، لأن ما أقيم على باطل فهو باطل، وهذا ما تنبأ به فرومكين حيث يقول:(أصبح الشرق الأوسط على ما هو عليه الآن من اضطراب، لأن الدول الأوربية أخذت على عاتقها أن تعيد تشكيله من جهة، ولأن بريطانيا وفرنسا أخفقتا في ضمان استمرار الأسر الحاكمة، والدول، والنظم السياسية، التي أوجدتاها، بعد أن قضتا خلال الحرب العالمية الأولى قضاء مبرما على النظام القديم في المنطقة، وحطمتا الحكم العثماني للشرق الأوسط العربي تحطيما لا خلاص منه، ولكي تأخذ الدولتان مكان النظام القديم، أوجدتا بلدانا، وعينتا حكاما، ورسمتا حدودا، وأدخلتا نظام دول، ولكنهما لم تقضيا على كل معارضة محلية هامة لقراراتهما، ولا تزال إلى يومنا هذا قوى محلية ذات بأس في الشرق الأوسط غير موافقة على هذه الترتيبات، وقد تطيح بها، إن ثمة مطالب هي أكثر صلة بالجوهر، وهذه الخلافات لا تقتصر على الحدود فحسب، بل تطرح أيضا حق الوجود لبلدان انبثقت عن القرارات البريطانية الفرنسية في أوائل العشرينات من القرن العشرين، وهذه الخلافات تذهب إلى غور أعمق، وتبحث مسائل تبدو مستعصية على الحل وهي:هل يستطيع النظام الحديث الذي ابتكرته أوربا ونقلته إلى المنطقة، ومن مميزاته تقسيم الأرض إلى دول علمانية مستقلة أساسها مواطنية قومية؟ إن الأفكار السياسية الأوربية ومنها الحكومة المدنية العلمانية، تعد عقيدة غريبة على منطقة أكد معظم سكانها، ولمدة تربو على ألف عام، إيمانهم بشريعة دينية تحكم كل جوانب الحياة، ومنها الحكومة والسياسة، لقد أقر فعلا رجال الدولة الأوربيون في زمن الحرب العالمية الأولى بوجود المشكلة وبأهميتها، فما إن بدأ قادة الحلفاء يخططون لضم الشرق الأوسط إلى دولهم، حتى أدركوا أن سلطة الإسلام على المنطقة هي الخاصية الرئيسية للخريطة السياسية، التي يتحتم عليهم أن يجابهوها، وقد شن كيتنشر عام 1914م سياسة هدفها جعل الإسلام تحت سيطرة بريطانيا، فلما ظهر أن هذه السياسة لن تنجح، رأى معاونو كيتنشر البديل في رعاية ولاءات أخرى، لاتحاد شعوب عربية، أو لأسرة الشريف حسين، أو لبلدان كان عليها أن تخرج للوجود كالعراق، وأن تكون هذه الولاءات منافسة للوحدة الإسلامية، والحقيقة أنهم عندما صاغوا تسوية الشرق الأوسط لما بعد الحرب، كان هذا الهدف نصب أعينهم، بيد أن فهم المسئولين الأوربيين في ذلك الحين للإسلام كان ضئيلا....لا وجود في الشرق الأوسط للإحساس بالشرعية، وليس في المنطقة إيمان يشارك فيه الجميع بأن الكيانات التي تسمي نفسها بلدانا، والرجال الذين يدعون أنهم حكاما، لها أو لهم حق الاعتراف بهم كبلدان أو كحكام، ولا يمكن القول بأن الذين خلفوا السلاطين العثمانيين، قد نصبوا في مناصبهم بصفة دائمة، مع أن هذا ما اعتقد الحلفاء أنهم فاعلوه بين عامي 1919 و1922م)[3].

 ويقول فرومكين أيضا وهو يتنبأ عن مستقبل المنطقة في ظل الأزمة التاريخية التي تعيشها سواء أزمة الهوية من جهة، أو أزمة الشرعية السياسية من جهة أخرى:(إذا استمر زخم التحديات، لتسوية 1922م  فإننا سنرى يوما ما الشرق الأوسط الذي عرفناه في القرن العشرين في وضع يشبه وضع أوربا في القرن الخامس الميلادي، عندما ألقى انهيار الإمبراطورية الرومانية في الغرب، شعوب الإمبراطورية في خضم أزمة حضارة، لقد احتاجت أوربا إلى ألف وخمسمائة عام لتحل أزمة هويتها الاجتماعية والسياسية بعد زوال الإمبراطورية الرومانية، منها نحو ألف سنة لكي يستقر النظام السياسي على شكل الدولة الأمة، ونحو خمسمائة سنة أخرى لتقرير من هي الأمم التي تملك الحق في أن تشكل دولا، وهل يكون الولاء للسلالات الأسرية، أو للدولة القومية، أو لدول المدن؟ لقد تبين أن موضوع أزمة الشرق الأوسط المستمرة في زمننا، هو مثيل موضوع أزمة أوربا الغربية، وإن لم يكن بنفس العمق وطول الزمن، فكيف تستطيع شعوب متنوعة أن تعيد تجميع نفسها لخلق هويات سياسية جديدة، بعد انهيار نظام إمبراطوري طويل العهد اعتادت عليه؟ لقد اقترحت دول الحلفاء في مطلع العشرينيات من القرن العشرين شكلا للمنطقة بعد زوال الدولة العثمانية، لكن السؤال الذي لا يزال قائما:هل تقبله شعوب المنطقة؟ولذلك فإن تسوية 1922م لا تخص الماضي، بل هي في قلب الحروب والنزاعات والسياسات الراهنة في الشرق الأوسط)[4].

وقد عبر عن هذه الأزمة السفير البريطاني في المملكة السعودية ألن مونرو سنة 1996م في مقال حول أسباب عدم استقرار المنطقة فقال (تقع المملكة العربية السعودية في منطقة عدم استقرار ..إن العداوات القديمة والخلافات بقيت كما هي لارتباطها العميق بتاريخ قبائل المنطقة، وفي الحقيقة إن الوضع الحالي كان نتيجة مباشرة لما فعله الإنجليز في مؤتمر العقير، وما تلاه من تأسيس دويلات في العراق والأردن هي في الحقيقة واجهة للإنجليز لا غير) [5].

لقد خسرت القبيلة العربية وهي المكون الرئيسي في الخليج والجزيرة أرضها وديارها الخاصة بها، ونفوذها ومكانتها الاجتماعية لا لوطن يحفظ كيانها، ويصون كرامتها، ولا دولة يتمتع أفرادها فيها بحريتهم وحقوقهم، بل خسرت كل ذلك لصالح حكم طبقي عشائري فاسد، ولصالح أسر أصغر شأنا منها، لتتقاسم أرضها، وتمزق كيانها، وتستأثر بثرواتها، وليتحول أفرادها إلى (عبيد بلا أغلال) و (فداوية) عند (المعازيب)!

لقد كان للقبائل في الجزيرة العربية ديارها، فكان لكل قبيلة أرضها، التي تمتد بامتداد نفوذ عشائرها على صحرائها، ولكل قبيلة آبارها ومراعيها الخاصة بها، التي لا أحد يستطيع الشرب منها ولا النزول فيها إلا بإذنها، أو بالحرب للسيطرة عليها، كما كان للقبائل المستقرة في المدن نفوذها أيضا حيث كانت كل مدينة تمثل تجمعا قبليا أو مجموعة قبائل وأسر مستقرة، كما في مدينة حائل ومدن القصيم والعارض والأحساء والزبير وغيرها من مدن الجزيرة العربية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ولم تكن الكويت والدوحة وأبو ظبي ومسقط والمنامة إلا موانئ ومدنا صغيرة بالمقارنة مع المدن الداخلية في الجزيرة العربية، كما لا مقارنة بين امتداد نفوذ القبائل وامتداد مساحة الأرض التي تسيطر عليها والمدن التي صارت دولا بعد ذلك، كما جاء في رسالة مبارك الصباح للمقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي بتاريخ 30/1/1902م، حيث ذكر فيها وصول جيش ابن رشيد إلى( ديرة الظفير) التي تقع على مسافة خمسة أيام من الكويت[6].

 وكما جاء في جواب ابن سعود على رسالة مبارك بخصوص حرب العجمان سنة 1915م وفيه (نحن الآن في وقت القيظ ولا نتمكن فيه من أن نسير بجيش إلى ديرة العجمان)[7].

وكما تمتد كثير من القبائل كقبيلة مطير من البحر الأحمر إلى الخليج العربي مؤكدة وحدة الجزيرة العربية من الخليج إلى البحر الأحمر، كما يقول لوريمر في كتابه الموسوعي (دليل الخليج العربي) عن قبيلة مطير وحدود أراضيها( قبيلة عربية صرفة، في وسط الجزيرة العربية، حدودها أوسع من أي قبيلة أخرى، باستثناء عنزة، وهي القبيلة البدوية الرئيسية التي تزور القصيم، وملكية الدهناء والصمان مقصورة عليهم، وتمتد أماكن تواجدهم في الشمال الشرقي، حتى تتوغل في الكويت، فيقيمون معسكراتهم (خيامهم)الصيفية في الجهراء، وفي الجنوب الغربي يوجدون في القصيم، وفي الوشم، ووادي السر، ويصلون إلى العارض، وعلى مسافة بعيدة في المنطقة البركانية بين مكة والمدينة، وحدودهم الشمالية القصوى على الخليج، ويوجدون جنوبا في الحسا، والصمان، ويتصلون في الشمال مع عنزة، وفي الشمال الغربي مع شمر، وفي الغرب مع حرب، وعتيبة، وقحطان، والدواسر، وسبيع، وفي الجنوب مع العجمان، والمرة، وبني هاجر، والمناصير).[8]

 وهكذا كل القبائل العربية الممتدة في جزيرة العرب، والتي تؤكد بل تفرض وحدة المنطقة السياسية، وتجعل منها ضرورة اجتماعية قبل أن تكون ضرورة سياسية!

لقد كان الوضع الطبيعي بعد قيام الدويلات الخليجية وامتداد حدودها لتشمل أراضي القبائل الصحراوية وديارها أن تحافظ على وحدة القبيلة الثابتة من خلال وحدة الدولة الطارئة التي قامت على أرضها، لا أن تصبح القبيلة ووحدتها ضحية لقيام الدويلات الخليجية، لفرض ولاء مصطنع للوطن المجزوء على حساب وحدة الدم للقبيلة العربية، ليجد أبناء القبيلة الواحدة حين حدوث حرب أو نزاع بين دولتين خليجيتين أن الولاء الوطني سيكون على حساب الانتماء للقبيلة ووحدة الدم بين أبنائها، وهو ما عزز أزمة الهوية لدى المكون الرئيس للمجتمع الخليجي!

 لقد كانت القبيلة وبعد أن خسرت كيانها الخاص بها تتطلع أن تقوم العلاقة في الدولة الطارئة على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق مقابل تنازل تلك القبائل الثابتة عن أراضيها وآبارها وديارها ونفوذها، لتصبح ملكا عامة للدولة الجديدة الطارئة، ليشترك فيها الشعب كله بما فيهم أفرد القبيلة، غير أن ما حصل هو أن شيوخ المدن - التي صارت دولا في ظل المشروع البريطاني - صاروا يتصرفون في أراضي هذه القبائل والمدن التي ضمها لهم الاستعمار البريطاني على أنها ملك خاص لهم لا ملك للدولة والمال العام فيها! فصاروا يحمون الحمى لهم ولحاشيتهم وأتباعهم، ويقطعون الأراضي لمن شاءوا بعد أن كان لا يستطيع أحد المرور بها أو النزول فيها إلا بأمان من القبيلة التي تسيطر عليها إلى أن أخضعها الاستعمار البريطاني بعد سنة 1922م؟!

لقد خسرت القبيلة أرضها فآلت ملكيتها لا إلى دولة وطنية، بل إلى أفراد وإلى أسر إقطاعية لا لشيء إلا لتحالفها مع الاحتلال الأجنبي الذي فرض بقوته العسكرية واقعا طبقيا جديدا!

 لقد تم بفضل بريطانيا قلب الوضع رأسا على عقب كما يقول جون غلوب (إن الوضع الداخلي للشرق الأوسط كان قد تحول تحولا جذريا خلال حقبة العشرينات ففي ذلك الوقت كانت كثير من البلدان العربية تضم قبائل مسلحة، وكانت الاضطرابات التي تثيرها تلك القبائل تشكل تهديدا مباشرا للنظام والقانون - أي تهدد وجود الاستعمار - ونتيجة لذلك كان سكان المدن موالين للحكومات دوما، لأنهم كانوا ينتظرون منها دوما حمايتهم من تلك القبائل، وقد استمر ذلك الوضع طيلة الوقت الذي كان باستطاعة القبائل التسلح بنفس الأسلحة التي تتسلح بها قوات الحكومة، وما إن أصبحت الحكومات العربية قادرة على أن تسلح قواتها بالأسلحة الحديثة، من الطائرات والسيارات المصفحة حتى أصبح أفراد العشائر عاجزين، ومن ثم أصبحوا موالين) [9].

لقد كان هدف بريطانيا من ذلك التقسيم بالأمس هو فرض سيطرتها على المنطقة من خلال حلفائها، فكانت تحكم المنطقة وتدير شئونها من خلالهم، تحت شعار حماية المنطقة، ونشر الديمقراطية، وتحديث الشرق الأوسط!

لقد حطمت بريطانيا الاستعمارية الشرق الذي كان الإنسان فيه أكثر تحررا قبل قدومها، لتقيم أنظمة استبدادية تخضع الشعوب للاستعمار ومشروعه، وقد كان الجنرال البريطاني في الهند جاكوب - وهو أستاذ بيللي  - يؤمن بأن من مسئولية الرجل الأوربي الأبيض تحديث الشعوب الآسيوية، والسيطرة عليها، والتحكم بها، لأنها في نظره شعوب لا تستحق الحرية، حيث يؤمن (بأن حق أن يحكم الإنسان نفسه هو حق أنجلو ساكسوني، فإذا أرغمنا هؤلاء الشرقيين كي يأخذوا نصيبهم في حكم أنفسهم، فلن يثمر هذا إلا الفوضى وسوء الحكم، فالرجل الأبيض يعتبر التدخل في حقه في أن يحكم نفسه بنفسه، وتقييد حريته، أمرا بالغ الخطأ، في حين أن الآخر  الشرقي حين يجبر على أن يحكم نفسه بنفسه يرى أن حيفا قد وقع عليه، وأن الطغيان قد فاض حتى بلغ مداه، إن نظرية أن للجميع حقوقا متساوية، التي يؤمن بها الأنجلو ساكسوني أمر خاطئ هنا، فالشرقي يتوقع أن يكون محكوما، وأن تحسن سياسته الحكومة التي تحكمه، وإلا ربما تمرد على هذه الحكومة وانقلب على حكامه بغية أن يغيرهم، ولكن لا يبتغي أبدا تحقيق حريته، إن مواطني الهند رغم أنهم غير مؤهلين للحكم الذاتي، وغير جديرين به، إلا إنهم يشعرون بالامتنان والولاء لمن يعمل على الارتقاء بوضعهم الاجتماعي، إنهم لا يثقون في نظرائهم كي يرتقوا سدة الحكم، ولا يرضخون لبني جلدتهم، ولكنهم يرضخون للسيد الإنجليزي الذي يشعرون بأنه الأرقى عنصرا، إننا نحكم الهند لأننا جنس أرقى من الآسيويين، وإنه لولا هذا الارتقاء الطبيعي لما استطعنا أن نحكم الهند حتى لأسبوع واحد، استبعدوا ما يشاع عن المساواة بين العنصرين، دعونا نواجه قدرنا الحقيقي كعنصر قدره السيطرة لكي نضرب لهم المثل الأعلى، وسيصبح حكمنا أكثر رسوخا)[10].

وهي النظرية التي أثبت الشعب الهندي بطلانها بل وكل شعوب الشرق الأسيوية التي حكمت نفسها بنفسها وتحررت إرادتها من الاستعمار والاستبداد إلا العرب وحدهم!

لقد حاول الاستعمار وحلفائه إشاعة ثقافة زائفة تبرر هذا الواقع الاستبدادي الطبقي بدعوى أن شعوب الخليج مجتمعات قبيلة لا تصلح لها الحرية، وهو ما أثبت بطلانه المستشرق برنارد لويس حيث يقول في كتابه (الحرية والعدالة في الشرق الأوسط الجديد) (جوهر الحكم في الإسلام يتمثل في العدل، فالحاكم الذي يتصف بالعدل لا بد أن يتوفر له شرطان أساسيان : الأول أن يحصل على السلطة بالحق، والثاني يجب أن يمارس هذه السلطة على أساس عادل، أي أن لا يكون غاصبا للسلطة، وأن لا يستبد بها، ولا يوجد أدنى شك من أن المساواة بين المسلمين هي من المبادئ الأساسية في الإسلام منذ نشأته في القرن السابع الميلادي، وهذا ما يميزه عن النظام الطبقي في الهند، وعن النظام الأرستقراطي في الغرب المسيحي، بل إن حقائق الواقع والسجل التاريخي يشهد حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت فرصة رجل فقير ذي مكانة اجتماعية متواضعة في الوصول إلى قمة الهرم الوظيفي والاجتماعي في الدولة الإسلامية أكبر بكثير من إمكانية حصول ذلك في كل الغرب المسيحي، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا ما بعد الثورة)، ويقول أيضا في كتابه (الإيمان والقوة )نافيا عن العرب المسلمين الطبيعة الاستبدادية (إن أبرز ما يجده المحلل في الفكر السياسي الإسلامي الغني هو أن الحكم في الإسلام له ثلاثة ضوابط رئيسية شبيهة بالديمقراطية وهي (البيعة) التي تمنح الحاكم الشرعية، و(الإجماع) الذي يحتم المشاركة في القرار، وأخيرا (القيود) على سلطة الحاكم المتمثلة بالشريعة).[11]

وما ذكره هذا المستشرق لا يحتاج إلى أكثر من استحضار التاريخ العربي الإسلامي، واستذكار أبرز قياداته التي شاركت في صناعة تاريخه، والتي جاءت من كل مكونات المجتمع الإسلامي وعلى اختلاف قومياته، خاصة العصر المملوكي الذي تولى فيه المماليك السلطة السياسية في مصر والشام والجزيرة العربية مع أنهم في الأصل من الرقيق!

عودة الاستعمارالغربي للجزيرة والخليج العربي:

لقد عاد الاستعمار الغربي العسكري للخليج والجزيرة العربية بشكل مباشر من جديد بعد احتلال العراق، وكان من آثاره الخطيرة استنفار دول الخليج ضد شعوبها على نحو غير مسبوق حتى تحولت جزيرة العرب إلى (قاعدة للجيش الأمريكي) و(سجن كبير لشعوبها)، وبلغ عدد المعتقلين في الخليج العربي جراء الاحتياط الأمني نحو ثلاثين ألف معتقل، خاصة في المملكة العربية السعودية، حيث تم زج آلاف العلماء والمفكرين والكتاب والسياسيين ورجال الأعمال في السجون بلا تهم ولا محاكمات، لا لشيء إلا لكونهم يرفضون الاحتلال الأمريكي في العراق، أو دعموا المقاومة الفلسطينية، أو يرفضون الاستبداد السياسي في المملكة، ويتطلعون كبقية شعوب العالم إلى الحرية والاستقلال!

كما تم منع الآلاف من المواطنين الخليجيين من السفر بين دول الخليج أو السفر إلى الخارج لذات الأسباب، كنتيجة طبيعة لغياب مفهوم المواطنة، ورسوخ مفهوم الرعوية التي تتصرف حكومات الخليج مع شعوبها على أساسه دون وجه حق وبدعم غربي استعماري مطلق!

لقد ظن كثير من الخليجيين بأن الغرب قد يساهم في تعزيز الحريات العامة في المنطقة، دون أن يدركوا بأن السبب وراء سجن عشرات الآلاف من الأبرياء بذريعة الاحتياط الأمني هو الاحتلال الأجنبي، الذي سيطرت قواعده العسكرية على المنطقة سيطرة كاملة بعد احتلال العراق، وبدل أن تستخدم الولايات المتحدة الأسلوب الاستعماري القديم في نفي المعارضين للجزر في البحار، اكتفت بقيام حكوماتهم بسجنهم دون تهمة ودون محاكمة ولسنوات طويلة، أو بفرض إقامة جبرية عليهم، أو بمنعهم من السفر والتنقل، حتى لا يكاد يوجد في الخليج عالم حر أو سياسي حر أو كاتب حر إلا وتعرض لشيء من ذلك في كل دول الخليج العربي!

 لقد كانوا جميعا ضحايا المشروع الاستعماري الأمريكي للمنطقة، والحكومات الخليجية ليست سوى واجهة لتنفيذ ما يمليه سفراء أمريكا في الخليج بما في ذلك انتهاك حقوق الإنسان، مقابل حماية مصالحها الإستراتيجية!

 ولعل أشد الأخطار التي يواجهها العرب في الخليج والجزيرة اليوم عجز دويلات الطوائف عن حماية المنطقة بقدراتها الذاتية، مع أن عدد سكانها يبلغ نحو ثلاثين مليون نسمة، ومع اليمن نحو خمسين مليون، ويعيشون على أغنى أرض في العالم كله!

 لقد فقدت المنطقة استقلالها وسيادتها بسبب ضعفها وتشرذمها، وبعد الحرب العالمية الثانية صار المشروع البريطاني الاستعماري للمنطقة غير قادر على الديمومة، وعاجزا عن خدمة مصالح الغرب الاستعمارية فجاءت أمريكا اليوم بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير لتبسط نفوذها على المنطقة بشكل مباشر مع استبقاء الحلفاء التقليديين الذين صنعهم الاستعمار البريطاني من قبل!

ومع تكريس وجود دويلات الطوائف العاجزة عن الدفاع عن نفسها وحماية شعوبها من جهة، ومنعها من الاتحاد والتحالف فيما بينها من جهة أخرى، سيبقى الاستعمار هو المؤثر الرئيس في إدارة شئون المنطقة كلها على نحو خطير على حساب الشعوب وحقوقها وحرياتها واستقلالها!

 وسيبقى خمسون مليون عربي من ذرية عدنان وقحطان - وهم بقية العرب في جزيرتهم مهبط الوحي ومهد العروبة -  (عبيد بلا أغلال) وهم يرون جزيرتهم العربية قد تحولت إلى أكبر قاعدة عسكرية للحملة الصليبية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها يحتلها العدو ويوظف شعوبها وثرواتها لخدمة جيوشه وتأمين الطرق لها وتقديم كل دعم لوجستي يسهل من خلاله شن حروبه الصليبية على العالم العربي والإسلامي كله! وإذا دويلاتهم شاءوا أم أبوا تتحول إلى عضو في حلف النيتو ولتعقد مؤتمرات الحلف المشبوهة على أرض جزيرتهم بعد أن كانت تخرج منها جيوش الفتح الإسلامي!

لقد جاءت الولايات المتحدة لا لتحرر المنطقة بل لتحتلها، وبشكل مباشر باسم الاتفاقيات الأمنية، والقوات المشتركة، وباسم الحلفاء الاستراتيجيين، وللحيلولة دون حدوث أي تغيير سياسي فيها لصالح الشعوب، حتى اعترف بوش الابن بأن الولايات المتحدة دعمت الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة مدة ستين سنة!

لقد بدأت رياح الثورة العربية المعاصرة تهب على العرب من المحيط إلى الخليج من أجل الحرية وحقوق الإنسان والحياة الكريمة، وستنجح الثورة في كل مكان، وستجد تعاطفا دوليا، إلا في الجزيرة والخليج العربي حيث ستمثل الثورة تهديدا مباشرا لا للحكومات الخليجية، بل للاحتلال الصليبي، الذي سيفرض ستارا حديدا، وطوقا على المنطقة كلها عسكريا وإعلاميا للقضاء على أي حركة إصلاح سياسي، وللحيلولة دون وصول إعصار الثورة والحرية، وسيتم إطلاق يد الأنظمة وبدعم أمريكي لتمارس كل أشكال القمع والإجرام ضد شعوبها، ولعل ما جرى في عمان والبحرين والسعودية والكويت والإمارات هو جزء يسير من المشهد - وهو ما جرى مثله تماما في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي على يد الاستعمار البريطاني كما سبق تفصيله - وقد جاء الإعلان عن ضم الأردن والمغرب لمجلس التعاون لاستكمال حلقات المؤامرة على شعب الخليج والجزيرة العربية، فالأنظمة تتهيأ للحرب على شعوبها التي تتطلع إلى الحرية وحقوق المواطنة والمشاركة ككل شعوب العالم في اختيار حكوماتها!  

إن أمام حكومات الخليج فرصة للمصالحة مع شعوبها والمبادرة للاستجابة لحقوقها المشروعة وتحقيق الإصلاح السياسي المنشود قبل أن تفوت الفرصة الأخيرة!

 كما إن شعب الخليج والجزيرة العربية يواجه اليوم تحد تاريخي هو الأخطر منذ سنة 1922م، وهو ما يجعل من الدعوة إلى الوحدة والحرية والاستقلال، وتحطيم قيود العبودية وكسر تلك الأغلال، الطريق نحو استعادة العرب في الخليج والجزيرة لهويتهم ودينهم ووحدتهم وشرفهم الذي فرطوا فيه بعد عقود من الذل والخنوع والإذلال، وعقود من الاحتلال لبلدانهم، وتمزيق أوطانهم، ومسخ أديانهم، وليس أمامهم اليوم إلا الثورة السلمية أو الطوفان!

اللهم {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} اللهم آمين ..



[1]  انظر كتاب (مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية) للدكتور اليوسف ص 35- 36 .

[2] السياسة السوفيتية في قوس الأزمة 24 .

[3] ولادة الشرق 632-633 .

[4] ولادة الشرق 643 .

[5] قصة السيطرة البريطانية 426 .

[6] تاريخ العلاقات بين الكويت ونجد 78 .

[7] تاريخ الكويت السياسي 2/216 .

[8] لوريمر دليل الخليج الجغرافي 4/1626 . 

[9] مذكرات هنري غلوب باشا 138 .

[10] سياسة الأمن لحكومة الهند 114 .    

[11] باختصار وتصرف نقلا عن كتاب (مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية) للدكتور اليوسف ص33 - 34 .

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages