وقد وردت أحاديث كثيرة كحديث حذيفة، تحدد ملامح الانحراف في الخطاب السياسي وتحوله من خلافة راشدة، ثم خلافة رحمة، إلى خلافة ملك عضوض، ثم إلى جبابرة وطواغيت ومن ذلك:
1- عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يستحل فيها الخمر والحرير)، وفي رواية (إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا وجبرية يستحل فيها الدم)، وفي رواية من حديث قتادة عن الخشني عنه (أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، ثم تصير جبرية وعبثا)، وفي رواية من حديث عبد الرحمن بن جبير عن أبي عبيدة مرفوعا (أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، وفيه رحمة، ثم جبروت تضرب فيها الرقاب، وتقطع فيها الأيدي والأرجل، وتؤخذ فيها الأموال).([19])
2- عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا وجبرية، ثم ملكا عضوضا يستحل فيه الحر والحرير).([20])
3- عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(إنه بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم كائن خلافة ورحمة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الحرير والخمور والفروج والفساد في الأرض).([21])
4- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال(إنها ستكون ملوك ثم جبابرة ثم الطواغيت).([22])
5- وعن كعب قال( أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم سلطان ورحمة، ثم ملك جبرية، فإذا كان ذلك فبطن الأرض يومئذ خير من ظهرها).([23])
ويظهر من مجموع هذه الأحاديث أنه تكون بعد النبوة ثلاث نظم سياسية:
أولا: خلافة رحمة على نهج النبوة، وهي التي تعبر عن مضامين الخطاب المنزل، وهي تنقسم إلى فترتين: خلافة نبوة، وهو عهد الخلفاء الراشدين، وخلافة رحمة، وهم الخلفاء من الصحابة بعد الخلفاء الراشدين، كما فصلته في (تحرير الإنسان).
ثانيا: خلافة مشوبة بملك فيه رحمة، وسلطان ورحمة، وملك أعفر مختلط، وهو الذي يمثل الخطاب المؤول، وهم الخلفاء الذين تتابعوا بعد عهد الصحابة من خلفاء بني أمية وبني العباس وبني عثمان، حيث يكون الأمر فيه بالمغالبة والقوة وهو خلافة الملك، مع العدل والصلاح والحكم بالشريعة والجهاد في سبيل الله، إلا أنه تختلط فيه السنة والبدعة، والمعروف والمنكر، وسلطان ورحمة، وملك أعفر، ويختلط فيه الخير والشر، والرحمة والشدة، والاستبداد والعدل، كما في الحديث الصحيح (تعرف منهم وتنكر)، ثم يزول هذا الأمر كلية.
ثالثا: ثم تزول الخلافة كلية ويخلفها جبرية وطاغوتية وعبث لا رحمة فيه، وجبابرة وطواغيت، يستحلون فيها كل المحرمات، وتضرب فيها الرقاب، وتسفك الدماء، وتقطع الأيدي والأرجل، وتؤخذ الأموال، ويستباح الخمر والربا والزنى، فلا خلافة، ولا جماعة واحدة، ولا شريعة حاكمة، ولا جهاد قائم، وهم الذين قال فيهم الحديث (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوها فيها)، وهم الذين أوجب الشارع على الأمة اعتزالهم!
وهو الواقع المعاصر الذي زالت فيه الخلافة الإسلامية كلية لأول مرة في تاريخ الأمة، بعد أن ساد المسلمون العالم مدة ثلاثة عشر قرنا بالخلافة والجماعة، فحدث ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بحذافيره، وحل محل ذلك خطاب سياسي مبدل، على يد الحملة الصليبية في الحرب العالمية الأولى، التي أقامت على أنقاض الخلافة دويلات الطوائف والفتنة، حيث تم تعطيل الشريعة الإسلامية كلية، وتم استباحة الربا والخمر والزنى، وقام فيها الطواغيت في عامة أمصار المسلمين، وتسلطت أنظمة حكم بدعم من الاستعمار الأجنبي بما لا عهد للأمة به في تاريخها كله، حتى تحول العالم العربي خاصة إلى سجن كبير لشعوبه، وحتى بلغ سجناء الرأي في بعض دوله في مدة واحدة مائة ألف سجين، وقام فيه دعاة للطواغيت من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، يدعون إلى أبواب جهنم!
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري (وقوله هم من جلدتنا أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا وفيه إشارة إلى أنهم من العرب ..وقوله (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام)، قال البيضاوي المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان..).
رابعا: ثم ستزول هذه الأنظمة، لتعود من جديد خلافة على نهج النبوة، وستعود وحدة الأمة من جديد، وتعود أحكام الشريعة من جديد بالعدل والقسط والرحمة والعلم، وتعود للأمة حريتها وخلافتها في الأرض من جديد،كما بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكما تشهد به إرهاصات الواقع المعاصر،وما ذلك على الله بعزيز، إلا إن الإصلاح لن يحدث فجأة، كما أن الانحراف لم يحدث فجأة، بل على مراحل كما هي سنن الله التي لا تتخلف، وكما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء)، وكما في الحديث الآخر عن معقل بن يسار رضي الله عنه مرفوعا(لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره).([24])
فمن ظن أن كل سلطة هي سلطة شرعية مهما كانت طبيعة النظام السياسي، وأن كل ذي سلطان مهما كان حاله يجب طاعته، فقد خالف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، بل إن أهل السنة والجماعة لا يعترفون بأي نظام حكم إلا بالخلافة على أصولها، كما جاء في الحديث الصحيح (من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)!
وفي الصحيح (يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول)..
وفي الحديث الأخر الصحيح (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما)..
فأهل السنة والجماعة وهم عامة الأمة، يرون الخلافة الواحدة هي النظام الشرعي الوحيد في الإسلام، ولا يعترفون بتعدد الأئمة، ولا بافتراق الأمة، فإذا كانت الأمة جماعة واحدة على إمام واحد، يحكم بينهم بما أنزل الله، فهذا الذي تجب طاعته بالمعروف، فإن كان زمن فتنة وفرقة، ولا خلافة ولا جماعة، كما هو حال الأمة اليوم، فلا بيعة تلزم الأمة لواحد من المختلفين، فقد سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، فقال: (أتدري من ذاك، ذاك الذي يقول المسلمون كلهم هذا هو الإمام)!
وفي رواية أخرى قال أحمد (تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا إمام فهذا معناه).([25])
واحتج بفعل ابن عمر نفسه، راوي هذا الحديث، فإنه كان يقول: (لا أبذل بيعتي في فرقة، ولا أمنعها في جماعة)، وعن سعيد بن حرب العبدي قال:(كنت جليسا لعبد الله بن عمر في المسجد الحرام، زمن ابن الزبير، وفي طاعة ابن الزبير رؤوس الخوارج نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود، ونجدة، فبعثوا شابا إلى عبد الله بن عمر يسأله: ما يمنعك أن تبايع لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين؟ فرأيته حين مد يده وهي ترجف من الضعف فقال: والله ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة).([26])
وسأله عبد الله بن صفوان (يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تبايع أمير المؤمنين يعني ابن الزبير؟ فقد بايع له أهل العروض، وأهل العراق، وعامة أهل الشام؟ فقال: والله لا أبايعكم وأنتم واضعوا سيوفكم على عواتقكم تصبب أيديكم من دماء المسلمين).([27])
وهذا مذهب محمد بن علي رضي الله عنه المشهور بابن الحنفية، فقد أراد منه ابن الزبير البيعة فأبى، وأراد منه عبد الملك البيعة فرد عليه برسالة(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي إلى عبد الملك بن مروان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد عرفت رأيي في هذا الأمر قديما، وإني لست أسفهه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمة علي إلا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدا، ولاعتزلتهم حتى يجتمعوا، نزلت مكة فرارا مما كان بالمدينة فجاورت ابن الزبير وأراد مني أن أبايعه فأبيت ذلك حتى يجتمع الناس عليك أو عليه، ثم أدخل فيما دخل فيه الناس فأكون كرجل منهم).([28])
فإذا كان ابن عمر ومحمد بن الحنفية وأحمد بن حنبل لا يرون البيعة ولا السمع والطاعة حال افتراق الأمة على رجلين في الحجاز والشام، فكيف بهذا العصر الذي هو عصر الشر المحض والدعاة إلى أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، وهو الذي لا جماعة فيه ولا خلافة عامة، بل فرقة عامة وتشرذم ودويلات طوائف وملوك وجبابرة وطواغيت، لكل دولة دعاة يدعون لطاعة طاغوتها، ولها خطاب يخالف خطاب القرآن والسنة، وما كان عليها الخلفاء الراشدون، بل وما كان عليه الخلفاء المسلمون حتى في عصر المحدثات، حيث تغيب اليوم الخلافة تماما، وتتعطل أحكام الشريعة، وتستحل فيه المحرمات والموبقات وتسفك الدماء ظلما وعدوانا وطغيانا، وهو هذا الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم منذ سقوطها تحت جحافل الاستعمار الغربي في الحرب العالمية الأولى، تلك الحملة التي فرضت على الأمة واقعاً سياسياً واقتصاديا وتشريعيا وثقافيا وعسكريا يصطدم بأصول دينها وأحكام شريعتها، فأسقطت خلافتها، وفرقت وحدتها، وأقصت شريعتها، وعطلت قدرتها وقوتها، وأقامت بدلا من ذلك دويلات قطرية وحددت حدودها وفق مصالحها الصليبية الاستعمارية في العالم الإسلامي، وهو ما لم يحدث في تاريخ الأمة كله مدة ثلاثة عشر قرنا، فتحولت تلك الدويلات القطرية إلى كيانات هشة ضعيفة متخلفة وقواعد عسكرية للدول الاستعمارية والقوى الدولية!
كما فرضت تلك الحملة الاستعمارية الصليبية على الأمة القوانين والتشريعات الوضعية الغربية الفرنسية والبريطانية والسويسرية حتى غدت المصدر التشريعي الرئيسي في عامة أقطارها ولم يعد التحاكم للشريعة وللكتاب والسنة قائما بل ولا مسموحا به إلا هامشيا!
وتم استباحة الربا الصريح بكل صوره حتى شاعت مؤسساته في كل قطر وصار الاقتصاد فيها قائما عليه حتى تحولت أكثر بلدان العالم الإسلامي والعربي خاصة إلى أكبر مدين للدول الغربية الصليبية التي تتحكم بأسواقها ومنتجاتها وقراراتها الاقتصادية وأصبح العالم العربي كله يعيش حالة من التبعية للغرب والتخلف الاقتصادي والتنموي والمعرفي.
كما تم فرض ثقافة غربية صليبية تحرم على الأمة حقها في الجهاد في سبيل الله والدفاع عن أرضها ودينها وحقوقها وثرواتها بذريعة مكافحة الإرهاب - في الوقت الذي تشن أمريكا وأوربا الحروب الصليبية على الأمة - حتى وصل الأمر إلى كافة المنابر الثقافية والإعلامية والمناهج التعليمية، فتشكلت ثقافة دينية وسياسية ممسوخة ترسخ وجود الاحتلال، وتكرسه باسم الإسلام تارة، وباسم المصلحة الوطنية تارة أخرى!
كما فُرض على الأمة حصار معرفي صناعي وتقني وربطت تلك الأقطار والدويلات بمعاهدات عسكرية بالدول الصليبية تحول دون قدرتها على الدفاع عن نفسها والاستقلال بقرارها وسيادتها، حتى تحولت إلى أكبر قاعدة عسكرية للجيوش الغربية الصليبية الاستعمارية تنطلق منها لشن حروبها على شعوب العالم الإسلامي، وإذا الأمر يصل حد موالاتهم والقتال معهم لترسيخ شوكتهم وهو باب ردة جامحة كما قال تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} بينما اشترط في الولاية الشرعية على المؤمنين أن تكون منا {وأولي الأمر منكم}!
ومع هذا كله فما من بلد من هذه البلدان وهذه الفرق - التي افترقت عن الخلافة وفارقت الإسلام والكتاب والسنة وهدي الخلفاء الراشدين على اختلاف مستويات هذا الافتراق - إلا ولها دعاة ضلالة على أبواب جهنم يدعون الأمة إلى طاعة أنظمتها وطغاتها، ويعظمون أمرهم ويوجبون طاعتهم ومولاتهم باسم الإسلام والسنة وسلف الأمة! ويزينون باطلهم حتى صار المنكر معروفا والمعروف منكرا وصارت طاعة الطواغيت - الذين يعطلون حكم الله ويحاربون الله ورسوله والمؤمنين - من طاعة الله ورسوله!
هذا مع أن القرآن قد أمر المؤمنين بالكفر بهم كما قال تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}!
وحذر من اتباعهم وطاعتهم فقال {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}!
وأمر بجهادهم والتصدي لهم فقال {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان}!
وقد بين القرآن معنى الطاغوت الذي جاءت الرسل كلها للتحذير منه كما قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}..
فبين القرآن أن الطاغوت ثلاثة أنواع إما:
1 ـ طاغوت العبادة {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها}.
2ـ أو طاغوت الحكم والتحاكم {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} وهو يصدق على كل من يحكم بغير حكم الله ورسوله كأكثر الحكومات العربية اليوم!
3 ـ أو طاغوت الاتباع والتولي والطاعة {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}!
وقد أخبر القرآن بأن الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت سواء منهم من يقاتل في سبيل طاغوت العبادة، أو في سبيل طاغوت الولاية والطاعة والاتباع، أو في سبيل طاغوت الحاكمية، سواء بيده أو لسانه وقلمه وفتواه!
وقد أمر القرآن بجهاد كل هؤلاء بكل أنواع الجهاد وصوره فقال تعالى {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان}!
وهذه الآيات تصدق على الذين افتتنوا في تعظيم الطغاة وتعظيم أمرهم والدعوة إلى وجوب طاعتهم - مهما خرجوا عن طاعة الله ورسوله ومهما اختلفت طبيعة أنظمتهم وحكوماتهم - بدعوى أنهم ولاة أمر!
وقد وصل بهم الحال وتطورت بهم الأحوال حتى زعموا أن ما يدعون إليه من طاعة الطاغوت وموالاته ونصرته بل ومحبته والتحاكم إليه هو السنة وما كان عليه سلف الأمة! وأن من يدعو إلى العودة إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة والعودة إلى سنن الخلفاء الراشدين وهديهم في باب الإمامة وسياسة الأمة بالعدل والقسط خوارج وحرورية..الخ!
وأخذوا ينزلون كلام الأئمة وسلف الأمة في خلفاء المسلمين من بني أمية وبني العباس وبني عثمان - حيث الخلافة قائمة والشريعة حاكمة والجهاد ماض - على طواغيت دويلات الطوائف الصليبية التي أقامها الاستعمار في المنطقة على أنقاض الخلافة العثمانية، وعلى حكوماته العميلة له على اختلاف أشكالها وصورها وكفرها من شيوعية واشتراكية وإباحية وشهوانية ومادية ممن قال الله فيهم {اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا}!
ولا يفرقون بين من قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (أمراء يهتدون بغير هدي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر) - وهو الخير الذي فيه دخن حيث وجود الخلافة عاصم للأمة من الفتنة العامة - ومن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) وهو زمن الفتنة العامة والشر المحض حيث لا خلافة قائمة ولا أمة واحدة وإنما فرق شتى أمر الشارع باعتزالها فقال (فاعتزل تلك الفرق كلها)!
فجعلوا جميع الرؤساء المجرمين، والطغاة الملحدين، كالخلفاء المسلمين في وجوب موالاتهم وطاعتهم والرضا بحكمهم ونصرتهم وتثبيت أمرهم والقتال معهم..الخ مهما خالفوا وغيروا وبدلوا!
فجمعوا بين من فرق الله ورسوله بينهم في الأسماء والأحكام، وعطلوا فيهم ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمة الإسلام!
والمقصود مما سبق بيان ما يلي:
1- أن للولاية الشرعية شروطها، وهي أن تكون خلافة واحدة، فإذا افترقت الأمة فهو زمن فتنة فلا تجب فيه بيعة أحد، ولا تلزم المسلمين بيعة أحد حتى يجتمعوا، كما هو قول أئمة أهل السنة ومنهم أحمد بن حنبل، كما يشترط لها أن تكون عن شورى ورضا، فلا شرعية مع الإكراه والقوة كما قال مالك، والشرط الثالث أن يكون الخليفة عدلا لم يشتهر بجور ولا فجور، فالولاية التي توفرت فيها هذه الشروط فهي الولاية الشرعية التي أجمع عليها الصحابة والأئمة وسلف الأمة، وهي التي طاعتها من طاعة الله ورسوله، وهي التي تلزم لها البيعة في عنق كل مسلم حال وجودها.
2- وأن كلام الصحابة وسلف الأمة وأئمة أهل السنة في الصبر على جور الأئمة والسمع والطاعة لهم، إنما يقصدون به الصبر على الخلفاء المسلمين - في ظل خلافة الإسلام، الذين يحكمون بالشريعة ويحمون البيضة - مراعاة للمصالح الكلية، فلا يقصدون الصبر على كل سلطان وإن كان كافرا أو مرتدا أو زنديقا أو سفيها يوليه العدو الصليبي الحكم ويقوم بحمايته، ولا يقصدون كل دولة وإن كانت قومية أو وطنية، ولا يقصدون كل نظام سياسي غير الخلافة، سواء كان شيوعيا أو بعثيا أو اشتراكيا أو ليبراليا أو شهوانيا!
فمن ظن ذلك في الصحابة وسلف الأمة وأئمة أهل السنة وأنهم يقصدون السمع والطاعة لمثل هذه الأنظمة الطاغوتية فهو لم يعرف الإسلام والسنة وما كان عليه سلف الأمة!
وكيف يتصور ذلك والقرآن يدعو إلى الكفر بهم والبراءة منهم {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}!
3- ولا يوجد اليوم إمامة وولاية شرعية إسلامية في ظل غياب الخلافة، ولا بيعة شرعية عامة تلزم الأمة في ظل الافتراق، ولا سمع ولا طاعة شرعية للحكومات الموجودة اليوم، لعدم وجود الخلافة الواحدة والأمة الواحدة، كما هو قول أئمة أهل السنة قديما وحديثا، وكما أفتى بذلك الشيخ الألباني من المعاصرين كما نقلته عنه في (تحرير الإنسان ص 203) حيث سئل عن البيعة للحكومات الحالية فقال (من قال لك أنه فيه بيعة اليوم؟ البيعة لا تكون إلا للخليفة الذي يبايعه المسلمون جميعا)! وسئل عن تعدد الحكومات والأمراء فقال (لا يجوز لا يجوز)!
وإنما الولاية لهذه الحكومات إما ولاية قهرية جبرية اضطرارية بحكم الأمر الواقع، وهذا حال الحكومات العربية، أو ولاية تعاقدية اختيارية دستورية، ولكل أحكامها في فقه النوازل!
4- وأن للأمة ولشعوبها في هذا الدول الثورة على هذه الحكومات القهرية الجبرية غير الشرعية وتغييرها ولو بالقوة فضلا عن الثورة السلمية التي تحقق المطلوب بأقل التضحيات، ولا يشترط أن لا يخرج الناس عليها إلا من أجل الدين، بل لكل إنسان أن يشارك في الثورة للدفاع دون أي حق أو مظلمة له، وإن كان خروجه لأجل الدين أعلاها وأشرفها..
5- وأن كل من خرج عليها بشكل سلمي يدعو للإصلاح ورفع الظلم فقتلته فهو شهيد، وكل من رد عدوانها وقاتلها فقتل فهو شهيد.
وأما كيف يكون التعامل مع هذه الحكومات غير الشرعية في حال العجز عن تغييرها، أو في حال استبدالها بما هو أخف شرا وضررا منها، فهذا ما فصلت فيه القول في كتابي (تحرير الإنسان)، وفي كتابي (نحو وعي سياسي راشد)، وكتابي (الفرقان)، وغيرها من الدراسات، وكلها في موقعي وفي موقع مجلة مؤتمر الأمة، والله الهادي إلى سواء السبيل..
([1]) مصنف ابن أبي شيبة 7/559 بإسناد صحيح .
|